Ibn 'AshurAt‑Tur · 52:20–28

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tur 52:20–28

52:20Page 524

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠

They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.

﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ .

حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩]، أيْ: يُقالُ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَّكِئِينَ، أيْ: وهم في حالِ إكْلَةِ أهْلِ التَّرَفِ المَعْهُودِ في الدُّنْيا، فَقَدْ كانَ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ وقَدْ وصَفَ القُرْآنُ ذَلِكَ في سُورَةِ يُوسُفَ بِقَوْلِهِ ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١] وكانَ الأكاسِرَةُ ومَرازِبَةُ الفُرْسِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ، وكَذَلِكَ كانَ أباطِرَةُ الرُّومانِ وكَذَلِكَ شَأْنُهم في شُرْبِ الخَمْرِ، قالَ الأعْشى:

نازَعْتُهم قُضُبَ الرَّيْحانِ مُتَّكِئًا وخَمْرَةً مُزَّةً راوُوقُها خَضِلُ

السُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو ما يُضْطَجَعُ عَلَيْهِ.

والمَصْفُوفَةُ: المُتَقابِلَةُ، والمَعْنى: أنَّهم يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ مُجْتَمِعِينَ لِلتَّأنُسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .

وجُمْلَةُ ”وزَوَّجْناهم“ عَطْفٌ عَلى ”مُتَّكِئِينَ“ فَهي في مَوْضِعِ الحالِ.

ومَعْنى ”زَوَّجْناهم: جَعَلْنا كُلَّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، أيْ: غَيْرَ مُفْرَدٍ، أيْ: قَرَنّاهم بِنِساءٍ حُورٍ عِينٍ. والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: جَعَلْنا حُورًا عِينًا مَعَهم، ولَمْ يُعَدِّ فِعْلَ“ زَوَّجْناهم ”إلى“ حُورٍ ”بِنَفْسِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ لِأنَّ زَوَّجْنا في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِمَعْنى أنْكَحْناهم، إذْ لَيْسَ المُرادُ عَقْدَ النِّكاحِ لِنُبُوِّ المُرادِ عَنْ هَذا المَعْنى، فالتَّزْوِيجُ هُنا وارِدٌ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ وهو جَعْلُ الشَّيْءِ المُفْرَدِ زَوْجًا ولَيْسَ وارِدًا بِمَعْناهُ المَقُولِ عَنْهُ في العُرْفِ والشَّرْعِ، ولَيْسَ الباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ“ زَوَّجْناهم ”بِتَضْمِينِهِ مَعْنى: قَرَنًّا، ولا هو

صفحة ٤٨

عَلى لُغَةِ أزْدِ شَنُوءَةَ فَإنَّهُ لَمْ يُسْمَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ: تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ.

وحُورٌ: صِفَةٌ لِنِساءِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وهُنَّ النِّساءُ اللّاتِي كُنَّ أزْواجًا لَهم في الدُّنْيا إنْ كُنَّ مُؤْمِناتٍ ومَن يَخْلُقُهُنَّ اللَّهُ في الجَنَّةِ لِنِعْمَةِ الجَنَّةِ، وحُكْمُ نِساءِ المُؤْمِنِينَ اللّاتِي هُنَّ مُؤْمِناتٌ ولَمْ يَكُنْ في العَمَلِ الصّالِحِ مِثْلَ أزْواجِهِنَّ في لِحاقِهِنَّ بِأزْواجِهِنَّ في الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ وما يُقالُ فِيهِنَّ يُقالُ في الرِّجالِ مِن أزْواجِ النِّساءِ الصّالِحاتِ.

و“ عِينٍ " صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وحَقُّها أنْ تُعْطَفَ، ولَكِنْ كَثُرَ تَرْكُ العَطْفِ.

52:21Page 524

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١

And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2

”﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾“ .

اعْتِراضٌ بَيْنَ ذِكْرِ كَراماتِ المُؤْمِنِينَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَكُونَ الصِّلَةُ إيماءً إلى أنَّ وجْهَ بِناءِ الخَبَرِ الوارِدِ بَعْدَها، أيْ: أنَّ سَبَبَ إلْحاقِ ذُرِّيّاتِهِمْ بِهِمْ في نَعِيمِ الجَنَّةِ هو إيمانُهم وكَوْنُ الذُّرِّيّاتِ آمَنُوا بِسَبَبِ إيمانِ آبائِهِمْ؛ لِأنَّ الآباءَ المُؤْمِنِينَ يُلَقِّنُونَ أبْناءَهُمُ الإيمانَ.

والمَعْنى: والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَهم ذُرِّيّاتٌ مُؤْمِنُونَ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ.

وقَدْ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦]، وهَلْ يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقِيَ النّارَ غَيْرَهُ إلّا بِالإرْشادِ. ولَعَلَّ ما في الآيَةِ مِن إلْحاقِ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن شَفاعَةِ المُؤْمِنِ الصّالِحِ لِأهْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ.

والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ ”بِإيمانٍ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: بِإيمانٍ عَظِيمٍ، وعَظَمَتُهُ بِكَثْرَةِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا في إلْحاقِهِمْ بِآبائِهِمْ وتَكُونَ النِّعْمَةُ في جَعْلِهِمْ في مَكانٍ واحِدٍ.

صفحة ٤٩

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الإيمانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”واتَّبَعَتْهم“ بِهَمْزَةِ وصَلٍ وبِتَشْدِيدِ التّاءِ الأُولى وبِتاءٍ بَعْدَ العَيْنِ هي تاءُ تَأْنِيثِ ضَمِيرِ الفِعْلِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (وأتْبَعْناهم) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ التّاءِ.

وقَوْلُهُ ”ذُرِّيَّتُهم“ الأوَّلُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (ذُرِّيّاتِهِمْ) بِصِيغَةِ جَمْعِ ذُرِّيَّةٍ فَهو مَفْعُولُ (أتْبَعْناهم) . وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ أيْضًا لَكِنْ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ فاعِلُ (اتَّبَعْتَهم)، فَيَكُونُ الإنْعامُ عَلى آبائِهِمْ بِإلْحاقِ ذُرِّيّاتِهِمْ بِهِمْ وإنْ لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِهِمْ.

وقَدْ رَوى جَماعَةٌ مِنهُمُ الطَّبَرِيُّ والبَزّارُ وابْنُ عَدِيٍّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ»، أيْ: في العَمَلِ كَما صَرَّحَ بِهِ في رِوايَةِ القُرْطُبِيِّ «لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن شَيْءٍ»﴾ .

وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ هو نِعْمَةٌ جَمَعَ اللَّهُ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ أنْواعَ المَسَرَّةِ بِسَعادَتِهِمْ بِمُزاوَجَةِ الحُورِ وبِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ وبِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ ونَسْلِهِمْ بِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ في طَبْعِ الإنْسانِ التَّأنُسَ بِأوْلادِهِ وحُبَّهُ اتِّصالَهم بِهِ.

وقَدْ وصَفَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ الجَعْفَرِيُّ المُرْسِيُّ الأنْدَلُسِيُّ نَزِيلُ تُونِسَ سَنَةَ ١٠١٣ ثَلاثَ عَشْرَةَ وألْفٍ في كِتابٍ لَهُ سَمّاهُ ”الأنْوارُ النَّبَوِيَّةُ في آباءِ خَيْرِ البَرِيَّةِ“ قالَ في خاتِمَةِ الكِتابِ قَدْ أطْلَعَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى دِينِ الإسْلامِ بَواسِطَةِ والِدِي وأنا ابْنُ سِتَّةِ أعْوامٍ مَعَ أنِّي كُنْتُ إذّاكَ أرُوحُ إلى مَكْتَبِ النَّصارى لِأقْرَأ دِينَهم ثُمَّ أرْجِعَ إلى بَيْتِي فَيُعَلِّمَنِي والِدِي دِينَ الإسْلامِ فَكُنْتُ أتَعَلَّمُ فِيهِما (كَذا) مَعًا وسِنِّي حِينَ حُمِلْتُ إلى مَكْتَبِهِمْ أرْبَعَةُ أعْوامٍ فَأخَذَ والِدِي لَوْحًا مِن عُودِ الجَوْزِ كَأنِّي أنْظُرُ لَها الآنَ إلَيْهِ مُمَلَّسًا مِن غَيْرِ طَفَلٍ (اسْمٌ لِطِينٍ يابِسٍ وهو طِينٌ لَزِجٌ ولَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ وعَرَبِيَّتُهُ طُفالٌ كَغُرابٍ) فَكَتَبَ لِي في حُرُوفِ الهِجاءِ وهو يَسْألُنِي عَنْ حُرُوفِ

صفحة ٥٠

النَّصارى حَرْفًا حَرْفًا تَدْرِيبًا وتَقْرِيبًا فَإذا سَمَّيْتُ لَهُ حَرْفًا أعْجَمِيًّا يَكْتُبُ لِي حَرْفًا عَرَبِيًّا حَتّى اسْتَوْفى جَمِيعَ حُرُوفِ الهِجاءِ وأوْصانِي أنْ أكْتُمَ ذَلِكَ حَتّى عَنْ والِدَتِي وعَمِّي وأخِي مَعَ أنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ ألْقى نَفْسَهَ لِلْهَلاكِ لِإمْكانِ أنْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْهُ فَيُحْرَقَ لا مَحالَةَ وقَدْ كانَ يُلَقِّنُنِي ما أقُولُ عِنْدَ رُؤْيَتِيَ الأصْنامَ، فَلَمّا تَحَقَّقَ والِدِي أنِّي أكْتُمُ أُمُورَ دِينِ الإسْلامِ أمَرَنِي أنْ أتَكَلَّمَ بِإفْشائِهِ لِوالِدَتِي وبَعْضِ الأصْدِقاءِ مِن أصْحابِهِ وسافَرْتُ الأسْفارَ مِن جِيّانَ لِأجْتَمِعَ بِالمُسْلِمِينَ الأخْيارِ إلى غَرْناطَةَ وأشْبِيلِيَّةَ وطُلَيْطِلَةَ وغَيْرِها مِن مُدُنِ الجَزِيرَةِ الخَضْراءِ، فَتَخَلَّصَ لِي مِن مَعْرِفَتِهِمْ أنِّي مَيَّزْتُ مِنهم سَبْعَةَ رِجالٍ كانُوا يُحَدِّثُونَنِي بِأحْوالِ غَرْناطَةَ وما كانَ بِها في الإسْلامِ وقَدْ مَرُّوا كُلُّهم عَلى شَيْخٍ مِن مَشائِخِ غَرْناطَةَ يُقالُ لَهُ الفَقِيهُ الأوْطُورِيُّ. . . إلَخْ.

وإيثارُ فِعْلِ ”ألْحَقْنا“ دُونَ أنْ يُقالَ: أدْخَلْنا مَعَهم، أوْ جَعَلْنا مَعَهم لِعِلْمِهِ لِما في مَعْنى الإلْحاقِ مِنَ الصَّلاحِيَّةِ لِلْفَوْزِ والتَّأْخِيرِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الإلْحاقُ بَعْدَ إجْراءِ عِقابٍ عَلى بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ اسْتَحَقُّوهُ بِسَيِّئاتِهِمْ عَلى ما في الأعْمالِ مِن تَفاوُتٍ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن عِبادِهِ. وفِعْلُ الإلْحاقِ يَقْتَضِي أنَّ الذُّرِّيّاتِ صارُوا في دَرَجاتِ آبائِهِمْ.

وفِي المُخالَفَةِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ تَفَنُّنٌ لِدَفْعِ إعادَةِ اللَّفْظِ.

و”ألَتْناهم“ نَقَصْناهم، يُقالُ: آلَتَهُ حَقَّهُ، إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهو مِن بابِ ضَرَبَ ومِن بابَ عَلِمَ.

فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ ”ألَتْناهم“ . وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ لامِ (ألِتْناهم)، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] في سُورَةِ الحُجُراتِ.

والواوُ لِلْحالِ وضَمِيرُ الغَيْبَةِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ في الدَّرَجَةِ في الجَنَّةِ فَضْلًا مِنهُ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا دُونَ عِوَضٍ احْتِراسًا مِن أنْ يَحْسَبُوا أنَّ إلْحاقَ ذُرِّيّاتِهِمْ بِهِمْ بَعْدَ عَطاءِ نَصِيبٍ مِن حَسَناتِهِمْ لِذُرِّياتِهِمْ لِيَدْخُلُوا بِهِ الجَنَّةَ عَلى ما هو مُتَعارَفٌ عِنْدَهم في فَكِّ الأسِيرِ، وحَمالَةِ الدِّياتِ، وخَلاصِ الغارِمِينَ، وعَلى ما هو مَعْرُوفٌ في

صفحة ٥١

الِانْتِصافِ مِنَ المَظْلُومِ لِلظّالِمِ بِالأخْذِ مِن حَسَناتِهِ وإعْطائِها لِلْمَظْلُومِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ انْتِقاصِ حُظُوظِهِمْ مِنَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

و”مِن عَمَلِهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِ ”ما ألَتْناهم“ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ و”مِن“ الَّتِي في قَوْلِهِ ”مِن شَيْءٍ“ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ وإفادَةِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ لِلنَّكِرَةِ.

* * *

﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢] قُصِدَ مِنها تَعْلِيلُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهي بِما فِيها مِنَ العُمُومِ صالِحَةٌ لِلتَّذْيِيلِ مَعَ التَّعْلِيلِ، و﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾ يَعُمُّ أهْلَ الآخِرَةِ كُلَّهم.

ولَيْسَ المُرادُ كُلَّ امْرِئٍ مِنَ المُتَّقِينَ خاصَّةً.

والمَعْنى: انْتَفى إنْقاصُنا إيّاهم شَيْئًا مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مَقْرُونٌ بِما كَسَبَ ومُرْتَهَنٌ عِنْدَهُ، والمُتَّقُونَ لَمّا كَسَبُوا العَمَلَ الصّالِحَ كانَ لِزامًا لَهم مُقْتَرِنًا بِهِمْ لا يُسْلَبُونَ مِنهُ شَيْئًا، والمُرادُ بِما كَسَبُوا: جَزاءَ ما كَسَبُوا؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِصاحِبِ العَمَلِ وأمّا نَفْسُ العَمَلِ نَفْسُهُ فَقَدِ انْقَضى في إبّانِهِ.

وفِي هَذا التَّعْلِيلِ كِنايَتانِ: إحْداهُما أنَّ أهْلَ الكُفْرِ مَقْرُونُونَ بِجَزاءِ أعْمالِهِمْ، وثانِيَتُهُما أنَّ ذُرِّيّاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِآبائِهِمْ في النَّعِيمِ أُلْحِقُوا بِالجَنَّةِ كَرامَةً لِآبائِهِمْ ولَوْلا تِلْكَ الكَرامَةُ لَكانَتَ مُعامَلَتُهم عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ. وبِهَذا كانَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ وقْعٌ أشَدُّ حُسْنًا مِمّا سِواهُ مَعَ أنَّها صارَتْ مِن حُسْنِ التَّتْمِيمِ.

والكَسْبُ: يُطْلَقُ عَلى ما يُحَصِّلُهُ المَرْءُ بِعَمَلِهِ لِإرادَةِ نَفْعِ نَفْسِهِ.

ورَهِينٌ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ الرَّهْنِ وهو الحَبْسُ.

52:22–23Page 524

وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢

And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.

يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣

They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.

﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فِي جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] إلَخْ.

صفحة ٥٢

والإمْدادُ: إعْطاءُ المَدَدِ وهو الزِّيادَةُ مِن نَوْعٍ نافِعٍ فِيما زِيدَ فِيهِ، أيْ: زِدْناهم عَلى ما ذُكِرَ مِنَ النَّعِيمِ والأكْلِ والشُّرْبِ الهَنِيءِ فاكِهَةً ولَحْمًا مِمّا يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ واللِّحُومِ الَّتِي يَشْتَهُونَها، أيْ: لايُؤْتى لَهم بِشَيْءٍ لا يَرْغَبُونَ فِيهِ فَلِكُلٍّ مِنهم ما اشْتَهى.

وخَصَّ الفاكِهَةَ واللَّحْمَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ”﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾“ مَنَحَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ لَذَّةَ نَشْوَةِ الخَمْرِ والمُنادَمَةِ عَلى شُرْبِها لِأنَّها مِن أحْسَنِ اللَّذّاتِ فِيما ألِفَتْهُ نُفُوسُهم، وكانَ أهْلُ التَّرَفِ في الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ في الدُّنْيا كَسَرُوا سَوْرَةَ حِدَّتِها في البَطْنِ بِالشِّواءِ مِنَ اللَّحْمِ قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ قَرْنَ الثَّوْرِ: سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأدِ ويَدْفَعُونَ لَذْغَ الخَمْرِ عَنْ أفْواهِهِمْ بِأكْلِ الفَواكِهِ ويُسَمُّونَها النُّقْلَ (بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِها) ويَكُونُ مِن ثِمارٍ ومَقاثٍ.

ولِذَلِكَ جِيءَ بِقَوْلِهِ ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ الغائِبِ في ﴿أمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ إلَخْ.

والتَّنازُعُ أُطْلِقَ عَلى التَّداوُلِ والتَّعاطِي. وأصْلُهُ تَفاعُلٌ مِن نَزْعِ الدَّلْوِ مِنَ البِئْرِ عِنْدَ الِاسْتِقاءِ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا إذا ورَدُوا لِلِاسْتِقاءِ نَزَعَ أحَدُهم دَلْوَهُ مِنَ الماءِ ثُمَّ ناوَلَ الدَّلْوَ لِمَن حَوْلَهُ ورُبَّما كانَ الرَّجُلُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ يَنْزِعُ مِنَ البِئْرِ لِلْمُسْتَقِينَ كُلِّهِمْ يَكْفِيهِمْ تَعَبَ النَّزْعِ، ويُسَمّى الماتِحَ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ.

وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى نَزْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنَتَيْ شُعَيْبٍ لَمّا رَأى انْقِباضَهُما عَنِ الِانْدِماجِ في الرِّعاءِ «. وذَكَرَ النَّبِيءُ ﷺ في رُؤْياهُ نَزْعَهُ عَلى القَلِيبِ ثُمَّ نَزْعَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ نَزْعَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» - . ثُمَّ اسْتُعِيرَ أوْ جُعِلَ مَجازًا عَنِ المُداوَلَةِ والمُعاوَرَةِ في مُناوَلَةِ أكْؤُسِ الشَّرابِ، قالَ الأعْشى:

نازَعْتُهم قُضُبَ الرَّيْحانِ مُتَّكِئًا ∗∗∗ وخَمْرَةً مُزَّةً راوُوقُها خَضِلُ

والمَعْنى: أنَّ بَعْضَهم يَصُبُّ لِبَعْضٍ الخَمْرَ ويُناوِلُهُ إيثارًا وكَرامَةً.

وقِيلَ: تَنازُعُهُمُ الكَأْسَ مُجاذَبَةُ بَعْضِهِمْ كَأْسَ بَعْضٍ إلى نَفْسِهِ لِلْمُداعَبَةِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ في المُداعَبَةِ عَلى الطَّعامِ:

صفحة ٥٣

فَظَلَّ العَذارى يَرْتَمِينَ بِلَحْمِها ∗∗∗ وشَحْمٍ كَهُدّابِ الدِّمْقَسِ المُفَتَّلِ

والكَأْسُ: إناءٌ تُشْرَبُ فِيهِ الخَمْرُ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، وهو مُؤَنَّثٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا مُرادًا بِهِ الإناءُ المَعْرُوفُ ومُرادًا بِهِ الجِنْسُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥]، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَشْرَبُونَ في كَأْسٍ واحِدَةٍ بِأخْذِ أحَدِهِمْ مِن آخَرَ كَأْسَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ، وهو مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ، مِثْلِ قَوْلِهِمْ: سالَ الوادِي وكَما قالَ الأعْشى: نازَعْتُهم قُضُبَ الرَّيْحانِ (البَيْتَ السّابِقَ آنِفًا) .

وجُمْلَةُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِكَأْسٍ وضَمِيرُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ عائِدٌ إلى كَأْسٍ ووَصْفُ الكَأْسِ بِ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ .

إنْ فُهِمَ الكَأْسُ بِمَعْنى الإناءِ المَعْرُوفِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ: لا لَغْوٌ ولا تَأْثِيمٌ لِصاحِبِها، فَإنَّ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي تُؤَوَّلُ بِالمُلابَسَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] «وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ فَفِيهِما، أيْ: والِدَيْكَ فَجاهِدْ»، أيْ: جاهِدْ بِبِرِّهِما، أوْ تُؤَوَّلُ ”في“ بِمَعْنى التَّعْلِيمِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حَتّى ماتَتْ جُوعًا» .

وإنْ فُهِمَ الكَأْسُ مُرادًا بِهِ الخَمْرُ كانَتْ ”في“ مُسْتَعارَةً لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: لا لَغْوٌ يَقَعُ بِسَبَبِ شُرْبِها. والمَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ أنَّها لا يُخالِطُ شارِبِيها اللَّغْوُ والإثْمُ بِالسِّبابِ والضَّرْبِ ونَحْوِهِ، أيْ: أنَّ الخَمْرَ الَّتِي اسْتُعْمِلَتِ الكَأْسُ لَها لَيْسَتْ كَخُمُورِ الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً ناشِئَةً عَنْ جُمْلَةِ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾، ويَكُونَ ضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدًا إلى جَنّاتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧] مِثْلَ ضَمِيرِ ”فِيها كَأْسًا“، فَتَكُونَ في الجُمْلَةِ مَعْنى التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّهُ إذا انْتَفى اللَّغْوُ والتَّأْثِيمُ عَنْ أنْ يَكُونا في الجَنَّةِ انْتَفى أنْ يَكُونا في كَأْسِ شُرْبِ أهْلِ الجَنَّةِ.

ومِثْلُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ [النبإ: ٣١] ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ [النبإ: ٣٢]

صفحة ٥٤

إلى قَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ [النبإ: ٣٥] في سُورَةِ النَّبَإ.

واللَّغْوُ: سَقَطُ الكَلامِ والهَذَيانُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ خَلَلِ العَقْلِ.

والتَّأْثِيمُ: ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ شَرْعًا أوْ عادَةً مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، مِثْلِ الضَّرْبِ والشَّتْمِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ وما يُشْبِهُ أفْعالَ المَجانِينِ مِن آثارِ العَرْبَدَةِ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ النَّدامى غالِبًا، فَأهْلُ الجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأنَّهم مِن عالَمِ الحَقائِقِ والكَمالاتِ، فَهم حُكَماءُ عُلَماءُ، وقَدْ تَمَدَّحَ أصْحابُ الأحْلامِ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، ومِنهم مَنِ اتَّقى ما يَعْرِضُ مِنَ الفَلَتاتِ فَحَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ الخَمْرَ مِثْلَ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّ ”لا“ مُشَبَّهَةٌ بِلَيْسَ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِهِما عَلى أنَّ ”لا“ مُشَبَّهَةَ بِإنَّ وهُما وجْهانِ في نَفْيِ النَّكِرَةِ إذا كانَتْ إرادَةُ الواحِدِ غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ ومِثْلُهُ قَوْلُها في «حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرَّ ولا قَرَّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ» رُوِيَتِ النَّكِراتُ الأرْبَعُ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ.

52:24Page 524

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤

There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.

﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] فَهو مِن تَمامِهِ وواقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِثْلَهُ، وجِيءَ بِهِ في صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ، أيْ: ذَلِكَ لا يَنْقَطِعُ بِخِلافِ لَذّاتِ الدُّنْيا فَإنَّها لا بُدَ لَها مِنَ الِانْقِطاعِ بِنِهاياتٍ تَنْتَهِي إلَيْها فَتُكْرَهُ لِأصْحابِها الزِّيادَةُ مِنها مِثْلِ الغَوْلِ، والإطْباقِ، ووَجَعِ الأمْعاءِ في شُرْبِ الخَمْرِ ومِثْلِ الشَّبَعِ في تَناوُلِ الطَّعامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يُورِثُ العَجْزَ عَنِ الِازْدِيادِ مِنَ اللَّذَّةِ ويَجْعَلُ الِازْدِيادَ ألَمًا.

ولَمْ يُسْتَثْنَ مِن ذَلِكَ إلّا لَذّاتُ المَعارِفِ ولَذّاتُ المَناظِرِ الحَسَنَةِ والجَمالِ.

ولَمّا أشْعَرَ فِعْلُ ”يَطُوفُ“ بِأنَّ الغِلْمانَ يُناوِلُونَهم ما فِيهِ لَذّاتُهم كانَ مُشْعِرًا بِتَجَدُّدِ المُناوَلَةِ وتَجَدُّدِ الطَّوافِ وقَدْ صارَ كُلُّ ذَلِكَ لَذَّةً لا سَآمَةَ مِنها.

صفحة ٥٥

والطَّوافُ: مَشْيٌ مُتَكَرِّرٌ ذِهابًا ورُجُوعًا وأكْثَرُ ما يَكُونُ عَلى اسْتِدارَةٍ، ومِنهُ طَوافُ الكَعْبَةِ، وأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِالأصْنامِ ولِأجْلِهِ سُمِّيَ الصَّنَمُ دُوّارًا؛ لِأنَّهم يَدُورُونَ بِهِ. وسُمِّيَ مَشْيُ الغِلْمانِ بَيْنَهم طَوافًا؛ لِأنَّ شَأْنَ مَجالِسِ الأحِبَّةِ والأصْدِقاءِ أنْ تَكُونَ حَلْقَةً ودَوائِرَ لِيَسْتَوُوا في مَرْآهِمْ كَما أشارَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] . ومِنهُ جُعِلَتْ مَجالِسُ الدُّرُوسِ حَلَقًا وكانَتْ مَجالِسُ النَّبِيءُ ﷺ حَلَقًا.

وقَدْ أُطْلِقَ عَلى مُناوَلَةِ الخَمْرِ إدارَةٌ فَقِيلَ: أدارَتِ الحارِثَةُ الخَمْرَ، وهَذا الَّذِي يُناوِلُ الخَمْرَ المُدِيرُ.

وتَرْكُ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ ”يَطُوفُ“ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] وقَوْلِهِ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢] ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١] وقَوْلُهُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما شَأْنُهُ أنْ يُطافَ بِهِ تُرِكَ ذِكْرُهُ بَعْدَ فِعْلِ ”يُطافُ“ بِخِلافِ ما في الآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ.

والغِلْمانُ: جَمْعُ غُلامٍ، وحَقِيقَتُهُ مَن كانَ في سِنٍّ يُقارِبُ البُلُوغَ أوْ يَبْلُغُهُ، ويُطْلَقُ عَلى الخادِمِ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ ما يَتَّخِذُونَ خَدَمَهم مِنَ الصِّغارِ لِعَدَمِ الكُلْفَةِ في حَرَكاتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِثْقالِ تَكْلِيفِهِمْ، وأكْثَرُ ما يَكُونُونَ مِنَ العَبِيدِ، ومِثْلُهُ إطْلاقُ الوَلِيدَةِ عَلى الأمَةِ الفَتِيَّةِ كَأنَّها قَرِيبَةُ عَهْدٍ بِوِلادَةِ أُمِّها.

فَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾: خِدْمَةٌ لَهم.

وعَبَّرَ عَنْهم بِالتَّنْكِيرِ وتَعْلِيقِ لامِ المُلْكِ بِضَمِيرِ الَّذِينَ آمَنُوا دُونَ الإضافَةِ الَّتِي هي عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ لِما في الإضافَةِ مِن مَعْنى تَعْرِيفِ المُضافِ بِالِانْتِسابِ إلى المُضافِ إلَيْهِ عِنْدَ السّامِعِ مِن قَبْلُ. ولَيْسَ هَؤُلاءِ الغِلْمانُ بِمَمْلُوكِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم مَخْلُوقُونَ لِخِدْمَتِهِمْ خَلَقَهْمُ اللَّهُ لِأجْلِهِمْ في الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] وهَذا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]، أيْ: صِنْفٌ مِن عِبادِنا غَيْرُ مَعْرُوفِينَ لِلنّاسِ.

وشُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ في حُسْنِ المَرْأى.

صفحة ٥٦

واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ. والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ لِنَفاسَتِهِ عَلى أرْبابِهِ، فَلا يُتَحَلّى بِهِ إلّا في المَحافِلِ والمَواكِبِ فَلِذَلِكَ يَبْقى عَلى لَمَعانِهِ وبَياضِهِ.

52:25–28Page 524

وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥

And they will approach one another, inquiring of each other.

قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦

They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].

فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧

So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.

إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨

Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."

﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ أنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] . والتَّقْدِيرُ: وقَدْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ، أيْ: هم في تِلْكَ الأحْوالِ قَدْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ.

ولَمّا كانَ إلْحاقُ ذُرِّيّاتِهِمْ بِهِمْ مُقْتَضِيًا مُشارَكَتَهم إيّاهم في النَّعِيمِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ”ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ“ كانَ هَذا التَّساؤُلُ جارِيًا بَيْنَ الجَمِيعِ مِنَ الأُصُولِ والذُّرِّيّاتِ سائِلِينَ ومَسْئُولِينَ.

وضَمِيرُ بَعْضِهِمْ عائِدٌ إلى المُتَّقِينَ وعَلى ذُرِّيّاتِهِمْ.

وجُمْلَةُ قالُوا بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَتَساءَلُونَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ضَمِيرُ قالُوا عائِدٌ إلى البَعْضَيْنِ، أيْ: يَقُولُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ المُتَسائِلِينَ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ هَذِهِ المَقالَةَ.

والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وهو ضِدُّ الرَّجاءِ، وهَذا التَّوَقُّعُ مُتَفاوِتٌ عِنْدَ المُتَسائِلِينَ بِحَسْبِ تَفاوُتِ ما يُوجِبُهُ مِنَ التَّقْصِيرِ في أداءِ حَقِّ التَّكْلِيفِ، أوْ مِنَ العِصْيانِ. ولِذَلِكَ فَهو أقْوى في جانِبِ ذُرِّيّاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِأُصُولِهِمْ بِدُونِ اسْتِحْقاقٍ.

ولَعَلَّهُ في جانِبِ الذُّرِّيّاتِ أظْهَرُ في مَعْنى الشُّكْرِ لِأنَّ أُصُولَهم مِن أهْلِهِمْ، فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذُرِّيّاتِهِمْ كانُوا مُشْفِقِينَ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن مُشاهَدَةِ سَيْرِهِمْ في الوَفاءِ بِحُقُوقِ التَّكْلِيفِ، وكَذَلِكَ أُصُولُهم بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَعْلَمُ

صفحة ٥٧

حالَهم مِن أصْحابِهِمْ أوْ يَسْمَعُ مِنهم إشْفاقَهم واسْتِغْفارَهم. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُشْفِقِينَ؛ لِأنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ .

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةُ.

ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أهْلِنا﴾ بِ ”كُنّا“، أيْ: حِينَ كُنّا في ناسِنا في الدُّنْيا. فِ ”أهْلِنا“ هُنا بِمَعْنى آلِنا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُقالَةُ صادِرَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يُخاطِبُونَ ذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم سَيَلْحَقُونَ بِهِمْ: فالمَعْنى: إنّا كُنّا قَبْلُ مُشْفِقِينَ عَلَيْكم، فَتَكُونَ ”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: مُشْفِقِينَ لِأجْلِكم ومَعْنى ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ مَنَّ عَلَيْنا بِالعَفْوِ عَنْكم فَأذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ووَقانا أنْ يُعَذِّبَكم بِالنّارِ. فَلَمّا كانَ عَذابُ الذُّرِّيّاتِ يُحْزِنُ آباءَهم جُعِلَتْ وِقايَةُ الذُّرِّيّاتِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ وِقايَةِ آبائِهِمْ فَقالُوا: ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ إغْراقًا في الشُّكْرِ عَنْهم وعَنْ ذُرِّيّاتِهِمْ، أيْ: فَمَنَّ عَلَيْنا جَمِيعًا ووَقانا جَمِيعًا عَذابَ السَّمُومِ.

والسَّمُومِ بِفَتْحِ السِّينِ، أصْلُهُ اسْمُ الرِّيحِ الَّتِي تَهُبُّ مِن جِهَةٍ حارَّةٍ جِدًّا فَتَكُونُ جافَّةً شَدِيدَةَ الحَرارَةِ وهي مَعْرُوفَةٌ في بِلادِ العَرَبِ تُهْلِكُ مِن يَتَنَشَّقَها. وأُطْلِقَ هُنا عَلى رِيحِ جَهَنَّمَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ بِالأمْرِ المَعْرُوفِ، كَما أُطْلِقَتْ عَلى العُنْصُرِ النّارِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] في سُورَةِ الحِجْرِ وكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ بِالمَأْلُوفِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ اسْتَجابَ لَهم، أيْ: كُنّا مِن قَبْلِ اليَوْمِ نَدْعُوهُ، أيْ: في الدُّنْيا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”نَدْعُوهُ“ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ: كُنّا نَبْتَهِلُ إلَيْهِ في أُمُورِنا، وسَبَبُ العُمُومِ داخِلٌ ابْتِداءً، وهو الدُّعاءُ لِأنْفُسِهِمْ ولِذُرِّيّاتِهِمْ بِالنَّجاةِ مِنَ النّارِ وبِنَوالِ نَعِيمِ الجَنَّةِ.

ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ في دارِ الحَقِيقَةِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ إلْهامٍ ومَعْرِفَةٍ كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّ دُعاءَ الصّالِحِينَ لِأبْنائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، كَما دَلَّ عَلى إجابَةِ دُعاءِ

صفحة ٥٨

الصّالِحِينَ مِنَ الأبْناءِ لِآبائِهِمْ عَلى ذَلِكَ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ» فَذَكَرَ ووَلَدٌ صالِحٌ يَدْعُو لَهُ بِخَيْرٍ.

وقَوْلُهُ ”﴿أنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾“ قَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّهُ) عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ مَحْذُوفًا حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أنَّ) وهو هُنا اللّامُ تَعْلِيلًا لِ ”نَدْعُوهُ“، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“ ومَوْقِعُ جُمْلَتِها التَّعْلِيلُ.

والبَرُّ: المُحْسِنُ في رِفْقٍ.

والرَّحِيمُ: الشَّدِيدُ الرَّحْمَةِ، وتَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.

وضَمِيرُ الفَصْلِ لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو لِقَصْرِ صِفَتَيِ البَرِّ والرَّحِيمِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِبُرُورِ غَيْرِهِ ورَحْمَةِ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى بُرُورِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ بِاعْتِبارِ القُوَّةِ فَإنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَبْلُغُ بِالمَبَرَّةِ والرَّحْمَةِ مَبْلَغَ ما لِلَّهِ وبِاعْتِبارِ عُمُومِ المُتَعَلِّقِ، وبِاعْتِبارِ الدَّوامِ؛ لِأنَّ اللَّهَ بَرٌّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وغَيْرُ اللَّهِ بَرٌّ في بَعْضِ أوْقاتِ الدُّنْيا ولا يَمْلِكُ في الآخِرَةِ شَيْئًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском