Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:9–13
5:9–10Page 108
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩
Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠
But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.
﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .
عُقِّبَ أمْرُهم بِالتَّقْوى بِذِكْرِ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُتَّقِينَ تَرْغِيبًا في الِامْتِثالِ، وعُطِفَ عَلَيْهِ حالُ أضْدادِ المُتَّقِينَ تَرْهِيبًا. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
ومَفْعُولُ ”وعَدَ“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ.
وجُمْلَةُ ”﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾“ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾“، فاسْتُغْنِيَ بِالبَيانِ عَنِ المَفْعُولِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا لَهم. وإنَّما عَدَلَ عَنْ هَذا النَّظْمِ لِما في إثْباتِ المَغْفِرَةِ لَهم بِطَرِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والتَّقَرُّرِ.
صفحة ١٣٧
والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ”﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾“ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهم لَمّا كانُوا أحَقَّ النّاسِ بِالجَحِيمِ وكانُوا خالِدِينَ فِيهِ جُعِلُوا كالمُنْفَرِدِينَ بِهِ، أوْ هو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ إذا كانَتْ إضافَةُ ”أصْحابُ“ مُؤْذِنَةً بِمَزِيدِ الِاخْتِصاصِ بِالشَّيْءِ كَما قالُوهُ في مُرادِفِها، وهو ذُو كَذا، كَما نَبَّهُوا عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ”﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤]“ فَيَكُونُ وجْهُ هَذا الِاخْتِصاصِ أنَّهُمُ الباقُونَ في الجَحِيمِ أبَدًا.
5:11Page 109
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .
بَعْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ [المائدة: ٧] أُعِيدَ تَذْكِيرُهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ عَلى جَمِيعِهِمْ إذْ كانَتْ فِيها سَلامَتُهم، تِلْكَ هي نِعْمَةُ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أعْدائِهِمْ لِأنَّها نِعْمَةٌ يَحْصُلُ بِها ما يَحْصُلُ مِنَ النَّصْرِ دُونَ تَجَشُّمِ مَشاقِّ الحَرْبِ ومَتالِفِها. وافْتِتاحُ الِاسْتِئْنافِ بِالنِّداءِ لِيَحْصُلَ إقْبالُ السّامِعِينَ عَلى سَماعِهِ. ولَفْظُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا وما مَعَهُ مِن ضَمائِرِ الجَمْعِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الحادِثَةَ تَتَعَلَّقُ بِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ. وقَدْ أجْمَلَ النِّعْمَةَ ثُمَّ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ”﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾“ .
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ احْتِمالاتٍ في تَعْيِينِ القَوْمِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّ المُرادَ قَوْمٌ يَعْرِفُهُمُ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ؛ فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى وقْعَةٍ مَشْهُورَةٍ أوْ قَرِيبَةٍ مِن تارِيخِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. ولَمْ أرَ فِيما ذَكَرُوهُ ما تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ. والَّذِي أحْسَبُ أنَّها تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ الأحْزابِ؛ لِأنَّها تُشْبِهُ قَوْلَهُ: ”﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩]“ الآيَةَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما كانَ مِن عَزْمِ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الغَدْرِ
صفحة ١٣٨
بِالمُسْلِمِينَ حِينَ نُزُولِ المُسْلِمِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ عامَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ عَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ. وقَدْ أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ ”﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]“ الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى عَزْمِ أهْلِ خَيْبَرَ وأنْصارِهِمْ مِن غَطَفانَ وبَنِي أسَدٍ عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ حِينَ حِصارِ خَيْبَرَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ عَزْمِهِمْ وألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ، وهي الَّتِي أشارَتْ إلَيْها آيَةُ " ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠] . وعَنْ قَتادَةَ: سَبَبُ الآيَةِ ما هَمَّتْ بِهِ بَنُو مُحارِبٍ وبَنُو ثَعْلَبَةَ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ مِنَ الحَمْلِ عَلى المُسْلِمِينَ في صَلاةِ العَصْرِ فَأشْعَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، ونَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ، وكَفَّ اللَّهُ أيْدِيَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ.
وأمّا ما يُذْكَرُ مِن غَيْرِ هَذا مِمّا هَمَّ بِهِ بَنُو النَّضِيرِ مِن قَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ جاءَهم يَسْتَعِينُهم عَلى دِيَةِ العامِرِيَّيْنِ فَتَآمَرُوا عَلى أنْ يَقْتُلُوهُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ فَخَرَجَ هو وأصْحابُهُ. وكَذا ما يُذْكَرُ مِن أنَّ المُرادَ قِصَّةُ الأعْرابِيِّ الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو قائِلٌ في مُنْصَرَفِهِ مِن إحْدى غَزَواتِهِ؛ فَذَلِكَ لا يُناسِبُ خِطابَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولا يُناسِبُ قِصَّةَ الأعْرابِيِّ لِأنَّ الَّذِي أهَمَّ بِالقَتْلِ واحِدٌ لا قَوْمٌ.
وبَسْطُ اليَدِ مَجازٌ في البَطْشِ قالَ - تَعالى -: (﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة: ٢]) ويُطْلَقُ عَلى السُّلْطَةِ مَجازًا أيْضًا، كَقَوْلِهِمْ: يَجِبُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ عَلى كُلِّ مَن بُسِطَتْ يَدُهُ في الأرْضِ، وعَلى الجُودِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: (﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤]) . وهو حَقِيقَةٌ في مُحاوَلَةِ الإمْساكِ بِشَيْءٍ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى حِكايَةً عَنِ ابْنِ آدَمَ -: (﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]) .
وأمّا كَفُّ اليَدِ فَهو مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ عَنِ السُّوءِ خاصَّةً ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠] .
صفحة ١٣٩
والأمْرُ بِالتَّقْوى عَقِبَ ذَلِكَ لِأنَّها أظْهَرُ الشُّكْرِ، فَعَطَفَ الأمْرَ بِالتَّقْوى بِالواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّقْوى مَقْصُودَةٌ لِذاتِها، وأنَّها شُكْرٌ لِلَّهِ بِدَلالَةِ وُقُوعِ الأمْرِ عَقِبَ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةٍ عُظْمى.
وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ لَهم بِالِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ. وذَلِكَ التَّوَكُّلُ يَعْتَمِدُ امْتِثالَ الأوامِرِ واجْتِنابَ المَنهِيّاتِ فَناسَبَ التَّقْوى. وكانَ مِن مَظاهِرِهِ تِلْكَ النِّعْمَةُ الَّتِي ذُكِّرُوا بِها.
5:12Page 109
۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢
And Allāh had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allāh said, "I am with you. If you establish prayer and give zakāh and believe in My messengers and support them and loan Allāh a goodly loan,1 I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."
﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ .
ناسَبَ ذِكْرُ مِيثاقِ بَنِي إسْرائِيلَ عَقِبَ ذِكْرِ مِيثاقِ المُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ [المائدة: ٧] تَحْذِيرًا مِن أنْ يَكُونَ مِيثاقُنا كَمِيثاقِهِمْ. ومَحَلُّ المَوْعِظَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ . وهَكَذا شَأْنُ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ ومَجِيءِ الإرْشادِ في قالَبِ القِصَصِ، والتَّنَقُّلِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ بِقَدْ وبِاللّامِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، كَما يَجِيءُ التَّأْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ ولَيْسَ ثَمَّ مُتَرَدَّدٌ ولا مُنَزَّلٌ مَنزِلَتَهُ.
وذِكْرُ مَواثِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والبَعْثُ أصْلُهُ التَّوْجِيهُ والإرْسالُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الإقامَةِ والإنْهاضِ
صفحة ١٤٠
كَقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] . ثُمَّ شاعَ هَذا المَجازُ حَتّى بُنِيَ عَلَيْهِ مَجازٌ آخَرُ بِإطْلاقِهِ عَلى الإقامَةِ المَجازِيَّةِ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى إثارَةِ الأشْياءِ وإنْشاءِ الخَواطِرِ في النَّفْسِ. قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى
أيْ أنَّ الحُزْنَ يُثِيرُ حُزْنًا آخَرَ. وهو هُنا يَحْتَمِلُ المَعْنى الأوَّلَ والمَعْنى الثّالِثَ.
والعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ﴾ إلى طَرِيقِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ: ”وبَعَثْنا“ التِفاتٌ.
والنَّقِيبُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ: إمّا مِن نَقَبَ إذا حَفَرَ مَجازًا، أوْ مِن نَقَّبَ إذا بَعَثَ ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ [ق: ٣٦]، وعَلى الأخِيرِ يَكُونُ صَوْغُ فَعِيلٍ مِنهُ عَلى خِلافِ القِياسِ، وهو وارِدٌ كَما صِيغَ سَمِيعٌ مِن أسْمَعَ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ
أيِ المُسْمِعُ.
ووَصْفُهُ تَعالى بِالحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكِمِ لِلْأُمُورِ. فالنَّقِيبُ المَوْكُولُ إلَيْهِ تَدْبِيرُ القَوْمِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ باحِثًا عَنْ أحْوالِهِمْ؛ فَيُطْلَقُ عَلى الرَّئِيسِ وعَلى قائِدِ الجَيْشِ وعَلى الرّائِدِ، ومِنهُ ما في حَدِيثِ بَيْعَةِ العَقَبَةِ أنَّ نُقَباءَ الأنْصارِ يَوْمَئِذٍ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
والمُرادُ بِنُقَباءِ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رُؤَساءَ جُيُوشٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رُوّادًا وجَواسِيسَ، وكِلاهُما واقِعٌ في حَوادِثِ بَنِي إسْرائِيلَ.
فَأمّا الأوَّلُ فَيُناسِبُ أنْ يَكُونَ البَعْثُ مَعَهُ بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ أقامَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَنِي إسْرائِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا عَلى جَيْشِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ المُجَنَّدِينَ، فَجَعَلَ لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا، وجَعَلَ لِسِبْطِ يُوسُفَ نَقِيبَيْنِ،
صفحة ١٤١
ولَمْ يَجْعَلْ لِسِبْطِ لاوِي نَقِيبًا، لِأنَّ اللّاوِيِّينَ كانُوا غَيْرَ مَعْدُودِينَ في الجَيْشِ إذْ هم حَفَظَةُ الشَّرِيعَةِ، فَقَدْ جاءَ في أوَّلِ سِفْرِ العَدَدِ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى: أحْصُوا كُلَّ جَماعَةِ إسْرائِيلَ بِعَشائِرِهِمْ بِعَدَدِ الأسْماءِ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ فَصاعِدًا كُلٌّ خارِجٌ لِلْحَرْبِ في إسْرائِيلَ حَسَبَ أجْنادِهِمْ، تَحْسِبُهم أنْتَ وهارُونُ، ويَكُونُ مَعَكُما رَجُلٌ لِكُلِّ سِبْطٍ رُؤُوسِ أُلُوفِ إسْرائِيلَ وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا: أمّا سِبْطُ لاوِي فَلا تَعُدَّهُ بَلْ وكُلُّ اللّاوِيِّينَ عَلى مَسْكَنِ الشَّهادَةِ وعَلى جَمِيعِ أمْتِعَتِهِ. وكانَ ذَلِكَ في الشَّهْرِ الثّانِي مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ في بَرِّيَّةِ سِينا.
وأمّا الثّانِي فَيُناسِبُ أنْ يَكُونَ البَعْثُ فِيهِ بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ، فَقَدْ بَعَثَ مُوسى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن أسْباطِ إسْرائِيلَ لِاخْتِبارِ أحْوالِ الأُمَمِ الَّتِي حَوْلَهم في أرْضِ كَنْعانَ، وهم غَيْرُ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا الَّذِينَ جَعَلَهم رُؤَساءَ عَلى قَبائِلِهِمْ. ومِن هَؤُلاءِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مِن سِبْطِ أفْرايِمَ، وكالِبُ بْنُ يَفَنَةَ مِن سِبْطِ يَهُوذا، وهُما الوارِدُ ذِكْرهُما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، كَما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَدْ ذُكِرَتْ أسْماؤُهم في الفَصْلِ الثّالِثَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا النُّقَباءُ الَّذِينَ أُقِيمُوا لِجُنْدِ إسْرائِيلَ.
والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ مَعِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، تَمْثِيلٌ لِلْعِنايَةِ والحِفْظِ والنَّصْرِ، قالَ - تَعالى -: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢] وقالَ ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وقالَ ﴿مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] . والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ وعْدًا بِالجَزاءِ عَلى الوَفاءِ بِالمِيثاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. اسْتِئْنافٌ مَحْضٌ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ ألْفاظِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وإنَّما جَمَعَهُما العامِلُ، وهو فِعْلُ القَوْلِ، فَكِلْتاهُما مَقُولٌ، ولِذَلِكَ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: إنِّي مَعَكم، ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى آخِرِهِ. ولامُ ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، ولامُ لَأُكَفِّرَنَّ لامُ
صفحة ١٤٢
جَوابِ القَسَمِ، ولَعَلَّ هَذا بَعْضُ ما تَضَمَّنَهُ المِيثاقُ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ بَعْضُ ما شَمِلَهُ قَوْلُهُ: إنِّي مَعَكم.
والمُرادُ بِالزَّكاةِ ما كانَ مَفْرُوضًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: مِن إعْطائِهِمْ عُشْرَ مَحْصُولاتِ ثِمارِهِمْ وزَرْعِهِمْ، مِمّا جاءَ في الفَصْلِ الثّامِنَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ، والفَصْلِ الرّابِعَ عَشَرَ والفَصْلِ التّاسِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ. وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّعْزِيرُ: النَّصْرُ. يُقالُ: عَزَرَهُ مُخَفَّفًا، وعَزَّرَهُ مُشَدَّدًا، وهو مُبالَغَةٌ في عَزَرَهُ عَزْرًا إذا نَصَرَهُ، وأصْلُهُ المَنعُ، لِأنَّ النّاصِرَ يَمْنَعُ المُعْتَدِيَ عَلى مَنصُورِهِ.
ومَعْنى ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الصَّدَقاتُ غَيْرُ الواجِبَةِ.
وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ: مَغْفِرَةُ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ التَّعاصِي لِلرَّسُولِ فَجَعَلَ الطّاعَةَ والتَّوْبَةَ مُكَفِّرَتَيْنِ عَنِ المَعاصِي.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ فَقَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وذَلِكَ لا عُذْرَ لِلسّائِرِ فِيهِ حِينَ يُضِلُّهُ، لِأنَّ الطَّرِيقَ السَّوِيَّ لا يُحْوِجُ السّائِرَ فِيهِ إلى الرَّوَغانِ في ثَنَياتٍ قَدْ تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ وتُفْضِي بِهِ إلى التِّيهِ في الضَّلالِ.
5:13Page 109
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣
So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلّا قَلِيلًا مِنهم فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ:
صفحة ١٤٣
- تَعالى -: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
واللَّعْنُ هو الإبْعادُ، والمُرادُ هُنا الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ومِن هَدْيِهِ إذِ اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ لِأجْلِ نَقْضِ المِيثاقِ.
”وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً“ قَساوَةُ القَلْبِ مَجازٌ، إذْ أصْلُها الصَّلابَةُ والشِّدَّةُ، فاسْتُعِيرَتْ لِعَدَمِ تَأثُّرِ القُلُوبِ بِالمَواعِظِ والنُّذُرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: قاسِيَةً - بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ - . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قَسِيَّةً) فَيَكُونُ بِوَزْنِ فَعَيْلَةٍ مِن قَسا يَقْسُو.
وجُمْلَةُ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَعَنّاهم“ .
والتَّحْرِيفُ: المَيْلُ بِالشَّيْءِ إلى الحَرْفِ، والحَرْفُ هو الجانِبُ. وقَدْ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ اسْتِعارَةُ مَعانِي السَّيْرِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ إلى مَعانِي العَمَلِ والهُدى وضِدِّهِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهم: السُّلُوكُ، والسِّيرَةُ؛ والسَّعْيُ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، و(صِراطًا سَوِيًّا)، وسَواءُ السَّبِيلِ، وجادَّةُ الطَّرِيقِ، والطَّرِيقَةُ الواضِحَةُ، وسَواءُ الطَّرِيقِ؛ وفي عَكْسِ ذَلِكَ قالُوا: المُرَواغَةُ، والِانْحِرافُ، وقالُوا: بُنَيّاتُ الطَّرِيقِ، ويَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، ويُشَعِّبُ الأُمُورَ. وكَذَلِكَ ما هُنا، أيْ يَعْدِلُونَ بِالكَلِمِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ مَواضِعِها فَيَسِيرُونَ بِها في غَيْرِ مَسالِكِها، وهو تَبْدِيلُ مَعانِي كُتُبِهِمُ السَّماوِيَّةِ. وهَذا التَّحْرِيفُ يَكُونُ غالِبًا بِسُوءِ التَّأْوِيلِ اتِّباعًا لِلْهَوى، ويَكُونُ بِكِتْمانِ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ مُجاراةً لِأهْواءِ العامَّةِ، قِيلَ: ويَكُونُ بِتَبْدِيلِ ألْفاظِ كُتُبِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّحْرِيفَ فَسادُ التَّأْوِيلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ.
صفحة ١٤٤
وجُمْلَةُ ونَسُوا حَظًّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُحَرِّفُونَ. والنِّسْيانُ مُرادٌ بِهِ الإهْمالُ المُفْضِي إلى النِّسْيانِ غالِبًا. وعُبِّرَ عَنْهُ بِالفِعْلِ الماضِي لِأنَّ النِّسْيانَ لا يَتَجَدَّدُ، فَإذا حَصَلَ مَضى، حَتّى يُذَكِّرَهُ مُذَكِّرٌ. وهو وإنْ كانَ مُرادًا بِهِ الإهْمالُ فَإنَّ في صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الماضِيَ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ أوِ الكِنايَةِ لِتَهاوُنِهِمْ بِالذِّكْرى.
والحَظُّ: النَّصِيبُ، وتَنْكِيرُهُ هُنا لِلتَّعْظِيمِ أوِ التَّكْثِيرِ بِقَرِينَةِ الذَّمِّ. وما ذُكِّرُوا بِهِ هو التَّوْراةُ.
وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِالدِّينِ ورَقَةِ اتِّباعِهِمْ ثَلاثَةَ أُصُولٍ مِن ذَلِكَ: وهي التَّعَمُّدُ إلى نَقْضٍ ما عاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ، والغُرُورُ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، والنِّسْيانُ النّاشِئُ عَنْ قِلَّةِ تَعَهُّدِ الدِّينِ وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنْ نَعْتَبِرَ بِحالِهِمْ ونَتَّعِظَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها. وقَدْ حاطَ عُلَماءُ الإسْلامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - هَذا الدِّينَ مِن كُلِّ مَسارِبِ التَّحْرِيفِ، فَمَيَّزُوا الأحْكامَ المَنصُوصَةَ والمَقِيسَةَ ووَضَعُوا ألْقابًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَها، ولِذَلِكَ قالُوا في الحُكْمِ الثّابِتِ بِالقِياسِ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هو دِينُ اللَّهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قالَهُ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ نَقْضِهِمْ لِعَهْدِ اللَّهِ إلى خَيْسِهِمْ بِعَهْدِهِمْ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ . وفِعْلُ ”لا تَزالُ“ يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارٍ، لِأنَّ المُضارِعَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الفِعْلِ لِأنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: يَدُومُ اطِّلاعُكَ. فالِاطِّلاعُ مَجازٌ مَشْهُورٌ في العِلْمِ بِالأمْرِ، والِاطِّلاعُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَطَّلَعِ عَلَيْهِ، أيْ لا يَزالُونَ يَخُونُونَ فَتَطَّلِعُ عَلى خِيانَتِهِمْ.
والِاطِّلاعُ افْتِعالٌ مَن طَلَعَ. والطُّلُوعُ: الصُّعُودُ. وصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ، إذْ لَيْسَ فِعْلُهُ مُتَعَدِّيًا حَتّى يُصاغَ لَهُ مُطاوِعٌ، فاطَّلَعَ بِمَنزِلَةِ تَطَلَّعَ، أيْ تَكَلَّفَ الطُّلُوعَ لِقَصْدِ الإشْرافِ.
والمَعْنى: ولا تَزالُ تَكْشِفُ وتُشاهِدُ خائِنَةً مِنهم.
صفحة ١٤٥
والخائِنَةُ: الخِيانَةُ فَهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ الفاعِلَةِ، كالعاقِبَةِ، والطّاغِيَةِ. ومِنهُ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] . وأصْلُ الخِيانَةِ: عَدَمُ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، ولَعَلَّ أصْلَها إظْهارُ خِلافِ الباطِنِ. وقِيلَ: ”خائِنَةٌ“ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ فِرْقَةٌ خائِنَةٌ.
واسْتَثْنى قَلِيلًا مِنهم جُبِلُوا عَلى الوَفاءِ، وقَدْ نَقَضَ يَهُودُ المَدِينَةِ عَهْدَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ والمُسْلِمِينَ فَظاهَرُوا المُشْرِكِينَ في وقْعَةِ الأحْزابِ، قالَ - تَعالى -: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] . وأمْرُهُ بِالعَفْوِ عَنْهم والصَّفْحِ حُمِلَ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وذَلِكَ فِيما يَرْجِعُ إلى سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ . ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ ذِكْرِ المُناواةِ القَوْمِيَّةِ أوِ الدِّينِيَّةِ، فَلا يُعارِضُ هَذا قَوْلُهُ في بَراءَةٍ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] لِأنَّ تِلْكَ أحْكامُ التَّصَرُّفاتِ العامَّةِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ بِآيَةِ بَراءَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences