Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:31–40
50:31–35Page 519
وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١
And Paradise will be brought near to the righteous, not far,
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢
[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].
مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣
Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].
ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤
Enter it in peace. This is the Day of Eternity."
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥
They will have whatever they wish therein, and with Us is more.
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾
عَطَفَ ”وأُزْلِفَتْ“ عَلى ”يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“ . فالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وهو رُجُوعٌ إلى مُقابِلِ حالَةِ الضّالِّينَ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ولَوِ اعْتُبِرَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها لَصَحَّ ذَلِكَ إلّا أنَّ عَطْفَها عَلى جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الكَلامِ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبَةُ، وقِياسُ فِعْلِهِ أنَّهُ كَفَرِحَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ ولَمْ يُرْوَ في كَلامِهِمْ، أيْ جُعِلَتِ الجَنَّةُ قَرِيبًا مِنَ المُتَّقِينَ، أيِ ادْنُوا مِنها.
والجَنَّةُ مَوْجُودَةٌ مِن قَبْلِ وُرُودِ المُتَّقِينَ إلَيْها فَإزْلافُها قَدْ يَكُونُ بِحَشْرِهِمْ لِلْحِسابِ
صفحة ٣١٩
بِمَقْرُبَةِ مِنها كَرامَةً لَهم عَنْ كُلْفَةِ المَسِيرِ إلَيْها، وقَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ تَيْسِيرِ وُصُولِهِمْ إلَيْها بِوَسائِلَ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ في عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ يُرَجِّحُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، أيْ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم وإلّا صارَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِـ ”أُزْلِفَتْ“ كَما يُقالُ: عاجِلٌ غَيْرُ آجِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] والتَّأْسِيسُ أرْجَحُ مِنَ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ.
وانْتَصَبَ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وصْفٌ لِظَرْفِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ عَنِ المُتَّقِينَ. وهَذا الظَّرْفُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ.
وتَجْرِيدُ ”بَعِيدٍ“ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ: إمّا عَلى اعْتِبارِ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ وصْفًا لِـ ”(مَكانٍ)، وإمّا جَرْيٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ في وصْفِ (بَعِيدٍ وقَرِيبٍ) إذا أُرِيدَ البُعْدُ والقُرْبُ بِالجِهَةِ دُونَ النَّسَبِ أنْ يُجَرَّدا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ كَما قالَهُالفَرّاءُ أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ اسْمِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإمّا لِأنَّهُ جاءَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ الزَّئِيرِ والصَّلِيلِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَها وحْدَها مُعْتَرِضَةً وما بَعْدَها مُتَّصِلًا بِما قَبْلَها فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهَما لِلْمُتَّقِينَ و“ لِكُلِّ أوّابٍ ”، وتُجْعَلْ“ لِكُلِّ أوّابٍ ”بَدَلًا مِن“ لِلْمُتَّقِينَ ”، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ المُبْدَلُ مِنهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [سبإ: ٣٢] الآيَةَ وقَوْلُهُ: ﴿ولِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] .
واسْمُ الإشارَةِ المُذَكَّرُ مُراعًى فِيهِ مَجْمُوعُ ما هو مُشاهَدٌ عِنْدَهم مِنَ الخَيْراتِ.
والأوّابُ: الكَثِيرُ الأوْبِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
والحَفِيظُ: الكَثِيرُ الحِفْظِ لِوَصايا اللَّهِ وحُدُودِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُحافِظٌ عَلى الطّاعَةِ فَإذا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةٌ أعْقَبَها بِالتَّوْبَةِ.
و﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ مِن“ كُلِّ أوّابٍ ”.
صفحة ٣٢٠
والخَشْيَةُ: الخَوْفُ. وأُطْلِقَتِ الخَشْيَةُ عَلى أثَرِها وهو الطّاعَةُ.
والباءُ في بِالغَيْبِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ لِتَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ، أيِ الحالَةُ الغائِبَةُ وهي حالَةُ عَدَمِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الطّاعَةِ لِلَّهِ بِحَيْثُ لا يَرْجُو ثَناءَ أحَدٍ ولا عِقابَ أحَدٍ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِالتّاءِ بِفِعْلِ خَشِيَ.
ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الباءَ عَلى بَعْضِ مَعانِيها الغالِبَةِ وهي المُلابَسَةُ ونَحْوُها ويَكُونُ الغَيْبُ مَصْدَرًا والمَجْرُورُ حالًا مِن ضَمِيرِ خَشِيَ.
ومَعْنى ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الحَشْرِ مُصاحِبًا قَلْبَهُ المُنِيبَ إلى اللَّهِ، أيْ ماتَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ ولَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصّالِحَ في آخِرِ عُمْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
وإيثارُ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا المُتَّقِيَ يَخْشى اللَّهَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ رَحْمَنُ، ولِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا اسْمَهُ الرَّحْمَنَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والمَعْنى عَلى الَّذِينَ خَشُوا: خَشِيَ صاحِبُ هَذا الِاسْمِ، فَأنْتُمْ لا حَظَّ لَكم في الجَنَّةِ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ رَحْمَنُ بَلْهَ أنْ تَخْشَوْهُ.
ووَصْفُ قَلْبٍ بِـ“ مُنِيبٍ ”عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ الإنابَةِ لِأنَّهُ الباعِثُ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِ القَوْلِ المَحْذُوفِ. وهَذا الإذْنُ مِن كَمالِ إكْرامِ الضَّيْفِ أنَّهُ إنْ دُعِيَ إلى الوَلِيمَةِ أوْ جِيءَ بِهِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَ المَنزِلَ قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ.
والباءُ في بِسَلامٍ لِلْمُلابَسَةِ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ مِن كُلِّ أذًى مِن تَعَبٍ أوْ نَصَبٍ، وهو دُعاءٌ.
صفحة ٣٢١
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
ومَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَها يُثِيرُ تَرَقُّبَ المُخاطَبِينَ لِلْإذْنِ بِإنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، والإشارَةُ إلى اليَوْمِ الَّذِي هم فِيهِ. وكانَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُلاقِيهِ أهْلُ جَهَنَّمَ وأهْلُ الجَنَّةِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اعْتِراضًا مُوَجَّهًا إلى المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ إلى السّامِعِينَ في الدُّنْيا.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإضافَةُ يَوْمٍ إلى الخُلُودِ بِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ أيّامِ الخُلُودِ هي أيّامٌ ذاتُ مَقادِيرَ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ يَوْمٍ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ.
وبَيْنَ كَلِمَةٍ“ ادْخُلُوها ”وكَلِمَةِ“ الخُلُودِ ”الجِناسُ المَقْلُوبُ النّاقِصُ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا وأصْلُهُ: لَكم ما تَشاءُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ في الدُّنْيا وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
و“ ولَدَيْنا مَزِيدٌ "، أيْ زِيادَةٌ عَلى ما يَشاءُونَ مِمّا لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ووَرَدَتْ آثارٌ مُتَفاوِتَةُ القُوَّةِ أنَّ مِنَ المَزِيدِ مُفاجَأتَهم بِخَيْراتٍ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُفاجَأةَ بِالإنْعامِ ضَرْبٌ مِنَ التَّلَطُّفِ والإكْرامِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْعامَ يَجِيئُهم في صُوَرٍ مُعْجَبَةٍ. والقَوْلُ في مَزِيدٍ هُنا كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.
وجاءَ تَرْتِيبُ الآياتِ في مُنْتَهى الدِّقَّةِ فَبَدَأتْ بِذِكْرِ إكْرامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ بِذِكْرِ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهُمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَهي حَقٌّ لَهم، ثُمَّ أوْمَأتْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ إلَخْ
صفحة ٣٢٢
ثُمَّ ذُكِرَتِ المُبالَغَةُ في إكْرامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، ثُمَّ طَمْأنَهم بِأنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ خالِدٌ، وزِيدَ في إكْرامِهِمْ بِأنَّ لَهم ما يَشاءُونَ ما لَمْ يَرَوْهُ حِينَ الدُّخُولِ، وبِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَزِيدِ مِن لَدُنْهُ.
50:36–37Page 520
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦
And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧
Indeed in that is a reminder for whoever has a heart or who listens while he is present [in mind].
﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهْوَ شَهِيدٌ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إلى التَّهْدِيدِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وهَذا العَطْفُ انْتِقالٌ إلى المَوْعِظَةِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] وما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥] . وفي هَذا العَطْفِ الوَعِيدُ الَّذِي أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ [ق: ١٢] إلى قَوْلِهِ ”فَحَقَّ وعِيدِ“ . فالوَعِيدُ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ هو الِاسْتِئْصالُ في الدُّنْيا وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ .
والخَبَرُ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ وتَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وضَمِيرا ”قَبْلَهم“ و”مِنهم“ عائِدانِ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] . ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] . وجَرى عَلى ذَلِكَ السُّنَنِ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
و(كَمْ) خَبَرِيَّةٌ وجُرَّ تَمْيِيزُها بِـ (مِن) عَلى الأصْلِ.
والبَطْشُ: القُوَّةُ عَلى الغَيْرِ.
والتَّنْقِيبُ: مُشْتَقٌّ مِنَ النَّقْبِ بِسُكُونِ القافِ بِمَعْنى الثَّقْبِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى:
صفحة ٣٢٣
خَرَقُوا، واسْتُعِيرَ لِمَعْنى: ذَلَّلُوا وأخْضَعُوا، أيْ تَصَرَّفُوا في الأرْضِ بِالحَفْرِ والغَرْسِ والبِناءِ ونَحْتِ الجِبالِ وإقامَةِ السِّدادِ والحُصُونِ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] في سُورَةِ الرُّومِ.
وتَعْرِيفُ البِلادِ لِلْجِنْسِ، أيْ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] .
والفاءُ في فَنَقَّبُوا لِلتَّفْرِيعِ عَنْ ﴿أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾، أيْ بِبَطْشِهِمْ وقُوَّتِهِمْ نَقَّبُوا في البِلادِ.
والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ.
وجُمْلَةِ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ كَما اعْتَرَضَ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أهْلَكْنا، أيْ إهْلاكًا لا مَنجًى مِنهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً.
فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ (مِن) عَلى الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ كَما يُقالُ: ما مِن مَحِيصٍ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ في سُورَةِ ص ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣] .
والمَحِيصُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حاصَ إذا عَدَلَ وجادَ، أيْ لَمْ يَجِدُوا مَحِيصًا مِنَ الإهْلاكِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى إهْلاكِ القُرُونِ الأشَدِّ بَطْشًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِدْلالٍ وتَهْدِيدٍ وتَحْذِيرٍ مِن يَوْمِ الجَزاءِ.
والذِّكْرى: التَّذْكِرَةُ العَقْلِيَّةُ، أيِ التَّفَكُّرُ في تَدَبُّرِ الأحْوالِ الَّتِي قَضَتْ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ لِيَقِيسُوا عَلَيْها أحْوالَهم فَيَعْلَمُوا أنْ سَيَنالَهم ما نالَ أُولَئِكَ، وهَذا قِياسٌ عَقْلِيٌّ يُدْرِكُهُ اللَّبِيبُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ دُونَ احْتِياجٍ إلى مُنَبِّهٍ.
صفحة ٣٢٤
والقَلْبُ: العَقْلُ وإدْراكُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وإلْقاءُ السَّمْعِ: مُسْتَعارٌ لِشِدَّةِ الإصْغاءِ لِلْقُرْآنِ ومَواعِظِ الرَّسُولِ ﷺ كَأنَّ أسْماعَهم طُرِحَتْ في ذَلِكَ فَلا يَشْغَلُها شَيْءٌ آخَرُ تَسْمَعُهُ.
والشَّهِيدُ: المُشاهِدُ وصِيغَةُ المُبالَغَةِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ المُشاهَدَةِ لِلْمُذَكَّرِ، أيْ تَحْدِيقِ العَيْنِ إلَيْهِ لِلْحِرْصِ عَلى فَهْمِ مُرادِهِ مِمّا يُقارِنُ كَلامَهُ مِن إشارَةٍ أوْ سَحْنَةٍ فَإنَّ النَّظَرَ يُعِينُ عَلى الفَهْمِ.
وقَدْ جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى اقْتِرانِ مَضْمُونِها بِمَضْمُونِ عامِلِها بِحَيْثُ يَكُونُ صاحِبُ الحالِ مُلْقِيًا سَمْعَهُ مُشاهِدًا. وهَذِهِ حالَةُ المُؤْمِنِ فَفي الكَلامِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم بُعَداءٌ عَنِ الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرَياتِ والعِبَرِ.
وإلْقاءُ السَّمْعِ مَعَ المُشاهَدَةِ يُوقِظُ العَقْلَ لِلذِّكْرى والِاعْتِبارِ إنْ كانَ لِلْعَقْلِ غَفْلَةٌ.
ومَوْقِعُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ لِأنَّ المُتَذَكِّرَ إمّا أنْ يَتَذَكَّرَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ مِن فَهْمِ أدِلَّةِ القُرْآنِ ومِنَ الِاعْتِبارِ بِأدِلَّةِ الآثارِ عَلى أصْحابِها كَآثارِ الأُمَمِ مِثْلَ دِيارِ ثَمُودَ، قالَ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] فَقَوْلُهُ ”ألْقى السَّمْعَ“ اسْتِعارَةٌ عَزِيزَةٌ شَبَّهَ تَوْجِيهَ السَّمْعِ لِتِلْكَ الأخْبارِ دُونَ اشْتِغالٍ بِغَيْرِها بِإلْقاءِ الشَّيْءِ لِمَن أخَذَهُ فَهو مَن قِسْمِ مَن لَهُ قَلْبٌ، وإمّا أنْ يَتَذَكَّرَ بِما يُبَلِّغُهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ كَأحادِيثِ القُرُونِ الخالِيَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ خُصُوصُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ألْقَوْا سَمْعَهم لِهَذِهِ الذِّكْرى وشَهِدُوا بِصِحَّتِها لِعِلْمِهِمْ بِها مِنَ التَّوْراةِ وسائِرِ كُتُبِهِمْ فَيَكُونُ شَهِيدٌ مِنَ الشَّهادَةِ لا مِنَ المُشاهَدَةِ. وقالَ الفَخْرُ: تَنْكِيرُ قَلْبٍ لِلتَّعْظِيمِ والكَمالِ. والمَعْنى: لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ذَكِيٌّ واعٍ يَسْتَخْرِجُ بِذَكائِهِ، أوْ لِمَن ألْقى السَّمْعَ إلى المُنْذِرِ فَيَتَذَكَّرُ، وإنَّما قالَ و”ألْقى السَّمْعَ“ ولَمْ يَقُلْ: اسْتَمَعَ، لِأنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ، أيْ يُرْسِلُ سَمْعَهُ ولا يُمْسِكُهُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ السَّماعَ، أيْ تَحْصُلُ الذِّكْرى لِمَن لَهُ سَمْعٌ.
وهُوَ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ المُشْرِكِينَ بِمَن لَيْسَ لَهُ قَلْبٌ وبِمَن لا يُلْقِي سَمْعَهُ.
50:38Page 520
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ ٣٨
And We did certainly create the heavens and earth and what is between them in six days, and there touched Us no weariness.
صفحة ٣٢٥
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾
مُناسَبَةُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، وكانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِمّا وُصِفَ في التَّوْراةِ مِن تَرْتِيبِ المَخْلُوقاتِ إجْمالًا ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥] كانَ بَعْضُ اليَهُودِ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ واسْتَراحَ في اليَوْمِ السّابِعِ، وهَذا مَكْتُوبٌ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ.
والِاسْتِراحَةُ تُؤْذِنُ بِالنَّصْبِ والإعْياءِ فَلَمّا فَرَغَتِ الآيَةُ مِن تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ في أقْوالِهِمْ عَطَفَتْ إلى تَكْذِيبِ الَّذِينَ كانُوا يُحَدِّثُونَهم بِحَدِيثِ الِاسْتِراحَةِ، فَهَذا تَأْوِيلُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَحَلِّ مَعَ ما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى طَلِيعَةِ السُّورَةِ فَقَوْلُ مَن قالَ نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ تَكَلُّفٌ إذْ لَمْ يَكُنِ اليَهُودُ مَقْصُورِينَ عَلى المَدِينَةِ مِن بِلادِ العَرَبِ وكانُوا يَتَرَدَّدُونَ إلى مَكَّةَ.
فَقَوْلُهُ ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ تَكْمِلَةٌ لِما وصَفَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ في قَوْلِهِ:﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ إبْطالًا لِمَقالَةِ اليَهُودِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الكَلامِ السّابِقِ وبَيْنَ ما فُرِّعَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩] .
والواوُ في ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ واوُ الحالِ لِأنَّ لِمَعْنى الحالِ هُنا مَوْقِعًا عَظِيمًا مِن تَقْيِيدِ ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ في تِلْكَ المُدَّةِ القَصِيرَةِ بِأنَّهُ لا يَنْصَبُ خالِقُهُ لِأنَّ الغَرَضَ مِن مُعْظَمِ هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ إمْكانِ البَعْثِ إذْ أحالَهُ المُشْرِكُونَ بِما يَرْجِعُ إلى ضِيقِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ عَنْ إيقاعِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى إبْرازِ مَعْنى سَعَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ.
ومَعْنى ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾: ما أصابَنا تَعَبٌ. وحَقِيقَةُ المَسِّ: اللَّمْسُ، أيْ
صفحة ٣٢٦
وضْعُ اليَدِ عَلى شَيْءٍ وضْعًا غَيْرَ شَدِيدٍ بِخِلافِ الدَّفْعِ واللَّطْمِ. فَعَبَّرَ عَنْ نَفْيِ أقَلِّ الإصابَةِ بِنَفْيِ المَسِّ لِنَفْيِ أضْعَفِ أحْوالِ الإصابَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] فَنَفْيُ قُوَّةِ الإصابَةِ وتَمَكُّنُها أحْرى.
واللُّغُوبُ: الإعْياءُ مِنَ الجَرْيِ والعَمَلِ الشَّدِيدِ.
50:39–40Page 520
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩
So be patient, [O Muḥammad], over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting,
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠
And [in part] of the night exalt Him and after prostration [i.e., prayer].
﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ [ق: ٢] الآياتِ، ومُناسَبَةُ وقْعِهِ هَذا المَوْقِعَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ [ق: ٣٦] الآيَةَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ، أيْ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِما أخْبَرْتَهم مِنَ البَعْثِ وبِالرِّسالَةِ وقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ المَوْصُولُ وهو ”ما يَقُولُونَ“ .
وضَمِيرُ ”يَقُولُونَ“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ المَواعِظِ والنُّذُرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] .
* * *
﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَهو مِن تَمامِ التَّفْرِيعِ، أيِ اصْبِرْ عَلى أقْوالِ أذاهم وسُخْرِيَتِهِمْ. ولَعَلَّ وجْهَ هَذا العَطْفِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ مِثْلَ قِصَّةِ إلْقاءِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ سَلا الجَزُورِ عَلى ظَهْرِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ سَجَدَ في المَسْجِدِ الحَرامِ في حِجْرِ الكَعْبَةِ فَأقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ حَتّى أخَذَ بِمَنكِبِهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] .
فالمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلاةُ وهو مِن أسْماءِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ
صفحة ٣٢٧
المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ هُنا الصَّلاةُ. قُلْتُ: ولِذَلِكَ صارَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّهُ في مَعْنى: صَلِّ.
والباءُ في ”بِحَمْدِ رَبِّكَ“ يُرَجِّحُ كَوْنَ المُرادِ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ لِأنَّ الصَّلاةَ تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةِ مِنها الفاتِحَةُ وهي حَمْدٌ لِلَّهِ تَعالى، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالصَّلاةِ مِن قَوْلِهِ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ السُّجُودِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ إذْ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: ”إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَنْ صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها“ يَعْنِي بِذَلِكَ العَصْرَ والفَجْرَ. ثُمَّ قَرَأ جَرِيرٌ ”وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها“» كَذا. والقِراءَةُ ”الغُرُوبُ“ .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَبْلَ الغُرُوبِ: الظُّهْرُ والعَصْرُ. وعَنْ قَتادَةَ: العَصْرُ.
وقَوْلُهُ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ فِيهِ هو الصَّلاةُ، وعَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ فَعَلى أنَّ التَّسْبِيحَ الصَّلاةُ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَلاةُ المَغْرِبِ وصَلاةُ العِشاءِ.
وقَبْلَ الغُرُوبِ ظَرْفٌ واسِعٌ يَبْتَدِئُ مِن زَوالِ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ لِأنَّها حِينَ تَزُولُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ قَدْ مالَتْ إلى الغُرُوبِ ويَنْتَهِي بِغُرُوبِها، وشَمِلَ ذَلِكَ وقْتَ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْبِيحُ اللَّيْلِ بِصَلاتَيِ المَغْرِبِ والعَشاءِ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مَبْدَأُ اللَّيْلِ، فَإنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ بِاللَّيالِي ويَبْتَدِئُونَ الشَّهْرَ بِاللَّيْلَةِ الأوْلى الَّتِي بَعْدَ طُلُوعِ الهِلالِ الجَدِيدِ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقِيلَ هَذِهِ المَذْكُوراتُ كُلُّها نَوافِلُ، فالَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَكْعَتا الفَجْرِ، والَّذِي قَبْلَ الغُرُوبِ رَكْعَتانِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قالَهُ أبُو بَرْزَةَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والَّذِي مِنَ اللَّيْلِ قِيامُ اللَّيْلِ قالَهُ مُجاهِدٌ.
ويَأْتِي عَلى هَذا الوَجْهِ الِاخْتِلافُ في مَحْمَلِ الأمْرِ عَلى النَّدْبِ إنْ كانا عامًّا أوْ
صفحة ٣٢٨
عَلى الوُجُوبِ إنْ كانا خاصًّا بِالنَّبِيءِ ﷺ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ المُزَّمِّلِ.
وقَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] في سُورَةِ الإنْسانِ.
وقَرِيبٌ مِنها أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] في سُورَةِ الطُّورِ.
وأمّا قَوْلُهُ ”﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]“ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ .
والإدْبارُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرافُ لِأنَّ المُنْصَرِفَ يَسْتَدْبِرُ مَن كانَ مَعَهُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلِانْقِضاءِ، أيِ انْقِضاءِ السُّجُودِ، والسُّجُودُ: الصَّلاةُ، قالَ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] . وانْتِصابُهُ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ لِأنَّ المُرادَ: وقْتُ إدْبارِ السُّجُودِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إدْبارِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ: دُبُرٍ، بِمَعْنى العَقِبِ والآخِرِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ هو وقْتُ انْتِهاءِ السُّجُودِ.
فَفُسِّرَ السُّجُودُ بِالحَمْلِ عَلى الجِنْسِ، أيْ بَعْدِ الصَّلَواتِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، فَهو أمْرٌ بِالرَّواتِبِ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَواتِ. وهو عامٌ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ بِأوْقاتِ النَّوافِلِ، ومُجْمَلٌ بَيَّنَتِ السَّنَةُ مَقادِيرَهُ، وبَيَّنَتْ أنَّ الأمْرَ فِيهِ أمْرُ نَدْبٍ وتَرْغِيبٍ لا أمْرُ إيجابٍ.
وعَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّهُ كانَ فَرْضًا فَنُسِخَ بِالفَرائِضِ.
وحُمِلَ عَلى العَهْدِ فَقالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ هو صَلاةُ المَغْرِبِ، أيِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الوِتْرُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ”فَسَبِّحْهُ“ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ عَلى أنْ يَكُونَ الوَقْتُ عَلى قَوْلِهِ: ”ومِنَ اللَّيْلِ“ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ لِإفادَةِ الوُجُوبِ فَيُجْعَلُ التَّفْرِيعُ اعْتِراضًا بَيْنَ الظُّرُوفِ المُتَعاطِفَةِ وهو كالتَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ [ق: ٣٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences