Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:87–89
5:87–88Page 122
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧
O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨
And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأحْكامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ، وتَكْمِلَةٌ عَلى صُورَةِ التَّفْرِيعِ جاءَتْ لِمُناسَبَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الثَّناءِ عَلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ. وإذْ قَدْ كانَ مِن سُنَّتِهِمُ المُبالَغَةُ في الزُّهْدِ وأحْدَثُوا رَهْبانِيَّةً مِنَ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّزَوُّجِ وعَنْ أكْلِ اللُّحُومِ وكَثِيرٍ مِنَ الطَّيِّباتِ كالتَّدَهُّنِ وتَرْفِيهِ الحالَةِ وحُسْنِ اللِّباسِ. نَبَّهَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّ الثَّناءَ عَلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ لا يَقْتَضِي اطِّرادَ الثَّناءِ عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِمُ الرَّهْبانِيَّةِ. وصادَفَ أنْ كانَ بَعْضُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ طَمَحَتْ نُفُوسُهم إلى التَّقَلُّلِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِلَذائِذِ العَيْشِ اقْتِداءً بِصاحِبِهِمْ سَيِّدِ الزّاهِدِينَ ﷺ . رَوى الطَّبَرِيُّ والواحِدِيُّ «أنَّ نَفَرًا تَنافَسُوا في الزُّهْدِ. فَقالَ أحَدُهم: أمّا أنا فَأقُومُ اللَّيْلَ
صفحة ١٤
لا أنامُ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَأصُومُ النَّهارَ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا آتِي النِّساءَ، فَبَلَغَ خَبَرُهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ألَمْ أُنَبَّأْ أنَّكم قُلْتُمْ كَذا ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أرَدْنا إلّا الخَيْرَ، قالَ: لَكِنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآتِي النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومَعْنى هَذا في صَحِيحَيِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ ولَيْسَ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
ورُوِيَ «أنَّ ناسًا مِنهم، وهم: أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو ذَرٍّ، وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، وسَلْمانُ الفارِسِيِّ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ اجْتَمَعُوا في دارِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَرْفُضُوا أشْغالَ الدُّنْيا، ويَتْرُكُوا النِّساءَ ويَتَرَهَّبُوا. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ فَغَلَّظَ فِيهِمُ المَقالَةَ، ثُمَّ قالَ: إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأُولَئِكَ بَقاياهم في الدِّيارِ والصَّوامِعِ» . فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ. . وهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الِاجْتِماعَ كانَ في أوَّلِ مُدَّةِ الهِجْرَةِ لِأنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ دارٌ بِالمَدِينَةِ وأسْكَنَهُ النَّبِيءُ ﷺ في دارِ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ الَّتِي قِيلَ: إنَّها زَوْجَةُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وتُوُفِّيَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ. وفي رِوايَةٍ: أنَّ ناسًا قالُوا إنِ النَّصارى قَدْ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَنَحْنُ نُحَرِّمُ عَلى أنْفُسِنا بَعْضَ الطَّيِّباتِ، فَحَرَّمَ بَعْضُهم عَلى نَفْسِهِ أكَلَ اللَّحْمِ، وبَعْضُهُمُ النَّوْمَ، وبَعْضُهُمُ النِّساءَ، وأنَّهم ألْزَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ بِأيْمانٍ حَلَفُوها عَلى تَرْكِ ما التَزَمُوا تَرْكَهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وهَذِهِ الأخْبارُ مُتَظافِرَةٌ عَلى وُقُوعِ انْصِرافِ بَعْضِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُبالَغَةِ في الزُّهْدِ وارِدَةٌ في الصَّحِيحِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي. «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: ألَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وتَصُومُ النَّهارَ، قُلْتُ: إنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ. قالَ: فَإنَّكَ إذا فَعَلْتَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ ونَفِهَتْ نَفْسُكَ
صفحة ١٥
وإنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ولِأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ» . . وحَدِيثِ «سَلْمانَ مَعَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ سَلْمانَ زارَ أبا الدَّرْداءِ فَصَنَعَ أبُو الدَّرْداءِ طَعامًا فَقالَ لِسَلْمانَ: كُلْ فَإنِّي صائِمٌ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُومُ، فَقالَ: نَمْ، فَنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقالَ: نَمْ، فَنامَ. فَلَمّا كانَ آخِرُ اللَّيْلِ قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ، وقالَ سَلْمانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ولِأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأتى النَّبِيءَ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقالَ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: صَدَقَ سَلْمانُ» . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ، قالَ: «أمّا أنا فَأقُومُ وأرْقُدُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» .
والنَّهْيُ إنَّما هو تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى النَّفْسِ. أمّا تَرْكُ تَناوُلِ بَعْضِ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ مِن غَيْرِ التِزامٍ ولِقَصْدِ التَّرْبِيَةِ لِلنَّفْسِ عَلى التَّصَبُّرِ عَلى الحِرْمانِ عِنْدَ عَدَمِ الوِجْدانِ، فَلا بَأْسَ بِهِ بِمِقْدارِ الحاجَةِ إلَيْهِ في رِياضَةِ النَّفْسِ. وكَذَلِكَ الإعْراضُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّيِّباتِ لِلتَّطَلُّعِ عَلى ما هو أعْلى مِن عِبادَةٍ أوْ شُغْلٍ بِعَمَلٍ نافِعٍ وهو أعْلى الزُّهْدِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخاصَّةً مِن أصْحابِهِ، وهي حالَةٌ تُناسِبُ مَرْتَبَتَهُ ولا تَتَناسَبُ مَعَ بَعْضِ مَراتِبِ النّاسِ، فالتَّطَلُّعُ إلَيْها تَعْسِيرٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ كانَ يَتَناوَلُ الطَّيِّباتِ دُونَ تَشَوُّفٍ ولا تَطَلُّعٍ، وفي تَناوُلِها شُكْرٌ لِلَّهِ تَعالى، كَما ورَدَ في قِصَّةِ أبِي الدَّحْداحِ حِينَ حَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ في حائِطِهِ وأطْعَمَهم وسَقاهم. وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: أنَّهُ دُعِيَ إلى طَعامٍ ومَعَهُ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ وأصْحابُهُ فَجَلَسُوا عَلى مائِدَةٍ فِيها ألْوانٌ مِنَ الطَّعامِ دَجاجٌ مُسَمَّنٌ وفالَوْذٌ فاعْتَزَلَ فَرْقَدٌ ناحِيَةً. فَسَألَهُ الحَسَنُ: أصائِمٌ أنْتَ، قالَ: لا ولَكِنِّي أكْرَهُ الألْوانَ لِأنِّي
صفحة ١٦
لا أُؤَدِّي شُكْرَهُ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: أفَتَشْرَبُ الماءَ البارِدَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ في الماءِ البارِدِ أكْثَرُ مِن نِعْمَتِهِ في الفالَوْذِ.
ولَيْسَ المُرادُ مِنَ النَّهْيِ أنْ يَلْفِظَ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ خاصَّةً بَلْ أنْ يَتْرُكَهُ تَشْدِيدًا عَلى نَفْسِهِ سَواءً لَفَظَ بِالتَّحْرِيمِ أمْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ.
ومِن أجْلِ هَذا النَّهْيِ اعْتُبِرَ هَذا التَّحْرِيمُ لَغْوًا في الإسْلامِ فَلَيْسَ يَلْزَمُ صاحِبَهُ في جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يَجْعَلُ الإسْلامُ لِلتَّحْرِيمِ سَبِيلًا إلَيْها وهي كُلُّ حالٍ عَدا تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ فِيمَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الحَلالِ أوْ عَمَّمَ فَقالَ: الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، أنَّهُ لا شَيْءَ في شَيْءٍ مِنَ الحَلالِ إلّا الزَّوْجَةَ فَإنَّها تَحْرُمُ عَلَيْهِ كالبَتاتِ ما لَمْ يَنْوِ إخْراجَ الزَّوْجَةِ قَبْلَ النُّطْقِ بِصِيغَةِ التَّحْرِيمِ أوْ يُخْرِجُها بِلَفْظِ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَ النُّطْقِ بِصِيغَةِ التَّحْرِيمِ، عَلى حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ في اليَمِينِ. ووَجْهُهُ أنَّ عَقْدَ العِصْمَةِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّحْرِيمُ شَرْعًا في بَعْضِ الأحْوالِ، فَكانَ التِزامُ التَّحْرِيمِ لازِمًا فِيها خاصَّةً، فَإنَّهُ لَوْ حَرَّمَ الزَّوْجَةَ وحْدَها حَرُمَتْ، فَكَذَلِكَ إذا شَمِلَها لَفْظٌ عامٌّ. ووافَقَهُ الشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الحَلالِ حَرُمَ عَلَيْهِ تَناوُلُهُ ما لَمْ يُكَفِّرْ كَفّارَةَ يَمِينٍ، فَإنْ كَفَّرَ حَلَّ لَهُ إلّا الزَّوْجَةَ. وذَهَبَ مَسْرُوقٌ وأبُو سَلَمَةَ إلى عَدَمِ لُزُومِ التَّحْرِيمِ في الزَّوْجَةِ وغَيْرِها.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ لِفُقَهاءِ الأُمَّةِ عَلى الِاحْتِرازِ في القَوْلِ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ كانَ دَلِيلُهُ غَيْرَ بالِغٍ قُوَّةَ دَلِيلِ النَّهْيِ الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا قَدْ حَرَّمُوا أشْياءَ عَلى أنْفُسِهِمْ كَما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الأنْعامِ، وقَدْ أبْطَلَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقَوْلِهِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ قَدْ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ دُفْعَةً واحِدَةً كَما
صفحة ١٧
وصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] . وكانَ قِصَرُ الزَّمانِ واتِّساعُ المَكانِ حائِلَيْنِ دُونَ رُسُوخِ شَرائِعِ الإسْلامِ فِيما بَيْنَهم، فَكانُوا في حاجَةٍ إلى الِانْتِهاءِ عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فاشِيَةٍ فِيهِمْ في مُدَّةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أيّامُ حَجَّةِ الوَداعِ وما تَقَدَّمَها وما تَأخَّرَ عَنْها.
وجُمْلَةُ (ولا تَعْتَدُوا) مُعْتَرِضَةٌ لِمُناسَبَةِ أنَّ تَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ اعْتِداءٌ عَلى ما شَرْعَ اللَّهِ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. وبِما في هَذا النَّهْيِ مِنَ العُمُومِ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.
والِاعْتِداءُ افْتِعالُ العَدُوِّ، أيِ الظُّلْمُ. وذِكْرُهُ في مُقابَلَةِ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ تَجاوُزِ حَدِّ الإذْنِ المَشْرُوعِ، كَما قالَ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] . فَلَمّا نَهى عَنْ تَحْرِيمِ الحَلالِ أرْدَفَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ اسْتِحْلالِ المُحَرَّماتِ وذَلِكَ بِالِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِ النّاسِ، وهو أشَدُّ الِاعْتِداءِ، أوْ عَلى حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى في أمْرِهِ ونَهْيِهِ دُونَ حَقِّ النّاسِ، كَتَناوُلِ الخِنْزِيرِ أوِ المَيْتَةِ. ويَعُمُّ الِاعْتِداءُ في سِياقِ النَّهْيِ جَمِيعَ جِنْسِهِ مِمّا كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِنَ العُدْوانِ، وأعْظَمُهُ الِاعْتِداءُ عَلى الضُّعَفاءِ كالوَأْدِ، وأكْلِ مالِ اليَتِيمِ، وعَضْلِ الأيامى، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِلتَّحْذِيرِ مِن كُلِّ اعْتِداءٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْكم بِالحَلالِ فَلا تَعْتَدُوهُ إلى الحَرامِ فَتَكْفُرُوا النِّعْمَةَ ولا تَتْرُكُوهُ بِالتَّحْرِيمِ فَتُعْرِضُوا عَنِ النِّعْمَةِ.
واقْتُصِرَ عَلى الأكْلِ لِأنَّ مُعْظَمَ ما حَرَّمَهُ النّاسُ عَلى أنْفُسِهِمْ هو المَآكِلُ. وكَأنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِهِمْ بِأنَّ الِاعْتِناءَ بِالمُهِمّاتِ خَيْرٌ مِنَ التَّهَمُّمِ بِالأكْلِ، كَما قالَ ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآيَةَ. وبِذَلِكَ أبْطَلَ
صفحة ١٨
ما في الشَّرائِعِ السّابِقَةِ مِن شِدَّةِ العِنايَةِ بِأحْكامِ المَأْكُولاتِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ جاءَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى، أيْ لِأنَّ شَأْنَ الإيمانِ أنْ يَقْتَضِيَ التَّقْوى، فَلَمّا آمَنتُمْ بِاللَّهِ واهْتَدَيْتُمْ إلى الإيمانِ فَكَمِّلُوهُ بِالتَّقْوى. رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ لَقِيَ الفَرَزْدَقَ في جَنازَةٍ، وكانا عِنْدَ القَبْرِ، فَقالَ الحَسَنُ لِلْفَرَزْدَقِ: ما أعْدَدْتَ لِهَذا. يَعْنِي القَبْرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَذا سَنَةً. فَقالَ الحَسَنُ: هَذا العَمُودُ، فَأيْنَ الإطْنابُ.
5:89Page 122
لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩
Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدتُّمُ الأيْمانَ فَكَفَّرَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ نَشَأ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] لِأنَّ التَّحْرِيمَ يَقَعُ في غالِبِ الأحْوالِ بِأيْمانٍ مَعْزُومَةٍ، أوْ بِأيْمانٍ تَجْرِي عَلى اللِّسانِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ الكَلامِ، كَأنْ يَقُولُ: واللَّهِ لا آكُلُ كَذا. أوْ تَجْرِي بِسَبَبِ غَضَبٍ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ مَعَ الآيَةِ السّابِقَةِ فَلا حاجَةَ لِإبْداءِ المُناسَبَةِ لِذِكْرِ هَذا بَعْدَ ما قَبْلَهُ. رَوى الطَّبَرِيُّ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] ونَهاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَمّا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْناها عَلَيْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ الآيَةَ.
صفحة ١٩
فَشَرَعَ اللَّهُ الكَفّارَةَ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في مَعْنى لَغْوِ اليَمِينِ. ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما في سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ولا في جَعْلِ مِثْلِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ الَّذِينَ نَزَلَتْ تِلْكَ الآيَةُ في شَأْنِهِمْ مِن لَغْوِ اليَمِينِ. فَتَأْوِيلُ ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ والواحِدِيُّ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حادِثَةَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْضَ الطَّيِّباتِ أُلْحِقَتْ بِحُكْمِ لَغْوِ اليَمِينِ في الرُّخْصَةِ لَهم في التَّحَلُّلِ مِن أيْمانِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾، أيْ ما قَصَدْتُمْ بِهِ الحَلِفَ. وهو يُبَيِّنُ مُجْمَلَ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ عَقَّدتُّمُ بِتَشْدِيدِ القافِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ بِتَخْفِيفِ القافِ. وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (عاقَدْتُمُ) بِألِفٍ بَعْدِ العَيْنِ مِن بابِ المُفاعَلَةِ. فَأمّا (عَقَّدتُّمُ) بِالتَّشْدِيدِ فَيُفِيدُ المُبالَغَةَ في فِعْلِ عَقَدَ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ (عاقَدْتُمُ) لِأنَّ المُفاعَلَةَ فِيهِ لَيْسَتْ عَلى بابِها، فالمَقْصُودُ مِنها المُبالَغَةُ، مِثْلُ عافاهُ اللَّهُ. وأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ فَلِأنَّ مادَّةَ العَقْدِ كافِيَةٌ في إفادَةِ التَّثْبِيتِ. والمَقْصُودُ أنَّ المُؤاخَذَةَ تَكُونُ عَلى نِيَّةِ التَّوَثُّقِ بِاليَمِينِ فالتَّعْبِيرُ عَنِ التَّوَثُّقِ بِثَلاثَةِ أفْعالٍ في كَلامِ العَرَبِ: عَقَدَ المُخَفَّفُ، وعَقَّدَ المُشَدَّدُ، وعاقَدَ.
وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ، زِيادَةً في الإيضاحِ.
والكَفّارَةُ مُبالَغَةٌ في كَفَرَ بِمَعْنى سَتَرَ وأزالَ. وأصْلُ الكَفْرِ بِفَتْحِ الكافِ السَّتْرُ.
وقَدْ جاءَتْ فِيها دَلالَتانِ عَلى المُبالَغَةِ هُما التَّضْعِيفُ والتّاءُ الزّائِدَةُ، كَتاءِ نَسّابَةٍ وعَلّامَةٍ. والعَرَبُ يَجْمَعُونَ بَيْنَهُما غالِبًا.
وقَوْلُهُ إذا حَلَفْتُمْ أيْ إذا حَلَفْتُمْ وأرَدْتُمُ التَّحَلُّلَ مِمّا حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ
صفحة ٢٠
فَدَلالَةُ هَذا مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ لِظُهُورِ أنْ لَيْسَتِ الكَفّارَةُ عَلى صُدُورِ الحَلِفِ، بَلْ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِالحَلِفِ؛ لِأنَّ مَعْنى الكَفّارَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ إثْمٍ، وذَلِكَ هو إثْمُ الحِنْثِ.
وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ الكَفّارَةِ عَلى وُقُوعِ الحِنْثِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أخَذَ بِظاهِرِ إضافَةِ كَفّارَةٍ إلى أيْمانِكم، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ أنَّ الحَلِفَ هو سَبَبُ السَّبَبِ فَإذا عَزَمَ الحالِفُ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِيَمِينِهِ بَعْدَ أنْ حَلَفَ جازَ لَهُ أنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الحِنْثِ لِأنَّهُ مِن تَقْدِيمِ العِوَضِ، ولا بَأْسَ بِهِ. ولا أحْسَبُ أنَّهُ يَعْنِي غَيْرَ ذَلِكَ. ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ مُجَرَّدَ الحَلِفِ هو مُوجِبُ الكَفّارَةِ. وإذْ قَدْ كانَ في الكَلامِ دَلالَةُ اقْتِضاءٍ لا مَحالَةَ فَلا وجْهَ لِلِاسْتِدْلالِ بِلَفْظِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ تَقْدِيمِ الكَفّارَةِ. وأصْلُ هَذا الحُكْمِ قَوْلُ مالِكٍ بِجَوازِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحِنْثِ إذا عَزَمَ عَلى الحِنْثِ. ولَمْ يَسْتَدِلْ بِالآيَةِ. فاسْتَدَلَّ بِها الشّافِعِيُّ تَأْيِيدًا لِلسُّنَّةِ. والتَّكْفِيرُ بَعْدَ الحِنْثِ أوْلى.
وعَقَّبَ التَّرْخِيصَ الَّذِي رَخَّصَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِأيْمانِ اللَّغْوِ فَقالَ ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ . فَأمَرَ بِتَوَخِّي البِرِّ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَجٌ ولا ضُرٌّ بِالغَيْرِ، لِأنَّ في البِرِّ تَعْظِيمَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى. فَقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّهم جَرى مُعْتادُهم بِأنْ يُقْسِمُوا إذا أرادُوا تَحْقِيقَ الخَبَرِ، أوْ إلْجاءَ أنْفُسِهِمْ إلى عَمَلٍ يَعْزِمُونَ عَلَيْهِ لِئَلّا يَنْدَمُوا عَنْ عَزْمِهِمْ، فَكانَ في قَوْلِهِ ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ زَجْرٌ لَهم عَنْ تِلْكَ العادَةِ السَّخِيفَةِ. وهَذا الأمْرُ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ لِئَلّا يُعَرِّضَ الحالِفُ نَفْسَهُ لِلْحِنْثِ. والكَفّارَةُ ما هي إلّا خُرُوجٌ مِنَ الإثْمِ. وقَدْ قالَ تَعالى لِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] . فَنَزَّهَهُ عَنِ الحِنْثِ بِفَتْوًى خَصَّهُ بِها.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ تَذْيِيلٌ. ومَعْنى كَذَلِكَ كَهَذا البَيانِ يُبَيِّنُ اللَّهُ، فَتِلْكَ عادَةُ شَرْعِهِ أنْ يَكُونَ بَيِّنًا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢١
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences