Ibn 'AshurAdh-Dhariyat · 51:24–37

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:24–37

51:24–30Page 521

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤

Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥

When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace; [you are] a people unknown."

فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦

Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf.

فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧

And placed it near them; he said, "Will you not eat?"

فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨

And he felt from them apprehension.1 They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.

فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩

And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"

قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠

They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."

﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾

انْتِقالٌ مِنَ الإنْذارِ والمَوْعِظَةِ والِاسْتِدْلالِ إلى الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُماثِلَةِ لِلْمُخاطَبِينَ المُشْرِكِينَ في الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا وغُيِّرَ أُسْلُوبُ الكَلامِ مِن خِطابِ المُنْذِرِينَ مُواجَهَةً إلى أُسْلُوبِ التَّعْرِيضِ تَفَنُّنًا بِذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ لِتَكَوْنَ تَوْطِئَةً لِلْمَقْصُودِ مِن ذِكْرِ ما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم، فالمَقْصُودُ هو ما بَعْدُ قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات: ٣١] .

وكانَ في الِابْتِداءِ بِذِكْرِ قَوْمِ لُوطٍ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى خِلافِ التَّرْتِيبِ الَّذِي جَرى عَلَيْهِ اصْطِلاحُ القُرْآنِ في تَرْتِيبِ قَصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِابْتِدائِها بِقَوْمِ نُوحٍ ثُمَّ عادٍ ثُمَّ ثَمُودَ ثُمَّ قَوْمِ لُوطٍ أنَّ المُناسَبَةَ لِلِانْتِقالِ مِن وعِيدِ المُشْرِكِينَ إلى العِبْرَةِ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ أنَّ

صفحة ٣٥٧

المُشْرِكِينَ وُصِفُوا آنِفًا بِأنَّهم في غَمْرَةٍ ساهُونَ فَكانُوا في تِلْكَ الغَمْرَةِ أشْبَهَ بِقَوْمِ لُوطٍ إذْ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، ولِأنَّ العَذابَ الَّذِي عُذِّبَ بِهِ قَوْمُ لُوطٍ كانَ حِجارَةً أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مُشَبَّهَةً بِالمَطَرِ. وقَدْ سُمِّيَتْ مَطَرًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ولِأنَّ في قِصَّةِ حُضُورِ المَلائِكَةِ عِنْدَ إبْراهِيمَ وزَوْجِهِ عِبْرَةً بِإمْكانِ البَعْثِ فَقَدْ تَضَمَّنَتْ بِشارَتَها بِمَوْلُودٍ يُولَدُ لَها بَعْدَ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ. وذَلِكَ مِثْلُ البَعْثِ بِالحَياةِ بَعْدَ المَماتِ.

ولَمّا وُجِّهَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ ”هَلْ أتاكَ“ عُرِفَ أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ تَسْلِيَتُهُ عَلى ما لَقِيَهُ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ. ويَتْبَعُ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالسّامِعِينَ حِينَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ أوْ يُبَلِّغُهم بِأنَّهم صائِرُونَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ العَذابِ لِاتِّحادِ الأسْبابِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ ”هَلْ أتاكَ حَدِيثُ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] في سُورَةِ ص، وأنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهِ الأخْبارُ الفَخْمَةُ المُهِمَّةُ.

والضَّيْفُ: اسْمٌ يُقالُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ لِأنَّ أصْلَهُ مَصْدَرُ ضافَ، إذا مالَ فَأُطْلِقَ عَلى الَّذِي يَمِيلُ إلى بَيْتِ أحَدٍ لِيَنْزِلَ عِنْدَهُ. ثُمَّ صارَ اسْمًا فَإذا لُوحِظَ أصْلُهُ أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ ولَمْ يُؤَنِّثُوهُ ولا يَجْمَعُونَهُ وإذا لُوحِظَ الِاسْمُ جَمَعُوهُ لِلْجَماعَةِ وأنَّثُوهُ لِلْأُنْثى فَقالُوا أضْيافٌ وضُيُوفٌ وامْرَأةٌ ضَيْفَةٌ وهو هُنا اسْمُ جَمْعٍ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِـ ”المُكْرَمِينَ“، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨] .

والمَعْنِيُّ بِهِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ أظْهَرَهُمُ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرُوهُ بِأنَّهم مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ لِتَنْفِيذِ العَذابِ لِقَوْمِ لُوطٍ وسَمّاهُمُ اللَّهُ ضَيْفًا نَظَرًا لِصُورَةِ مَجِيئِهِمْ في هَيْئَةِ الضَّيْفِ كَما سَمّى المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ جاءا داوُدَ خَصْمًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١]، وذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ الصُّورِيَّةِ.

وفِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وعَنْ عَطاءٍ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَعَهُما مَلَكٌ آخَرُ.

ولَعَلَّ سَبَبَ إرْسالِ ثَلاثَةٍ لِيَقَعَ تَشَكُّلُهم في شَكْلِ الرِّجالِ لِما تَعارَفَهُ النّاسُ في أسْفارِهِمْ أنْ لا يَقِلَّ رَكْبُ المُسافِرِينَ عَنْ ثَلاثَةِ رِفاقٍ. وذَلِكَ أصْلُ جَرَيانِ المُخاطَبَةِ

صفحة ٣٥٨

بِصِيغَةِ المُثَنّى في نَحْوِ: (قَفا نَبْكِ) . وفي الحَدِيثِ: «الواحِدُ شَيْطانُ والِاثْنانِ شَيْطانانِ والثَّلاثَةُ رَكْبٌ» . رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وذَكَرَ أنَّ سَنَدَهُ صَحِيحٌ.

وقَدْ يَكُونُ سَبَبُ إرْسالِهِمْ ثَلاثَةً أنَّ عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ كانَ بِأصْنافٍ مُخْتَلِفَةٍ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنها مَلَكُهُ المُوَكَّلُ بِهِ.

ووَصْفُهم بِالمُكْرَمِينَ كَلامٌ مُوَجَّهٌ لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ ذَلِكَ لِإكْرامِ إبْراهِيمَ إيّاهم كَما جَرَتْ عادَتُهُ مَعَ الضَّيْفِ وهو الَّذِي سَنَّ القِرى، والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهم بِرَفْعِ الدَّرَجَةِ لِأنَّ المَلائِكَةَ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وقالَ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] .

وظَرْفُ ”إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”حَدِيثُ“ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ خَبَرُهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ هُودٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قالَ سَلامٌ“ . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ قالَ سِلْمٌ ”بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ.

وقَوْلُهُ ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ. والظّاهِرُ أنَّهُ قالَهُ خَفْتًا إذْ لَيْسَ مِنَ الإكْرامِ أنْ يُجاهِرَ الزّائِرَ بِذَلِكَ، فالتَّقْدِيرُ: هم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

والمُنْكَرُ: الَّذِي يُنْكِرُهُ غَيْرُهُ، أيْ لا يَعْرِفُهُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى مَن يُنْكَرُ حالُهُ ويُظَنُّ أنَّهُ حالٌ غَيْرُ مُعْتادٍ، أيْ يُخْشى أنَّهُ مُضْمِرُ سُوءٍ، كَما قالَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا

أيْ كَرِهَتْ ذاتِي

وقِصَّةُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ هُودٍ.

و“ راغَ ”مالَ في المَشْيِ إلى جانِبٍ، ومِنهُ: رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. والمَعْنى: أنَّ إبْراهِيمَ حادَ عَنِ المَكانِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الضُّيُوفُ إلى أهْلِهِ، أيْ إلى بَيْتِهِ الَّذِي فِيهِ أهْلُهُ.

صفحة ٣٥٩

وفِي التَّوْراةِ: أنَّهُ كانَ جالِسًا أمامَ بابِ خَيْمَتِهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ وأنَّهُ أنْزَلَ الضُّيُوفَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ: إنَّ الرَّوَغانَ مَيْلٌ في المَشْيِ عَنِ الِاسْتِواءِ إلى الجانِبِ مَعَ إخْفاءِ إرادَتِهِ ذَلِكَ وتَبِعَهُ عَلى هَذا التَّقْيِيدِ الرّاغِبُ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ فانْتَزَعَ مِنهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ إخْفاءَ إبْراهِيمَ مَيْلَهُ إلى أهْلِهِ مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ كَيْلا يُوهِمَ الضَّيْفَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُحْضِرَ لَهم شَيْئًا فَلَعَلَّ الضَّيْفَ أنْ يَكُفَّهُ عَنْ ذَلِكَ ويَعْذُرَهُ وهَذا مَنزَعٌ لَطِيفٌ.

وكانَ مَنزِلُ إبْراهِيمَ الَّذِي جَرَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ القِصَّةُ بِمَوْضِعٍ يُسَمّى (بُلُوطاتِ مَمْرا) مِن أرْضِ جَبْرُونَ.

ووُصِفَ العِجْلُ هُنا بِـ“ سَمِينٍ ”، ووُصِفَ في سُورَةِ هُودٍ بِحَنِيذٍ، أيْ مَشْوِيٍّ فَهو عِجْلٌ سَمِينٌ شَواهُ وقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، وكانَ الشِّوا أسْرَعَ طَبْخِ أهْلِ البادِيَةِ وقامَ امْرُؤُ القَيْسِ يَذْكُرُ الصَّيْدَ:

فَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ ما بَيْنَ مُنْضِجٍ ∗∗∗ صَفِيفَ شِواءٍ أوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ

فَقَيَّدَ (قَدِيرٍ) بِـ (مُعَجَّلِ) ولَمْ يُقَيِّدْ (صَفِيفَ شِواءٍ) لِأنَّهُ مَعْلُومٌ.

ومَعْنى“ قَرَّبَهُ ”وضَعَهُ قَرِيبًا مِنهم، أيْ لَمْ يَنْقُلْهم مِن مَجْلِسِهِمْ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ بَلْ جَعَلَ الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. وهَذا مِن تَمامِ الإكْرامِ لِلضَّيْفِ بِخِلافِ ما يَطْعَمُهُ العافِي والسّائِلُ فَإنَّهُ يُدْعى إلى مَكانِ الطَّعامِ كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:

فَقُلْتُ إلى الطَّعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ فَرِيقٌ يَحْسُدُ الأُنْسُ الطَّعاما

ومَجِيءُ الفاءِ لِعَطْفِ أفْعالِ“ فَراغَ ”،“ فَجاءَ ”،“ فَقَرَّبَهُ ”لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وقَعَتْ في سُرْعَةٍ، والإسْراعُ بِالقِرى مِن تَمامِ الكَرَمِ، وقَدْ قِيلَ: خَيْرُ البِرِّ عاجِلُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ.

و(ألا) كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، وهي حِرَفُ عَرْضٍ، أيْ رَغْبَةٍ في حُصُولِ الفِعْلِ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ. وهي هُنا مُتَعَيِّنَةٌ لِلْعَرَضِ لِوُقُوعِ فِعْلِ القَوْلِ بَدَلًا مِن فِعْلِ قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ،

صفحة ٣٦٠

ولا يَحْسُنُ جَعْلُها كَلِمَتَيْنِ مِن هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ لِلْإنْكارِ مَعَ (لا) النّافِيَةِ.

والعَرْضُ عَلى الضَّيْفِ عَقِبَ وضْعِ الطَّعامِ بَيْنَ يَدَيْهِ زِيادَةٌ في الإكْرامِ بِإظْهارِ الحِرْصِ عَلى ما يَنْفَعُ الضَّيْفَ وإنْ كانَ وضْعُ الطَّعامِ بَيْنَ يَدَيْهِ كافِيًا في تَمْكِينِهِ مِنهُ. وقَدِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ إذْنًا عِنْدَ الفُقَهاءِ في الدَّعْوَةِ إلى الوَلائِمِ بِخِلافِ مُجَرَّدِ وُجُودِ مائِدَةِ طَعامٍ أوْ سُفْرَةٍ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَدْ أُعِدَّتْ لِغَيْرِ المَدْعُوِّ.

والفاءُ في ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ فَصِيحَةٌ لِإفْصاحِها عَنْ جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها رَبْطُ المَعْنى، أيْ فَلَمْ يَأْكُلُوا فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ [هود: ٧٠] أيْ إلى العَجَلِ ﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] .

و“ أوْجَسَ ”أحَسَّ في نَفْسِهِ ولَمْ يُظْهِرْ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ هُودٍ.

وقَوْلُهم لَهُ“ لا تَخَفْ ”لِأنَّهم عَلِمُوا ما في نَفْسِهِ مِمّا ظَهَرَ عَلى مَلامِحِهِ مِنَ الخَوْفِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ هُودٍ.

والغُلامُ الَّذِي بَشَّرُوهُ بِهِ هو إسْحاقُ لِأنَّهُ هو ابْنُ سارَّةَ، وهو الَّذِي وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ في التَّوْراةِ، ووُصِفَ هُنا بِـ“ عَلِيمٍ ”، وأمّا الَّذِي ذُكِرَتِ البِشارَةُ بِهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ فَهو إسْماعِيلُ ووُصِفَ بِـ“ حَلِيمٍ ”ولِذَلِكَ فامْرَأةُ إبْراهِيمَ الحادِثُ عَنْها هُنا هي سارَّةُ، وهي الَّتِي ولَدَتْ بَعْدَ أنْ أيِسَتْ، أمّا هاجَرُ فَقَدْ كانَتْ فَتاةً ولَدَتْ في مُقْتَبَلِ عُمْرِها. وأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ حِينَ سَمِعْتُ البِشارَةَ لَها بِغُلامٍ، أيْ أقْبَلَتْ عَلى مَجْلِسِإبْراهِيمَ مَعَ ضَيْفِهِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ [هود: ٧١] .

وكانَ النِّساءُ يَحْضُرْنَ مَجالِسَ الرِّجالِ في بُيُوتِهِنَّ مَعَ أزْواجِهِنَّ ويُواكِلْنَهم. وفي المُوَطَّأِ“ قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ تَحَضُرَ المَرْأةُ مَعَ زَوْجِها وضَيْفِهِ وتَأْكُلَ مَعَهم ”.

والصُّرَّةُ: الصِّياحُ، ومِنهُ اشْتُقَّ الصَّرِيرُ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهي المُلابَسَةُ.

والصَّكُّ: اللَّطْمُ، وصَكُّ الوَجْهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ عادَةُ النِّساءِ أيامَئِذٍ. ونَظِيرُهُ

صفحة ٣٦١

وضْعُ اليَدِ عَلى الفَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] .

وقَوْلُهُا“ ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ”خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أنا عَجُوزٌ عَقِيمٌ.

والعَجُوزُ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ وهو يَسْتَوِي في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَجْزِ ويُطْلَقُ عَلى كِبَرِ السِّنِّ لِمُلازِمَةِ العَجْزِ لَهُ غالِبًا.

والعَقِيمُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ إذا جَرى عَلى مَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ، مُشْتَقٌّ مِن عَقَمَها اللَّهُ، إذا خَلَقَها لا تَحْمَلُ بِجَنِينٍ، وكانَتْ سارَّةُ لَمْ تَحْمِلْ قَطُّ.

وقَوْلُ المَلائِكَةِ“ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ ”الإشارَةُ إلى الحادِثِ وهو التَّبْشِيرُ بِغُلامٍ.

والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، أيْ مِثْلُ قَوْلِنا: قالَ رَبُّكِ فَنَحْنُ بَلَّغْنا ما أُمِرْنا بِتَبْلِيغِهِ.

وجُمْلَةُ“ ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ”تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ“ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ " المُقْتَضِيَةِ أنَّ المَلائِكَةَ ما أخْبَرُوا إبْراهِيمَ إلّا تَبْلِيغًا مِنَ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ صادِقُ وعْدِهِ وأنَّهُ لا مَوْقِعَ لِتَعَجُّبِ امْرَأةِ إبْراهِيمَ لِأنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ يُدَبِّرُ تَكْوِينَ ما يُرِيدُهُ، وعَلِيمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُها مِنَ العَجْزِ والعُقْمِ.

وهَذِهِ المُحاوَرَةُ بَيْنَ المَلائِكَةِ وسارَّةَ امْرَأةِ إبْراهِيمَ وقَعَ مِثْلُها بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ كَما قُصَّ في سُورَةِ الحِجْرِ، فَحُكِيَ هُنا ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ سارَّةَ، وحُكِيَ هُناكَ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ والمَقامُ واحِدٌ، والحالَةُ واحِدَةٌ كَما بُيِّنَ في سُورَةِ هُودٍ قالَتْ ﴿يا ويْلَتا آَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] .

51:31–34Page 522

۞ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals1

لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ ٣٣

To send down upon them stones of clay,

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤

Marked in the presence of your Lord for the transgressors."

صفحة ٥

﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ عَلِمَ إبْراهِيمُ مِن مُحاوَرَتِهِمْ فِيما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ وما ورَدَ ذِكْرُهُ في آياتٍ أُخْرى أنَّهم مَلائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَسَألَهم عَنِ الشَّأْنِ الَّذِي أُرْسِلُوا لِأجْلِهِ. وإنَّما سَألَهم بَعْدَ أنْ قَراهم جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الضِّيافَةِ أنْ لا يُسْألَ الضَّيْفُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي أوْرَدَهُ ذَلِكَ المَنزِلَ إلّا بَعْدَ اسْتِعْدادِهِ لِلرَّحِيلِ كَيْلا يَتَوَهَّمَ سَآمَةَ مُضَيِّفِهِ مِن نُزُولِهِ بِهِ، ولِيُعِينَهُ عَلى أمْرِهِ إنْ كانَ مُسْتَطِيعًا، وهم وإنْ كانُوا قَدْ بَشَّرُوهُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ؛ إلّا أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ ذَلِكَ هو قُصارى ما جاءُوا لِأجْلِهِ.

وحُكِيَ فِعْلُ القَوْلِ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ في مَقاوِلِهِ مُحاوَرَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ضَيْفِهِ.

والفاءُ فِيما حُكِيَ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ فَصِيحَةٌ مُؤْذِنَةٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ ناشِئٍ عَنِ المُحاوَرَةِ الواقِعَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ضَيْفِهِ وهو مِن عَطْفِ كَلامٍ عَلى كَلامِ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، ويَقَعُ كَثِيرًا في العَطْفِ بِالواوِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] فَإبْراهِيمُ خاطَبَ المَلائِكَةَ بَلُغَتِهِ ما يُؤَدّى مِثْلُهُ بِفَصِيحِ الكَلامَ العَرَبِيِّ بِعِبارَةِ ”﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾“ .

وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: إذْ كُنْتُمْ مُرْسَلِينَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَما خَطْبُكُمُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ مِن أجْلِهِ.

صفحة ٦

وقَدْ عَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ لا تَكُونُ لِمُجَرَّدِ بِشارَتِهِ بِابْنٍ يُولَدُ لَهُ ولِزَوْجِهِ إذْ كانَتِ البِشارَةُ تَحْصُلُ لَهُ بِالوَحْيِ، فَكانَ مِن عِلْمِ النُّبُوءَةِ أنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ لا يَكُونُ إلّا لِخَطْبٍ، قالَ تَعالى (ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذَنْ مُنْظَرِينَ) .

والخَطْبُ: الحَدَثُ العَظِيمُ والشَّأْنُ المُهِمُّ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

والمَعْنى: ما الخَطْبُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ لِأجْلِهِ إذْ لا تَنْزِلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ. وخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ”أيُّها المُرْسَلُونَ“؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِفُ ما يُسَمِّيهِمْ بِهِ إلّا وصْفَ أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ، والمُرْسَلُونَ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ.

والمُرادُ بِالقَوْمِ المُجْرِمِينَ أهْلُ سَدُومَ وعَمُّورِيَّةَ، وهم قَوْمُ لُوطٍ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهم في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ.

والإرْسالُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الرَّمْيِ مَجازًا كَما يُقالُ: أرْسَلَ سَهْمَهُ عَلى الصَّيْدِ، وهَذا الإرْسالُ يَكُونُ بَعْدَ أنْ أصْعَدُوا الحِجارَةَ إلى الجَوِّ وأرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَطَرًا في بَعْضِ الآياتِ.

وحَصَلَ بَيْنَ أرْسَلْنا وبَيْنَ لِنُرْسِلَ جِناسٌ لاخْتِلافِ مَعْنى اللَّفْظَيْنِ.

والحِجارَةُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَجَرِ، ومَعْنى كَوْنِ الحِجارَةِ مِن طِينٍ: أنَّ أصْلَها طِينٌ تَحَجَّرَ بِصَهْرِ النّارِ، وهي حِجارَةٌ بُرْكانِيَّةٌ مِن كِبْرِيتٍ قَذَفَتْها الأرْضُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي صارَتْ بُحَيْرَةً تُدْعى اليَوْمَ بُحَيْرَةَ لُوطٍ وأصْعَدَها نامُوسٌ إلَهِيٌّ بِضَغْطٍ، جَعَلَهُ اللَّهُ يَرْفَعُ الخارِجَ مِنَ البُرْكانِ إلى الجَوِّ فَنَزَلَتْ عَلى قُرى قَوْمِ لُوطٍ فَأهْلَكَتْهم، وذَلِكَ بِأمْرِ التَّكْوِينِ بِواسِطَةِ القُوى المَلَكِيَّةِ.

والمُسَوَّمَةُ: الَّتِي عَلَيْها السُّومَةُ، أيْ: العَلامَةُ، أيْ: عَلَيْها عَلاماتٌ مِن ألْوانٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الحِجارَةِ المُتَعارَفَةِ.

ومَعْنى عِنْدَ رَبِّكَ أنَّ عَلاماتِها بَخَلْقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ.

صفحة ٧

والمُسْرِفُونَ: المُفْرِطُونَ في العِصْيانِ، وذَلِكَ بَكُفْرِهِمْ وشُيُوعِ الفاحِشَةِ فِيهِمْ، فالمُسْرِفُونَ: القَوْمُ المُجْرِمُونَ، عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الوَصْفِ الظّاهِرِ، لِتَسْجِيلِ إفْراطِهِمْ في الإجْرامِ.

51:35–37Page 522

فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥

So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.

فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦

And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1

وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧

And We left therein a sign for those who fear the painful punishment.

﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن حِكايَةِ كَلامِ المَلائِكَةِ بَلْ هي تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ مُحاوَرَةِ المَلائِكَةِ مَعَ إبْراهِيمَ، والفاءُ في فَأخْرَجْنا فَصِيحَةٌ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ هو ما ذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ مِن مَجِيءِ المَلائِكَةِ إلى لُوطٍ وما حَدَثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، فالتَّقْدِيرُ: فَحَلُّوا بِقَرْيَةِ لُوطٍ فَأمَرْناهم بِإخْراجِ مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَأخْرَجُوهم. وضَمِيرُ أخْرَجْنا ضَمِيرُ عَظَمَةِ الجَلالَةِ.

وإسْنادُ الإخْراجِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِهِ المَلائِكَةَ أنْ يُبَلِّغُوهُ لُوطًا، ولِأنَّ اللَّهَ يَسَّرَ إخْراجَ المُؤْمِنِينَ ونَجاتَهم إذْ أخَّرَ نُزُولَ الحِجارَةِ إلى أنْ خَرَجَ المُؤْمِنُونَ وهم لُوطٌ وأهْلُهُ إلّا امْرَأتَهُ.

وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إيمانَهم هو سَبَبُ نَجاتِهِمْ، أيْ: إيمانُهم بِلُوطٍ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم آلُ نَبِيٍّ، وإيمانُ الأنْبِياءِ إسْلامٌ، قالَ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .

وضَمِيرُ فِيها عائِدٌ إلى القَرْيَةِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ لِكَوْنِها مَعْلُومَةً مِن آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] .

وتَفْرِيعُ ”فَما وجَدْنا“ تَفْرِيعُ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ، وفِعْلُ وجَدْنا مَعْنى عَلِمْنا؛ لِأنَّ (وجَدَ) مِن أخَواتِ (ظَنَّ) فَمَفْعُولُهُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: مِنَ المُسْلِمِينَ و(مِنَ) مَزِيدَةٌ لَتِأْكِيدِ النَّفْيِ وقَوْلُهُ (فِيها) في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي.

صفحة ٨

وإنَّما قالَ ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَأخْرَجْنا لُوطًا وأهْلَ بَيْتِهِ قَصْدًا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الإيمانِ والإسْلامِ، أيْ أنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِنَ العَذابِ لِأجْلِ إيمانِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُهم لا لِأجْلِ أنَّهم أهْلُ لُوطٍ، وأنَّ كَوْنَهم أهْلَ بَيْتِ لُوطٍ؛ لِأنَّهُمُ انْحَصَرَ فِيهِمْ وصْفُ المُؤْمِنِينَ في تِلْكَ القَرْيَةِ، فَكانَ كالكُلِّيِّ الَّذِي انْحَصَرَ في فَرْدٍ مُعَيَّنٍ.

والمُؤْمِنُ: هو المُصَدِّقُ بِما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ.

والمُسْلِمُ المُنْقادُ إلى مُقْتَضى الإيمانِ ولا نَجاةَ إلّا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، فَحَصَلَ في الكَلامِ - مَعَ التَّفَنُّنِ في الألْفاظِ - الإشارَةُ إلى التَّنْوِيهِ بِكِلَيْهِما وإلى أنَّ النَّجاةَ بِاجْتِماعِهِما.

والآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ كانَتْ تُظْهِرُ الِانْقِيادَ إلى زَوْجِها وتُضْمِرُ الكُفْرَ ومُمالاةَ أهْلِ القَرْيَةِ عَلى فَسادِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: ١٠] الآيَةَ، فَبَيْتُ لُوطٍ كانَ كُلُّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُنْ كُلُّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْجُ مِنهم إلّا الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالإيمانِ والإسْلامِ مَعًا.

والوِجْدانُ في قَوْلِهِ ”فَما وجَدْنا“ مُرادٌ بِهِ تَعَلُّقُ عِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُومِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وهو تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ، ووِجْدانُ الشَّيْءِ: إدْراكُهُ وتَحْصِيلُهُ.

ومَعْنى وتَرَكْنا فِيها آيَةً: أنَّ القَرْيَةَ بَقِيَتْ خَرابًا لَمْ تُعَمَّرْ، فَكانَ ما فِيها مِن آثارِ الخَرابِ آيَةٌ لِلَّذِينَ يَخافُونَ عَذابَ اللَّهِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ ”وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ“، أوْ يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى ما يُؤْخَذُ مِن مَجْمُوعِ قَوْلِهِ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] عَلى تَأْوِيلِ الكَلامِ بِالقِصَّةِ، أيْ: تَرَكْنا في قِصَّتِهِمْ.

والتَّرْكُ حَقِيقَتُهُ: مُفارَقَةُ شَخْصٍ شَيْئًا حَصَلَ مَعَهُ في مَكانٍ، فَفارَقَ ذَلِكَ المَكانَ وأبْقى مِنهُ ما كانَ مَعَهُ، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:

فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ

ويُطْلَقُ عَلى التَّسَبُّبِ في إيجادِ حالَةٍ تَطُولُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

صفحة ٩

فَلا تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ∗∗∗ إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ

بِتَشْبِيهِ إبْقاءِ تِلْكَ الحالَةِ فِيهِ بِالشَّيْءِ المَتْرُوكِ في مَكانٍ. ووَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ التَّغَيُّرِ.

والتَّرْكُ في الآيَةِ: كِنايَةٌ عَنْ إبْقاءِ الشَّيْءِ في مَوْضِعٍ دُونَ مُفارَقَةِ التّارِكِ، أوْ هو مَجازٌ مُرْسَلٌ في ذَلِكَ فَيَكُونُ نَظِيرَ ما في بَيْتِ النّابِغَةِ.

والَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ مِن أهْلِ الإسْلامِ وأهْلِ الكِتابِ دُونَ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدِلالَةِ مَواقِعِ الِاسْتِئْصالِ عَلى أسْبابِ ذَلِكَ الِاسْتِئْصالِ نُزِّلَتْ دِلالَةُ آيَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مَنزِلَةَ ما لَيْسَ بِآيَةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] .

والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَخافُونَ اتَّعَظُوا بِآيَةِ قَوْمِ لُوطٍ فاجْتَنَبُوا مِثْلَ أسْبابِ هَلاكِهِمْ، وأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا لا يَتَّعِظُونَ فَيُوشِكُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذابٌ ألِيمٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском