Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tur 52:36–43
52:36Page 525
أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦
Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.
﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ .
إضْرابُ إبْطالٍ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ، أيْ: لَمْ يُخْلَقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ولا خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ، فَإنَّ ذَلِكَ بَيِّنٌ لَهم فَما إنْكارُهُمُ البَعْثَ إلّا ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ إيقانِهِمْ في مَظانِّ الإيقانِ وهي الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وأنَّهُ لَيْسَ
صفحة ٧٠
أغْرَبَ مِن إيجادِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ، فَما كانَ إنْكارُهم إيّاهُ إلّا عَنْ مُكابَرَةٍ وتَصْمِيمٍ عَلى كُفْرٍ.
والمَعْنى: أنَّ الأمْرَ لا هَذا ولا ذاكَ ولَكِنَّهم لا يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ فَهم يُنْكِرُونَهُ بِدُونِ حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ بَلْ رانَتِ المُكابَرَةُ عَلى قُلُوبِهِمْ.
52:37Page 525
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧
Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ انْتِقالٌ بِالعَوْدَةِ إلى رَدِّ جُحُودِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الإخْبارِ فِيهِ إلى مُخاطَبَةِ النَّبِيءِ ﷺ وكانَ الأصْلُ الَّذِي رَكَّزُوا عَلَيْهِ جُحُودَهم تَوَهُّمَ أنَّ اللَّهَ لَوْ أرْسَلَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ لَكانَ الأحَقُّ بِالرِّسالَةِ رَجُلًا عَظِيمًا مِن عُظَماءِ قَوْمِهِمْ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] وقالَ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يَعَنُونُ قَرْيَةَ مَكَّةَ وقَرْيَةَ الطّائِفِ.
والمَعْنى: إبْطالُ أنْ يَكُونَ لَهم تَصَرُّفٌ في شُئُونِ الرُّبُوبِيَّةِ فَيَجْعَلُوا الأُمُورَ عَلى مَشِيئَتِهِمْ، كالمالِكِ في مِلْكِهِ والمُدَبِّرِ فِيما وُكِّلَ عَلَيْهِ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِتَنْزِيلِهِمْ في إبْطالِ النُّبُوءَةِ عَمَّنْ لا يَرْضَوْنَهُ مَنزِلَةَ مَن عِنْدَهم خَزائِنُ اللَّهِ يَخْلَعُونَ الخِلَعَ مِنها عَلى مَن يَشاءُونَ ويَمْنَعُونَ مَن يَشاءُونَ.
والخَزائِنُ: جَمْعُ خَزِينَةٍ وهي البَيْتُ، أوِ الصُّنْدُوقُ الَّذِي تُخَزَّنُ فِيهِ الأقْواتُ، أوِ المالُ وما هو نَفِيسٌ عِنْدَ خازِنِهِ، وتَقَدَّمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] . وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِما في عِلْمِ اللَّهِ وإرادَتِهِ مِن إعْطاءِ الغَيْرِ لِلْمَخْلُوقاتِ، ومِنها اصْطِفاءُ مَن هَيَّأهُ مِنَ النّاسِ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ عَنْهُ إلى البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ قَوْلُهُ ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٠] قالَ تَعالى ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وقالَ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] .
وقَدْ سُلِكَ مَعَهم هُنا مَسْلَكَ الإيجازِ في الِاسْتِدْلالِ بِإحالَتِهِمْ عَلى مُجْمَلٍ أجْمَلَهُ قَوْلُهُ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ غَضَبٍ عَلَيْهِمْ لِجُرْأتِهِمْ عَلى
صفحة ٧١
الرَّسُولِ ﷺ في نَفْيِ الرِّسالَةِ عَنْهُ بِوَقاحَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: كاهِنٌ، ومَجْنُونٌ، وشاعِرٌ. إلَخْ بِخِلافِ آيَةِ الأنْعامِ فَإنَّها رَدَّتْ عَلَيْهِمْ تَعْرِيضَهم أنْفُسَهم لِنَوالِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ هو كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ص ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ [ص: ٨] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ [ص: ٩] وقَوْلِهِ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
وكَلِمَةُ عِنْدَ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في مَعْنى المِلْكِ والِاخْتِصاصِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فالمَعْنى: أيَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَبِّكَ، أيِ: الخَزائِنُ الَّتِي يَمْلِكُها رَبُّكَ كَما اقْتَضَتْهُ إضافَةُ خَزائِنَ إلى رَبِّكَ عَلى نَحْوِ ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] . وقَدْ عُبِّرَ عَنْ هَذا بِاللَّفْظِ الحَقِيقِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] .
* * *
”﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾“ .
إنْكارٌ؛ لِأنْ يَكُونَ لَهم تَصَرُّفٌ في عَطاءِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ دُونَ تَصَرُّفِ المالِكِ مِثْلُ تَصَرُّفِ الوَكِيلِ والخازِنِ وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُصَيْطِرُونَ.
والمُصَيْطِرُ: يُقالُ بِالصّادِ والسِّينِ في أوَّلِهِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن صَيْطَرَ بِالصّادِ والسِّينِ، إذا حَفِظَ وتَسَلَّطَ، وهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِن سَيْطَرَ إذا قَطَعَ، ومِنهُ السّاطُورُ، وهو حَدِيدٌ يُقْطَعُ بِهِ اللَّحْمُ والعَظْمُ. وصِيغَ مِنهُ وزْنُ فَعِيلٍ لِلْإلْحاقِ بِالرُّباعِيِّ كَقَوْلِهِمْ: بَيْقَرَ، بِمَعْنى هَلَكَ أوْ تَحَضَّرَ، وبَيْطَرَ بِمَعْنى شَقَّ، وهَيْمَنَ، ولا خامِسَ لَها في الأفْعالِ. وإبْدالُ السِّينِ صادًا لُغَةٌ فِيهِ مِثْلُ الصِّراطِ والسِّراطَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِصادٍ. وقَرَأهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٌ في رِوايَتِهِ بِالسِّينِ في أوَّلِهِ.
وفِي مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، ولَيْسَ في الآيَةِ
صفحة ٧٢
الِاسْتِدْلالُ لِهَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ ”أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ“؛ لِأنَّ وُضُوحَهُ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ وكانَتْ سَبَبَ إسْلامِهِ.
52:38Page 525
أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨
Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .
لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهم تَصَرُّفٌ قَوِيٌّ أوْ ضَعِيفٌ في مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أعْقَبَهُ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اطِّلاعٌ عَلى ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ اطِّلاعًا يُخَوِّلُهم إنْكارَ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا أوْ يُوحِيَ إلَيْهِ وذَلِكَ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ: تَقَوَّلَهُ. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهِمْ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] المُقْتَضِي أنَّهم واثِقُونَ بِأنَّهم يَشْهَدُونَ هَلاكَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ لِيَعُمَّ كَلامًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الأخْبارِ المَغِيبَةِ بِالمُسْتَقْبَلِ وغَيْرِهِ الواقِعِ وغَيْرِهِ.
وسَلَكَ في نَفْيِ عِلْمِهِمْ بِالغَيْبِ طَرِيقَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم سُلَّمٌ يَرْتَقُونَ بِهِ إلى السَّماءِ لِيَسْتَمِعُوا ما يَجْرِي في العالَمِ العُلْوِيِّ مِن أمْرٍ تَتَلَقّاهُ المَلائِكَةُ أوْ أهْلُ المَلَإ الأعْلى بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ فَيَسْتَرِقُوا بَعْضَ العِلْمِ مِمّا هو مَحْجُوبٌ عَنِ النّاسِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا سُلَّمَ يَصِلُ أهْلَ الأرْضِ بِالسَّماءِ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ويَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ.
وعُلِمَ مِنِ اسْمِ السُّلَّمِ أنَّهُ آلَةُ الصُّعُودِ، وعُلِمَ مِن ذِكْرِ السَّماواتِ في الآيَةِ قَبْلَها أنَّ المُرادَ سُلَّمٌ يَصْعَدُونَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾، أيْ: يَرْتَقُونَ بِهِ إلى السَّماءِ فَيَسْتَمِعُونَ وهم فِيهِ، أيْ: في دَرَجاتِهِ الكَلامَ الَّذِي يَجْرِي في السَّماءِ. و(فِيهِ) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَسْتَمِعُونَ، أيْ: وهم كائِنُونَ فِيهِ لا يُفارِقُونَهُ إذْ لا يُفْرَضُ أنَّهم يَنْزِلُونَ مِنهُ إلى ساحاتِ السَّماءِ.
وإسْنادُ الِاسْتِماعِ إلى ضَمِيرِ جَماعَتِهِمْ عَلى اعْتِبارِ أنَّ المُسْتَمِعَ سَفِيرٌ عَنْهم عَلى عادَةِ اسْتِعْمالِ الكَلامِ العَرَبِيِّ مِن إسْنادِ فِعْلِ بَعْضِ القَبِيلَةِ إلى جَمِيعِها إذا لَمْ تَصُدُّهُ عَنْ عَمَلِهِ في قَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَنُو أسَدٍ حَجَرًا، ألا تَرى أنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذا
صفحة ٧٣
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾، أيْ: مَنَ اسْتَمَعَ مِنهم لِأجْلِهِمْ، أيْ: أرْسَلُوهُ لِلسَّمْعِ. ومِثْلُ هَذا الإسْنادِ شائِعٌ في القُرْآنِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ [البقرة: ٤٩] وما بَعْدَهُ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
”وفي“ لِلظَّرْفِيَّةِ وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ؛ لِأنَّ الرّاقِيَ في السُّلَّمِ يَكُونُ كُلُّهُ عَلَيْهِ، فالسُّلَّمِ لَهُ كالظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ، وإذْ كانَ في الحَقِيقَةِ اسْتِعْلاءٌ ثُمَّ شاعَ في الكَلامِ فَقالُوا: صَعِدَ في السُّلَّمِ، ولَمْ يَقُولُوا: صَعِدَ عَلى السُّلَّمِ ولِذَلِكَ اعْتُبِرَتْ ظَرْفِيَّةً حَقِيقِيَّةً، أيْ: حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً بِخِلافِ الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ أنْ يُقالَ: صَلَبَهُ في جِذْعٍ، بَلْ يُقالُ: صَلَبَهُ عَلى جِذْعٍ، فَلِذَلِكَ كانَتِ اسْتِعارَةً، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الظَّرْفِيَّةَ مَجازِيَّةٌ وقَوْلِ مَن زَعَمَها حَقِيقَةً.
والفاءُ في ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ لِتَفْرِيعِ هَذا الأمْرِ التَّعْجِيزِيِّ عَلى النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنِ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ. فالمَعْنى: فَما يَأْتِي مُسْتَمِعٌ مِنهم بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ دَعْواهم. فَلامُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ التَّعْجِيزِ بِقَرِينَةِ انْتِفاءِ أصِلِ الِاسْتِماعِ بِطَرِيقِ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، أيْ: حُجَّةٌ عَلى صِدْقِهِمْ في نَفْيِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ في كَوْنِهِ عَلى وشْكِ الهَلاكِ.
والمُرادُ بِالسُّلْطانِ ما يَدُلُّ عَلى اطِّلاعِهِمْ عَلى الغَيْبِ مِن أماراتٍ كَأنْ يَقُولُوا: آيَةُ صِدْقِنا فِيما نَدَّعِيهِ وسَمِعْناهُ مِن حَدِيثِ المَلَإ الأعْلى، أنَّنا سَمِعْنا أنَّهُ يَقَعُ غَدًا حادِثُ كَذا وكَذا مَثَلًا، مِمّا لا قِبَلَ لِلنّاسِ بِعِلْمِهِ، فَيَقَعُ كَما قالُوا ويُتَوَسَّمُ مِنهُ صِدْقُهم فِيما عَداهُ. وهَذا مَعْنى وصْفُ السُّلْطانِ المُبِينِ، أيِ: المُظْهِرُ لِصِحَّةِ الدَّعْوى.
وهَذا تَحَدٍّ لَهم بِكَذِبِهِمْ فَلِذَلِكَ اكْتَفى بِأنْ يَأْتِيَ بَعْضُهم بِحُجَّةٍ دُونَ تَكْلِيفِ جَمِيعِهِمْ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، أيْ: فَلْيَأْتِ مَن يَتَعَهَّدُ مِنهم بِالِاسْتِماعِ بِحُجَّةٍ. وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] وقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] .
صفحة ٧٤
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ .
لَمّا جَرى نَفْيُ أنْ تَكُونَ لَهم مُطالَعَةُ الغَيْبِ مِنَ المَلَإ الأعْلى إبْطالًا لِمَقالاتِهِمْ في شِئُونِ الرُّبُوبِيَّةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ نِسْبَتِهِمْ لِلَّهِ بَناتٍ اسْتِقْصاءً لِإبْطالِ أوْهامِهِمْ في المُغَيَّباتِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] وجُمْلَةِ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠]، ويُقَدَّرُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارًا؛ لِأنْ يَكُونَ لِلَّهِ البَناتُ.
ودَلِيلُ الإنْكارِ لِنَفْسِ الأمْرِ اسْتِحالَةُ الوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عُقُولُ أكْثَرِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الرَّدِّ غَيْرَ مُسْتَعِدَّةٍ لِإدْراكِ دَلِيلِ الِاسْتِحالَةِ، وكانَ اعْتِقادُهُمُ البَناتِ لِلَّهِ مُنْكَرًا، تُصُدِّيَ لِدَلِيلِ الإبْطالِ وسُلِكَ في إبْطالِهِ دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ يَتَفَطَّنُونَ بِهِ إلى خَطَلِ رَأْيِهِمْ وهو قَوْلُهُ ﴿ولَكُمُ البَنُونَ﴾ .
فَجُمْلَةُ ﴿ولَكُمُ البَنُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لِلَّهِ البَناتُ في حالِ أنَّ لَكم بَنِينَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ صِنْفَ الذُّكُورِ أشْرَفُ مِن صِنْفِ الإناثِ عَلى الجُمْلَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] .
فَهَذا مُبالَغَةٌ في تَشْنِيعِ قَوْلِهِمْ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم لَوْ نَسَبُوا لِلَّهِ البَنِينَ لَكانَ قَوْلُهم مَقْبُولًا؛ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَلا طائِلَ تَحْتَ إبْطالِهِ.
وتَغَيِيرِ أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ المُتَّبَعِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] إلى أُسْلُوبِ الخِطابِ، التِفاتُ مُكافِحَةٍ لَهم بِالرَّدِ بِجُمْلَةِ الحالِ.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى البَنُونَ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ: لَكُمُ البَنُونَ دُونَهُ فَهم لَهم بَنُونَ وبَناتٌ، وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ إلّا البَناتُ.
وأمّا تَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَإ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ فَلِلِاهْتِمامِ بِاسْمِ الجَلالَةِ، وقَدْ أُنْهِيَ الكَلامُ بِالفاصِلَةِ؛ لِأنَّهُ غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ.
52:40Page 525
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠
Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
صفحة ٧٥
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ .
هَذا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] إذْ كُلُّ ذَلِكَ إبْطالٌ لِلْأسْبابِ الَّتِي تَحْمِلُهم عَلى زَعْمِ انْتِفاءِ النُّبُوَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ وسائِلَ اكْتِسابِ العِلْمِ بِما زَعَمُوهُ عادَ إلى إبْطالِ الدَّواعِي الَّتِي تَحْمِلُهم عَلى الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، ولِأجْلِ ذَلِكَ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ الكَلامِ الَّذِي اتَّصَلَ هو بِهِ، وهو أُسْلُوبُ خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ هُنا ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ وقالَ هُنالِكَ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] .
والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ أمْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَتَوَجَّسُ خِيفَةً مِن أنْ يَسْألَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ أجْرًا عَلى إرْشادِهِمْ.
والتَّهَكُّمُ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّشْبِيهِ، والمَقْصُودُ ما في التَّهَكُّمِ مِن مَعْنى أنَّ ما نَشَأ عَنْهُ التَّهَكُّمُ أمْرٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ تَسْألُهم لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ، أيْ: تَسْألُهم سُؤالًا مُتَكَرِّرًا؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ مُتَكَرِّرَةٌ، وقَدْ شُبِّهَتْ بِسُؤالِ سائِلٍ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ لِما فِيهِ مِن بَيانِ المُلازِمَةِ بَيْنَ سُؤالِ الأجْرِ وبَيْنَ تَجَهُّمِ مَن يَسْألُ والتَّحَرُّجِ مِنهُ.
وقَدْ فَرَّعَ قَوْلَهُ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ عَلى الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لا عَلى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: ما سَألْتَهم أجْرًا فَيَثْقُلَ غُرْمُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في مَعْنى النَّفْيِ، والإثْقالِ يَتَفَرَّعُ عَلى سُؤالِ الأجْرِ المَفْرُوضِ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ السُّؤالِ مُحْرِجٌ لِلْمَسْئُولِ؛ لِأنَّهُ بَيْنَ الإعْطاءِ فَهو ثَقِيلٌ وبَيْنَ الرَّدِّ وهو صَعْبٌ.
والمَغْرَمُ بُفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وهو الغُرْمُ. وهو ما يُفْرَضُ عَلى أحَدٍ مِن عِوَضٍ يَدْفَعُهُ.
والمُثْقَلُ: أصْلُهُ المُحَمَّلُ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُطالَبُ بِما يَعْسُرُ
صفحة ٧٦
عَلَيْهِ أداؤُهُ، شَبَّهَ طَلَبَهُ أداءَ ما يَعْسُرُ عَلَيْهِ بِحِمْلِ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ عَلى مَن لا يَسْهُلُ عَلَيْهِ حَمْلُهُ.
و(مِن) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: مُثْقَلُونَ مِن أجْلِ مُغْرَمٍ حُمِلَ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى: أنَّكَ ما كَلَّفْتَهم شَيْئًا يُعْطُونَهُ إيّاكَ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإعْراضِهِمْ عَنْكَ تَخَلُّصًا مِن أداءِ ما يُطْلَبُ مِنهم، أيِ انْتَفى عُذْرُ إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِكَ.
52:41Page 525
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ هَذا نَظِيرُ الإضْرابِ والِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧]، أيْ: بَلْ أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ما يَجِدُونَهُ فِيهِ ويَرْوُونَهُ لِلنّاسِ، أيْ: ما عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى يَكْتُبُوهُ، فَبَعْدَ أنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ إنْكارَهُمُ الإسْلامَ بِأنَّهم كالَّذِينَ سَألَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ أجْرًا عَلى تَبْلِيغِها أعْقَبَهُ بِرَدٍّ آخَرَ بِأنَّهم كالَّذِينَ اطَّلَعُوا عَلى أنَّ عِنْدَ اللَّهِ ما يُخالِفُ ما ادَّعى الرَّسُولُ ﷺ إبْلاغَهُ عَنِ اللَّهِ فَهم يَكْتُبُونَ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ مُخالِفًا لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: لَمّا قالُوا ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾، أيْ: حَتّى عَلِمُوا مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ أوْ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ فَجَعَلَهُ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . والوَجْهُ ما سَمِعْتَهُ آنِفًا.
والغَيْبُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: ما غابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ.
والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وكَلِمَةٌ عِنْدَ تُؤْذِنُ بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والِاسْتِئْثارِ، أيِ اسْتَأْثَرُوا بِمَعْرِفَةِ الغَيْبِ فَعَلِمُوا ما لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهم.
والكِتابَةُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ يَجُوزُ أنَّها مُسْتَعارَةٌ لِلْجَزْمِ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّخَلُّفَ كَقَوْلِهِ ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]؛ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُرادُ تَحْقِيقُهُ والدَّوامُ عَلَيْهِ أنْ يُكْتَبَ ويُسَجَّلَ، كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
صفحة ٧٧
فَيَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ مِن إفادَةِ النِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكِتابَةُ عَلى حَقِيقَتِها، أيْ: فَهم يُسَجِّلُونَ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ لِيَبْقى مَعْلُومًا لِمَن يَطَّلِعُ عَلَيْهِ ويَكُونَ الخَبَرُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الفَرْضِ والتَّقْدِيرُ تَبَعًا لِفَرْضِ قَوْلِهِ ﴿عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾، ويَكُونَ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] وقَوْلِهِ ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] .
وحاصِلُ المَعْنى: أنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِإنْكارِ ما جَحَدُوهُ ولا بِإثْباتِ ما أثْبَتُوهُ.
52:42Page 525
أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢
Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ .
انْتِقالٌ مِن نَقْضِ أقْوالِهِمْ وإبْطالِ مَزاعِمِهِمْ إلى إبْطالِ نَواياهم وعَزائِمِهِمْ مِنَ التَّبْيِيتِ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولِدَعْوَةِ الإسْلامِ مِنَ الإضْرارِ والإخْفاقِ وفي هَذا كَشْفٌ لِسَرائِرِهِمْ وتَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِلْحَذَرِ مِن كَيْدِهِمْ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”كَيْدًا“ لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكِيدُوهُ فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّتْمِيمِ لِنَقْضِ غَزْلِهِمْ والتَّذْيِيلِ بِما يَعُمُّ كُلَّ عَزْمٍ يَجْرِي في الأغْراضِ الَّتِي جَرَتَ فِيها مَقالاتُهم.
والكَيْدُ والمَكْرُ مُتَقارِبانِ وكِلاهُما إظْهارُ إخْفاءِ الضُّرِّ بِوَجْهِ الإخْفاءِ تَغْرِيرًا بِالمَقْصُودِ لَهُ الضُّرُّ.
وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ فَهُمُ المَكِيدُونَ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ حُلُولِ الكَيْدِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ، فاللَّهُ يُدافِعُ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ وعَنِ المُؤْمِنِينَ وعَنْ دِينِهِ كَيْدَهم ويُوقِعُهم فِيما نَوَوْا إيقاعَهم فِيهِ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ القَصْرَ، أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا المَكِيدُونَ دُونَ مَن أرادُوا الكَيْدَ.
صفحة ٧٨
وإطْلاقُ اسْمِ الكَيْدِ عَلى ما يُجازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ عَنْ كَيْدِهِمْ مِن نَقْضِ غَزْلِهِمْ إطْلاقٌ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ بِتَشْبِيهِ إمْعانِ اللَّهِ إيّاهم في نِعْمَةٍ إلى أنْ يَقَعَ بِهِمُ العَذابُ بِفِعْلِ الكائِدِ لِغَيْرِهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ صَرِيحٌ لَهم، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] في سُورَةِ الأنْفالِ.
ومِن مَظاهِرِ هَذا التَّهْدِيدِ ما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ مِنهم.
والقَوْلُ في تَفْرِيعِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ كالقَوْلِ في تَفْرِيعِ قَوْلِهِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] .
52:43Page 525
أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣
Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
هَذا آخِرُ سَهْمٍ في كِنانَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وأشَدُّ رَمْيٍ لِشَبَحِ كُفْرِهِمْ، وهو شَبَحُ الإشْراكِ وهو أجْمَعُ ضَلالٍ تَنْضَوِي تَحْتَهُ الضَّلالاتُ وهو إشْراكُهم مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى.
فَلَمّا كانَ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ ناقِضًا لِإقْوالِهِمْ ونَواياهم، وكانَ ما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ أعْظَمَ لَمْ يُتْرَكْ عَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنِ اشْتِهارِهِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ لِهَذِهِ المُناسِبَةِ، ولِذَلِكَ كانَ هَذا المُنْتَقِلُ إلَيْهِ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ ارْتِقاءٌ إلى الأهَمِّ في نَوْعِهِ، والأهَمُّ يُشْبِهُ الأعَمَّ فَكانَ كالتَّذْيِيلِ، ونَظِيرُهُ في الِارْتِقاءِ في كَمالِ النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] الآيَةَ.
وقَدْ وقَعَ قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ إتْمامًا لِلتَّذْيِيلِ وتَنْهِيَةَ المَقْصُودِ مِن فَضْحِ حالِهِمْ.
وظاهِرٌ أنَّ الِاسْتِفْهامَ المُقَدَّرَ بَعْدَ ”أمْ“ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. واعْلَمْ أنَّ الآلُوسِيَّ نَقَلَ عَنِ الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ كَلامًا في انْتِظامِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ فِيهِ نُكَتٌ وتَدْقِيقٌ فانْظُرْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences