Ibn 'AshurAt‑Tur · 52:44–49

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tur 52:44–49

52:44–46Page 525

وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤

And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."

فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥

So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -

يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦

The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.

صفحة ٧٩

﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الحالِيَّةِ لِأقْوالِهِمْ بِمُناسَبَةِ اشْتِراكِ مَعانِيها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ في تَصْوِيرِ بُهْتانِهِمْ ومُكابَرَتِهِمُ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم أهْلُ البُهْتانِ فَلَوْ أُرُوا كِسْفًا ساقِطًا مِنَ السَّماءِ وقِيلَ لَهم: هَذا كِسَفٌ نازِلٌ كابَرُوا وقالُوا هو سَحابٌ مَرْكُومٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِسْفًا تَلْوِيحًا إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] . وظاهِرُ ما حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وإذْ قَدْ كانَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ الغَرَضِ فَلا تَوَقُّفَ عَلى ذَلِكَ.

والمَعْنى: إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ مِمّا سَألُوا أنْ يَكُونَ آيَةً عَلى صِدْقِكَ لا يُذْعِنُوا ولا يُؤْمِنُوا ولا يَتْرُكُوا البُهْتانَ بَلْ يَقُولُوا: هَذا سَحابٌ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ.

وهُوَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] .

والكِسَفُ بِكَسْرِ الفاءِ: القِطْعَةُ، ويُقالُ: كَسَفَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ.

و﴿مِنَ السَّماءِ﴾ صِفَةٌ لِ ”كِسْفًا“، و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: قِطْعَةٌ مِن أجْزاءِ السَّماءِ مِثْلُ القِطَعِ الَّتِي تَسْقُطُ مِنَ الشُّهُبِ.

والمَرْكُومُ: المَجْمُوعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ يُقالُ: رَكَمَهُ رَكْمًا، وهو السَّحابُ المُمْطِرُ قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ [النور: ٤٣] .

صفحة ٨٠

والمَعْنى: إنْ يَقَعْ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ يَقُولُوا سَحابٌ، وهَذا لا يَقْتَضِي أنَّهُ يَقَعُ؛ لِأنَّ أداةَ الشَّرْطِ إنَّما تَقْتَضِي تَعْلِيقَ وُقُوعِ جَوابِها عَلى وُقُوعِ فِعْلِها لَوْ وقَعَ. ووَقَعَ ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وتَقْدِيرُهُ: هو سَحابٌ وهَذا سَحابٌ.

والمَقْصُودُ: أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنادًا مَعَ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ سَحابًا.

ولِكَوْنِ المَقْصُودِ أنَّ العِنادَ شِيمَتُهم فُرِّعَ عَلَيْهِ أنَّ أمْرَ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَتْرُكَهم، أيْ: يَتْرُكَ عَرْضَ الآياتِ عَلَيْهِمْ، أيْ: أنْ لا يَسْألَ اللَّهَ إظْهارَ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّهم لا يَقْتَرِحُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْحُجَّةِ ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ، قالَ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧]) .

ولَيْسَ المُرادُ تَرْكَ دَعْوَتِهِمْ وعَرْضَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في قَوْلِهِ ”فَذَرْهم“ مُسْتَعْمَلًا في تَهْدِيدِهِمْ؛ لِأنَّهم يَسْمَعُونَهُ حِينَ يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ كَما يُقالُ لِلَّذِي لا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ: دَعْهُ فَإنَّهُ لا يُقْلِعُ.

وأفادَتِ الغايَةُ أنَّهُ يَتْرُكُهم إلى الأبَدِ؛ لِأنَّهم بَعْدَ أنْ يُصْعَقُوا لا تُعادُ مُحاجَّتُهم بِالأدِلَّةِ والآياتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُلاقُوا“ . وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (يَلْقَوْا) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ.

واليَوْمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ: هو يَوْمُ البَعْثِ الَّذِي يُصْعَقُ عِنْدَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.

وإضافَةُ اليَوْمِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بِإنْكارِهِ وعُرِفُوا بِالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ. وذا نَظِيرُ النِّسَبِ في قَوْلِ أهْلِ أُصُولِ الدِّينِ: فُلانٌ قَدَرِيٌّ، يُرِيدُونَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالقَدَرِ. فالمَعْنى بِنِسْبَتِهِ إلى القَدَرِ أنَّهُ يَخُوضُ في شَأْنِهِ؛ أوْ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أُوعِدُوهُ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] .

صفحة ٨١

والصَّعْقُ: الإغْماءُ مِن خَوْفٍ أوْ هَلَعٍ قالَ تَعالى ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الصّاعِقَةِ؛ لِأنَّ المُصابَ بِها يُغْمى عَلَيْهِ أوْ يَمُوتُ، يُقالُ: صَعِقَ، بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وصُعِقَ بِضَمٍ وكَسْرٍ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ”يَصْعَقُونَ“ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِضَمِّ المُثَنّاةِ.

وذَلِكَ هو يَوْمُ الحَشْرِ قالَ تَعالى ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، ومُلاقاتُهم لِلْيَوْمِ مُسْتَعارَةٌ لِوُقُوعِهِ، شُبِّهَ اليَوْمُ وهو الزَّمانُ بِشَخْصٍ غائِبٍ عَلى طَرِيقَةِ المَكَنِّيَةِ وإثْباتُ المُلاقاةِ إلَيْهِ تَخْيِيلٌ. والمُلاقاةُ مُسْتَعارَةٌ أيْضًا لِلْحُلُولِ فِيهِ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَئِهِمْ في إنْكارِهِ.

و﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ بَدَلٌ مِن ”يَوْمَهم“ وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ.

والإغْناءُ: جَعْلُ الغَيْرِ غَنِيًّا، أيْ: غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى ما تَقُومُ بِهِ حاجِيّاتُهُ، وإذا قِيلَ: أغْنى عَنْهُ كانَ مَعْناهُ: أنَّهُ قامَ مَقامَهُ في دَفْعِ حاجَةٍ كانَ حَقُّهُ أنْ يَقُومَ بِها، ويُتَوَسَّعَ فِيهِ بِحَذْفِ مَفْعُولِهِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.

والمُرادُ هُنا لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا مِنَ العَذابِ المَفْهُومِ مِن إضافَةِ يَوْمٍ إلى ضَمِيرِهِمْ ومِنَ الصِّلَةِ في قَوْلِهِ ”الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ“ .

و”كَيْدُهم“ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ: ما يَكِيدُونَ بِهِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢]، أيْ: لا يَسْتَطِيعُونَ كَيْدًا يَوْمَئِذٍ كَما كانُوا في الدُّنْيا.

فالمَعْنى: لا كَيْدَ لَهم فَيُغْنِيَ عَنْهم عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ، أيْ: لا مَنارَةَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ.

وهَذا يَنْفِي عَنْهُمُ التَّخَلُّصَ بِوَسائِلَ مِن فِعْلِهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْهِ

صفحة ٨٢

﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لِنَفْيِ أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ العَذابِ بِفِعْلِ مَن يُخَلِّصُهم ويَنْصُرُهم فانْتَفى نَوْعا الوَسائِلِ المُنْجِيَةِ.

52:47Page 525

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٧

And indeed, for those who have wronged is a punishment1 before that, but most of them do not know.

﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ: وإنَّ لَهم عَذابًا في الدُّنْيا قَبْلَ عَذابِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ الجُوعِ في سِنِي القَحْطِ، وعَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإنَّ لَهُ عَذابًا جَرْيًا عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ”فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ“ فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِإفادَةِ عِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ في الدُّنْيا بِأنَّها الإشْراكُ بِاللَّهِ.

وكَلِمَةُ دُونَ أصْلُها المَكانُ المُنْفَصِلُ عَنْ شَيْءٍ انْفِصالًا قَرِيبًا، وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى الأقَلِّ، يُقالُ: هو في الشَّرَفِ دُونَ فُلانٍ، وعَلى السّابِقِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ حُلُولًا مِنَ المَسْبُوقِ، وعَلى مَعْنى غَيْرِ، و(دُونَ) في هَذِهِ الآيَةِ صالِحَةٌ لِلثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ، إذِ المُرادُ عَذابٌ في الدُّنْيا وهو أقَلُّ مِن عَذابِ الآخِرَةِ قالَ تَعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]، وهو مُغايِرٌ لَهُ كَما هو بَيِّنٌ.

ولِكَوْنِ هَذا العَذابِ مُسْتَبْعَدًا عِنْدَهم وهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم في نِعْمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] أُكِّدَ الخَبَرُ بِـ ”إنَّ“ فالتَّأْكِيدُ مُراعًى فِيهِ شَكُّهم حِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

والِاسْتِدْراكُ الَّذِي أفادَتْهُ (لَكِنَّ) راجِعٌ إلى مُفادِ التَّأْكِيدِ، أيْ: هو واقِعٌ لا مَحالَةَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ، أيْ: لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ وُقُوعُهُ، وذَلِكَ مِن بَطَرِهِمْ وزَهْوِهِمْ ومَفْعُولُ ”لا يَعْلَمُونَ“ مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا لِلْعِلْمِ بِهِ وأُسْنِدَ عَدَمُ

صفحة ٨٣

العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ أهْلَ رَأْيٍ ونَظَرٍ يَتَوَقَّعُونَ حُلُولَ الشَّرِّ إذا كانُوا في خَيْرٍ.

والظُّلْمُ: الشِّرْكُ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وهو الغالِبُ في إطْلاقِهِ في القُرْآنِ.

52:48–49Page 525

وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ٤٨

And be patient, [O Muḥammad], for the decision of your Lord, for indeed, you are in Our eyes [i.e., sight]. And exalt [Allāh] with praise of your Lord when you arise

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ ٤٩

And in a part of the night exalt Him and after [the setting of] the stars.

﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ﴾ [الطور: ٤٥] إلَخْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وكانَ مُفْتَتَحُ السُّورَةِ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] المَسُوقِ مَساقَ التَّسْلِيَةِ لَهُ، وكانَ في مُعْظَمِ ما في السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ ما يُخالِطُهُ في نَفْسِهِ ﷺ مِنَ الكَدَرِ والأسَفِ عَلى ضَلالِ قَوْمِهِ وبُعْدِهِمْ عَمّا جاءَهم بِهِ مِنَ الهُدى خُتِمَتِ السُّورَةُ بِأمْرِهِ بِالصَّبْرِ تَسْلِيَةً لَهُ وبِأمْرِهِ بِالتَّسْبِيحِ وحَمْدِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى تَفْضِيلِهِ بِالرِّسالَةِ.

والمُرادُ بِـ حُكْمِ رَبِّكَ ما حَكَمَ بِهِ وقَدَّرَهُ مِنِ انْتِفاءِ إجابَةِ بَعْضِهِمْ ومِن إبْطاءِ إجابَةِ أكْثَرِهِمْ.

فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى عَلى فَيَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ اصْبِرْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] .

ويَجُوزُ فِيها مَعْنى (إلى) أيِ اصْبِرْ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَيَكُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ [يونس: ١٠٩] .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ فَيَكُونَ ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ هُو ما حَكَمَ بِهِ مِن إرْسالِهِ إلى النّاسِ، أيِ اصْبِرْ لِأنَّكَ تَقُومُ بِما وجَبَ عَلَيْكَ.

فَلِلّامِ في هَذا المَكانِ مَوْقِعٌ جامِعٌ لا يُفِيدُ غَيْرُ اللّامِ مِثْلَهُ.

والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ تَفْرِيعُ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ اصْبِرْ لِأنَّكَ بِأعْيُنِنا، أيْ بِمَحَلِّ العِنايَةِ والكِلاءَةِ مِنّا، نَحْنُ نَعْلَمُ ما تُلاقِيهِ وما يُرِيدُونَهُ بِكَ

صفحة ٨٤

فَنَحْنُ نُجازِيكَ عَلى ما تَلْقاهُ ونَحْرُسُكَ مِن شَرِّهِمْ ونَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم، وقَدْ وفّى بِهَذا كُلِّهِ التَّمْثِيلُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾، فَإنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ المَجازِيِّ، أيْ: لا نَغْفُلُ عَنْكَ، يُقالُ: هو بِمَرْأًى مِنِّي ومَسْمَعٍ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ شَأْنُهُ. وذِكْرُ العَيْنِ تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ المُلاحَظَةِ وهَذا التَّمْثِيلُ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِ المُلاحَظَةِ مِنَ النَّصْرِ والجَزاءِ والحِفْظِ.

وقَدْ آذَنَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: واصْبِرْ لِحُكْمِنا، أوْ لِحُكْمِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْبُوبِيَّةَ تُؤْذِنُ بِالعِنايَةِ بِالمَرْبُوبِ.

وجَمْعُ الأعْيُنِ: إمّا مُبالَغَةٌ في التَّمْثِيلِ كَأنَّ المُلاحَظَةَ بِأعْيُنٍ عَدِيدَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وهو مِن قَبِيلِ ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] .

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الجَمْعَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقاتِ المُلاحَظَةِ، فَمُلاحَظَةٌ لِلذَّبِّ عَنْهُ، ومُلاحَظَةٌ لِتَوْجِيهِ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجَةِ، ومُلاحَظَةٌ لِجَزاءِ إعْدادِهِ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، ومُلاحَظَةٌ لِنَصْرِهِ عَلَيْهِمْ بِعُمُومِ الإيمانِ بِهِ، وهَذا الجَمْعُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤]؛ لِأنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِأهْلِ السَّفِينَةِ تَتَعَلَّقُ بِإجْرائِها وتَجْنِيبِ الغَرَقِ عَنْها وسَلامَةِ رُكّابِها واخْتِيارِ الوَقْتِ لِإرْسائِها وسَلامَةِ الرُّكّابِ في هُبُوطِهِمْ، وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِهِ في قِصَّةِ مُوسى ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] فَإنَّهُ تَعَلُّقٌ واحِدٌ بِمَشْيِ أُخْتِهِ إلى آلِ فِرْعَوْنَ وقَوْلِها هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ.

* * *

﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ .

التَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ، والمُرادُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن قَوْلٍ، وأشْهَرُ ذَلِكَ هو قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ وما يُرادِفُهُ مِنَ الألْفاظِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ إطْلاقُ التَّسْبِيحِ وما يُشْتَقُّ مِنهُ عَلى الصَّلَواتِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ وآثارٍ.

صفحة ٨٥

والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ لِلْمُصاحَبَةِ، جَمْعًا بَيْنَ تَعْظِيمِ اللَّهِ بِالتَّنْزِيهِ عَنِ النَّقائِصِ، وبَيْنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ بِأوْصافِ الكَمالِ.

و﴿حِينَ تَقُومُ﴾ وقْتَ الهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ، وهو وقْتُ اسْتِقْبالِ أعْمالِ اليَوْمِ وعِنْدَهُ تَتَجَدَّدُ الأسْبابُ الَّتِي مِن أجْلِها أُمِرَ بِالصَّبْرِ والتَّسْبِيحِ والحَمْدِ.

فالتَّسْبِيحُ: مُرادٌ بِهِ الصَّلاةُ. والقِيامُ: جَعْلُ وقْتٍ لِلصَّلَواتِ: إمّا لِلنَّوافِلِ، وإمّا لِلصَّلاةِ الفَرِيضَةِ وهي الصُّبْحُ.

وقِيلَ: التَّسْبِيحُ قَوْلُهُ (سُبْحانَ اللَّهِ) . والقِيامُ: الِاسْتِعْدادُ لِلصَّلاةِ أوِ الهُبُوبُ مِنَ النَّوْمِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ وابْنِ زَيْدٍ والضَّحّاكِ عَلى تَقارُبٍ بَيْنَ أقْوالِهِمْ، أيْ: يَقُولُ القائِمُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ.

وعَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ: أنَّ المُرادَ بِالقِيامِ القِيامُ مِنَ المَجْلِسِ لِما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «مَن جَلَسَ مَجْلِسًا فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ» ذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

ومِنَ اللَّيْلِ، أيْ: زَمَنًا هو بَعْضُ اللَّيْلِ، فَيَشْمَلُ وقْتَ النَّهْيِ لِلنَّوْمِ وفِيهِ تَتَوارَدُ عَلى الإنْسانِ ذِكْرَياتُ مَهَمّاتِهِ، ويَشْمَلُ وقْتَ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ.

وقَوْلُهُ ”فَسَبِّحْهُ“ اكْتِفاءٌ، أيْ: واحْمِدْهُ.

وانْتَصَبَ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: ووَقْتَ إدْبارِ النُّجُومِ.

والإدْبارُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ مِن حَيْثُ جاءَ؛ لِأنَّهُ يَنْقَلِبُ إلى جِهَةِ الدُّبُرِ، أيِ الظَّهْرِ.

وإدْبارُ النُّجُومِ: سُقُوطُ طَوالِعُها، فَإطْلاقُ الإدْبارِ هُنا مَجازٌ في المُفارَقَةِ

صفحة ٨٦

والمُزايَلَةِ، أيْ: عِنْدَ احْتِجابِ النُّجُومِ. وفي الحَدِيثِ ”إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هاهُنا - الإشارَةُ إلى المَشْرِقِ - وأدْبَرَ النَّهارُ مِن هاهُنا - الإشارَةُ إلى جِهَةِ الغَرْبِ - فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ“ .

وسُقُوطُ طَوالِعِها الَّتِي تَطْلُعُ: أنَّها تَسْقُطُ في جِهَةِ المَغْرِبِ عِنْدَ الفَجْرِ إذا أضاءَ عَلَيْها ابْتِداءَ ظُهُورِ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَإدْبارُ النُّجُومِ: وقْتُ السَّحَرِ، وهو وقْتٌ يَسْتَوْفِي فِيهِ الإنْسانُ حَظَّهُ مِنَ النَّوْمِ ويَبْقى فِيهِ مَيْلٌ إلى اسْتِصْحابِ الدَّعَةِ، فَأُمِرَ بِالتَّسُبِيحِ فِيهِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ النَّوْمِ المُحْتاجِ إلَيْهِ وبَيْنَ التَّناوُمِ النّاشِئِ عَنِ التَّكاسُلِ، ثُمَّ إنْ وجَدَ في نَفْسِهِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ حاجَةً إلى غَفْوَةٍ مِنَ النَّوْمِ اضْطَجَعَ قَلِيلًا إلى أنْ يَحِينَ وقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ، كَما «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْطَجِعُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ حَتّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ بِصَلاةِ الصُّبْحِ» .

والنُّجُومُ: جَمْعُ نَجْمٍ وهو الكَوْكَبُ الَّذِي يُضِيءُ في اللَّيْلِ غَيْرُ القَمَرِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ﴾ [النحل: ١٢] في سُورَةِ النَّحْلِ.

والآيَةُ تُشِيرُ إلى أوْقاتِ الرَّغائِبِ مِنَ النَّوافِلِ وهي صَلاةُ الفَجْرِ والأشْفاعِ بَعْدَ العِشاءِ وقِيامِ آخِرِ اللَّيْلِ. وقِيلَ: أشارَتْ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ بِوَجْهِ الإجْمالِ وبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ.

* * *

صفحة ٨٧

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّجْمِ سُمِّيَتْ سُورَةَ النَّجْمِ بِغَيْرِ واوٍ في عَهْدِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ، فَفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِها فَما بَقِيَ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلّا سَجَدَ فَأخَذَ رَجُلٌ كَفًّا مِن حَصْباءَ أوْ تُرابٍ فَرَفَعَهُ إلى وجْهِهِ. وقالَ: يَكْفِينِي هَذا. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كافِرًا. وهَذا الرَّجُلُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ» . فَهَذِهِ تَسْمِيَةٌ لِأنَّها ذُكِرَ فِيها النَّجْمُ.

وسَمُّوها سُورَةَ والنَّجْمِ بِواوٍ بِحِكايَةِ لَفْظِ القُرْآنِ الواقِعِ في أوَّلِهِ وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ والتِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ.

ووَقَعَتْ في المَصاحِفِ والتَّفْسِيرِ بِالوَجْهَيْنِ وهو مِن تَسْمِيَةِ السُّورَةِ بِلَفْظٍ وقْعَ في أوَّلِها وهو لَفْظُ (النَّجْمِ) أوْ حِكايَةُ لَفْظِ (والنَّجْمِ) .

وسَمُّوها (والنَّجْمِ إذا هَوى) كَما في حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ: ”والنَّجْمِ إذا هَوى“ فَلَمْ يَسْجُدْ»،، أيْ: في زَمَنٍ آخَرَ غَيْرِ الوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ. وهَذا كُلُّهُ اسْمٌ واحِدٌ مُتَوَسَّعٌ فِيهِ فَلا تُعَدُّ هَذِهِ السُّورَةُ بَيْنَ السُّوَرِ ذَواتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ المُتَأوِّلِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ اسْتِثْناءَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] الآيَةَ قالا: هي آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ. وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وقِيلَ: ونُسِبَ إلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ: أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو شُذُوذٌ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ هي أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ.

صفحة ٨٨

وهِيَ السُّورَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ في عَدِّ تَرْتِيبِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الإخْلاصِ وقَبْلَ سُورَةِ عَبَسَ.

وعَدَّ جُمْهُورُ العادِّينَ آيَها إحْدى وسِتِّينَ، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ اثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ ويَخْتَلِقُ أقْوالَهُ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ في ذَلِكَ.

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ أغْراضِها تَحْقِيقُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ صادِقٌ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَمّا ادَّعَوْهُ.

وإثْباتُ أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ.

وتَقْرِيبُ صِفَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ في حالَيْنِ زِيادَةٌ في تَقْرِيرِ أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ.

وإبْطالُ إلَهِيَّةِ أصْنامِ المُشْرِكِينَ.

وإبْطالُ قَوْلِهِمْ في اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ: بَناتُ اللَّهِ، وأنَّها أوْهامٌ لا حَقائِقَ لَها وتَنْظِيرُ قَوْلِهِمْ فِيها بِقَوْلِهِمْ في المَلائِكَةِ أنَّهم إناثٌ.

وذَكَرَ جَزاءَ المُعْرِضِينَ والمُهْتَدِينَ وتَحْذِيرَهم مِنَ القَوْلِ في هَذِهِ الأُمُورِ بِالظَّنِ دُونَ حُجَّةٍ.

وإبْطالُ قِياسِهِمْ عالَمَ الغَيْبِ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ وأنَّ ذَلِكَ ضَلالٌ في الرَّأْيِ قَدْ جاءَهم بِضِدِّهِ الهُدى مِنَ اللَّهِ. وذُكِرَ لِذَلِكَ مِثالٌ مِن قِصَّةِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ قِصَّةِ ابْنِ أبِي سَرْحٍ.

وإثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ.

صفحة ٨٩

وتَذْكِيرُهم بِما حَلَّ بِالأُمَمِ ذاتِ الشِّرْكِ مِن قَبْلِهِمْ وبِمَن جاءَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الرُّسُلِ أهْلِ الشَّرائِعِ.

وإنْذارُهم بِحادِثَةٍ تَحُلُّ بِهِمْ قَرِيبًا.

وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن مُعْتَرِضاتٍ ومُسْتَطْرِداتٍ لِمُناسَباتِ ذِكْرِهِمْ عَنْ أنْ يَتْرُكُوا أنْفُسَهم.

وأنَّ القُرْآنَ حَوى كُتُبَ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском