Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:75–81
5:75Page 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
صفحة ٢٨٥
اسْتِئْنافٌ لِتِبْيانِ وصْفِ المَسِيحِ في نَفْسِ الأمْرِ ووَصْفِ أُمِّهِ زِيادَةً في إبْطالِ مُعْتَقَدِ النَّصارى إلَهِيَّةِ المَسِيحِ وإلَهِيَّةِ أُمِّهِ، إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ قَوْلَهم إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أرادُوا بِهِ إلَهِيَّةَ المَسِيحِ. وذَلِكَ مُعْتَقَدُ جَمِيعِ النَّصارى. وفَرَّعَتْ طائِفَةٌ مِنَ النَّصارى يُلَقَّبُونَ (بِـ الرَّكُوسِيَّةِ) وهم أهْلُ مِلَّةٍ نَصْرانِيَّةٍ صابِئَةٍ عَلى إلَهِيَّةِ عِيسى إلَهِيَّةَ أُمِّهِ ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ مُعْتَقَدُهم لَما وقَعَ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ مَرْيَمَ ولا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى بَشَرِيَّتِها بِأنَّهُما كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ.
فَقَوْلُهُ ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ﴾ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيِ المَسِيحُ مَقْصُورٌ عَلى صِفَةِ الرِّسالَةِ لا يَتَجاوَزُها إلى غَيْرِها، وهي الإلَهِيَّةُ. فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ لِرَدِّ اعْتِقادِ النَّصارى أنَّهُ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ أُرِيدَ بِها أنَّهُ مُساوٍ لِلرُّسُلِ الآخَرِينَ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا في هَذا الوَصْفِ ولا هو مُخْتَصٌّ فِيهِ بِخُصُوصِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ في وصْفِ الرِّسالَةِ. فَلا شُبْهَةَ لِلَّذِينَ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ، إذْ لَمْ يَجِئْ بِشَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وما جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ إلّا مُعْجِزاتٌ كَما جَرَتْ عَلى أيْدِي رُسُلٍ قَبْلَهُ، وإنِ اخْتَلَفَتْ صِفاتُها فَقَدْ تَساوَتْ في أنَّها خَوارِقُ عاداتٍ ولَيْسَ بَعْضُها بِأعْجَبَ مِن بَعْضٍ، فَما كانَ إحْياؤُهُ المَوْتى بِحَقِيقٍ أنْ يُوهِمَ إلَهِيَّتَهُ. وفي هَذا نِداءٌ عَلى غَباوَةِ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا عَلى إلَهِيَّتِهِ بِأنَّهُ أحْيا المَوْتى مِنَ الحَيَوانِ فَإنَّ مُوسى أحْيا العَصا وهي جَمادٌ فَصارَتْ حَيَّةً.
وجُمْلَةُ ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ﴾ . والقَصْدُ مِن وصْفِها بِأنَّها صِدِّيقَةٌ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَها وصْفٌ أعْلى مِن ذَلِكَ، وهو
صفحة ٢٨٦
وصْفُ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ المَقامَ لِإبْطالِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، إذْ جَعَلُوا مَرْيَمَ الأُقْنُومَ الثّالِثَ. وهَذا هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ إذْ قالَ: أيْ وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ. مَعَ أنَّ الجُمْلَةَ لا تَشْتَمِلُ عَلى صِيغَةِ حَصْرٍ. وقَدْ وجَّهَهُ العَلّامَةُ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ ”الحَصْرُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ والعَطْفِ“، أيْ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. وفي قَوْلِ التَّفْتَزانِيِّ: والعَطْفِ، نَظَرٌ.
والصِّدِّيقَةُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، مِثْلَ شِرِّيبٍ ومِسِّيكٍ، مُبالَغَةٌ في الشُّرْبِ والمَسْكِ، ولَقَبِ امْرِئِ القَيْسِ بِالمَلِكِ الضِّلِّيلِ، لِأنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إلى ما يَسْتَرْجِعُ بِهِ مُلْكَ أبِيهِ. والأصْلُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِنَ المُجَرَّدِ الثُّلاثِيِّ. فالمَعْنى المُبالَغَةُ في وصْفِها بِالصِّدْقِ، أيْ صِدْقِ وعَدِ رَبِّها، وهو مِيثاقُ الإيمانِ وصِدْقُ وعْدِ النّاسِ. كَما وُصِفَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] . وقَدْ لُقِّبَ يُوسُفُ بِالصِّدِّيقِ، لِأنَّهُ صَدَّقَ وعْدَ رَبِّهِ في الكَفِّ عَنِ المُحَرَّماتِ مَعَ تَوَفُّرِ أسْبابِها. وقِيلَ: أُرِيدَ هُنا وصْفَها بِالمُبالَغَةِ في التَّصْدِيقِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢]، كَما لُقِّبَ أبُو بَكْرٍ بِالصِّدِّيقِ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، فَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ المَزِيدِ.
وقَوْلُهُ ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى مَفْهُومِ القَصْرِ الَّذِي هو نَفْيُ إلَهِيَّةِ المَسِيحِ وأُمِّهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبِلَها لِأنَّ الدَّلِيلَ بِمَنزِلَةِ البَيانِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ عَلى بَشَرِيَّتِهِما بِإثْباتِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ البَشَرِ، وهي أكْلُ الطَّعامِ. وإنَّما اخْتِيرَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ مِن بَيْنِ صِفاتٍ كَثِيرَةٍ لِأنَّها ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ لِلنّاسِ، ولِأنَّها أثْبَتَتْها الأناجِيلُ؛ فَقَدْ أثْبَتَتْ أنَّ مَرْيَمَ أكَلَتْ ثَمَرَ النَّخْلَةِ حِينَ مَخاضِها، وأنَّ عِيسى أكَلَ مَعَ الحَوارِيِّينَ يَوْمَ الفِصْحِ خُبْزًا وشَرِبَ خَمْرًا، وفي إنْجِيلِ لُوقا إصْحاحُ ٢٢ ”وقالَ لَهُمُ اشْتَهَيْتُ أنْ آكُلَ هَذا الفِصْحَ مَعَكم قَبْلَ أنْ أتَألَّمَ لِأنِّي لا آكُلُ مِنهُ بَعْدُ، وفي الصُّبْحِ إذْ كانَ راجِعًا في المَدِينَةِ جاعَ“ .
صفحة ٢٨٧
وقَوْلُهُ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ الَّذِينَ ادَّعَوْا الإلَهِيَّةَ لِعِيسى. والخِطابُ مُرادٌ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وهو كُلُّ مَن سَمِعَ الحُجَجَ السّابِقَةَ. واسْتَعْمَلَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ في الأمْرِ بِالعِلْمِ لِتَشْبِيهِ العالِمِ بِالرَّأْيِ والعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ في الوُضُوحِ والجَلاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ. وقَدْ أفادَ ذَلِكَ مَعْنى التَّعْجِيبِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. والمُرادُ هو وأهْلُ القُرْآنِ.
وكَيْفَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ انْظُرْ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْنِ، وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ لِـ انْظُرْ، والمَعْنى انْظُرْ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ. وأُرِيدَ مَعَ الِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبُ كِنايَةً، أيِ انْظُرْ ذَلِكَ تَجِدْ جَوابَكَ أنَّهُ بَيانٌ عَظِيمُ الجَلاءِ يَتَعَجَّبُ النّاظِرُ مِن وُضُوحِهِ.
والآياتُ جَمْعُ آيَةٍ، وهي العَلامَةُ عَلى وُجُودِ المَطْلُوبِ، اسْتُعِيرَتْ لِلْحُجَّةِ والبُرْهانِ لِشُبْهَةٍ بِالمَكانِ المَطْلُوبِ عَلى طَرِيقَةِ المُكَنِّيَةِ، وإثْباتُ الآياتِ لَهُ تَخْيِيلٌ، شُبِّهَتْ بِآياتِ الطَّرِيقِ الدّالَّةِ عَلى المَكانِ المَطْلُوبِ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ والمَقْصُودُ أنَّ التَّأمُّلَ في بَيانِ الآياتِ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِنَ العَجَبِ مِن وُضُوحِ البَيانِ إلى أعْجَبَ مِنهُ وهو انْصِرافُهم عَنِ الحَقِّ مَعَ وُضُوحِهِ.
ويُؤْفَكُونَ يُصْرَفُونَ، يُقالُ: أفَكَهُ مِن بابِ ضَرَبَ، صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ.
و(أنّى) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى مِن أيْنَ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى كَيْفَ. وهو هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَيْفَ (كَما) في الكَشّافِ، وعَلَيْهِ فَإنَّما عَدَلَ عَنْ إعادَةِ (كَيْفَ) تَفَنُّنًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مِن أيْنَ، والمَعْنى التَّعْجِيبُ مِن أيْنَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمُ الصَّرْفُ عَنِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ بَعْدَ ذَلِكَ البَيانِ البالِغِ غايَةَ الوُضُوحِ حَتّى كانَ بِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ مِن وُضُوحِهِ. وقَدْ عَلَّقَ بِـ (أنّى) فِعْلَ (انْظُرْ) الثّانِي عَنِ العَمَلِ وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ يُؤْفَكُونَ اخْتِصارًا، لِظُهُورِ أنَّهم يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي بَيَّنَتْهُ لَهُمُ الآياتُ.
5:76Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
صفحة ٢٨٨
﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
لَمّا كانَ الكَلامُ السّابِقُ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ خِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنِفَةً أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُبَلِّغَهم ما عَنَوْا بِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ أتَعْبُدُونَ خِطابٌ لِجَمِيعِ مَن يَعْبُدُ شَيْئًا مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ والنَّصارى. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّغْلِيطِ مَجازًا.
ومَعْنى ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غَيْرُ اللَّهِ. فَمِن لِلتَّوْكِيدِ، و(دُونَ) اسْمٌ لِلْمُغايِرِ، فَهو مُرادِفٌ لِسِوى، أيْ أتَعْبُدُونَ مَعْبُودًا هو غَيْرُ اللَّهِ، أيْ أتُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ. ولَيْسَ المَعْنى أتَعْبُدُونَ مَعْبُودًا وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. وانْظُرْ ما فَسَّرْنا بِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، فالمُخاطَبُونَ كُلُّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ في العِبادَةِ حَتّى الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فَهم ما عَبَدُوا المَسِيحَ إلّا لِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ حَلَّ فِيهِ فَقَدْ عَبَدُوا اللَّهَ فِيهِ، فَشَمَلَ هَذا الخِطابُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ونَصارى العَرَبِ كُلِّهِمْ.
ولِذَلِكَ جِيءَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ دُونَ (مَن) لِأنَّ مُعْظَمَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ أشْياءُ لا تَعْقِلُ، وقَدْ غَلَبَ (ما) لِما لا يَعْقِلُ. ولَوْ أُرِيدَ بِـ (ما لا يَمْلِكُ) عِيسى وأُمُّهُ كَما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ وجُعِلَ الخِطابُ خاصًّا بِالنَّصارى كانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِـ (ما) صَحِيحًا لِأنَّها تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ (مَن)، وكَثُرَ في الكَلامِ بِحَيْثُ يَكْثُرُ عَلى التَّأْوِيلِ. ولَكِنْ قَدْ يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِمَن أظْهَرَ.
ومَعْنى لا يَمْلِكُ ضَرًّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ مَعْنى المِلْكِ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِدُونِ مُعارِضٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى اسْتِطاعَةِ التَّصَرُّفِ في الأشْياءِ بِدُونِ عَجْزٍ، كَما قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرَ فَتْقَـهَـا يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
صفحة ٢٨٩
فَإنَّ كَفَّهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ لا مَحالَةَ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ تَمَكَّنَ مِن كَفِّهِ تَمامَ التَّمَكُّنِ فَدَفَعَ بِهِ الرُّمْحَ دَفْعَةً عَظِيمَةً لَمْ تَخُنْهُ فِيها كَفُّهُ. ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ نَشَأ إطْلاقُ المِلْكِ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ القَوِيَّةِ الثّابِتَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ كَما وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [يونس: ٤٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . فَقَدْ تَعَلَّقَ فِعْلُ المِلْكِ فِيها بِمَعانٍ لا بِأشْياءَ وذَواتٍ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى جَعْلِ المِلْكَ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ القَوِيَّةِ، ألا تَرى إلى عَطْفِ نَفْيٍ عَلى نَفْيِ المِلْكِ عَلى وجْهِ التَّرَقِّي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] في سُورَةِ النَّحْلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا اسْتِعْمالٌ آخَرُ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
وقَدَّمَ الضَّرَّ عَلى النَّفْعِ لِأنَّ النُّفُوسَ أشَدُّ تَطَلُّعًا إلى دَفْعِهِ مِن تَطَلُّعِها إلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَكانَ أعْظَمُ ما يَدْفَعُهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ أنْ يَسْتَدْفِعُوا بِها الأضْرارَ بِالنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وبِتَجَنُّبِها إلْحاقَ الإضْرارِ بِعابِدِيها.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ لا تَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا وُقُوعُ الأضْرارِ بِهِمْ وتَخَلُّفُ النَّفْعِ عَنْهم.
فَجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، قُصِرَ بِواسِطَةِ تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ وضَمِيرِ الفَصْلِ، سَبَبُ النَّجْدَةِ والإغاثَةِ في حالَيِ السُّؤالِ وظُهُورِ الحالَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصْرَ ادِّعاءٍ بِمَعْنى الكَمالِ، أيْ ولا يَسْمَعُ كُلَّ دُعاءٍ ويَعْلَمُ كُلَّ احْتِياجٍ إلّا اللَّهُ تَعالى، أيْ لا عِيسى ولا غَيْرُهُ مِمّا عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ.
فالواوُ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ واوُ الحالِ. وفي مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَحْقِيقٌ لِإبْطالِ عِبادَتِهِمْ عِيسى ومَرْيَمَ مِن ثَلاثَةِ طُرُقٍ: طَرِيقُ القَصْرِ، وطَرِيقُ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وطَرِيقُ جُمْلَةِ الحالِ بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةٍ.
5:77Page 121
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."
صفحة ٢٩٠
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ .
الخِطابُ لِعُمُومِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.
والغُلُوُّ مَصْدَرُ غَلا في الأمْرِ: إذا جاوَزَ حَدَّهُ المَعْرُوفَ. فالغُلُوُّ الزِّيادَةُ في عَمَلٍ عَلى المُتَعارَفِ مِنهُ بِحَسَبِ العَقْلِ أوِ العادَةِ أوِ الشَّرْعِ.
وقَوْلُهُ غَيْرَ الحَقِّ مَنصُوبٌ عَلى النِّيابَةِ عَنْ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِفِعْلِ تَغْلُوا أيْ غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ، وغَيْرُ الحَقِّ هو الباطِلُ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ باطِلًا إلى غَيْرِ الحَقِّ لِما في وصْفِ غَيْرِ الحَقِّ مِن تَشْنِيعِ المَوْصُوفِ. والمُرادُ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْحَقِّ المَعْرُوفِ فَهو مَذْمُومٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ مَحْمُودٌ فَغَيْرُهُ مَذْمُومٌ. وأُرِيدَ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلصَّوابِ احْتِرازًا عَنِ الغُلُوِّ الَّذِي لا ضَيْرَ فِيهِ، مِثْلَ المُبالَغَةِ في الثَّناءِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ مِن غَيْرِ تَجاوُزٍ لِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] في سُورَةِ النِّساءِ. فَمِن غُلُوِّ اليَهُودِ تَجاوزُهُمُ الحَدَّ في التَّمَسُّكِ بِشَرْعِ التَّوْراةِ بَعْدَ رِسالَةِ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومِن غُلُوِّ النَّصارى دَعْوى إلَهِيَّةِ عِيسى وتَكْذِيبُهم مُحَمَّدًا ﷺ . ومِنَ الغُلُوِّ الَّذِي لَيْسَ باطِلًا ما هو مِثْلُ الزِّيادَةِ في الوُضُوءِ عَلى ثَلاثِ غَسَلاتٍ فَإنَّهُ مَكْرُوهٌ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ، وهو عَطْفُ عامٍّ مِن وجْهٍ عَلى خاصٍّ مِن وجْهٍ؛ فَفِيهِ فائِدَةُ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وهَذا نَهْيٌ لِأهْلِ الكِتابِ الحاضِرِينَ عَنْ مُتابَعَةِ تَعالِيمِ الغُلاةِ مِن أحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ الَّذِينَ أساءُوا فَهْمَ الشَّرِيعَةِ عَنْ هَوًى مِنهم مُخالِفٍ لِلدَّلِيلِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ تَغالِيهِمْ أهْواءً؛ لِأنَّها كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ كانَ المُخاطَبُونَ لا يَعْرِفُونَ أنَّها أهْواءٌ فَضَلُّوا ودَعَوْا إلى ضَلالَتِهِمْ
صفحة ٢٩١
فَأضَلُّوا كَثِيرًا مِثْلَ (قِيافا) حَبْرِ اليَهُودِ الَّذِي كَفَّرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحَكَمَ بِأنَّهُ يُقْتَلُ، ومِثْلَ (المَجْمَعِ المَلْكانِيِّ) الَّذِي سَجَّلَ عَقِيدَةَ التَّثْلِيثِ.
وقَوْلُهُ (مِن قَبْلُ) مَعْناهُ مِن قَبْلِكم. وقَدْ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ حَذْفُ ما تُضافُ إلَيْهِ قَبْلُ وبَعْدُ وغَيْرُ وحَسْبُ ودُونَ وأسْماءُ الجِهاتِ، وكَثُرَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأسْماءُ مَبْنِيَّةً عَلى الضَّمِّ حِينَئِذٍ، ويَنْدُرَ أنْ تَكُونَ مُعَرَّبَةً إلّا إذا نُكِّرَتْ. وقَدْ وجَّهَ النَّحْوِيُّونَ حالَةَ إعْرابِ هَذِهِ الأسْماءِ إذا لَمْ تُنَكَّرُ بِأنَّها عَلى تَقْدِيرِ لَفْظِ المُضافِ إلَيْهِ تَفْرِقَةً بَيْنَ حالَةِ بِنائِها الغالِبَةِ وحالَةِ إعْرابِها النّادِرَةِ، وهو كَشْفٌ لِسِرٍّ لَطِيفٍ مِن أسْرارِ اللُّغَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا ضَلالٌ آخَرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ سَواءَ السَّبِيلِ الَّذِي ضَلُّوا عَنْهُ هو الإسْلامُ.
والسَّواءُ المُسْتَقِيمُ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْحَقِّ الواضِحِ، أيْ قَدْ ضَلُّوا في دِينِهِمْ مِن قَبْلِ مَجِيءِ الإسْلامِ وضَلُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الإسْلامِ.
وقِيلَ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ يا أهْلَ الكِتابِ لِلنَّصارى خاصَّةً، لِأنَّهُ ورَدَ عَقِبَ مُجادَلَةِ النَّصارى وأنَّ المُرادَ بِالغُلُوِّ التَّثْلِيثُ، وأنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ ضَلُّوا مِن قَبْلُ هُمُ اليَهُودُ. ومَعْنى النَّهْيِ عَنْ مُتابَعَةِ أهْوائِهِمُ النَّهْيُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ بِحَيْثُ إذا تَأمَّلَ المُخاطَبُونَ وجَدُوا أنْفُسَهم قَدِ اتَّبَعُوهم وإنْ لَمْ يَكُونُوا قاصِدِينَ مُتابَعَتِهِمْ؛ فَيَكُونُ الكَلامُ تَنْفِيرًا لِلنَّصارى مِن سُلُوكِهِمْ في دِينِهِمُ المُماثِلِ لِسُلُوكِ اليَهُودِ، لِأنَّ النَّصارى يَبْغَضُونَ اليَهُودَ ويَعْرِفُونَ أنَّهم عَلى ضَلالٍ.
5:78–79Page 121
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩
They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
صفحة ٢٩٢
جُمْلَةُ لُعِنَ مُسْتَأْنِفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا فِيها تَخَلُّصٌ بَدِيعٌ لِتَخْصِيصِ اليَهُودِ بِالإنْحاءِ عَلَيْهِمْ دُونَ النَّصارى. وهي خَبَرِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]، تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ الدَّلِيلِ، لِأنَّ فِيها اسْتِدْلالًا عَلى اليَهُودِ بِما في كُتُبِهِمْ وبِما في كُتُبِ النَّصارى. والمَقْصُودُ إثْباتُ أنَّ الضَّلالَ مُسْتَمِرٌّ فِيهِمْ فَإنَّ ما بَيْنَ داوُدَ وعِيسى أكْثَرُ مِن ألْفِ سَنَةٍ.
و(عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُسْتَعْمَلِ في تَمَكُّنِ المُلابَسَةِ، فَهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِمَعْنى باءِ المُلابَسَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، قُصِدَ مِنها المُبالَغَةُ في المُلابَسَةِ، أيْ لُعِنُوا بِلِسانِ داوُدَ، أيْ بِكَلامِهِ المُلابِسِ لِلِسانِهِ. وقَدْ ورَدَ في سِفْرِ المُلُوكِ وفي سِفْرِ المَزامِيرِ أنَّ داوُدَ لَعَنَ الَّذِينَ يُبَدِّلُونَ الدِّينَ، وجاءَ في المَزْمُورِ الثّالِثِ والخَمْسِينَ ”اللَّهُ مِنَ السَّماءِ أشْرَفَ عَلى بَنِي البَشَرِ لِيَنْظُرَ هَلْ مِن فاهِمٍ طالِبٍ اللَّهَ كُلُّهم قَدِ ارْتَدُّوا مَعًا فَسَدُوا“، ثُمَّ قالَ ”أخْزَيْتُهم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ رَفَضَهم لَيْتَ مِن صُهْيُونَ خَلاصَ إسْرائِيلَ“ . وفي المَزْمُورِ ١٠٩ ”قَدِ انْفَتَحَ عَلَيَّ فَمُ الشِّرِّيرِ وتَكَلَّمُوا مَعِيَ بِلِسانٍ كَذِبٍ أحاطُوا بِي وقاتَلُونِي بِلا سَبَبٍ“، ثُمَّ قالَ ”يَنْظُرُونَ إلَيَّ ويُنْغِضُونَ رُءُوسَهم“ . ثُمَّ قالَ ”أمّا هم فَيُلْعَنُونَ وأمّا أنْتَ فَتُبارَكُ، قامُوا وخُزُوا أمّا عَبْدُكَ فَيَفْرَحُ“ ذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَدْ ثارُوا عَلى داوُدَ مَعَ ابْنِهِ ابْشُلُومَ. وكَذَلِكَ لَعْنُهم عَلى لِسانِ عِيسى مُتَكَرَّرٌ في الأناجِيلِ.
وذَلِكَ إشارَةٌ إلى اللَّعْنِ المَأْخُوذِ مِن لُعِنَ أوْ إلى الكَلامِ السّابِقِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ كَأنَّ سائِلًا يَسْألُ عَنْ مُوجِبِ هَذا اللَّعْنِ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ وعُدْوانِهِمْ، أيْ لَمْ يَكُنْ بِلا سَبَبٍ. وقَدْ أفادَ اسْمُ الإشارَةِ مَعَ باءِ السَّبَبِيَّةِ ومَعَ وُقُوعِهِ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أفادَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ مُفادَ القَصْرِ، أيْ لَيْسَ لَعْنُهم إلّا بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ ولَيْسَ في الكَلامِ صِيغَةُ قَصْرٍ، فالحَصْرُ مَأْخُوذٌ مِن مَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. وهَذِهِ النُّكْتَةُ مِن غَرَرِ صاحِبِ الكَشّافِ. والمَقْصُودُ مِنَ الحَصْرِ أنْ لا يَضِلَّ النّاسُ في تَعْلِيلِ سَبَبِ اللَّعْنِ فَرُبَّما أسْنَدُوهُ إلى سَبَبٍ غَيْرِ ذَلِكَ عَلى عادَةِ الضُّلّالِ في العِنايَةِ بِالسَّفاسِفِ
صفحة ٢٩٣
والتَّفْرِيطِ في المُهِمّاتِ، لِأنَّ التَّفَطُّنَ لِأسْبابِ العُقُوبَةِ أوَّلُ دَرَجاتِ التَّوْفِيقِ. ومَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ البُلْهِ مِنَ النّاسِ تُصِيبُهُمُ الأمْراضُ المُعْضِلَةُ فَيَحْسَبُونَها مِن مَسِّ الجِنِّ أوْ مِن عَيْنٍ أصابَتْهم ويُعْرِضُونَ عَنِ العِلَلِ والأسْبابِ فَلا يُعالِجُونَها بِدَوائِها.
و(ما) في قَوْلِهِ بِما عَصَوْا مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِعِصْيانِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُعْتَدِينَ، فَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالمَصْدَرَيْنِ إلى التَّعْبِيرِ بِالفِعْلَيْنِ مَعَ (ما) المَصْدَرِيَّةِ لِيُفِيدَ الفِعْلانِ مَعْنى تَجَدُّدِ العِصْيانِ واسْتِمْرارِ الِاعْتِداءِ مِنهم، ولِتُفِيدَ صِيغَةُ المُضِيِّ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ قَدِيمٌ فِيهِمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ أنَّهُ مُتَكَرِّرُ الحُدُوثِ. فالعِصْيانُ هو مُخالَفَةُ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى. والِاعْتِداءُ هو إضْرارُ الأنْبِياءِ. وإنَّما عَبَّرَ في جانِبِ العِصْيانِ بِالماضِي لِأنَّهُ تَقَرَّرَ فَلَمْ يَقْبَلِ الزِّيادَةَ، وعَبَّرَ في جانِبِ الِاعْتِداءِ بِالمُضارِعِ لِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ، فَإنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والمُنافَقَةِ ومُحاوَلَةِ الفَتْكِ والكَيْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾، وهو أنْ يُقالَ كَيْفَ تَكُونُ أُمَّةٌ كُلُّها مُتَمالِئَةً عَلى العِصْيانِ والِاعْتِداءِ، فَقالَ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ . وذَلِكَ أنَّ شَأْنَ المَناكِرِ أنْ يَبْتَدِئَها الواحِدُ أوِ النَّفَرُ القَلِيلُ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا مَن يُغَيِّرُ عَلَيْهِمْ تَزايَدُوا فِيها فَفَشَتْ واتَّبَعَ فِيها الدَّهْماءُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى تَعُمَّ ويُنْسى كَوْنُها مَناكِرَ فَلا يَهْتَدِي النّاسُ إلى الإقْلاعِ عَنْها والتَّوْبَةِ مِنها فَتُصِيبَهم لَعْنَةُ اللَّهِ. وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ مِن طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِألْفاظٍ مُتَقارِبَةٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَلْقى الرَّجُلَ إذا رَآهُ عَلى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وخَلِيطَهُ وشَرِيكَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ قَرَأ» ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ أوْ لَيَلْعَنَّكم كَما لَعَنَهم» .
صفحة ٢٩٤
وأطْلَقَ التَّناهِيَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ عَلى نَهْيِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ وأنَّ ناهِيَ فاعِلِ المُنْكَرِ مِنهم هو بِصَدَدِ أنْ يَنْهاهُ المَنهِيُّ عِنْدَما يَرْتَكِبُ هو مُنْكَرًا فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّناهِي، فالمُفاعَلَةُ مُقَدَّرَةٌ ولَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، والقَرِينَةُ عُمُومُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ فَعَلُوهُ، فَإنَّ المُنْكَرَ إنَّما يَفْعَلُهُ بَعْضُهم ويَسْكُتُ عَلَيْهِ البَعْضُ الآخَرُ، ورُبَّما فَعَلَ البَعْضُ الآخَرُ مُنْكَرًا آخَرَ وسَكَتَ عَلَيْهِ البَعْضُ الَّذِي كانَ فَعَلَ مُنْكَرًا قَبْلَهُ وهَكَذا، فَهم يُصانِعُونَ أنْفُسَهم.
والمُرادُ بِما يَفْعَلُونَ تَرْكُهُمُ التَّناهِي.
وأطْلَقَ عَلى تَرْكِ التَّناهِي لَفْظَ الفِعْلِ في قَوْلِهِ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ تَرْكٌ، لِأنَّ السُّكُوتَ عَلى المُنْكَرِ لا يَخْلُو مِن إظْهارِ الرِّضا بِهِ والمُشارَكَةِ فِيهِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ لِلْقائِلِينَ مِن أئِمَّةِ الكَلامِ مِنَ الأشاعِرَةِ بِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ إلّا بِفِعْلٍ، وأنَّ المُكَلَّفَ بِهِ في النَّهْيِ فِعْلٌ، وهو الِانْتِهاءُ، أيِ الكَفُّ، والكَفُّ فِعْلٌ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ التَّرْكَ هُنا فِعْلًا. وقَدْ أكَّدَ فِعْلَ الذَّمِّ بِإدْخالِ لامِ القَسَمِ عَلَيْهِ لِلْإقْصاءِ في ذَمِّهِ.
5:80–81Page 121
تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠
You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.
وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١
And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.
﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيءِ وما أُنْزِلِ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ذُكِرَ بِهِ حالُ طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وأظْهَرُوا الإسْلامَ وهم مُعْظَمُ المُنافِقِينَ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لِأنَّهُ لا يُسْتَغْرَبُ إلّا لِكَوْنِهِ صادِرًا مِمَّنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ فَهَذا انْتِقالٌ لِشَناعَةِ المُنافِقِينَ. والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَرى بَصَرِيَّةٌ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ. والمُرادُ بِـ كَثِيرٌ مِنهم كَثِيرٌ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَرى، وذَلِكَ
صفحة ٢٩٥
أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ أظْهَرُوا الإسْلامَ نِفاقًا، نَظَرًا لِإسْلامِ جَمِيعِ أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ فاسْتَنْكَرَ اليَهُودُ أنْفُسَهم فِيها، فَتَظاهَرُوا بِالإسْلامِ لِيَكُونُوا عَيْنًا لِيَهُودِ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. ومَعْنى يَتَوَلَّوْنَ يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءً. والمُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ بَقُوا عَلى الشِّرْكِ. ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ رَئِيسُ اليَهُودِ فَإنَّهُ كانَ مُوالِيًا لِأهْلِ مَكَّةَ وكانَ يُغْرِيهِمْ بِغَزْوِ المَدِينَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُمُ المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] .
وقَوْلُهُ ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (أنْ) فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ الماضِي وهو جائِزٌ، كَما في الكَشّافِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ [الإسراء: ٧٤]، والمَصْدَرُ المَأْخُوذُ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ. والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ بِهِمْ أنْفُسُهم سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَسُخْطُ اللَّهِ مَذْمُومٌ. وقَدْ أفادَ هَذا المَخْصُوصُ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ غَضَبًا خاصًّا لِمُوالاتِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وذَلِكَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ في الكَلامِ فَهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المُرادَ بِسُخْطِ اللَّهِ هو اللَّعْنَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨] . وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم مَعْلُومٌ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيءِ﴾ إلَخْ. الواوُ لِلْحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المُرادِ بِهِمُ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ بِقَرِينَةِ ما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ إيمانًا صادِقًا ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءً. والمُرادُ بِالنَّبِيءِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وبِما أُنْزِلَ إلَيْهِ القُرْآنُ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيءَ نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، والقُرْآنُ نَهى عَنْ ذَلِكَ في غَيْرِ ما آيَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقَدْ جَعَلَ مُوالاتَهم لِلْمُشْرِكِينَ عَلامَةً عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِطَرِيقَةِ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ أعْداءُ الرَّسُولِ فَمُوالاتُهم لَهم عَلامَةٌ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٢٩٦
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ هو اسْتِثْناءُ القِياسِ، أيْ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فاسِقُونَ. فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ تَرى كَثِيرًا مِنهم. وفاسِقُونَ كافِرُونَ، فَلا عَجَبَ في مُوالاتِهِمُ المُشْرِكِينَ لِاتِّحادِهِمْ في مُناواةِ الإسْلامِ. فالمُرادُ بِالكَثِيرِ في قَوْلِهِ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ عَيْنُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أُعِيدَتِ النَّكِرَةُ نَكِرَةً وهي عَيْنُ الأُولى إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ إعادَتُها مَعْرِفَةً. ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] . ولَيْسَ ضَمِيرٌ مِنهم عائِدًا إلى (كَثِيرًا) إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الكَثِيرَ مِنَ الكَثِيرِ فاسِقُونَ بَلِ المُرادُ كُلُّهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences