Ibn 'AshurAl‑Ma'idah · 5:68–70

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:68–70

5:68Page 119

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .

هَذا الَّذِي أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لِأهْلِ الكِتابِ هو مِن جُمْلَةِ ما ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلى تَبْلِيغِهِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، فَقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحَبُّ تَألُّفَ أهْلِ الكِتابِ ورُبَّما كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ أنْ يُجابِهَهم بِمِثْلِ هَذا ولَكِنَّ اللَّهَ يَقُولُ الحَقَّ.

فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ

صفحة ٢٦٥

مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .

والمَقْصُودُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى جَمِيعًا؛ فَأمّا اليَهُودُ فَلِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِإقامَةِ الأحْكامِ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ مِنَ التَّوْراةِ، وبِالإيمانِ بِالإنْجِيلِ إلى زَمَنِ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وبِإقامَةِ أحْكامِ القُرْآنِ المُهَيْمِنِ عَلى الكِتابِ كُلِّهِ؛ وأمّا النَّصارى فَلِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ بِشاراتِ الإنْجِيلِ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ مِن بَعْدِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

ومَعْنى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّدَيُّنِ والتَّقْوى لِأنَّ خَوْضَ الرَّسُولِ لا يَكُونُ إلّا في أمْرِ الدِّينِ والهُدى والتَّقْوى، فَوَقَعَ هُنا حَذْفُ صِفَةِ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، أوْ غَيْرِ مَعِيبَةٍ.

والشَّيْءُ اسْمٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، فَهو اسْمٌ مُتَوَغِّلٌ في التَّنْكِيرِ صادِقٌ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ، ويُبَيِّنُهُ السِّياقُ أوِ القَرائِنُ. فالمُرادُ هُنا شَيْءٌ مِن أُمُورِ الكِتابِ، ولَمّا وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتُفِيدَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم أقَلُّ حَظٍّ مِنَ الدِّينِ والتَّقْوى ما دامُوا لَمْ يَبْلُغُوا الغايَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهي أنْ يُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والقُرْآنَ. والمَقْصُودُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم حَظٌّ مُعْتَدٌّ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ومِثْلُ هَذا النَّفْيِ عَلى تَقْدِيرِ الِاعْتِدادِ شائِعٌ في الكَلامِ، قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:

وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْـنَـعِ

أيْ لَمْ أُعْطَ شَيْئًا كافِيًا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ولَمْ أُمْنَعْ. ويَقُولُونَ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، مَعَ أنَّهُ شَيْءٌ لا مَحالَةَ ومُشارٌ إلَيْهِ ولَكِنَّهم يُرِيدُونَ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ. ومِنهُ ما وقَعَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ، فَقالَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» . وقَدْ شاكَلَ هَذا النَّفْيُ عَلى مَعْنى الِاعْتِدادِ النَّفْيَ المُتَقَدِّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالاتِهِ﴾ [المائدة: ٦٧]، أيْ فَما بَلَّغْتَ تَبْلِيغًا مُعْتَدًّا بِهِ عِنْدَ اللَّهِ.

صفحة ٢٦٦

والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إنَّما هو إقامَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عِنْدَ مَجِيءِ القُرْآنِ بِالِاعْتِرافِ بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ التَّبْشِيرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.

وقَدْ أوْمَأتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى تَوَغُّلِ اليَهُودِ في مُجانَبَةِ الهُدى لِأنَّهم قَدْ عَطَّلُوا إقامَةَ التَّوْراةِ مُنْذُ عُصُورٍ قَبْلَ عِيسى، وعَطَّلُوا إقامَةَ الإنْجِيلِ إذْ أنْكَرُوهُ، وأنْكَرُوا مَن جاءَ بِهِ، ثُمَّ أنْكَرُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمْ يُقِيمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ. والكَلامُ عَلى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] إلَخْ.

وقَدْ فَنَّدَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَزاعِمَ اليَهُودِ أنَّهم عَلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْراةِ وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى هُدًى ما تَمَسَّكُوا بِالتَّوْراةِ ولا يَتَمَسَّكُونَ بِغَيْرِها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهم جاءُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ فَقالُوا: ألَسْتَ تُقِرُّ أنَّ التَّوْراةَ حَقٌّ، قالَ: (بَلى)، قالُوا: فَإنّا نُؤْمِنُ بِها ولا نُؤْمِنُ بِما عَداها» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ قَوِيٌّ.

وقَدْ قالَ بَعْضُ النَّصارى لِلرَّسُولِ ﷺ في شَأْنِ تَمَسُّكِهِمْ بِالإنْجِيلِ مِثْلَ قَوْلِ بَعْضِ اليَهُودِ، كَما في قِصَّةِ إسْلامِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، وكَما في مُجادَلَةِ بَعْضِ وفْدِ نَجْرانَ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾، أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ إمّا بِباعِثِ الحَسَدِ عَلى مَجِيءِ هَذا الدِّينِ ونُزُولِ القُرْآنِ ناسِخًا لِدِينِهِمْ، وإمّا بِما في بَعْضِ آياتِ القُرْآنِ مِن قَوارِعِهِمْ وتَفْنِيدِ مَزاعِمِهِمْ. ولَمْ يَزَلِ الكَثِيرُ مِنهم إذا ذَكَرُوا الإسْلامَ حَتّى في المَباحِثِ التّارِيخِيَّةِ والمَدَنِيَّةِ يَحْتَدُّونَ عَلى مَدَنِيَّةِ الإسْلامِ ويَقْلِبُونَ الحَقائِقَ ويَتَمَيَّزُونَ غَيْظًا ومُكابَرَةً حَتّى تَرى العالِمَ المَشْهُودَ لَهُ مِنهم يَتَصاغَرُ ويَتَسَفَّلُ إلى دَرَكاتِ التَّبالُهِ والتَّجاهُلِ، إلّا قَلِيلًا مِمَّنِ اتَّخَذَ الإنْصافَ شِعارًا، وتَباعَدَ عَنْ أنْ يُرْمى بِسُوءِ الفَهْمِ تَجَنُّبًا وحِذارًا.

صفحة ٢٦٧

وقَدْ سَمّى اللَّهُ ما يَعْتَرِضُهم مِنَ الشَّجا في حُلُوقِهِمْ بِهَذا الدِّينِ طُغْيانًا لِأنَّ الطُّغْيانَ هو الغُلُوُّ في الظُّلْمِ واقْتِحامُ المُكابَرَةِ مَعَ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِلَوْمِ اللّائِمِينَ مِن أهْلِ اليَقِينِ.

وسَلّى اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ فالفاءُ لِلْفَصِيحَةِ لِتَتِمَّ التَّسْلِيَةُ، لِأنَّ رَحْمَةَ الرَّسُولِ بِالخَلْقِ تُحْزِنُهُ مِمّا بَلَغَ مِنهم مِن زِيادَةِ الطُّغْيانِ والكُفْرِ، فَنَبَّهَتْ فاءُ الفَصِيحَةِ عَلى أنَّهم ما بَلَغُوا ما بَلَغُوهُ إلّا مِن جَرّاءِ الحَسَدِ لِلرَّسُولِ فَحَقِيقٌ أنْ لا يَحْزَنَ لَهم. والأسى الحُزْنُ والأسَفُ، وفِعْلُهُ كَفَرِحَ.

وذُكِرَ لَفْظُ القَوْمِ وأُتْبِعَ بِوَصْفِ الكافِرِينَ لِيَدُلَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هُمُ الَّذِينَ صارَ الكُفْرُ لَهم سَجِيَّةً وصِفَةً تَتَقَوَّمُ بِها قَوْمِيَّتُهم. ولَوْ لَمْ يَذْكُرِ القَوْمَ وقالَ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ لَكانَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ لَهم فَلا يُشْعِرُ بِالتَّوْصِيفِ، فَكانَ صادِقًا بِمَن كانَ الكُفْرُ غَيْرَ راسِخٍ فِيهِ بَلْ هو في حَيْرَةٍ وتَرَدُّدٍ، فَذَلِكَ مَرْجُوٌّ إيمانُهُ.

5:69Page 119

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩

Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ دَقِيقٌ، ومَعْناها أدَقُّ وإعْرابُها تابِعٌ لِدِقَّةِ الأمْرَيْنِ.

فَمَوْقِعُها أدَقُّ مِن مَوْقِعِ نَظِيرَتِها المُتَقَدِّمَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلَمْ يَكُنْ ما تَقَدَّمَ مِنَ البَيانِ في نَظِيرَتِها بِمُغْنٍ عَنْ بَيانِ ما يَخْتَصُّ بِمَوْقِعِ هَذِهِ. ومَعْناها يَزِيدُ دِقَّةً عَلى مَعْنى نَظِيرَتِها تَبَعًا لِدِقَّةِ مَوْقِعِ هَذِهِ.

وإعْرابُها يَتَعَقَّدُ إشْكالُهُ بِوُقُوعِ قَوْلِهِ (والصّابُونَ) بِحالَةِ رَفْعٍ بِالواوِ في حِينِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ إنَّ في ظاهِرِ الكَلامِ.

صفحة ٢٦٨

فَحَقٌّ عَلَيْنا أنْ نَخُصَّها مِنَ البَيانِ بِما لَمْ يَسْبِقْ لَنا مِثْلُهُ في نَظِيرَتِها ولِنَبْدَأ بِمَوْقِعِها فَإنَّهُ مَعْقَدُ مَعْناها.

فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] فَيَسْألُ سائِلٌ عَنْ حالِ مَنِ انْقَرَضُوا مِن أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ: هَلْ هم عَلى شَيْءٍ أوْ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، وهَلْ نَفَعَهُمُ اتِّباعُ دِينِهِمْ أيّامَئِذٍ؛ فَوَقَعَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةَ جَوابًا لِهَذا السُّؤالِ المُقَدَّرِ.

والمُرادُ بِـ الَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ أيِ المُسْلِمُونَ. وإنَّما المَقْصُودُ مِنِ الإخْبارِ الَّذِينَ هادُوا والصّابُونَ والنَّصارى، وأمّا التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا فَلِاهْتِمامٍ بِهِمْ سَنُبَيِّنُهُ قَرِيبًا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةً لِجُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] إلَخْ، فَبَعْدَ أنْ أُتْبِعَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ بِما أُتْبِعَتْ بِهِ مِنَ الجُمَلِ عادَ الكَلامُ بِما يُفِيدُ مَعْنى تِلْكَ الجُمْلَةِ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ، ووَصْلًا لِرَبْطِ الكَلامِ، ولِيُلْحَقَ بِأهْلِ الكِتابِ الصّابِئُونَ، ولِيَظْهَرَ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ حالِ المُسْلِمِينَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.

فالتَّصْدِيرُ بِذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا في طالِعَةِ المَعْدُودِينَ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُسْلِمِينَ في هَذِهِ المُناسَبَةِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ هُمُ المِثالُ الصّالِحُ في كَمالِ الإيمانِ والتَّحَرُّزِ عَنِ الغُرُورِ وعَنْ تَسَرُّبِ مَسارِبِ الشِّرْكِ إلى عَقائِدِهِمْ كَما بَشَّرَ بِذَلِكَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ بِقَوْلِهِ إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ في أرْضِكم هَذِهِ. فَكانَ المُسْلِمُونَ، لِأنَّهُمُ الأوْحَدُونَ في الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أوَّلِينَ في هَذا الفَضْلِ.

وأمّا مَعْنى الآيَةِ فافْتِتاحُها بِحَرْفِ إنَّ هُنا لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِعِرِوِّ المَقامِ عَنْ إرادَةِ رَدِّ إنْكارٍ أوْ تَرَدُّدٍ في الحُكْمِ أوْ تَنْزِيلِ غَيْرِ المُتَرَدِّدِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ.

صفحة ٢٦٩

وقَدْ تَحَيَّرَ النّاظِرُونَ في الإخْبارِ عَنْ جَمِيعِ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، إذْ مِن جُمْلَةِ المَذْكُورِينَ المُؤْمِنُونَ، وهَلِ الإيمانُ إلّا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وذَهَبَ النّاظِرُونَ في تَأْوِيلِهِ مَذاهِبَ: فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا مَن آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ، وهُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِمَن آمَنَ مَن دامَ عَلى إيمانِهِ ولَمْ يَرْتَدَّ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

والوَجْهُ عِنْدِيَ أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أصْحابُ الوَصْفِ المَعْرُوفِ بِالإيمانِ واشْتَهَرَ بِهِ المُسْلِمُونَ، ولا يَكُونُ إلّا بِالقَلْبِ واللِّسانِ لِأنَّ هَذا الكَلامَ وعْدٌ بِجَزاءِ اللَّهِ تَعالى، فَهو راجِعٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ المُؤْمِنَ الحَقَّ والمُتَظاهِرَ بِالإيمانِ نِفاقًا.

فالَّذِي أراهُ أنْ يُجْعَلَ خَبَرُ (إنَّ) مَحْذُوفًا. وحَذْفُ خَبَرِ إنَّ وارِدٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ غَيْرُ قَلِيلٍ، كَما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ. وقَدْ دَلَّ عَلى الخَبَرِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] إلَخْ. ويَكُونُ قَوْلُهُ والَّذِينَ هادُوا عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، فَيُجْعَلُ الَّذِينَ هادُوا مُبْتَدَأً، ولِذَلِكَ حَقَّ رَفْعُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وهو (والصّابُونَ) . وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ (والصّابُونَ) مَبْدَأ الجُمْلَةِ وتَقْدِيرِ خَبَرٍ لَهُ، أيْ والصّابُونَ كَذَلِكَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى اخْتِلافِ المُتَعاطِفاتِ في الحُكْمِ وتَشْتِيتِها مَعَ إمْكانِ التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ مَن آمَنَ بِاللَّهِ مُبْتَدَأً ثانِيًا، وتَكُونُ (مَن) مَوْصُولَةً، والرّابِطُ لِلْجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفًا، أيْ مَن آمَنَ مِنهم، وجُمْلَةُ فَلَهم أجْرُهم خَبَرًا عَنْ (مَن) المَوْصُولَةِ، واقْتِرانُها بِالفاءِ لِأنَّ المَوْصُولَ شَبِيهٌ بِالشَّرْطِ. وذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠] الآيَةَ، ووُجُودُ الفاءِ فِيهِ يُعَيِّنُ كَوْنَهُ خَبَرًا عَنْ (مَن) المَوْصُولَةِ ولَيْسَ خَبَرُ إنَّ عَلى عَكْسِ قَوْلِ ضابِي بْنِ الحارِثِ:

ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّيَ وقَبّارٌ بِهَـا لَـغَـرِيبُ

فَإنَّ وُجُودَ لامِ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ لَغَرِيبُ عَيَّنَ أنَّهُ خَبَرُ إنَّ وتَقْدِيرُ خَبَرٍ عَنْ قَبّارٍ، فَلا يُنَظَّرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى (والصّابُونَ) .

صفحة ٢٧٠

ومَعْنى ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مَن آمَنَ ودامَ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُغَيِّرُوا أدْيانَهم بِالإشْراكِ وإنْكارِ البَعْثِ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ خَلَطُوا أُمُورَ الشِّرْكِ بِأدْيانِهِمْ وعَبَدُوا الآلِهَةَ كَما تَقُولُ التَّوْراةُ. ومِنهم مَن جَعَلَ عُزَيْرًا ابْنًا لِلَّهِ، وإنَّ النَّصارى ألَّهُوا عِيسى وعَبَدُوهُ، والصّابِئَةُ عَبَدُوا الكَواكِبَ بَعْدَ أنْ كانُوا عَلى دِينٍ لَهُ كِتابٌ. وقَدْ مَضى بَيانُ دِينِهِمْ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قَدْ أحْدَثُوا في عَقِيدَتِهِمْ مِنَ الغُرُورِ في نَجاتِهِمْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقَوْلِ النَّصارى: إنَّ عِيسى قَدْ كَفَّرَ خَطايا البَشَرِ بِما تَحَمَّلَهُ مِن عَذابِ الطَّعْنِ والإهانَةِ والصَّلْبِ والقَتْلِ، فَصارُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤْمِنُ بِاليَوْمِ الآخِرِ، لِأنَّهم عَطَّلُوا الجَزاءَ وهو الحِكْمَةُ الَّتِي قُدِّرَ البَعْثُ لِتَحْقِيقِها.

وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ (والصّابُونَ) مُبْتَدَأً وجَعَلُوهُ مُقَدَّمًا مِن تَأْخِيرٍ وقَدَّرُوا لَهُ خَبَرًا مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ خَبَرِ (إنَّ) عَلَيْهِ، وأنَّ أصْلَ النَّظْمِ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى لَهم أجْرُهم إلَخْ، والصّابُونَ كَذَلِكَ، جَعَلُوهُ كَقَوْلِ ضابِي بْنِ الحارِثِ:

فَإنِّيَ وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَدَّرُوا تَقادِيرَ أُخْرى أنْهاها الألُوسِيُّ إلى خَمْسَةٍ.

والَّذِي سَلَكْناهُ أوْضَحُ وأجْرى عَلى أُسْلُوبِ النَّظْمِ وألْيَقُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ وبَعْدُ فَمِمّا يَجِبُ أنْ يُوقَنَ بِهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ كَذَلِكَ نَزَلَ، وكَذَلِكَ نَطَقَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، وكَذَلِكَ تَلَقّاهُ المُسْلِمُونَ مِنهُ وقَرَءُوهُ، وكُتِبَ في المَصاحِفَ، وهم عَرَبٌ خُلَّصٌ، فَكانَ لَنا أصْلًا نَتَعَرَّفُ مِنهُ أُسْلُوبًا مِن أسالِيبِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ في العَطْفِ وإنْ كانَ اسْتِعْمالًا غَيْرَ شائِعٍ لَكِنَّهُ مِنَ الفَصاحَةِ والإيجازِ بِمَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مِنَ الشّائِعِ في الكَلامِ أنَّهُ إذا أُتِيَ بِكَلامٍ مُؤَكَّدٍ بِحَرْفِ (إنَّ) وأُتِيَ بِاسْمِ إنَّ وخَبَرِها وأُرِيدَ أنْ يَعْطِفُوا عَلى اسْمِها مَعْطُوفًا هو

صفحة ٢٧١

غَرِيبٌ في ذَلِكَ الحُكْمِ جِيءَ بِالمَعْطُوفِ الغَرِيبِ مَرْفُوعًا لِيَدُلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّهم أرادُوا عَطْفَ الجُمَلِ لا عَطْفَ المُفْرَداتِ، فَيُقَدِّرَ السّامِعُ خَبَرًا يُقَدِّرُهُ بِحَسَبِ سِياقِ الكَلامِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، أيْ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ، فَإنَّ بَراءَتَهُ مِنهم في حالِ كَوْنِهِ مِن ذِي نَسَبِهِمْ وصِهْرِهِمْ أمْرٌ كالغَرِيبِ لِيَظْهَرَ مِنهُ أنَّ آصِرَةَ الدِّينِ أعْظَمُ مِن جَمِيعِ تِلْكَ الأواصِرِ، وكَذَلِكَ هَذا المَعْطُوفُ هُنا لَمّا كانَ الصّابُونُ أبْعَدَ عَنِ الهُدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى في حالِ الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، لِأنَّهُمُ التَزَمُوا عِبادَةَ الكَواكِبِ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ تَحِقُّ لَهُمُ النَّجاةُ إنْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلُوا صالِحًا، كانَ الإتْيانُ بِلَفْظِهِمْ مَرْفُوعًا تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. لَكِنْ كانَ الجَرْيُ عَلى الغالِبِ يَقْتَضِي أنْ لا يُؤْتى بِهَذا المَعْطُوفِ مَرْفُوعًا إلّا بَعْدَ أنْ تَسْتَوْفِيَ (إنَّ) خَبَرَها، إنَّما كانَ الغالِبُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُؤْتى بِالِاسْمِ المَقْصُودِ بِهِ هَذا الحُكْمُ مُؤَخَّرًا، فَأمّا تَقْدِيمُهُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّهُ يُنافِي المَقْصِدَ الَّذِي لِأجْلِهِ خُولِفَ حُكْمُ إعْرابِهِ، ولَكِنَّ هَذا أيْضًا اسْتِعْمالٌ عَزِيزٌ، وهو أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مُقْتَضَيَيْ حالَيْنِ، وهُما الدَّلالَةُ عَلى غَرابَةِ المُخْبَرِ عَنْهُ في هَذا الحُكْمِ. والتَّنْبِيهُ عَلى تَعْجِيلِ الإعْلامِ بِهَذا الخَبَرِ فَإنَّ الصّابِئِينَ يَكادُونَ يَيْأسُونَ مِن هَذا الحُكْمِ أوْ يَيْأسُ مِنهم مَن يَسْمَعُ الحُكْمَ عَلى المُسْلِمِينَ واليَهُودِ. فَنَبَّهَ الكُلَّ عَلى أنَّ عَفْوَ اللَّهِ عَظِيمٌ لا يَضِيقُ عَنْ شُمُولِهِمْ، فَهَذا مُوجِبُ التَّقْدِيمِ مَعَ الرَّفْعِ، ولَوْ لَمْ يُقَدَّمْ ما حَصَلَ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ، كَما أنَّهُ لَوْ لَمْ يُرْفَعْ لَصارَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ (إنَّ) فَلَمْ يَكُنْ عَطْفُهُ عَطْفَ جُمْلَةٍ.

وقَدْ جاءَ ذِكْرُ الصّابِينَ في سُورَةِ الحَجِّ مُقَدَّمًا عَلى النَّصارى ومَنصُوبًا، فَحَصَلَ هُناكَ مُقْتَضى حالٍ واحِدَةٍ وهو المُبادَرَةُ بِتَعْجِيلِ الإعْلامِ بِشُمُولِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وأنَّهم أمامَ عَدْلِ اللَّهِ يُساوُونَ غَيْرَهم.

ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ وعَمِلَ صالِحًا، وهو المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِن رَبْطِ السَّلامَةِ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ بِهِ، فَهو قَيْدٌ في المَذْكُورِينَ كُلِّهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ، وأوَّلُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ والإيمانِ بِالقُرْآنِ، ثُمَّ يَأْتِي

صفحة ٢٧٢

امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَنهِيّاتِ كَما قالَ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] .

5:70Page 119

لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ عادَ بِهِ الكَلامُ عَلى أحْوالِ اليَهُودِ وجَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ. وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِاليَأْسِ مِن هَدْيِهِمْ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وبِأنَّ ما قابَلُوا بِهِ دَعْوَتَهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنهم بَلْ ذَلِكَ دَأْبُهم جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى اليَهُودِ غَيْرَ مَرَّةٍ. أُولاها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ هم مُوسى وهارُونُ ومَن جاءَ بَعْدَهُما مِثْلُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وأشْعِيا وأرْمِيا وحِزْقِيالَ وداوُدَ وعِيسى. فالمُرادُ بِالرُّسُلِ هُنا الأنْبِياءُ: مَن جاءَ مِنهم بِشَرْعٍ وكِتابٍ، مِثْلُ مُوسى وداوُدَ وعِيسى، ومَن جاءَ مُعَزِّزًا لِلشَّرْعِ مُبَيِّنًا لَهُ، مِثْلُ يُوشَعَ وأشْعِيا وأرْمِيا.

وإطْلاقُ الرَّسُولِ عَلى النَّبِيءِ الَّذِي لَمْ يَجِئْ بِشَرِيعَةٍ إطْلاقٌ شائِعٌ في القُرْآنِ كَما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم قَتَلُوا فَرِيقًا مِنَ الرُّسُلِ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الرُّسُلِ بِالأنْبِياءِ فَإنَّهم ما قَتَلُوا إلّا أنْبِياءَ لا رُسُلًا.

وقَوْلُهُ ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ إلَخْ، انْتَصَبَ (كُلَّما) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى اسْتِغْراقِ أزْمِنَةِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فَيَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الرُّسُلِ تَبَعًا لِاسْتِغْراقِ أزْمِنَةِ مَجِيئِهِمْ، إذِ اسْتِغْراقُ أزْمِنَةِ وُجُودِ شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَما ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى الزَّمانِ.

وانْتَصَبَ (كُلَّ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الزَّمانِ لِإضافَتِهِ إلى اسْمِ الزَّمانِ المُبْهَمِ، وهو

صفحة ٢٧٣

(ما) الظَّرْفِيَّةُ المَصْدَرِيَّةُ. والتَّقْدِيرُ: في كُلِّ أوْقاتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ كَذَّبُوا ويَقْتُلُونَ. وانْتَصَبَ كُلَّما بِالفِعْلَيْنِ وهو (كَذَّبُوا) و(يَقْتُلُونَ) عَلى التَّنازُعِ.

وتَقْدِيمُ (كُلَّما) عَلى العامِلِ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ لا يَكادُ يَتَخَلَّفُ، لِأنَّهم يُرِيدُونَ بِتَقْدِيمِهِ الِاهْتِمامَ بِهِ، لِيَظْهَرَ أنَّهُ هو مَحَلُّ الغَرَضِ المَسُوقَةِ لَهُ جُمْلَتُهُ، فَإنَّ اسْتِمْرارَ صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ مَعَ جَمِيعِ الرُّسُلِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ والقَتْلَ صارا سَجِيَّتَيْنِ لَهم لا تَتَخَلَّفانِ، إذْ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حالِ رَسُولٍ دُونَ آخَرَ ولا إلى زَمانٍ دُونَ آخَرَ، وذَلِكَ أظْهَرُ في فَظاعَةِ حالِهِمْ، وهي المَقْصُودُ هُنا.

وبِهَذا التَّقْدِيمِ يُشْرَبُ ظَرْفُ (كُلَّما) مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فَيَصِيرُ العامِلُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ الجَوابِ لَهُ، كَما تَصِيرُ أسْماءُ الشَّرْطِ مُتَقَدِّمَةً عَلى أفْعالِها وأجْوِبَتِها في نَحْوِ (أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ) . إلّا أنَّ (كُلَّما) لَمْ يُسْمَعِ الجَزْمُ بَعْدَها ولِذَلِكَ لَمْ تُعَدَّ في أسْماءِ الشَّرْطِ لِأنَّ (كُلَّ) بَعِيدٌ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ. والحَقُّ أنَّ إطْلاقَ الشَّرْطِ عَلَيْها في كَلامِ بَعْضِ النُّحاةِ تَسامُحٌ. وقَدْ أطْلَقَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَها سَبَبًا لَفْظِيًّا يُوجِبُ تَقْدِيمَها بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠] في تِلْكَ السُّورَةِ؛ فَإنَّ التَّقْدِيمَ فِيهِما تَبَعٌ لِوُقُوعِهِما مُتَّصِلَتَيْنِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ كَما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، وإنْ كانَ قَدْ سَكَتَ عَلَيْهِما في الكَشّافِ لِظُهُورِ أمْرِهِما في تَيْنِكَ الآيَتَيْنِ.

فالأحْسَنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (فَرِيقًا كَذَّبُوا) حالًا مِن ضَمِيرِ (إلَيْهِمْ) لِاقْتِرانِها بِضَمِيرٍ مُوافِقٍ لِصاحِبِ الحالِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَبَرِ تَفْظِيعُ حالِ بَنِي إسْرائِيلَ في سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لِهُداتِهِمْ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِاعْتِبارِ كَوْنِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ هَذِهِ حالُهم مَعَ رُسُلِهِمْ. ولَيْسَتْ جُمْلَةُ فَرِيقًا كَذَّبُوا وما تَقَدَّمَها مِن مُتَعَلِّقِها اسْتِئْنافًا، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا بَلْ بِمَدْلُولِ هَذا الحالِ.

وبِهَذا يَظْهَرُ لَكَ أنَّ التَّقْسِيمَ في قَوْلِهِ ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ لَيْسَ لِرَسُولٍ مِن قَوْلِهِ ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾ بَلْ لِـ رُسُلًا؛ لِأنَّنا اعْتَبَرْنا قَوْلَهُ ﴿كُلَّما جاءَهم

صفحة ٢٧٤

رَسُولٌ﴾ مُقَدَّمًا مِن تَأْخِيرٍ. والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كَذَّبُوا مِنهم فَرِيقًا وقَتَلُوا فَرِيقًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنَ الرُّسُلِ. وبِهَذا نَسْتَغْنِي عَنْ تَكَلُّفاتٍ وتَقْدِيرٍ في نَظْمِ الآيَةِ الآتِي عَلى أبْرَعِ وُجُوهِ الإيجازِ وأوْضَحِ المَعانِي.

وقَوْلُهُ ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ بِما لا تُحِبُّهُ. يُقالُ: هَوِيَ يَهْوى بِمَعْنى أحَبَّ ومالَتْ نَفْسُهُ إلى مُلابَسَةِ شَيْءٍ. إنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلَ القَصْدُ مِنها كَبْحُ الأنْفُسِ عَنْ كَثِيرٍ مِن هَواها المُوقِعِ لَها في الفَسادِ عاجِلًا والخُسْرانِ آجِلًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَتُرِكَ النّاسُ وما يَهْوَوْنَ؛ فالشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ لا مَحالَةَ عَلى كَثِيرٍ مِن مَنعِ النُّفُوسِ مِن هَواها. ولَمّا وُصِفَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِأنَّهم يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ ويَقْتُلُونَهم إذا جاءُوهم بِما يُخالِفُ هَواهم عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَخْلُ رَسُولٌ جاءَهم مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ أوْ كِلَيْهِما: وهُما التَّكْذِيبُ والقَتْلُ، وذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾، فَلَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ فائِدَةٌ إلّا الإشارَةَ إلى زِيادَةِ تَفْظِيعِ حالِهِمْ مِن أنَّهم يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ أوْ يَقْتُلُونَهم في غَيْرِ حالَةٍ يَلْتَمِسُونَ لِأنْفُسِهِمْ فِيها عُذْرًا مِن تَكْلِيفٍ بِمَشَقَّةٍ فادِحَةٍ، أوْ مِن حُدُوثِ حادِثِ ثائِرَةٍ، أوْ مِن أجْلِ التَّمَسُّكِ بِدِينٍ يَأْبَوْنَ مُفارَقَتَهُ، كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ في مَجِيءِ الإسْلامِ، بَلْ لِمُجَرَّدِ مُخالَفَةِ هَوى أنْفُسِهِمْ بَعْدَ أنْ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ فَقَبِلُوهُ فَتَتَعَطَّلُ بِتَمَرُّدِهِمْ فائِدَةُ التَّشْرِيعِ وفائِدَةُ طاعَةِ الأُمَّةِ لِهُداتِها.

وهَذا تَعْلِيمٌ عَظِيمٌ مِنَ القُرْآنِ بِأنَّ مِن حَقِّ الأُمَمِ أنْ تَكُونَ سائِرَةً في طَرِيقِ إرْشادِ عُلَمائِها وهُداتِها، وأنَّها إذا رامَتْ حَمْلَ عُلَمائِها وهُداتِها عَلى مُسايَرَةِ أهْوائِها، بِحَيْثُ يُعْصَوْنَ إذا دَعَوْا إلى ما يُخالِفُ هَوى الأقْوامِ فَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الخُسْرانُ كَما حَقَّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ في ذَلِكَ قَلْبًا لِلْحَقائِقِ ومُحاوَلَةَ انْقِلابِ التّابِعِ مَتْبُوعًا والقائِدِ مَقُودًا، وأنَّ قادَةَ الأُمَمِ وعُلَماءَها ونُصَحاءَها إذا سايَرُوا الأُمَمَ عَلى هَذا الخُلُقِ كانُوا غاشِّينَ لَهم، وزالَتْ فائِدَةُ عِلْمِهِمْ وحِكْمَتِهِمْ واخْتَلَطَ المَرْعِيُّ بِالهَمَلِ والحابِلُ بِالنّابِلِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ اسْتَرْعاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَغَشَّها لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» . فالمُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ أقْرَبُ إلى المَعْذِرَةِ لِأنَّهم قابَلُوا الرَّسُولَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ

صفحة ٢٧٥

بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وقالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [هود: ٨٧]، بِخِلافِ اليَهُودِ آمَنُوا بِرُسُلِهِمُ ابْتِداءً ثُمَّ انْتَقَضُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّكْذِيبِ والتَّقْتِيلِ إذا حَمَلُوهم عَلى ما فِيهِ خَيْرُهم مِمّا لا يَهْوُونَهُ.

وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ (فَرِيقًا كَذَّبُوا) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالتَّفْصِيلِ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّفْصِيلِ لِأحْوالِ رُسُلِ بَنِي إسْرائِيلَ بِاعْتِبارِ ما لاقَوْهُ مِن قَوْمِهِمْ، ولِأنَّ في تَقْدِيمِ مَفْعُولِ (يَقْتُلُونَ) رِعايَةً عَلى فاصِلَةِ الآيِ، فَقَدَّمَ مَفْعُولَ (كَذَّبُوا) لِيَكُونَ المَفْعُولانِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ.

وجِيءَ في قَوْلِهِ (يَقْتُلُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ إبْلاغًا في التَّعْجِيبِ مِن شَناعَةِ فاعِلِيها.

والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِاعْتِبارِ أنَّهم أُمَّةٌ يَخْلُفُ بَعْضُ أجْيالِها بَعْضًا، وأنَّها رَسَخَتْ فِيها أخْلاقٌ مُتَماثِلَةٌ وعَوائِدُ مُتَّبَعَةٌ بِحَيْثُ يَكُونُ الخَلَفُ مِنهم فِيها عَلى ما كانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ؛ فَلِذَلِكَ أُسْنِدَتِ الأفْعالُ الواقِعَةُ في عُصُورٍ مُتَفاوِتَةٍ إلى ضَمائِرِهِمْ مَعَ اخْتِلافِ الفاعِلِينَ، فَإنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا بَعْضَ الأنْبِياءِ فَرِيقٌ غَيْرُ الَّذِينَ اقْتَصَرُوا عَلى التَّكْذِيبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском