Ibn 'AshurAn‑Najm · 53:24–31

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:24–31

53:24–25Page 526

أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤

Or is there for man whatever he wishes?

فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥

Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].

صفحة ١١١

﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ .

إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] .

والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ أمْ إنْكارِيٌّ قُصِدَ بِهِ إبْطالُ نَوالِ الإنْسانِ ما يَتَّمْناهُ وأنْ يَجْعَلَ ما يَتَمَنّاهُ باعِثًا عَنْ أعْمالِهِ ومُعْتَقَداتِهِ بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَتَطَلَّبَ الحَقَّ مِن دَلائِلِهِ وعَلاماتِهِ وإنْ خالَفَ ما يَتَمَنّاهُ. وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣] .

وهَذا تَأْدِيبٌ وتَرْوِيضٌ لِلنِّفُوسِ عَلى تَحَمُّلِ ما يُخالِفُ أهْواءَها إذا كانَ الحَقُّ مُخالِفًا لِلْهَوى ولْيَحْمِلْ نَفْسَهُ عَلَيْهِ حَتّى تَتَخَلَّقَ بِهِ.

وتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ووُقُوعُهُ في حَيِّزِ الإنْكارِ المُساوِي لِلنَّفْيِ جَعَلَهُ عامًّا في كُلِّ إنْسانٍ.

والمَوْصُولُ في ﴿ما تَمَنّى﴾ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، ووُقُوعُهُ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الَّذِي بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ يَقْتَضِي العُمُومَ، أيْ: ما لِلْإنْسانِ شَيْءٌ مِمّا تَمَنّى، أيْ: لَيْسَ الشَّيْءُ جارِيًا عَلى إرادَتِهِ بَلْ عَلى إرادَةِ اللَّهِ وقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ كُلَّ هَوًى دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ كَلامِ الرَّسُولِ ﷺ فَشَمَلَ تَمَنِّيَهم شَفاعَةَ الأصْنامِ، وهو الأهَمُّ مِن أحْوالِ الأصْنامِ عِنْدَهم، وذَلِكَ ما يُؤْفِنُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٦] الآيَةَ. وتَمَنِّيَهم أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مَلَكًا وغَيْرَ ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وقَوْلِهِمُ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] .

وفُرِّعَ عَلى الإنْكارِ أنَّ اللَّهَ مالِكُ الآخِرَةِ والأُولى، أيْ: فَهو يَتَصَرَّفُ في أحْوالِ أهْلِهِما بِحَسْبِ إرادَتِهِ لا بِحَسْبِ تَمَنِّي الإنْسانِ. وهَذا إبْطالٌ لِمُعْتَقَداتِ المُشْرِكِينَ الَّتِي مِنها يَقِينُهم بِشَفاعَةِ أصْنامِهِمْ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾؛ لِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ هو أُمْنِيَتُهم أنْ تَجْرِيَ الأُمُورُ عَلى حَسَبِ أهْوائِهِمْ فَلِذَلِكَ كانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ كُلِّ ما يُخالِفُ أهْواءَهم، فَتَقْدِيمُ المَعْمُولِ هُنا لِإفادَةِ القَصْرِ وهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ

صفحة ١١٢

مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ كَما هو مُقْتَضى حالِهِمْ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَرَوْنَ الأُمُورَ تَجْرِي عَلى ما يَتَمَنَّوْنَ، أيْ: بَلْ أمانِيُّ الإنْسانِ بِيَدِ اللَّهِ يُعْطِي بَعْضَها ويَمْنَعُ بَعْضَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ .

وهَذا مِن مَعانِي الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ رَغْبَةَ الإنْسانِ في أنْ يَكُونَ ما يَتَمَنّاهُ حاصِلًا رَغْبَةٌ لَوْ تَبَصَّرَ فِيها صاحِبُها لَوَجَدَ تَحْقِيقَها مُتَعَذِّرًا؛ لِأنَّ ما يَتَمَنّاهُ أحَدٌ يَتَمَنّاهُ غَيْرُهُ فَتَتَعارَضُ الأمانِيُّ فَإذا أُعْطِيَ لِأحَدٍ ما يَتَمَنّاهُ حُرِمَ مَن يَتَمَنّى ذَلِكَ مَعَهُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى تَعْطِيلِ الأُمْنِيَّتَيْنِ بِالأخارَةِ، والقانُونُ الَّذِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِظامَ هَذا الكَوْنِ أنَّ الحُظُوظَ مُقَسَّمَةٌ، ولِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبٌ، ومِن حَقِّ العاقِلِ أنْ يَتَخَلَّقَ عَلى الرِّضا بِذَلِكَ وإلّا كانَ النّاسُ في عِيشَةٍ مَرِيرَةٍ. وفي الحَدِيثِ «لا تَسْألِ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها ولِتَقْعُدَ فَإنَّ لَها ما كُتِبَ لَها» .

وتَفْرِيعُ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ القَصْرِ الإضافِيِّ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ: لِلَّهِ لا لِلْإنْسانِ.

والآخِرَةُ: العالَمُ الأُخْرَوِيُّ، والأُولى: العالِمُ الدُّنْيَوِيُّ. والمُرادُ بِهِما ما يَحْتَوِيانِ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ، أيْ: أُمُورِ الآخِرَةِ وأُمُورِ الأُولى، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما تَعْمِيمُ الأشْياءِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] .

وإنَّما قُدِّمَتِ الآخِرَةُ لِلِاهْتِمامِ بِها والتَّثْنِيَةُ إلّا أنَّها الَّتِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ اعْتِناءُ المُؤْمِنِينَ بِها؛ لِأنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، مَعَ ما في هَذا التَّقْدِيمِ مِنَ الرِّعايَةِ لِلْفاصِلَةِ.

53:26Page 526

۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦

And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.

﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ .

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ أُمُورَ الدّارَيْنِ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى، ضَرَبَ لِذَلِكَ مِثالًا مِنَ الأمانِي الَّتِي هي أعْظَمُ أمانِي المُشْرِكِينَ وهي قَوْلُهم في الأصْنامِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وقَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]،

صفحة ١١٣

فَبَيَّنَ إبْطالَ قَوْلِهِمْ بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ وهو أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ لَهم شَرَفُ المَنزِلَةِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ مِن سُكّانِ السَّماواتِ فَهم لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَ أنَّهم أشْرَفُ مِنَ الأصْنامِ، لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا إذا أذِنَ اللَّهُ أنْ يُشَفِّعَ إذا شاءَ أنْ يَقْبَلَ الشَّفاعَةَ في المَشْفُوعِ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ ما تَمَنَّوْا مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهي حِجارَةٌ في الأرْضِ ولَيْسَتْ مَلائِكَةً في السَّماواتِ، فَثَبَتَ أنْ لا شَفاعَةَ إلّا لِمَن شاءَ اللَّهُ، وقَدْ نَفى اللَّهُ شَفاعَةَ الأصْنامِ فَبَطَلَ اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ أنَّهم شُفَعاؤُهم، فَهَذِهِ مُناسَبَةُ عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ [النجم: ٢٤] . ولَيْسَ هَذا الِانْتِقالُ اقْتِضابًا لِبَيانِ عِظَمِ أمْرِ الشَّفاعَةِ.

و”كَمْ“ اسْمٌ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ وهو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] في الأعْرافِ.

وفي السَّماواتِ صِفَةٌ لِمَلَكٍ. والمَقْصُودُ مِنها بَيانُ شَرَفِهِمْ بِشَرَفِ العالَمِ الَّذِي هم أهْلُهُ، وهو عالَمُ الفَضائِلِ ومَنازِلُ الأسْرارِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ إلَخْ، خَبَرٌ عَنْ كَمْ، أيْ: لا تُغْنِي شَفاعَةُ أحَدِهِمْ، فَهو عامٌّ بِوُقُوعِ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ، ولِإضافَةِ شَفاعَةٍ إلى ضَمِيرِهِمْ، أيْ: جَمِيعُ المَلائِكَةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وعُلُوِّ مِقْدارِهِمْ لا تُغْنِي شَفاعَةُ واحِدٍ مِنهم.

و”شَيْئًا“ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى عُمُومِ نَفْيِ إغْناءِ شَفاعَتِهِمْ.

ولَمّا كانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ يُوهِمُ أنَّهم قَدْ يَشْفَعُونَ فَلا تُقْبَلُ شَفاعَتُهم ولَيْسَ ذَلِكَ مُرادًا؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهم لا يَجْرَءُونَ عَلى الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِالِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾، وذَلِكَ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقَوْلُهُ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أيْ: إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِأحَدِهِمْ في الشَّفاعَةِ ويَرْضى بِقُبُولِها في المَشْفُوعِ لَهُ.

صفحة ١١٤

فالمُرادُ بِ مَن يَشاءُ مَن يَشاؤُهُ اللَّهُ مِنهم، أيْ: فَإذا أذِنَ لِأحَدِهِمْ قُبِلَتْ شَفاعَتُهُ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ هي اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ بَعْدَ مادَّةِ الشَّفاعَةِ عَلى المَشْفُوعِ لَهُ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِشَفاعَتِهِمْ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ولَيْسَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِ ﴿يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ . ومَفْعُولُ يَأْذَنُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ . وتَقْدِيرُهُ: أنْ يَأْذَنَهُمُ اللَّهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِتَعْدِيَةِ يَأْذَنُ إذْ أُرِيدُ بِهِ مَعْنى يَسْتَمِعُ، أيْ: أنْ يُظْهِرَ لِمَن يَشاءُ مِنهم أنَّهُ يَقْبَلُ مِنهُ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَزالُونَ يَتَقَرَّبُونَ بِطَلَبِ إلْحاقِ المُؤْمِنِينَ بِالمَراتِبِ العُلْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وقَوْلُهُ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فَإنَّ الِاسْتِغْفارَ دُعاءٌ والشَّفاعَةَ تَوَجُّهٌ أعْلى، فالمَلائِكَةُ يَعْلَمُونَ إذْ أرادَ اللَّهُ اسْتِجابَةَ دَعْوَتِهِمْ في بَعْضِ المُؤْمِنِينَ أُذِنَ لِأحَدِهِمْ أنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَيَشْفَعَ فَتُقْبَلَ شَفاعَتُهُ، فَهَذا تَقْرِيبُ كَيْفِيَّةِ الشَّفاعَةِ. ونَظِيرُهُ ما ورَدَ في حَدِيثِ شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في مَوْقِفِ الحَشْرِ.

وعُطِفَ ”ويَرْضى“ عَلى ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إذْنَ اللَّهِ بِالشَّفاعَةِ يَجْرِي عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ إذا كانَ المَشْفُوعُ لَهُ أهْلًا لِأنْ يُشْفَعَ لَهُ. وفي هَذا الإبْهامِ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَجْتَهِدُوا في التَّعَرُّضِ لِرِضا اللَّهِ عَنْهم لِيَكُونُوا أهْلًا لِلْعَفْوِ عَمّا فَرَّطُوا فِيهِ مِنَ الأعْمالِ.

53:27Page 527

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧

Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ [النجم: ٢٨] .

اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المَلائِكَةِ وتَبَعًا لِما ذُكِرَ آنِفًا مِن جَعْلِ المُشْرِكِينَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ بَناتٍ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ثُنِّيَ إلَيْهِمْ عَنانُ الرَّدِّ والإبْطالِ لِزَعْمِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ جَمْعًا بَيْنَ رَدِّ باطِلَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّحْقِيرِ لِعَقائِدِهِمْ إذْ كَفَرُوا

صفحة ١١٥

بِالآخِرَةِ وقَدْ تَواتَرَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ وعِنْدَ أهْلِ الأدْيانِ المُجاوِرِينَ لَهم مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئَةِ، فالمَوْصُولِيَّةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْقِيرِ والتَّهَكُّمِ نَظِيرَ حِكايَةِ اللَّهِ عَنْهم ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] إلّا أنَّ التَّهَكُّمَ المَحْكِيَّ هُنالِكَ تَهَكُّمُ المُبْطِلِ بِالمُحِقِّ؛ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ وُقُوعَ الصِّلَةِ، وأمّا التَّهَكُّمُ هُنا فَهو تَهَكُّمُ المُحِقِّ بِالمُبْطِلِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ ثابِتٌ لَهم.

والتَّسْمِيَةُ مُطْلَقَةُ هُنا عَلى التَّوْصِيفِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى المَعْنى وقَدْ يُطْلَقُ عَلى المَدْلُولِ المُسَمّى ذاتًا كانَ أوْ مَعْنًى كَقَوْلِ لَبِيدٍ:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما

أيِ: السَّلامُ عَلَيْكُما. وقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٨]، أيْ: تُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ في حُسْنِ مَآبِها، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أيْ: لَيْسَ لِلَّهِ مَثِيلٌ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى عِنْدَ تَفْسِيرِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في أوَّلِ الفاتِحَةِ.

والمَعْنى: أنَّهم يَزْعُمُونَ المَلائِكَةَ إناثًا وذَلِكَ تَوْصِيفٌ. قالَ تَعالى ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ قالَ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وقالَ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] .

والتَّعْرِيفُ في الأُنْثى تَعْرِيفُ الجِنْسِ الَّذِي هو في مَعْنى المُتَعَدِّدِ والَّذِي دَعا إلى هَذا النَّظْمِ مُراعاةُ الفَواصِلِ لِيَقَعَ لَفْظُ الأُنْثى فاصِلَةً كَما وقَعَ لَفْظُ الأُولى ولَفْظُ يَرْضى ولَفْظُ شَيْئًا.

وجُمْلَةُ ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ [النجم: ٢٨] حالٌ مِن ضَمِيرِ يُسَمُّونَ، أيْ: يُثْبِتُونَ لِلْمَلائِكَةِ صِفاتِ الأُنْثى في حالِ انْتِفاءِ عِلْمٍ مِنهم بِذَلِكَ وإنَّما هو تَخَيُّلٌ وتَوَهُّمٌ إذِ العِلْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ دَلِيلٍ لَهم فَنَفْيُ العِلْمِ مُرادٌ بِهِ نَفْيُهُ ونَفْيُ الدَّلِيلِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ.

53:28Page 527

وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨

And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.

صفحة ١١٦

﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ .

مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ذُو شُعَبٍ: فَإنَّ فِيها بَيانًا لِجُمْلَةِ وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ وعَوْدًا إلى جُمْلَةِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ، وتَأْكِيدًا لِمَضْمُونِها وتَوْطِئَةً لِتَفْرِيعِ فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا.

واسْتُعِيرَ الِاتِّباعُ لِلْأخْذِ بِالشَّيْءِ واعْتِقادِ مُقْتَضاهُ، أيْ: ما يَأْخُذُونَ في ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلِ الظَّنِّ المُخْطِئِ.

وأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى الِاعْتِقادِ المُخْطِئِ كَما هو غالِبُ إطْلاقِهِ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا.

وأُظْهِرَ لَفْظُ الظَّنِّ دُونَ ضَمِيرِهِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها فَتَسِيرَ مَسِيرَ الأمْثالِ.

ونَفْيُ الإغْناءِ مَعْناهُ نَفْيُ الإفادَةِ، أيْ: لا يُفِيدُ شَيْئًا مِنَ الحَقِّ فَحَرْفُ ”مِن“ بَيانٌ وهو مُقَدَّمٌ عَلى المُبِينِ أعْنِي شَيْئًا.

و”شَيْئًا“ مَنصُوبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِ ”يُغْنِي“ .

والمَعْنى: أنَّ الحَقَّ حَقائِقُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ وإدْراكُها هو العِلْمُ ( المُعَرَّفُ بِأنَّهُ تَصَوُّرُ المَعْلُومِ عَلى ما هو عَلَيْهِ والظَّنُّ لا يُفِيدُ ذَلِكَ الإدْراكَ بِذاتِهِ فَلَوْ صادَفَ الحَقَّ فَذَلِكَ عَلى وجْهِ الصُّدْفَةِ والِاتِّفاقِ، وخاصَّةً الظَّنَّ المُخْطِئَ كَما هُنا.

53:29Page 527

فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩

So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.

﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠] .

بَعْدَ أنْ وصَفَ مَدارِكَهُمُ الباطِلَةَ وضَلالَهم؛ فَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَ نَبِيئِهِ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهم ذَلِكَ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِ ضَلالِهِمْ كانَ نَتِيجَةَ إعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وهو

صفحة ١١٧

التَّوَلِّي عَنِ الذِّكْرِ فَحُقَّ أنْ يَكُونَ جَزاؤُهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ إعْراضًا عَنْهم فَإنَّ الإعْراضَ والتَّوَلِّيَ مُتَرادِفانِ أوْ مُتَقارِبانِ فالمُرادُ بِ مَن تَوَلّى الفَرِيقُ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وهُمُ المُخاطَبُونَ آنِفًا بِقَوْلِهِ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] وقَوْلُهُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] والمُخْبَرُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] إلَخْ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النجم: ٢٧] إلَخْ.

والإعْراضُ والتَّوَلِّي كِلاهُما مُسْتَعْمَلٌ هُنا في مَجازِهِ؛ فَأمّا الإعْراضُ فَهو مُسْتَعارٌ لِتَرْكِ المُجادَلَةِ أوْ لِتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِسَلامَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وغَضَبِ اللَّهِ، وأمّا التَّوَلِّي فَهو مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِاسْتِماعِ أوْ لِعَدَمِ الِامْتِثالِ.

وحَقِيقَةُ الإعْراضِ: لَفْتُ الوَجْهِ عَنِ الشَّيْءِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العارِضِ وهو صَفْحَةُ الخَدِّ؛ لِأنَّ الكارِهَ لِشَيْءٍ يَصْرِفُ عَنْهُ وجْهَهُ.

وحَقِيقَةُ التَّوَلِّي: الإدْبارُ والِانْصِرافُ، وإعْراضُ النَّبِيءِ ﷺ عَنْهُمُ المَأْمُورُ بِهِ مُرادٌ بِهِ عَدَمُ الِاهْتِمامِ بِنَجاتِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا الإرْشادَ وإلّا فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُورٌ بِإدامَةِ دَعَوْتِهِمْ لِلْإيمانِ، فَكَما كانَ يَدْعُوهم قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ دَعاهم غَيْرَ مَرَّةٍ بَعْدَ نُزُولِها، عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ لا تَخْتَصُّ بِهِمْ فَإنَّها يَنْتَفِعُ بِها المُؤْمِنُونَ، ومَن لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ إعْراضٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يَسْمَعُونَ ما أُنْذِرَ بِهِ المُعْرِضُونَ ويَتَأمَّلُونَ فِيما تَصِفُهم بِهِ آياتُ القُرْآنِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها بِالمُتارَكَةِ ولا هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَضُمَّ إلَيْهِ ما هُنا.

وماصَدَقَ مَن تَوَلّى القَوْمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا وإنَّما جَرى الفِعْلُ عَلى صِيغَةِ المُفْرَدِ مُراعاةً لِلَفْظِ ”مِن“ ألا تَرى قَوْلَهُ ذَلِكَ مَبْلَغُهم بِضَمِيرِ الجَمْعِ.

وجِيءَ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ في مَقامِ الإضْمارِ فَقِيلَ فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا دُونَ: فَأعْرِضْ عَنْهم لِما تُؤْذِنُ بِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن عِلَّةِ الأمْرِ بِالإعْراضِ عَنْهم ومِن تَرَتُّبِ تَوَلِّيهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى ما سَبَقَ وصْفُهُ مِن ضَلالِهِمْ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ وصْفُهم بِالتَّوَلِي عَنِ الذِّكْرِ وإنَّما تَقَدَّمَ وصْفُ أسْبابِهِ.

صفحة ١١٨

والذِّكْرُ المُضافُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هو القُرْآنُ.

ومَعْنى ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ بِالحَياةِ الآخِرَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]؛ لِأنَّهم لَوْ آمَنُوا بِها عَلى حَقِيقَتِها لَأرادُوها ولَوْ بِبَعْضِ أعْمالِهِمْ.

وجُمْلَةُ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ اعْتِراضٌ وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَ بِهِ سَبَبَ جَهْلِهِمْ بِوُجُودِ الحَياةِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ لِغَرابَتِهِ مِمّا يَسْألُ عَنْهُ السّائِلُ، وفِيهِ تَحْقِيرٌ لَهم وازْدِراءٌ بِهِمْ بِقُصُورِ مَعْلُوماتِهِمْ.

وهَذا الِاسْتِئْنافُ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمَلِ وعِلَّتِها في قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [النجم: ٣٠] الآيَةَ.

وأعْنِي حاصِلَ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ .

وقَوْلُهُ ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ اسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمُوهُ اسْمُ الحَدِّ الَّذِي يَبْلُغُ إلَيْهِ السّائِرُ فَلا يَعْلَمُ ما بَعْدَهُ مِنَ البِلادِ.

53:30–31Page 527

ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠

That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهْوَ أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ .

تَعْلِيلٌ لِجُمَلَةِ فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى وهو تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى أنَّهُ مُتَوَلِّي حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِلضّالِينَ. والتَّوْكِيدُ المُفادُ بِ ”إنَّ“ وبِضَمِيرِ الفِعْلِ راجِعٌ إلى المَعْنى الكِنائِيِّ، وأمّا كَوْنُهُ تَعالى أعْلَمُ بِذَلِكَ فَلا مُقْتَضى لِتَأْكِيدِها لَمّا كانَ المُخاطَبُ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ .

والمَعْنى: هو أعْلَمُ مِنكَ بِحالِهِمْ.

وضَمِيرُ الفَصْلِ مُفِيدُ القَصْرِ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. والمَعْنى: أنْتَ لا تَعْلَمُ دَخائِلَهم فَلا تَتَحَسَّرْ عَلَيْهِمْ.

صفحة ١١٩

وجُمْلَةُ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى تَتْمِيمٌ، وفِيهِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وبِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والباءُ في بِمَن ضَلَّ في بِمَنِ اهْتَدى لِتَعْدِيَةِ صِفَتَيْ ”أعْلَمُ“ وهي لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: هو أشَدُّ عِلْمًا مُلابِسًا لِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، أيْ: مُلابِسًا لِحالِ هَذا المَقامِ، وأمّا ذِكْرُ المُهْتَدِينَ فَتَتْمِيمٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском