Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:43–45
5:43Page 115
وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣
But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.
﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] . والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْجِيبِ، ومَحَلُّ العَجَبِ مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أيْ مِنَ العَجِيبِ أنَّهم يَتْرُكُونَ كِتابَهم ويُحَكِّمُونَكَ وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِكَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ حُكْمِكَ إذا لَمْ يُرْضِهِمْ. فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”مِن بَعْدِ ذَلِكَ“ إلى الحُكْمِ المُسْتَفادِ مِن ”يُحَكِّمُونَكَ“ أيْ جَمَعُوا عَدَمَ الرِّضا بِشَرْعِهِمْ وبِحُكْمِكَ. وهَذِهِ غايَةُ التَّعَنُّتِ المُسْتَوْجِبَةُ لِلْعَجَبِ في كِلْتا الحالَتَيْنِ، كَما وصَفَ اللَّهُ حالَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] . ويُحْتَمَلُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيٌّ، أيْ هم لا يُحَكِّمُونَكَ حَقًّا. ومَحَلُّ الإنْكارِ هو أصْلُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِن كَوْنِ فاعِلِهِ جادًّا، أيْ لا يَكُونُ تَحْكِيمُهم صادِقًا بَلْ هو تَحْكِيمٌ صُورِيٌّ يَبْتَغُونَ بِهِ ما يُوافِقُ أهْواءَهم، لِأنَّ لَدَيْهِمُ التَّوْراةَ فِيها حُكْمُ ما حَكَّمُوكَ فِيهِ، وهو حُكْمُ اللَّهِ، وقَدْ نَبَذُوها لِعَدَمِ مُوافَقَتِها أهْواءَهم، ولِذَلِكَ قَدَّرُوا نَبْذَ حُكُومَتِكَ إنْ لَمْ تُوافِقْ هَواهم، فَما هم بِمُحَكِّمِينَ حَقِيقَةً. فَيَكُونُ فِعْلُ يُحَكِّمُونَكَ مُسْتَعْمَلًا في التَّظاهُرِ بِمَعْنى الفِعْلِ دُونَ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ [التوبة: ٦٤] الآيَةَ. ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”مِن بَعْدِ ذَلِكَ“ إلى مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ، وهو التَّحْكِيمُ، وكَوْنُ التَّوْراةِ عِنْدَهم،
صفحة ٢٠٧
أيْ يَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ في حالِ ظُهُورِ الحُجَّةِ الواضِحَةِ، وهي مُوافَقَةُ حُكُومَتِكَ لِحُكْمِ التَّوْراةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في يُحَكِّمُونَكَ. ونَفِيُ الإيمانِ عَنْهم مَعَ حَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم ما آمَنُوا بِالتَّوْراةِ ولا بِالإسْلامِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَحْكِيمُهم صادِقًا.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى التَّوْراةِ، فَتَأْنِيثُهُ مُراعاةٌ لِاسْمِ التَّوْراةِ وإنْ كانَ مُسَمّاها كِتابًا ولَكِنْ لِأنَّ صِيغَةَ ”فَعْلاةٍ“ مَعْرُوفَةٌ في الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ مِثْلَ مَوْماةٍ. وتَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ كِتابِهِمْ تَوْراةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
5:44Page 115
إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤
Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.
﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ .
لَمّا وصَفَ التَّوْراةَ بِأنَّ فِيها حُكْمَ اللَّهِ اسْتَأْنَفَ ثَناءً عَلَيْها وعَلى الحاكِمِينَ بِها. ووَصَفَها بِالنُّزُولِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّها وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، فاسْتُعِيرَ النُّزُولُ لِبُلُوغِ الوَحْيِ لِأنَّهُ بُلُوغُ شَيْءٍ مِن لَدُنْ عَظِيمٍ، والعَظِيمُ يُتَخَيَّلُ عالِيًا، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والنُّورُ اسْتِعارَةٌ لِلْبَيانِ والحَقِّ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الهُدى، فَأحْكامُها هادِيَةٌ وواضِحَةٌ، والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، والهُدى والنُّورُ دَلائِلُهُما. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ النُّورَ هُنا مُسْتَعارًا لِلْإيمانِ والحِكْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]،
صفحة ٢٠٨
فَيَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهُدى عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فالنُّورُ أعَمُّ، والعَطْفُ لِأجْلِ تِلْكَ المُغايَرَةِ بِالعُمُومِ.
والمُرادُ بِالنَّبِيِّينَ: فَيَجُوزُ أنَّهم أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، مُوسى والأنْبِياءُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِ. فالمُرادُ بِالَّذِينَ أسْلَمُوا الَّذِينَ كانَ شَرْعُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ كَشَرْعِ الإسْلامِ سَواءً، لِأنَّهم كانُوا مَخْصُوصِينَ بِأحْكامٍ غَيْرِ أحْكامِ عُمُومِ أُمَّتِهِمْ بَلْ هي مُماثِلَةٌ لِلْإسْلامِ، وهي الحَنِيفِيَّةُ الحَقُّ، إذْ لا شَكَّ أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا عَلى أكْمَلِ حالٍ مِنَ العِبادَةِ والمُعامَلَةِ، ألا تَرى أنَّ الخَمْرَ ما كانَتْ مُحَرَّمَةً في شَرِيعَةٍ قَبْلَ الإسْلامِ ومَعَ ذَلِكَ ما شَرِبَها الأنْبِياءُ قَطُّ، بَلْ حَرَّمَتْها التَّوْراةُ عَلى كاهِنِ بَنِي إسْرائِيلَ فَما ظَنُّكَ بِالنَّبِيءِ. ولَعَلَّ هَذا هو المُرادُ مِن وصِيَّةِ إبْراهِيمَ لِبَنِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ. وقَدْ قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ في دُعائِهِ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] . والمَقْصُودُ مِنَ الوَصْفِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ أسْلَمُوا عَلى هَذا الوَجْهِ الإشارَةُ إلى شَرَفِ الإسْلامِ وفَضْلِهِ إذْ كانَ دِينَ الأنْبِياءِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنَّبِيئِينَ مُحَمَّدٌ ﷺ وعُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ هادُوا لِلْأجَلِ ولَيْسَتْ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَحْكُمُ) إذِ الحُكْمُ في الحَقِيقَةِ لَهم وعَلَيْهِمْ. والَّذِينَ هادُوا هُمُ اليَهُودُ، وهو اسْمٌ يُرادِفُ مَعْنى الإسْرائِيلِيِّينَ، إلّا أنَّ أصْلَهُ يَخْتَصُّ بِبَنِي يَهُوذا مِنهم، فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مِن بَعْدُ، كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّبّانِيُّونَ جَمْعُ رَبّانِيٍّ، وهو العالِمُ المَنسُوبُ إلى الرَّبِّ، أيْ إلى اللَّهِ تَعالى. فَعَلى هَذا يَكُونُ الرَّبّانِيُّ نَسَبًا لِلرَّبِّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كَما قالُوا: شَعْرانِيٌّ لِكَثِيرِ الشَّعْرِ، ولِحْيانِيٌّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ. وقِيلَ: الرَّبّانِيُّ العالِمُ المُرَبِّي، وهو الَّذِي يَبْتَدِئُ
صفحة ٢٠٩
النّاسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ. ووَقَعَ هَذا التَّفْسِيرُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والأحْبارُ جَمْعُ حَبْرٍ، وهو العالِمُ في المِلَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، وهو بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها، لَكِنِ اقْتَصَرَ المُتَأخِّرُونَ عَلى الفَتْحِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِ المِدادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ. وعُطِفَ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَلى ”النَّبِيئُونَ“ لِأنَّهم ورَثَةُ عِلْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ تَلَقَّوُا الدِّينَ.
والِاسْتِحْفاظُ: الِاسْتِئْمانُ، واسْتِحْفاظُ الكِتابِ أمانَةُ فَهْمِهِ حَقَّ الفَهْمِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُهُ. اسْتُعِيرَ الِاسْتِحْفاظُ الَّذِي هو طَلَبُ الحِفْظِ لِمَعْنى الأمْرِ بِإجادَةِ الفَهْمِ والتَّبْلِيغِ لِلْأُمَّةِ عَلى ما هو عَلَيْهِ.
فالباءُ في قَوْلِهِ: بِما اسْتُحْفِظُوا، لِلْمُلابَسَةِ، أيْ حُكْمًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ مُتَّصِلًا بِهِ غَيْرَ مُبَدَّلٍ ولا مُغَيَّرٍ ولا مُؤَوَّلٍ تَأْوِيلًا لِأجْلِ الهَوى. ويَدْخُلُ في الِاسْتِحْفاظِ بِالكِتابِ الأمْرُ بِحِفْظِ ألْفاظِهِ مِنَ التَّغْيِيرِ والكِتْمانِ. ومِن لَطائِفِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادَ ما حَكاهُ عِياضٌ في المَدارِكِ، عَنْ أبِي الحَسَنِ بْنِ المُنْتابِ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ إسْماعِيلَ يَوْمًا فَسُئِلَ: لِمَ جازَ التَّبْدِيلُ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ ولَمْ يَجُزْ عَلى أهْلِ القُرْآنِ، فَقالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في أهْلِ التَّوْراةِ ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ فَوَكَلَ الحِفْظَ إلَيْهِمْ. وقالَ في القُرْآنِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . فَتَعَهَّدَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ فَلَمْ يَجُزِ التَّبْدِيلُ عَلى أهْلِ القُرْآنِ. قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْمُحامِلِيِّ، فَقالَ: لا أحْسَنَ مِن هَذا الكَلامِ.
و(مِن) مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (ما) في قَوْلِهِ: بِما اسْتُحْفِظُوا. وكِتابُ اللَّهِ هو التَّوْراةُ، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، لِيَتَأتّى التَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ المُفِيدَةِ لِتَشْرِيفِ التَّوْراةِ وتَمْجِيدِها بِإضافَتِها إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى.
وضَمِيرُ ”وكانُوا“ لِلنَّبِيئِينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ، أيْ وكانَ المَذْكُورُونَ شُهَداءَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، أيْ شُهَداءَ عَلى حِفْظِهِ مِنَ التَّبْدِيلِ، فَحَرْفُ (عَلى) هُنا دالٌّ عَلى مَعْنى التَّمَكُّنِ ولَيْسَ هو (عَلى) الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ ”شَهِدَ“، إلى المَحْقُوقِ كَما يَتَعَدّى
صفحة ٢١٠
ذَلِكَ الفِعْلُ بِاللّامِ إلى المَشْهُودِ لَهُ، أيِ المُحِقِّ، بَلْ هو هُنا مِثْلُ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ ”حَفِظَ ورَقَبَ“ ونَحْوُهُما، أيْ وكانُوا حَفَظَةً عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُرّاسًا لَهُ مِن سُوءِ الفَهْمِ وسُوءِ التَّأْوِيلِ ويَحْمِلُونَ أتْباعَهُ عَلى حَقِّ فَهْمِهِ وحَقِّ العَمَلِ بِهِ.
ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ المُتَفَرِّعَةِ بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ إذِ الحَفِيظُ عَلى الشَّيْءِ الأمِينُ حَقُّ الأمانَةِ لا يَخْشى أحَدًا في القِيامِ بِوَجْهِ أمانَتِهِ ولَكِنَّهُ يَخْشى الَّذِي اسْتَأْمَنَهُ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ لِيَهُودِ زَمانَ نُزُولِ الآيَةِ، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَمّا حُكِيَ عَنْ فِعْلِ سَلَفِ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ لِيَكُونُوا قُدْوَةً لِخَلَفِهِمْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُعْتَرِضَةٌ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيئِينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ فَهي عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قُلْنا لَهم: فَلا تَخْشَوُا النّاسَ. والتَّفْرِيعُ ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾، لِأنَّ تَمامَ الِاسْتِحْفاظِ يَظْهَرُ في عَدَمِ المُبالاةِ بِالنّاسِ رَضُوا أمْ سَخِطُوا، وفي قَصْرِ الِاعْتِدادِ عَلى رِضا اللَّهِ تَعالى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾، لِأنَّ مَعْنى خَشْيَةِ النّاسِ هُنا أنْ تُخالَفَ أحْكامُ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ أوْ غَيْرِها مَن كُتُبِ اللَّهِ لِإرْضاءِ أهْوِيَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا عُقِّبَتْ بِهِ تِلْكَ العِظاتُ الجَلِيلَةُ. وعَلى الوَجْهَيْنِ فالمَقْصُودُ اليَهُودُ وتَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِن مِثْلِ صُنْعِهِمْ.
و(مَن) المَوْصُولَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها الفَرِيقَ الخاصَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وهُمُ الَّذِينَ أخْفَوْا بَعْضَ أحْكامِ التَّوْراةِ مِثْلَ حُكْمِ الرَّجْمِ؛ فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم كافِرُونَ بِما جَحَدُوا مِن شَرِيعَتِهِمُ المَعْلُومَةِ عِنْدَهم. والمَعْنى أنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِالكُفْرِ مِن قَبْلُ. فَإذا لَمْ يَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَذَلِكَ مِن آثارِ كُفْرِهِمُ السّابِقِ.
صفحة ٢١١
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها الجِنْسَ وتَكُونَ الصِّلَةُ إيماءً إلى تَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ فَتَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن لا يَحْكُمُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ يَكْفُرُ. وقَدِ اقْتَضى هَذا قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما كَوْنُ الَّذِي يَتْرُكُ الحُكْمَ بِما تَضَمَّنَتْهُ التَّوْراةُ مِمّا أوْحاهُ اللَّهُ إلى مُوسى كافِرًا، أوْ تارِكُ الحُكْمِ بِكُلِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى الرُّسُلِ كافِرًا. والثّانِيَةُ قَصْرُ وصْفِ الكُفْرِ عَلى تارِكِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. فَأمّا القَضِيَّةُ الأُولى: فالَّذِينَ يُكَفِّرُونَ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ يَأْخُذُونَ بِظاهِرِ هَذا، لِأنَّ الجَوْرَ في الحُكْمِ كَبِيرَةٌ والكَبِيرَةُ كُفْرٌ عِنْدَهم، وعَبَّرُوا عَنْهُ بِكُفْرِ نِعْمَةٍ يُشارِكُهُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الكَبائِرِ، وهَذا مَذْهَبٌ باطِلٌ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وأمّا جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ وهم أهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم فَهي عِنْدَهم قَضِيَّةٌ مُجْمَلَةٌ، لِأنَّ تَرْكَ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ يَقَعُ عَلى أحْوالٍ كَثِيرَةٍ؛ فَبَيانُ إجْمالِهِ بِالأدِلَّةِ الكَثِيرَةِ القاضِيَةِ بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ، ومَساقُ الآيَةِ يُبَيِّنُ إجْمالَها. ولِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: المُرادُ بِمَن لَمْ يَحْكم هُنا خُصُوصُ اليَهُودِ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ ورَواهُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ (مَن) مَوْصُولَةً، وهي بِمَعْنى لامِ العَهْدِ. والمَعْنى عَلَيْهِ: ومَن تَرَكَ الحُكْمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَرْكًا مِثْلَ هَذا التَّرْكِ، وهو تَرْكُ الحُكْمِ المَشُوبُ بِالطَّعْنِ في صَلاحِيَّتِهِ. وقَدْ عُرِفَ اليَهُودُ بِكَثْرَةِ مُخالَفَةِ حُكّامِهِمْ لِأحْكامِ كِتابِهِمْ بِناءً عَلى تَغْيِيرِهِمْ إيّاها بِاعْتِقادِ عَدَمِ مُناسَبَتِها لِأحْوالِهِمْ كَما فَعَلُوا في حَدِّ الزِّنى؛ فَيَكُونُ القَصْرُ ادِّعائِيًّا وهو المُناسِبُ لِسَبَبِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي كانَتْ هَذِهِ ذَيْلًا لَها؛ فَيَكُونُ المَوْصُولُ لِتَعْرِيفِ أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ ولَيْسَ مُعَلِّلًا لِلْخَبَرِ. وزِيدَتِ الفاءُ في خَبَرِهِ لِمُشابَهَتِهِ بِالشَّرْطِ في لُزُومِ خَبَرِهِ لَهُ، أيْ أنَّ الَّذِينَ عُرِفُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الَّذِينَ إنْ سَألْتَ عَنِ الكافِرِينَ فَهم هم لِأنَّهم كَفَرُوا وأساءُوا الصُّنْعَ.
وقالَ جَماعَةٌ: المُرادُ مِن ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَن تَرَكَ الحُكْمَ بِهِ جَحْدًا لَهُ، أوِ اسْتِخْفافًا بِهِ، أوْ طَعْنًا في حَقِّيَّتِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ كَوْنِهِ حُكْمَ اللَّهِ بِتَواتُرٍ أوْ سَماعِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ، سَمِعَهُ المُكَلَّفُ بِنَفْسِهِ. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ
صفحة ٢١٢
عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، فَـ (مَن) شَرْطِيَّةٌ وتَرْكُ الحُكْمِ مُجْمَلٌ، بَيانُهُ في أدِلَّةٍ أُخَرَ. وتَحْتَ هَذا حالَةٌ أُخْرى، وهي التِزامُ أنْ لا يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في نَفْسِهِ كَفِعْلِ المُسْلِمِ الَّذِي تُقامُ في أرْضِهِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ فَيَدْخُلُ تَحْتَ مَحاكِمَ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ بِاخْتِيارِهِ فَإنَّ ذَلِكَ الِالتِزامَ أشَدُّ مِنَ المُخالَفَةِ في الجُزْئِيّاتِ، ولا سِيَّما إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ لِجَلْبِ مَنفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ. وأعْظَمُ مِنهُ إلْزامُ النّاسِ بِالحُكْمِ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن وُلاةِ الأُمُورِ، وهو مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ، وبَعْضُها قَدْ يَلْزَمُهُ لازِمُ الرِّدَّةِ إنْ دَلَّ عَلى اسْتِخْفافٍ أوْ تَخْطِئَةٍ لِحُكْمِ اللَّهِ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى التَّأْوِيلِ في مَعْنى الكُفْرِ؛ فَقِيلَ عُبِّرَ بِالكُفْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ، كَما قالَتْ زَوْجَةُ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ: أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ، أيِ الزِّنى، أيْ قَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضاهِي أفْعالَ الكُفّارِ ولا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ طاوُسٌ هو كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ ولَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الإيمانِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي لا يَحْكُمُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأجْلِ الهَوى، ولَيْسَ ذَلِكَ بِكُفْرٍ ولَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وقَدْ يَفْعَلُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَرَهُ قاطِعًا في دَلالَتِهِ عَلى الحُكْمِ، كَما تَرَكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ الأخْذَ بِظَواهِرِ القُرْآنِ عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ وحَكَمُوا بِمُقْتَضى تَأْوِيلِها وهَذا كَثِيرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها في شَأْنِ الحاكِمِينَ. وأمّا رِضا المُتَحاكِمِينَ بِحُكْمِ اللَّهِ فَقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآيَةَ. وبَيَّنّا وُجُوهَهُ، وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] في سُورَةِ النُّورِ.
وأمّا القَضِيَّةُ الثّانِيَةُ فالمَقْصُودُ بِالقَصْرِ هُنا المُبالَغَةُ في الوَصْفِ بِهَذا الإثْمِ العَظِيمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ مَجازًا بِالكُفْرِ، أوْ في بُلُوغِهِمْ أقْصى دَرَجاتِ الكُفْرِ، وهو الكُفْرُ الَّذِي انْضَمَّ إلَيْهِ الجَوْرُ وتَبْدِيلُ الأحْكامِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِالصِّلَةِ هُنا أوْ بِفِعْلِ الشَّرْطِ إذْ وقَعا مَنفِيَّيْنِ هو الِاتِّصافُ بِنَقِيضِهِما، أيْ ومَن حَكَمَ
صفحة ٢١٣
بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. وهَذا تَأْوِيلٌ ثالِثٌ في الآيَةِ، لِأنَّ الَّذِي لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا حَكَمَ بِغَيْرِهِ، بِأنْ تَرَكَ الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ، أوْ دَعا إلى الصُّلْحِ، لا تَخْتَلِفُ الأُمَّةُ في أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ ولا آثِمٍ، وإلّا لَلَزِمَ كُفْرُ كُلِّ حاكِمٍ في حالِ عَدَمِ مُباشَرَتِهِ لِلْحُكْمِ، وكُفْرُ كُلِّ مَن لَيْسَ بِحاكِمٍ. فالمَعْنى: ومَن حَكَمَ فَلَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
5:45Page 115
وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥
And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذْنَ بِالأُذْنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهْوَ كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .
عُطِفَتْ جُمْلَةُ ”كَتَبْنا“ عَلى جُمْلَةِ ”أنْزَلْنا التَّوْراةَ“ . ومُناسَبَةُ عَطْفِ هَذا الحُكْمِ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّهم غَيَّرُوا أحْكامَ القِصاصِ كَما غَيَّرُوا أحْكامَ حَدِّ الزِّنى، فَفاضَلُوا بَيْنَ القَتْلى والجَرْحى، كَما سَيَأْتِي، فَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، كَما ذَيَّلَ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى تَغْيِيرِ حُكْمِ حَدِّ الزِّنى بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
والكَتْبُ هُنا مَجازٌ في التَّشْرِيعِ والفَرْضِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (عَلى) أيْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها، أيْ في التَّوْراةِ مَضْمُونَ ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وهَذا الحُكْمُ مَسْطُورٌ في التَّوْراةِ أيْضًا، كَما اقْتَضَتْ تَعْدِيَةُ فِعْلِ (كَتَبْنا) بِحَرْفِ (في) فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا الحُكْمَ لا يُسْتَطاعُ جَحْدُهُ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ والكِتابَةُ تَزِيدُ الكَلامَ تَوَثُّقًا، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
صفحة ٢١٥
والمَكْتُوبُ عَلَيْهِمْ هو المَصْدَرُ المُسْتَفادُ مِن (أنْ) . والمَصْدَرُ في مِثْلِ هَذا يُؤْخَذُ مِن مَعْنى حَرْفِ الباءِ الَّذِي هو التَّعْوِيضُ، أيْ كَتَبْنا تَعْوِيضَ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ، أيِ النَّفْسُ المَقْتُولَةُ بِالنَّفْسِ القاتِلَةِ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ مُساواةَ القِصاصِ.
وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) هُنا، لِأنَّ المَفْرُوضَ في التَّوْراةِ لَيْسَ هو عَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ ولَكِنِ المَعْنى الحاصِلُ مِنها وهو العِوَضِيَّةُ والمُساواةُ فِيها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ (أنَّ) . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالرَّفْعِ. وذَلِكَ جائِزٌ إذا اسْتَكْمَلَتْ (أنَّ) خَبَرَها فَيُعْتَبَرُ العَطْفُ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ.
والنَّفْسُ: الذّاتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و”الأُذُنُ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الذّالِ، وبِضَمِّ الذّالِ أيْضًا. والمُرادُ بِالنَّفْسِ الأُولى نَفْسُ المُعْتَدى عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ في ”والعَيْنَ“ إلَخْ.
والباءُ في قَوْلِهِ: ”بِالنَّفْسِ“ ونَظائِرِهِ الأرْبَعَةِ باءُ العِوَضِ، ومَدْخُولاتُ الباءِ كُلُّها أخْبارُ (أنَّ) ومُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ في كُلٍّ مِنها مَحْذُوفٌ، هو كَوْنٌ خاصٌّ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ؛ فَيُقَدَّرُ: أنَّ النَّفْسَ المَقْتُولَةَ تُعَوَّضُ بِنَفْسِ القاتِلِ والعَيْنَ المُتْلَفَةَ تُعَوَّضُ بِعَيْنِ المُتْلِفِ، أيْ بِإتْلافِها وهَكَذا النَّفْسُ مُتْلَفَةٌ بِالنَّفْسِ؛ والعَيْنُ مَفْقُوءَةٌ بِالعَيْنِ؛ والأنْفُ مَجْدُوعٌ بِالأنْفِ؛ والأُذُنُ مَصْلُومَةٌ بِالأُذُنِ.
ولامُ التَّعْرِيفِ في المَواضِعِ الخَمْسَةِ داخِلَةٌ عَلى عُضْوِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، ومَجْرُوراتُ الباءِ الخَمْسَةُ عَلى أعْضاءِ الجانِي.
والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ هَذِهِ الأعْضاءِ دُونَ غَيْرِها مِن أعْضاءِ الجَسَدِ كاليَدِ والرِّجْلِ والإصْبَعِ لِأنَّ القَطْعَ يَكُونُ غالِبًا عِنْدَ المُضارَبَةِ بِقَصْدِ قَطْعِ الرَّقَبَةِ، فَقَدْ يَنْبُو السَّيْفُ عَنْ قَطْعِ الرَّأْسِ فَيُصِيبُ بَعْضَ الأعْضاءِ المُتَّصِلَةِ بِهِ مِن عَيْنٍ أوْ أنْفٍ أوْ أُذُنٍ أوْ سِنٍّ. وكَذَلِكَ عِنْدَ المُصاوَلَةِ لِأنَّ الوَجْهَ يُقابِلُ الصّائِلَ، قالَ الحُرَيْشُ بْنُ هِلالٍ:
نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إذا التَقَيْنا ∗∗∗ وُجُوهًا لا تُعَرَّضُ لِلِّطامِ
صفحة ٢١٥
وقَوْلُهُ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ أخْبَرَ بِالقِصاصِ عَنِ الجُرُوحِ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ ذاتُ قِصاصٍ.
و”قِصاصٌ“ مَصْدَرُ قاصَّهُ الدّالُّ عَلى المُفاعَلَةِ، لِأنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ يُقاصُّ الجانِيَ، والجانِيَ يُقاصُّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ، أيْ يَقْطَعُ كُلٌّ مِنهُما التَّبِعَةَ عَنِ الآخَرِ بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قِصاصٌ“ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، والنَّصْبُ بِمَعْنى المَنصُوبِ، أيْ مَقْصُوصٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ. والقِصاصُ: المُماثَلَةُ، أيْ عُقُوبَةُ الجانِي بِجِراحٍ أنْ يُجْرَحَ مِثْلَ الجُرْحِ الَّذِي جَنى بِهِ عَمْدًا. والمَعْنى إذا أمْكَنَ ذَلِكَ، أيْ أُمِنَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى المُماثَلَةِ في العُقُوبَةِ، كَما إذا جَرَحَهُ مَأْمُومَةً عَلى رَأْسِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي حِينَ يَضْرِبُ رَأْسَ الجانِي ماذا يَكُونُ مَدى الضَّرْبَةِ فَلَعَلَّها تَقْضِي بِمَوْتِهِ؛ فَيَنْتَقِلُ إلى الدِّيَةِ كُلِّها أوْ بَعْضِها.
وهَذا كُلُّهُ في جِناياتِ العَمْدِ، فَأمّا الخَطَأُ فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ الآيَةُ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهم لَمْ يُقِيمُوا حُكْمَ التَّوْراةِ في الجِنايَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ ”والجُرُوحَ“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ (أنَّ) . وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، لِأنَّهُ إجْمالٌ لِحُكْمِ الجِراحِ بَعْدَما فَصَّلَ حُكْمَ قَطْعِ الأعْضاءِ.
وفائِدَةُ الإعْلامِ بِما شَرَعَ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في القِصاصِ هُنا زِيادَةُ تَسْجِيلِ مُخالَفَتِهِمْ لِأحْكامِ كِتابِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ في المَدِينَةِ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في حُرُوبِ بُعاثٍ فَكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ حَرْبًا، ثُمَّ تَحاجَزُوا وانْهَزَمَتْ قُرَيْظَةُ، فَشَرَطَتِ النَّضِيرُ عَلى قُرَيْظَةَ أنَّ دِيَةَ النَّضِيرِيِّ عَلى الضِّعْفِ مِن دِيَةِ القُرَظِيِّ وعَلى أنَّ القُرَظِيَّ يُقْتَلُ بِالنَّضِيرِيِّ ولا يُقْتَلُ النَّضِيرِيُّ بِالقُرَظِيِّ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَحْرِيفَهم لِكِتابِهِمْ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] . ويَجُوزُ أنْ يُقْصَدَ مِن ذَلِكَ أيْضًا تَأْيِيدُ شَرِيعَةِ الإسْلامِ إذْ جاءَتْ بِمُساواةِ القِصاصِ وأبْطَلَتِ التَّكايُلَ في الدِّماءِ
صفحة ٢١٦
الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ وعِنْدَ اليَهُودِ. ولا شَكَّ أنَّ تَأْيِيدَ الشَّرِيعَةِ بِشَرِيعَةٍ أُخْرى يَزِيدُها قَبُولًا في النُّفُوسِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مُرادٌ قَدِيمٌ لِلَّهِ تَعالى. وأنَّ المَصْلَحَةَ مُلازِمَةٌ لَهُ ولا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأقْوامِ والأزْمانِ، لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَزَلْ في نُفُوسِهِمْ حَرَجٌ مِن مُساواةِ الشَّرِيفِ الضَّعِيفَ في القِصاصِ، كَما قالَتْ كَبْشَةُ أُخْتُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ تَثْأرُ بِأخِيها عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
فَيَقْتُلَ جَبْرًا بِامْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ∗∗∗ بَواءً ولَكِنْ لا تَكايُلَ بِالـدَّمِ
تُرِيدُ: رَضِينا بِأنْ يُقْتَلَ الرَّجُلُ الَّذِي اسْمُهُ جَبْرٌ بِالمَرْءِ العَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ كُفُؤًا لَهُ، ولَكِنَّ الإسْلامَ أبْطَلَ تَكايُلَ الدِّماءِ. والتَّكايُلُ عِنْدَهم عِبارَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ النَّفْسِ بِعِدَّةِ أنْفُسٍ، وقَدْ قَدَّرَ شُيُوخُ بَنِي أسَدٍ دَمَ حُجْرٍ والِدِ امْرِئِ القَيْسِ بِدِياتِ عَشَرَةٍ مِن سادَةِ بَنِي أسَدٍ فَأبى امْرُؤُ القَيْسِ قَبُولَ هَذا التَّقْدِيرِ وقالَ لَهم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ حُجْرًا لَمْ يَكُنْ لِيَبُوءَ بِهِ شَيْءٌ، وقالَ مُهَلْهَلٌ حِينَ قَتَلَ بُجَيْرًا: ”بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ“، والبَواءُ: الكِفاءُ. وقَدْ عَدَّتِ الآيَةُ في القِصاصِ أشْياءَ تَكْثُرُ إصابَتُها في الخُصُوماتِ لِأنَّ الرَّأْسَ قَدْ حَواها وإنَّما يَقْصِدُ القاتِلُ الرَّأْسَ ابْتِداءً.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ هو مِن بَقِيَّةِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، فالمُرادُ بِـ ”مَن تَصَدَّقَ“ مَن تَصَدَّقَ مِنهم، وضَمِيرُ ”بِهِ“ عائِدٌ إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ باءُ العِوَضِ في قَوْلِهِ: بِالنَّفْسِ إلَخْ، أيْ مَن تَصَدَّقَ بِالحَقِّ الَّذِي لَهُ، أيْ تَنازَلَ عَنِ العِوَضِ.
وضَمِيرُ ”لَهُ“ عائِدٌ إلى مَن تَصَدَّقَ. والمُرادُ مِنَ التَّصَدُّقِ العَفْوُ، لِأنَّ العَفْوَ لَمّا كانَ عَنْ حَقٍّ ثابِتٍ بِيَدِ مُسْتَحِقِّ الأخْذِ بِالقِصاصِ جُعِلَ إسْقاطُهُ
صفحة ٢١٧
كالعَطِيَّةِ لِيُشِيرَ إلى فَرْطِ ثَوابِهِ، وبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أنَّ مَعْنى: (﴿كَفّارَةٌ لَهُ﴾) أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبًا عَظِيمَةً، لِأجْلِ ما في هَذا العَفْوِ مِن جَلْبِ القُلُوبِ وإزالَةِ الإحَنِ واسْتِبْقاءِ نُفُوسِ وأعْضاءِ الأُمَّةِ.
وعادَ فَحَذَّرَ مِن مُخالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ فَقالَ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ التَّرْغِيبَ في العَفْوِ لا يَقْتَضِي الِاسْتِخْفافَ بِالحُكْمِ وإبْطالَ العَمَلِ بِهِ لِأنَّ حُكْمَ القِصاصِ شُرِعَ لِحَكَمٍ عَظِيمَةٍ: مِنها الزَّجْرُ، ومِنها جَبْرُ خاطِرِ المُعْتَدى عَلَيْهِ، ومِنها التَّفادِي مِن تَرَصُّدِ المُعْتَدى عَلَيْهِمْ لِلِانْتِقامِ مِنَ المُعْتَدِينَ أوْ مِن أقْوامِهِمْ. فَإبْطالُ الحُكْمِ بِالقِصاصِ يُعَطِّلُ هَذِهِ المَصالِحَ، وهو ظُلْمٌ، لِأنَّهُ غَمْصٌ لِحَقِّ المُعْتَدى عَلَيْهِ أوْ ولَيِّهِ. وأمّا العَفْوُ عَنِ الجانِي فَيُحَقِّقُ جَمِيعَ المَصالِحِ ويَزِيدُ مَصْلَحَةَ التَّحابُبِ لِأنَّهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وقَدْ تَغْشى غَباوَةُ حُكّامِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أفْهامِهِمْ فَيَجْعَلُوا إبْطالَ الحُكْمِ بِمَنزِلَةِ العَفْوِ، فَهَذا وجْهُ إعادَةِ التَّحْذِيرِ عَقِبَ اسْتِحْبابِ العَفْوِ. ولَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ. وبِهِ يَتَعَيَّنُ رُجُوعُ هَذا التَّحْذِيرِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ سابِقِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الكافِرُونَ لِأنَّ الظُّلْمَ يُطْلَقُ عَلى الكُفْرِ فَيَكُونُ هَذا مُؤَكِّدًا لِلَّذِي في الآيَةِ السّابِقَةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِ الجَوْرُ فَيَكُونُ إثْباتُ وصْفِ الظُّلْمِ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ لِأنَّهم كافِرُونَ ظالِمُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences