Ibn 'AshurAt‑Tur · 52:1–19

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الطور

At-Tur

The Mount · Meccan · 49 ayahs

52:1–8Page 523

وَٱلطُّورِ ١

By the mount

وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢

And [by] a Book inscribed1

فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣

In parchment spread open

وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤

And [by] the frequented House1

وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥

And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high

وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦

And [by] the sea set on fire,1

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧

Indeed, the punishment of your Lord will occur.

مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨

Of it there is no preventer.

﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ .

القَسَمُ لِلتَّأْكِيدِ وتَحْقِيقِ الوَعِيدِ، ومُناسَبَةِ الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المُقْسَمَ بِها مِن شِئُونِ بِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ وكانَ هَلاكُ فِرْعَوْنَ ومِن مَعَهُ مِن جَرّاءِ تَكْذِيبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة ٣٧

والطُّورِ: الجَبَلُ بِاللُّغَةِ السِّرْيانِيَّةِ قالَهُ مُجاهِدٌ. وأُدْخِلَ في العَرَبِيَّةِ وهو مِنَ الألْفاظِ المُعَرَّبَةِ الواقِعَةِ في القُرْآنِ.

وغُلِّبَ عَلَمًا عَلى طُورِ سَيْناءَ الَّذِي ناجى فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ الألْواحُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أُصُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ.

فالقَسَمُ بِهِ بِاعْتِبارِ شَرَفِهِ بِنُزُولِ كَلامِ اللَّهِ فِيهِ ونُزُولِ الألْواحِ عَلى مُوسى وفي ذِكْرِ الطُّورِ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الألْواحِ لِأنَّها اشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ الجَبَلِ فَسُمِّيَتْ (طُورٌ) المُعَرَّبُ بِتَوْراةٍ.

وأمّا الجَبَلُ الَّذِي خُوطِبَ فِيهِ مُوسى مِن جانِبِ اللَّهِ فَهو جَبَلُ حُورِيبَ، واسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ (الزُّبَيْرُ) ولَعَلَّهُ بِجانِبِ الطُّورِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ [القصص: ٢٩]، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ القَصَصِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والقَسَمُ بِالطُّورِ تَوْطِئَةً لِلْقَسَمِ بِالتَّوْراةِ الَّتِي أُنْزِلَ أوَّلُها عَلى مُوسى في جَبَلِ الطُّورِ.

والمُرادُ بِ ﴿كِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ التَّوْراةُ كُلُّها الَّتِي كَتَبَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِ الألْواحِ، وضَمَّنَها كُلَّ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ في مُدَّةِ حَياتِهِ إلى ساعاتٍ قَلِيلَةٍ قَبْلَ وفاتِهِ. وهي الأسْفارُ الأرْبَعَةُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ اليَهُودِ: سِفْرُ التَّكْوِينِ، وسِفْرُ الخُرُوجِ، وسِفْرُ العَدَدِ، وسِفْرُ التَّثْنِيَةِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِها ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَنْكِيرُ كِتابٍ لِلتَّعْظِيمِ. وإجْراءُ الوَصْفَيْنِ عَلَيْهِ لِتَمْيِزِهِ بِأنَّهُ كِتابٌ مُشَرَّفٌ مُرادٌ بَقاؤُهُ مَأْمُورٌ بِقِراءَتِهِ إذِ المَسْطُورُ هو المَكْتُوبُ.

والسَّطْرُ: كِتابَةٌ طَوِيلَةٌ؛ لِأنَّها تُجْعَلُ سُطُورًا، أيْ: صُفُوفًا مِنَ الكِتابَةِ قالَ تَعالى ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، أيْ: يَكْتُبُونَ.

والرَّقُّ: (بِفَتْحِ الرّاءِ بَعْدَها قافٌ مُشَدَّدَةٌ) الصَّحِيفَةُ تُتَّخَذُ مِن جِلْدٍ مُرَقَّقٍ أبْيَضَ

صفحة ٣٨

لِيُكْتَبَ عَلَيْهِ. وقَدْ جَمَعَها المُتَلَمِّسُ في قَوْلِهِ:

فَكَأنَّما هي مِن تَقادُمِ عَهْدِها رَقٌّ أُتِيحَ كِتابُها مَسْطُورُ

والمَنشُورُ: المَبْسُوطُ غَيْرُ المَطْوِيِّ قالَ يَزِيدُ ابْنُ الطَّثَرِيَّةِ:

صَحائِفُ عِنْدِي لِلْعِتابِ طَوَيْتُها ∗∗∗ سَتُنْشَرُ يَوْمًا ما والعِتابُ يَطُولُ، أيْ: أُقْسِمُ بِحالِ نَشْرِهِ لِقِراءَتِهِ وهي أشْرَفُ أحْوالِهِ؛ لِأنَّها حالَةُ حُصُولِ الِاهْتِداءِ بِهِ لِلْقارِئِ والسّامِعِ.

وكانَ اليَهُودُ يَكْتُبُونَ التَّوْراةَ في رَقْرُوقٍ مُلْصَقٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ أوْ مُخَيَّطٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَتَصِيرُ قِطْعَةً واحِدَةً ويَطْوُونَها طَيًّا أُسْطُوانِيًّا لِتُحْفَظَ، فَإذا أرادُوا قِراءَتَها نَشَرُوا مَطْوِيَّها، ومِنهُ ما في حَدِيثِ الرَّجْمِ فَنَشَرُوا التَّوْراةَ.

ولَيْسَ مُرادٌ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ القُرْآنَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَكْتُوبًا سُطُورًا ولا هو مَكْتُوبًا في رَقٍّ.

ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِالتَّوْراةِ أنَّها الكِتابُ المَوْجُودُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الجَزاءِ وإبْطالُ الشِّرْكِ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ القُرْآنَ الَّذِي أنْكَرُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِدْعًا فَنَزَلَتْ قَبْلَهُ التَّوْراةُ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ وُقُوعُ العَذابِ بِهِمْ وإنَّما هو جَزاءٌ عَلى تَكْذِيبِهِمُ القُرْآنَ ومَن جاءَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ العَذابِ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] .

والقَسَمُ بِالتَّوْراةِ يَقْتَضِي أنَّ التَّوْراةَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فِيها تَبْدِيلٌ لِما كَتَبَهُ مُوسى: فَإمّا أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] أنَّهُ تَحْرِيفٌ بِسُوءِ فَهْمٍ ولَيْسَ تَبْدِيلًا لِألْفاظِ التَّوْراةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ أنَّ التَّحْرِيفَ وقَعَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ حِينَ ظَهَرَتِ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ وجَبَهَتِ اليَهُودَ دَلالَةُ مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ عَلى صِفاتِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ بِأنَّ القَسَمَ بِما فِيهِ مِنَ الوَحْيِ الصَّحِيحِ.

”والبَيْتِ المَعْمُورِ“: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الكَعْبَةُ وهَذا الأنْسَبُ بِعَطْفِهِ عَلى الطُّورِ،

صفحة ٣٩

ووَصْفِهِ بِ ﴿المَعْمُورِ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن طائِفٍ بِهِ، وعُمْرانُ الكَعْبَةِ هو عُمْرانُها بِالطّائِفِينَ قالَ تَعالى ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] الآيَةَ.

ومُناسَبَةُ القَسَمِ سَبْقُ القَسَمِ بِكِتابِ التَّوْراةِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ بِمَواطِنِ نُزُولِ القُرْآنِ فَإنَّ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ أُنْزِلَ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها مِثْلَ جَبَلِ حِراءَ. وكانَ نُزُولُهُ شَرِيعَةً ناسِخَةً لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ، عَلى أنَّ الوَحْيَ كانَ يَنْزِلُ حَوْلَ الكَعْبَةِ. وفي حَدِيثِ الإسْراءِ «بَيْنا أنا نائِمٌ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ إذْ جاءَنِي المَلَكانِ» إلَخْ، فَيَكُونُ تَوْسِيطُ القَسَمِ بِالكَعْبَةِ في أثْناءِ ما قَسَمَ بِهِ مِن شُئُونِ شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إدْماجًا.

وفِي الطَّبَرِيِّ: أنَّ عَلِيًّا سُئِلَ: ما البَيْتُ المَعْمُورُ ؟ فَقالَ: بَيْتٌ في السَّماءِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ أبَدًا، يُقالُ لَهُ: الضُّراحُ. بِضَمِ الضّادِ المُعْجَمَةِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ وحاءٍ مُهْمَلَةٍ، وأنَّ مُجاهِدًا والضَّحّاكَ وابْنَ زَيْدٍ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما البَيْتُ المَعْمُورُ ؟ قالَ: فَإنَّهُ مَسْجِدٌ في السَّماءِ تَحْتَهُ الكَعْبَةُ» إلى آخَرِ الخَبَرِ. وثَمَّةَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في أنَّ في السَّماءِ مَوْضِعًا يُقالُ لَهُ: البَيْتُ المَعْمُورُ، لَكِنَّ الرِّواياتِ في كَوْنِهِ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً.

وأمّا ”السَّقْفِ المَرْفُوعِ“: فَفَسَّرُوهُ بِالسَّماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] فالرَّفْعُ حَقِيقِيٌّ ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِها أنَّها مَصْدَرُ الوَحْيِ كُلِّهِ التَّوْراةِ والقُرْآنِ. وتَسْمِيَةُ السَّماءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

”والبَحْرِ“: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ البَحْرُ المُحِيطُ بِالكُرَةِ الأرْضِيَّةِ. وعِنْدِي: أنَّ المُرادَ بَحْرُ القَلْزَمِ، وهو البَحْرُ الأحْمَرُ ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهِ أنَّهُ أُهْلِكَ بِهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ حِينَ دَخَلَهُ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ فَلَحِقَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ.

و”المَسْجُورِ“: قِيلَ المَمْلُوءُ، مُشْتَقًّا مِنَ السَّجْرِ وهو المِلْءُ والإمْدادُ. فَهو صِفَةٌ كاشِفَةٌ قُصِدَ مِنها التَّذْكِيرُ بِحالِ خَلْقِ اللَّهِ إيّاهُ مَمْلُوءًا ماءً دُونَ أنْ تَمْلَأهُ أوْدِيَةٌ أوْ سُيُولٌ، أوْ هي لِلِاحْتِرازِ عَنْ إرادَةِ الوادِي إذِ الوادِي يَنْقُصُ فَلا يَبْقى عَلى مِلْئِهِ، وذَلِكَ دالٌّ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ. والظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ وصْفَهُ بِالمَسْجُورِ لِلْإيماءِ إلى

صفحة ٤٠

الحالَةُ الَّتِي كانَ بِها هَلاكُ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ فَرَقَ اللَّهُ البَحْرَ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ أسْجَرَهُ، أيْ: أفاضَهُ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.

وعَذابُ اللَّهِ المُقْسَمُ عَلى وُقُوعِهِ وهو عَذابُ الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] إلى قَوْلِهِ ”تُكَذِّبُونَ“ . وأمّا عَذابُ المُكَذِّبِينَ في الدُّنْيا فَسَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] . وتَحْقِيقُ وُقُوعِ عَذابِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ إثْباتٌ لِلْبَعْثِ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ القَرِيبَةِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ.

والواواتُ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ واواتُ قَسَمٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ القَسَمِ أنْ يُعادَ ويُكَرَّرَ، ولِذَلِكَ كَثِيرًا ما يُعِيدُونَ المُقْسَمَ بِهِ نَحْوَ قَوْلِ النّابِغَةِ: واللَّهِ واللَّهِ لَنِعْمَ الفَتى وإنَّما يَعْطِفُونَ بِالفاءِ إذا أرادُوا صِفاتِ المُقْسَمِ بِهِ.

ويَجُوزُ صَرْفُ الواوِ الأُولى لِلْقَسَمِ واللّاتِي بَعْدَها عاطِفاتٌ عَلى القَسَمِ، والمَعْطُوفُ عَلى القَسَمِ قَسَمٌ.

والوُقُوعُ: أصْلُهُ النُّزُولُ مِن عُلُوٍّ واسْتُعْمِلَ مَجازًا لِلتَّحَقُّقِ وشاعَ ذَلِكَ، فالمَعْنى: أنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَمُتَحَقِّقٌ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”لَواقِعٌ“، وتَقْدِيرُهُ: عَلى المُكَذِّبِينَ، أوْ بِالمُكَذِّبِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١]، أيْ: المُكَذِّبِينَ بِكَ بِقَرِينَةِ إضافَةِ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ مُعَذِّبُهم؛ لِأنَّهُ رَبُّكَ وهم كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبُوا رِسالَةَ الرَّبِّ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ إثْباتَ البَعْثِ بَعْدَ كَوْنِ الكَلامِ وعِيدًا لَهم عَلى إنْكارِهِمْ أنْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ.

وأتْبَعَ قَوْلَهُ ”لَواقِعٌ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، وهو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ عَذابٍ أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: ما لِلْعَذابِ دافِعٌ يَدْفَعُهُ عَنْهم.

والدَّفْعُ: إبْعادُ الشَّيْءِ عَنْ شَيْءٍ بِاليَدِ وأُطْلِقَ هُنا عَلى الوِقايَةِ مَجازًا بِعَلاقَةِ

صفحة ٤١

الإطْلاقِ ألّا يَقِيَهم مِن عَذابِ اللَّهِ أحَدٌ بِشَفاعَةٍ أوْ مُعارَضَةٍ.

وزِيدَتْ“ مِن " في النَّفْيِ لِتَحْقِيقِ عُمُومِ النَّفْيِ وشُمُولِهِ، أيْ: نَفْيُ جِنْسِ الدّافِعِ.

رَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ «عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُكَلِّمَهُ في أسارى بَدْرٍ فَدُفِعْتُ إلَيْهِ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ المَغْرِبِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ (والطُّورِ) إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، وفي رِوايَةٍ: فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقْوَمَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» .

52:9–12Page 523

يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩

On the Day the heaven will sway with circular motion

وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠

And the mountains will pass on, departing1 -

فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Then woe, that Day, to the deniers,

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢

Who are in [empty] discourse amusing themselves.

﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ﴾ بِقَوْلِهِ لَواقِعٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ فَيَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ تَفْرِيعًا عَلى الجُمْلَةِ كُلِّها ويَكُونُ العَذابُ عَذابَ الآخِرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] فَيَكُونَ ”يَوْمَ“ مُتَعَلِّقًا بِالكَوْنِ الَّذِي بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ، فَلَمّا قُدِّمَ الظَّرْفُ اكْتَسَبَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ وهو اسْتِعْمالٌ مُتَّبَعٌ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلى عَوامِلِها فَلِذَلِكَ قُرِنَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِالفاءِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ حَلَّ ذَلِكَ اليَوْمُ فَوَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ.

وقَوْلُهُ ”يَوْمَئِذٍ“ عَلى هَذا الوَجْهِ أُرِيدُ بِهِ التَّأْكِيدُ لِلظَّرْفِ فَحَصَلَ تَحْقِيقُ الخَبَرِ بِطَرِيقَيْنِ: طَرِيقِ المُجازاةِ، وطَرِيقِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ الآيَةَ، تَصْرِيحٌ بِيَوْمِ البَعْثِ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلَيْهِ تَضَمُّنًا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَأْكِيدُهُ أيْضًا.

والمَوْرُ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الواوِ: التَّحَرُّكُ بِاضْطِرابٍ، ومَوْرُ السَّماءِ هو

صفحة ٤٢

اضْطِرابُ أجْسامِها مِنَ الكَواكِبِ واخْتِلالِ نِظامِها وذَلِكَ عِنْدَ انْقِراضِ عالَمِ الحَياةِ الدُّنْيا.

وسَيْرُ الجِبالِ: انْتِقالُها مِن مَواضِعِها بِالزَّلازِلِ الَّتِي تَحْدُثُ عِنْدَ انْقِراضِ عالَمِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] .

وتَأْكِيدُ فِعْلَيْ (تَمُورُ) و(تَسِيرُ) بِمَصْدَرَيْ ”مَوْرًا“ و”سَيْرًا“ لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ، أيْ: هو مَوْرٌ حَقِيقِيٌّ وتَنَقُّلٌ حَقِيقِيٌّ.

والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ البالِغِ مُنْتَهى السُّوءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ قَرِيبًا في آخِرِ الذّارِياتِ. والمَعْنى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ الآنَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ لِلْمُكَذِّبِينَ لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِما جاءَهم بِهِ الرَّسُولُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ والبَعْثِ والجَزاءِ والقُرْآنِ فاسْمُ الفاعِلِ في زَمَنِ الحالِ.

والخَوْضُ: الِانْدِفاعُ في الكَلامِ الباطِلِ والكَذِبِ. والمُرادُ خَوْضُهم في تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ مِثْلَ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] .

و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهي المُلابَسَةُ الشَّدِيدَةُ كَمُلابَسَةِ الظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ، أيْ: الَّذِينَ تَمَكَّنَ مِنهُمُ الخَوْضُ حَتّى كَأنَّهُ أحاطَ بِهِمْ.

و”يَلْعَبُونَ“ حالِيَّةٌ. واللَّعِبُ: الِاسْتِهْزاءُ، قالَ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] .

52:13–16Page 523

يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣

The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],

هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤

"This is the Fire which you used to deny.

أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥

Then is this magic, or do you not see?

ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦

[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."

صفحة ٤٣

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.

والدَّعُّ: الدَّفْعُ العَنِيفُ، وذَلِكَ إهانَةٌ لَهم وغِلْظَةٌ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَوْمَ يُساقُونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ سَوْقًا بِدَفْعٍ، وفِيهِ تَمْثِيلُ حالِهِمْ بِأنَّهم خائِفُونَ مُتَقَهْقِرُونَ فَتَدْفَعُهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِإزْجائِهِمْ إلى النّارِ.

وتَأْكِيدُ يُدَعُّونَ بِ ”دَعًّا“ لِتُوَصِّلَ إلى إفادَةِ تَعْظِيمِهِ بِتَنْكِيرِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ النّارُ﴾ إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والقَوْلُ المَحْذُوفُ يُقَدَّرُ بِما هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ ”يُدَعُّونَ“ . وتَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهم، أوْ مَقُولًا لَهم، والقائِلُ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِإيصالِهِمْ إلى جَهَنَّمَ.

والإشارَةُ بِكَلِمَةِ ”هَذِهِ“ الَّذِي هو لِلْمُشارِ إلَيْهِ القَرِيبِ المُؤَنَّثِ تُومِئُ إلى أنَّهم بَلَغُوها وهم عَلى شِفاها، والمَقْصُودُ بِالإشارَةِ التَّوْطِئَةُ لِما سَيَرِدُ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ إلى ﴿لا تُبْصِرُونَ﴾ .

والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ في قَوْلِهِ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ إذْ كَذَّبُوا بِالحَشْرِ والعِقابِ فَرَأوْا ذَلِكَ عِيانًا.

وفَرَّعَ عَلى هَذا التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ آخَرُ عَلى ضَلالَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ إذْ كانُوا حِينَ يَسْمَعُونَ الإنْذارَ يَوْمَ البَعْثِ والجَزاءِ يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ، وإذا عُرِضَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] فَلِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِن مَعْنى التَّوْقِيفِ عَلى خَطَئِهِمْ وبَيْنَ التَّهَكُّمِ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا يَقُولُونَهُ دَخَلَتْ فاءُ التَّفْرِيعِ وهو مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لَهُمُ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ.

صفحة ٤٤

و”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أمْ بَعْدَها مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ.

ومَعْنى لا تُبْصِرُونَ: لا تُبْصِرُونَ المَرْئِيّاتِ كَما هي في الواقِعِ فَلَعَلَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم لا تَرَوْنَ نارًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا تَقُولُونَ: ﴿بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، أيْ: فَلا نَراكَ، وتَقُولُونَ ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥] .

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِخَبَرٍ فِعْلِيٍّ لِإفادَةِ تَقَوِّيِ الحُكْمِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أمْ لا تُبْصِرُونَ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ تَقَوِيًّا، ولا: أمْ لا تُبْصِرُونَ أنْتُمْ؛ لِأنَّ مَجِيءَ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ بَعْدَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ يُفِيدُ تَقْرِيرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ بِخِلافِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ الحُكْمِ وتَقْوِيَتَهُ وهو أشَدُّ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ذَلِكَ في طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

وجُمْلَةُ ”اصْلَوْها“ مُسْتَأْنَفَةٌ هي بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ المُتَرَقَّبَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّغْلِيظِ السّابِقَيْنِ، أيْ: ادْخُلُوها فاصْطَلُوا بِنارِها يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها، إذا قاسى حَرَّها.

والأمْرُ في اصْلَوْها إمّا مُكَنًّى بِهِ عَنِ الدُّخُولِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ لَها يَسْتَلْزِمُ الِاحْتِراقَ بِنارِها، وإمّا مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّنْكِيلِ. وفُرِّعَ عَلى اصْلَوْها أمْرٌ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ صَبْرِهِمْ عَلى حَرِّها وبَيْنَ عَدَمِ الصَّبْرِ وهو الجَزَعُ؛ لِأنَّ كِلَيْهِما لا يُخَفَّفانِ عَنْهم شَيْئًا مِنَ العَذابِ، ألّا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]؛ لِأنَّ جُرْمَهم عَظِيمٌ لا مَطْمَعَ في تَخْفِيفِ جَزائِهِ.

و﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ سَواءٌ عَلَيْكم.

وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها ولَمْ تُعْطَفْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿اصْلَوْها﴾ إذْ كَلِمَةُ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن ”إنَّ“ وما ”الكافَّةِ، فَكَما يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِ“ إنَّ ”وحْدَها، كَذَلِكَ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِها مَعَ“ ما ”الكافَّةِ، وعَلَيْهِ فَجُمْلَتا

صفحة ٤٥

﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ جُمْلَةِ“ اصْلَوْها " والجُمْلَةُ الواقِعَةُ تَعْلِيلًا لَها.

والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ إنَّما قَصْرُ قَلْبٍ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ ما لَقَوْهُ مِنَ العَذابِ ظُلْمٌ لَمْ يَسْتَوْجِبُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفَزَعِ.

وعُدِيَّ تُجْزَوْنَ إلى ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِدُونِ الباءِ خِلافًا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] لِيَشْمَلَ القَصْرُ مَفْعُولَ الفِعْلِ المَقْصُورِ، أيْ: تُجْزَوْنَ مِثْلَ عَمَلِكم لا أكْثَرَ مِنهُ فَيَنْتَفِيَ الظُّلْمُ عَنْ مِقْدارِ الجَزاءِ كَما انْتَفى الظُّلْمُ عَنْ أصْلِهِ، ولِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ لَمْ يُعَلَّقْ مَعْمُولُ الفِعْلِ بِالباءِ إذْ جُعِلَ الجَزاءُ بِمَنزِلَةِ نَفْسِ الفِعْلِ.

52:17–19Page 524

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧

Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,

فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨

Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.

كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩

[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُكَذِّبِينَ وما يُقالُ لَهم، فَمِن شَأْنِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ حالِ أضْدادِهِمْ وهُمُ الفَرِيقُ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ ﷺ فَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ وخاصَّةً إذْ كانَ السّامِعُونَ المُؤْمِنِينَ، وعادَةُ القُرْآنِ تَعْقِيبُ الإنْذارِ بِالتَّبْشِيرِ وعَكْسِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وجُمْلَةِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] .

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ ”إنَّ“ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وتَنْكِيرُ ﴿جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: في أيَّةِ جَنّاتٍ وأيِّ نَعِيمٍ.

وجَمْعُ ”جَنّاتٍ“ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ.

والفاكِهُ: وصْفٌ مِن فَكِهَ كَفَرِحَ، إذا طابَتْ نَفْسُهُ وسُرَّ.

صفحة ٤٦

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهِينَ“ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (فَكِهِينَ) بِدُونِ ألِفٍ.

والباءُ في ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ والمَعْنى: أنَّ رَبَّهم أرْضاهم بِما يُحِبُّونَ.

واسْتِحْضارُ الجَلالَةِ بِوَصْفِ رَبِّهِمْ لِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ ما آتاهم، إذِ العَطاءُ يُناسِبُ حالَ المُعْطِي، وفي إضافَةِ رَبٍّ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْرِيبٌ لَهم وتَعْظِيمٌ. وجُمْلَةُ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ حالِيَّةٌ، أوْ عاطِفَةٌ عَلى مُتَّكِئِينَ الَّذِي هو حالٌ، والتَّقْدِيرُ: وقَدْ وقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ، وهو حالٌ مِنَ المُتَّقِينَ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ: إظْهارُ التَّبايُنِ بَيْنَ حالِ المُتَّقِينَ وحالِ المُكَذِّبِينَ زِيادَةً في الِامْتِنانِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ تَزْدادُ - حُسْنَ وقْعٍ في النَّفْسِ - عِنْدَ مُلاحَظَةِ ضِدِّها.

وفِيهِ أيْضًا: أنَّ وِقايَتَهم عَذابَ الجَحِيمِ عَدْلٌ؛ لِأنَّهم لَمْ يَقْتَرِفُوا ما يُوجِبُ العِقابَ. وأمّا ما أُعْطُوهُ مِنَ النَّعِيمِ فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإكْرامٌ مِنهُ لَهم.

وفِي قَوْلِهِ ”رَبُّهم“ ما تَقَدَّمَ قُبَيْلَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ: لَهم، أوْ مَقُولًا لَهم. وهَذا القَوْلُ مُقابِلُ ما يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] .

وحَذْفُ مَفْعُولِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ لِإفادَةِ النَّعِيمِ، أيْ: كُلُوا ما يُؤْكَلُ واشْرَبُوا كُلَّ ما يُشْرَبُ، وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ: مِمّا تَشْتَهُونَ.

وهَنِيئًا: اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقَعَ وصْفًا لِمَصْدَرَيْنِ لِفِعْلَيْ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾، أكْلًا وشُرْبًا، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَنَّثِ الوَصْفُ؛ لِأنَّ فَعِيلًا إذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَلْزَمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ؛ لِأنَّهُ سالِمٌ مِمّا يُكَدِّرُ الطَّعامَ والشَّرابَ.

وما مَوْصُولَةٌ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ”المُتَّقِينَ“ وفي هَذا القَوْلِ زِيادَةُ كَرامَةٍ لَهم

صفحة ٤٧

بِإظْهارِ أنَّ ما أُتُوهُ مِنَ الكَرامَةِ عِوَضٌ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما آذَنَتْ بِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ وهو نَحْوُ قَوْلِ مَن يُسْدِي نِعْمَةً إلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ: لا فَضْلَ لِي عَلَيْكَ وإنَّما هو مالُكَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском