Ibn 'AshurAn‑Najm · 53:36–41

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:36–41

53:36–38Page 527

أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ .

أمْ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ إلى مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وإنْكارٍ عَلَيْهِ آخَرُ وهو جَهْلُهُ بِما عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَهُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى مِن عِلْمِ ما جاءَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ فَإنْ كانَ هو لا يُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَهَلّا تَطَلَّبَ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُ مَن قَبْلُ، طالَما ذَكَرَ هو وقَوْمُهُ أسْماءَهم وشَرائِعَهم في الجُمْلَةِ، وطالَما سَألَ هو وقَوْمُهُ أهْلَ الكِتابِ عَنْ أخْبارِ مُوسى، فَهَلّا سَألَ عَمّا جاءَ عَنْهم في هَذا الغَرَضِ الَّذِي يَسْعى إلَيْهِ وهو طَلَبُ النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ فَيُنْبِئُهُ العامِلُونَ، فَإنَّ مَآثِرَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ مَأْثُورٌ بَعْضُها عِنْدَ العَرَبِ، وشَرِيعَةُ مُوسى مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ. فالِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ ”أمْ“ إنْكارٌ مِثْلُ الِاسْتِفْهامِ المَذْكُورِ قَبْلَها في قَوْلِهِ ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ [النجم: ٣٥] والتَّقْدِيرُ: بَلْ ألَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى إلَخْ.

وصُحُفُ مُوسى: هي التَّوْراةُ، وصُحُفُ إبْراهِيمَ: صُحُفٌ سَجَّلَ فِيها ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وهي المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأعْلى ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] . ورَوى ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ «عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ الكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الأنْبِياءِ فَذَكَرَ لَهُ مِنها عَشْرَ صَحائِفَ أُنْزِلَتْ عَلى إبْراهِيمَ،، أيْ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما هو مَكْتُوبٌ فِيها» .

وإنَّما خَصَّ هَذِهِ الصُّحُفَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ يَعْرِفُونَ إبْراهِيمَ وشَرِيعَتَهُ

صفحة ١٣٠

ويُسَمُّونَها الحَنِيفِيَّةَ ورُبَّما ادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ عَلى إثارَةٍ مِنها مِثْلُ: زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.

وأمّا صُحُفُ مُوسى فَهي مُشْتَهِرَةٌ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، والعَرَبُ يُخالِطُونَ اليَهُودَ في خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وتَيْما، ويُخالِطُونَ نَصارى نَجْرانَ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] .

وتَقْدِيمُ صُحُفِ مُوسى لِأنَّها اشْتُهِرَتْ بِسِعَةِ ما فِيها مِنَ الهُدى والشَّرِيعَةِ، وأمّا صُحُفُ إبْراهِيمَ فَكانَ المَأْثُورُ مِنها أشْياءَ قَلِيلَةً. وقُدِّرَتْ بِعَشْرِ صُحُفٍ، أيْ: مِقْدارُ عَشْرِ ورَقاتٍ بِالخَطِّ القَدِيمِ، تَسَعُ الوَرَقَةُ قُرابَةَ أرْبَعِ آياتٍ مِن آيِ القُرْآنِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَجْمُوعُ ما في صُحُفِ إبْراهِيمَ مِقْدارَ أرْبَعِينَ آيَةً.

وإنَّما قُدِّمَ في سُورَةِ الأعْلى صُحُفُ إبْراهِيمَ عَلى صُحُفِ مُوسى مُراعاةً لِوُقُوعِهِما بَدَلًا مِنَ الصُّحُفِ الأُولى فَقَدَّمَ في الذَّكَرِ أقْدَمَهُما.

وعِنْدِي أنَّ تَأْخِيرَ صُحُفِ إبْراهِيمَ لِيَقَعَ ما بَعْدَها هُنا جامِعًا لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ صُحُفُ إبْراهِيمَ فَتَكُونُ صُحُفُ إبْراهِيمَ هي الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ بِها إبْراهِيمَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أيْ: بَلَّغَهُنَّ إلى قَوْمِهِ ومَن آمَنَ بِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ هُنا الَّذِي وفّى وفي مَعْنى قَوْلِهِ فَأتَمَّهُنَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَصْفُ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ تَسْجِيلٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ إبْراهِيمَ بَلَّغَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ إلى قَوْمِهِ وذُرِّيَّتِهِ ولَكِنَّ العَرَبَ أهْمَلُوا ذَلِكَ واعْتاضُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ بِالإشْراكِ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ وفّى لِيَشْمَلَ تَوْفِياتٍ كَثِيرَةً مِنها ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] .

وقَوْلُهُ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”ما“ في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، فَتَكُونُ ”أنْ“ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. والتَّقْدِيرُ: أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِأنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ تَفْسِيرِيَّةً فَسَّرَتْ ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ؛ لِأنَّ ما

صفحة ١٣١

مِنَ الصُّحُفِ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ والكِتابَةُ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَصَلُحَ ما في صُحُفِ مُوسى؛ لِأنْ تُفَسِّرَهُ ”أنْ“ التَّفْسِيرِيَّةُ. وقَدْ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] في هَذِهِ السُّورَةِ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: هَذِهِ الحُرُوفُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] كُلُّ هَذِهِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى. و”تَزِرُ“ مُضارِعُ وزَرَ، إذا فَعَلَ وِزْرًا.

وتَأْنِيثُ وازِرَةٌ بِتَأْوِيلِ: نَفْسٍ، وكَذَلِكَ تَأْنِيثُ أُخْرى، ووُقُوعُ نَفْسٍ وأُخْرى في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَشْمَلُ نَفْيَ ما زَعَمَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن تَحَمُّلِ الرَّجُلِ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ.

وهَذا مِمّا كانَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ، ومِنهُ ما حَكى اللَّهُ في قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] .

وحُكِيَ في التَّوْراةِ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ في شَأْنِ قَوْمِ لُوطٍ أفَتُهْلِكُ البارَّ مَعَ الآثِمِ.

وأمّا نَظِيرُهُ في صُحُفِ مُوسى فَفي التَّوْراةِ لا يُقْتَلُ الآباءُ عَنِ الأوْلادِ، ولا يُقْتَلُ الأوْلادُ عَنِ الآباءِ كُلُّ إنْسانٍ بِخَطِيئَتِهِ يُقْتَلُ. وحَكى اللَّهُ عَنْ مُوسى قَوْلَهُ ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وعُمُومُ لَفْظِ ”وِزْرَ“ يَقْتَضِي اطِّرادَ الحُكْمِ في أُمُورِ الدُّنْيا وأُمُورِ الآخِرَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ: ”أفْتَقِدُ الأبْناءَ بِذِنُوبِ الآباءِ إلى الجِيلِ الثّالِثِ“ فَذَلِكَ في تَرْتِيبِ المُسَبَّباتِ عَلى الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهو تَحْذِيرٌ.

ولَيْسَ حَمْلُ المُتَسَبِّبِ في وِزْرِ غَيْرِهِ حَمْلًا زائِدًا عَلى وِزْرِهِ مِن قَبِيلِ تَحَمُّلِ وِزْرِ الغَيْرِ، ولَكِنَّهُ مِن قَبِيلِ زِيادَةِ العِقابِ لِأجْلِ تَضْلِيلِ الغَيْرِ، قالَ تَعالى:

صفحة ١٣٢

﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] . وفي الحَدِيثِ ”ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، ذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ“ .

53:39Page 527

وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

And that there is not for man except that [good] for which he strives

﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ فَتَكُونَ (أنْ) مُخَفِّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فَتَكُونَ ”أنْ“ تَفْسِيرِيَّةً، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ تَكُونُ ”أنْ“ تَأْكِيدًا لِنَظِيرَتِها في المَعْطُوفِ عَلَيْها.

وتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، والمَعْنى: لا يَخْتَصُّ بِهِ إلّا ما سَعاهُ.

والسَّعْيُ: العَمَلُ والِاكْتِسابُ، وأصْلُ السَّعْيِ: المَشْيُ، فَأُطْلِقَ عَلى العَمَلِ مَجازًا مُرْسَلًا أوْ كِنايَةً. والمُرادُ هُنا عَمَلُ الخَيْرِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ لامِ الِاخْتِصاصِ وبِأنْ جُعِلَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] .

والمَعْنى: لا تَحْصُلُ لِأحَدٍ فائِدَةُ عَمَلٍ إلّا ما عَمِلَهُ بِنَفْسِهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ عَمَلُ غَيْرِهِ، ولامُ الِاخْتِصاصِ يُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ ما سَعاهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ ذِكْرُ هَذا تَتْمِيمًا لِمَعْنى ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨]، احْتِراسًا مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ المَدْفُوعَ عَنْ غَيْرِ فاعِلِهِ هو الوِزْرُ، وأنَّ الخَيْرَ يَنالُ غَيْرَ فاعِلِهِ.

ومَعْنى الآيَةِ مَحْكِيٌّ في القُرْآنِ عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ عَنْهُ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] .

وهَذِهِ الآيَةُ حِكايَةٌ عَنْ شَرْعَيْ إبْراهِيمَ ومُوسى، وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَرِدْ ناسِخٌ، تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ عَمَلَ أحَدٍ لا يُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ

صفحة ١٣٣

فَرْضًا أوْ نَفْلًا عَلى العَيْنِ، وأمّا تَحَمُّلُ أحَدٌ حَمالَةً لِفِعْلٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ مِثْلِ دِياتِ القَتْلِ الخَطَإ فَذَلِكَ مِنَ المُؤاساةِ المَفْرُوضَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ومَحْمَلِها: فَعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ حِكايَةٌ عَنْ شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ فَلا تَلْزَمُ في شَرِيعَتِنا يُرِيدُ أنَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ نَسَخَتْ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَبُولُ عَمَلِ أحَدٍ عَنْ غَيْرِهِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ.

وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ تَأوَّلَ الإنْسانَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ بِالإنْسانِ الكافِرِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ سَعْيُهُ وما يَسْعى لَهُ غَيْرُهُ.

ومِنَ العُلَماءِ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ عَلى أنَّها نَفَتْ أنْ تَكُونَ لِلْإنْسانِ فائِدَةُ ما عَمِلَهُ غَيْرُهُ، إذا لَمْ يَجْعَلِ السّاعِي عَمَلَهُ لِغَيْرِهِ. وكَأنَّ هَذا يَنْحُو إلى أنَّ اسْتِعْمالَ ”سَعى“ في الآيَةِ مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ العَقْلِيَّيْنِ. ونَقَلَ ابْنُ الفَرَسِ: أنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها وأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ ابْنِ الفَرَسِ أنَّ مِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ الشّافِعِيَّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ بِصِحَّةِ الإجارَةِ عَلى الحَجِّ.

واعْلَمْ أنَّ أدِلَّةَ لِحاقِ ثَوابِ بَعْضِ الأعْمالِ إلى غَيْرِ مَن عَمِلَها ثابِتَةٌ عَلى الجُمْلَةِ وإنَّما تَتَرَدَّدُ الأنْظارُ في التَّفْصِيلِ أوِ التَّعْمِيمِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ”والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ“، وقَدْ بَيَّناهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ. وقالَ تَعالى ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠]، فَجَعَلَ أزْواجَ الصّالِحِينَ المُؤْمِناتِ وأزْواجَ الصّالِحاتِ المُؤْمِنِينَ يَتَمَتَّعُونَ في الجَنَّةِ مَعَ أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الأزْواجِ في الأعْمالِ ضَرُورِيٌّ وقَدْ بَيَّناهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ.

وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذا ماتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثَةٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ ولَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ» وهو عامٌّ في كُلِّ ما يَعْمَلُهُ الإنْسانُ، ومِعْيارُ عُمُومِهِ الِاسْتِثْناءُ فالِاسْتِثْناءُ دَلِيلٌ عَنْ أنَّ المُسْتَثْنَياتِ الثَّلاثَةَ هي مِن عَمَلِ الإنْسانِ. وقالَ عِياضٌ في الإكْمالِ هَذِهِ الأشْياءُ لَمّا كانَ هو سَبَبَها فَهي

صفحة ١٣٤

مِنِ اكْتِسابِهِ. قُلْتُ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ الجارِيَةِ وفي العِلْمِ الَّذِي بَثُّهُ ظاهِرٌ، وأمّا في دُعاءِ الوَلَدِ الصّالِحِ لِأحَدِ أبَوَيْهِ فَقالَ النَّوَوِيُّ؛ لِأنَّ الوَلَدَ مِن كَسْبِهِ. قالَ الأُبِّيُّ: الحَدِيثُ ”ولَدُ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ“ فاسْتِثْناءُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ مُتَّصِلٌ.

وثَبَتَتْ أخْبارٌ صِحاحٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ تَدُلُّ عَلى أنَّ عَمَلَ أحَدٍ عَنْ آخَرَ يُجْزِي عَنِ المَنُوبِ عَنْهُ، فَفي المُوَطَّإ حَدِيثُ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ «أنَّ امْرَأةً مِن خَثْعَمَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الحَجِّ أدْرَكْتُ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ أفَيُجْزِئُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ قالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهُ» . وفي قَوْلِها: لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَجَّها عَنْهُ كانَ نافِلَةً.

وفِي كِتابِ أبِي داوُدَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ «أنَّ امْرَأةً أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعَلَيْها صَوْمُ شَهْرٍ أفَيُجْزِئُ أوْ يَقْضِي عَنْها أنْ أصُومَ عَنْها ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: وإنَّها لَمْ تَحُجَّ أفَيُجْزِئُ أوْ يَقْضِي أنْ أحُجَّ عَنْها ؟ قالَ: نَعَمْ» .

وفِيهِ أيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ أفَيَنْفَعُها إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها ؟ قالَ: نَعَمْ» .

وفِي «حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وقَدْ أعْتَقَ أخُوهُ هِشامٌ عَنْ أبِيهِمُ العاصِ بْنِ وائِلٍ عَبِيدًا فَسَألَ عَمْرٌو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِ أخِيهِ فَقالَ لَهُ لَوْ كانَ أبُوكَ مُسْلِمًا فَأعْتَقْتُمْ عَنْهُ أوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ» .

ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ أعْتَقَتْ عَنْ أخِيها عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِ رِقابًا واعْتَكَفَتْ عَنْهُ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرٍ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما أفْتَيا امْرَأةً جَعَلَتْ أُمُّها عَلى نَفْسِها صَلاةً بِمَسْجِدِ قُباءَ ولَمْ تَفِ بِنَذْرِها أنْ تُصَلِّيَ عَنْها بِمَسْجِدِ قُباءَ.

«وأمَرَ النَّبِيءُ ﷺ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ أنْ يَقْضِيَ نَذْرًا نَذَرَتْهُ أُمُّهُ، قِيلَ كانَ عِتْقًا، وقِيلَ صَدَقَةً، وقِيلَ نَذْرًا مُطْلَقًا» .

صفحة ١٣٥

وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما ثَبَتَ مِنَ الأخْبارِ مَجالًا لِأنْظارِ الفُقَهاءِ في الجَمْعِ بَيْنِهُما والأخْذِ بِظاهِرِ الآيَةِ وفي الِاقْتِصارِ عَلى نَوْعِ ما ورَدَ فِيهِ الإذْنُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أوِ القِياسِ عَلَيْهِ.

ومِمّا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ أنْ تَعْلَمَ أنَّ التَّكالِيفَ الواجِبَةَ عَلى العَيْنِ فَرْضًا أوْ سُنَّةً مُرَتَّبَةَ المَقْصِدِ مِن مُطالَبَةِ المُكَلَّفِ بِها ما يَحْصُلُ بِسَبَبِها مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ لِيَكُونَ جُزْءًا صالِحًا فَإذا قامَ بِها غَيْرُهُ عَنْهُ فاتَ المَقْصُودُ مِن مُخاطَبَةِ أعْيانِ المُسْلِمِينَ بِها، وكَذا اجْتِنابُ المَنهِيّاتِ لا تُتَصَوَّرُ فِيها النِّيابَةُ؛ لِأنَّ الكَفَّ لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ فَهَذا النَّوْعُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ فِيهِ إلّا ما سَعى ولا تُجْزِئُ فِيهِ نِيابَةُ غَيْرِهِ عَنْهُ في أدائِها فَأمّا الإيمانُ فَأمْرُهُ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الإيمانِ لا يُتَصَوَّرُ فِيها التَّعَدُّدُ بِحَيْثُ يُؤْمِنُ أحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ ويُؤْمِنُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ إذا اعْتَقَدَ اعْتِقادًا جازِمًا فَقَدْ صارَ ذَلِكَ إيمانَهُ. قالَ ابْنُ الفَرَسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ.

وأمّا ما عَدا الإيمانَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ الواجِبَةِ، فَأمّا ما هو مِنها مِن عَمَلِ الأبْدانِ فَلَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِنهُ ولا يُجْزِئُ عَنْهُ سَعْيُ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأُمُورِ العَيْنِيَّةِ المُطالَبِ بِها المَرْءُ بِنَفْسِهِ هو ما فِيها مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وارْتِياضِها عَلى الخَيْرِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

ومِثْلُ ذَلِكَ الرَّواتِبُ مِنَ النَّوافِلِ والقُرُباتِ حَتّى يَصْلُحَ الإنْسانُ ويَرْتاضَ عَلى مُراقَبَةِ رَبِّهِ بِقَلْبِهِ وعَمَلِهِ والخُضُوعِ لَهُ تَعالى لِيَصْلُحَ بِصَلاحِ الأفْرادِ صَلاحُ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ، والنِّيابَةُ تُفِيتُ هَذا المَعْنى.

فَما كانَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِالطَّلَبِ كالقُرَبِ النّافِلَةِ فَإنَّ فِيهِ مَقْصِدَيْنِ: مَقْصِدٌ مُلْحَقٌ بِالمَقْصِدِ الَّذِي في الأعْمالِ المُعَيَّنَةِ بِالطَّلَبِ، ومَقْصِدُ تَكْثِيرِ الخَيْرِ في جَماعَةِ المُسْلِمِينَ بِالأعْمالِ والأقْوالِ الصّالِحَةِ وهَذا الِاعْتِبارُ الثّانِي لا تُفِيتُهُ النِّيابَةُ.

والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ ما كانَ مِن عَمَلِ الإنْسانِ بِبَدَنِهِ وما كانَ مِن عَمَلِهِ بِمالِهِ لا أراهُ فَرْقًا مُؤَثِّرًا في هَذا البابِ، فالوَجْهُ اطِّرادُ القَوْلِ في كِلا النَّوْعَيْنِ بِقُبُولِ النِّيابَةِ أوْ بِعَدَمِ قَبُولِها: مِن صَدَقاتٍ وصِيامٍ ونَوافِلِ الصَّلَواتِ وتَجْهِيزِ الغُزاةِ لِلْجِهادِ غَيْرِ المُتَعَيِّنِ عَلى المُسْلِمِ المُجَهِّزِ بِكَسْرِ الهاءِ ولا عَلى المُجَهَّزِ بِفَتْحِ الهاءِ، والكَلِماتِ

صفحة ١٣٦

الصّالِحَةِ في قِراءَةِ القُرْآنِ وتَسْبِيحٍ وتَحْمِيدٍ ونَحْوِهِما وصَلاةٍ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وبِهَذا يَكُونُ تَحْرِيرُ مَحَلِّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الفَرَسِ مِنَ الخِلافِ في نَقْلِ عَمِلِ أحَدٍ إلى غَيْرِهِ.

قالَ النَّوَوِيُّ الدُّعاءُ يَصِلُ ثَوابُهُ إلى المَيِّتِ وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وهُما مُجْمَعٌ عَلَيْهِما. وكَذَلِكَ قَضاءُ الدَّيْنِ اهـ. وحَكى ابْنُ الفَرَسِ مِثْلَ ذَلِكَ، والخِلافُ بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ فِيما عَدا ذَلِكَ.

وقالَ مالِكٌ: يُتَطَوَّعُ عَنِ المَيِّتِ فَيُتَصَدَّقُ عَنْهُ أوْ يُعْتَقُ عَنْهُ أوْ يُهْدى عَنْهُ، وأمّا مَن كانَ مِنَ القُرَبِ الواجِبَةِ مُرَكَّبًا مِن عَمِلِ البَدَنِ وإنْفاقِ المالِ مِثْلَ الحَجِّ والعُمْرَةِ والجِهادِ فَقالَ الباجِيُّ: حَكى القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ عَنِ المَذْهَبِ أنَّها تَصِحُّ النِّيابَةُ فِيها وقالَ ابْنُ القَصّارِ: لا تَصِحُّ النِّيابَةُ فِيها. وهو المُشْتَهِرُ مِن قَوْلِ مالِكٍ، ومَبْنى اخْتِلافِهِما أنَّ مالِكًا كَرِهَ أنْ يَحُجَّ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ إلّا أنَّهُ إنْ أوْصى بِذَلِكَ نَفَذَتْ وصِيَّتُهُ ولا تُسْقِطُ الفَرْضَ.

ورَجَّحَ الباجِيُّ القَوْلَ بِصِحَّةِ النِّيابَةِ في ذَلِكَ بِأنَّ مالِكًا أمْضى الوَصِيَّةَ بِذَلِكَ، وقالَ: لا يُسْتَأْجَرُ لَهُ إلّا مَن حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَلا يَحُجُّ عَنْهُ صَرُورَةٌ، فَلَوْلا أنَّ حَجَّ الأجِيرِ عَلى وجْهِ النِّيابَةِ عَنِ المُوصِي لَما اعْتُبِرَتْ صِفَةُ المُباشِرِ بِالحَجِّ. قالَ ابْنُ الفَرَسِ: أجازَ مالِكٌ الوَصِيَّةَ بِالحَجِّ الفَرْضِ، ورَأى أنَّهُ إذا أوْصى بِذَلِكَ فَهو مِن سَعْيِهِ. والمُحَرَّرُ مِن مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ صِحَّةُ النِّيابَةِ في الحَجِّ لِغَيْرِ القادِرِ بِشَرْطِ دَوامِ عَجْزِهِ إلى المَوْتِ فَإنْ زالَ عَجْزُهُ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ بِنَفْسِهِ، وقَدْ يُنْقَلُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ غَيْرُ ذَلِكَ في كُتُبِ المالِكِيَّةِ.

وجَوَّزَ الشّافِعِيُّ الحَجَّ عَنِ المَيِّتِ ووَصِيَّةَ المَيِّتِ بِالحَجِّ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الفَرَسِ: ولِلشّافِعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ اهـ.

ومَذْهَبُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ جَوازُهُ ولا تَجِبُ عَلَيْهِ إعادَةُ الحَجِّ إنْ زالَ عُذْرُهُ.

وأمّا القُرَبُ غَيْرُ الواجِبَةِ وغَيْرُ الرَّواتِبِ مِن جَمِيعِ أفْعالِ البَرِّ والنَّوافِلِ؛ فَأمّا الحَجُّ عَنْ غَيْرِ المُسْتَطِيعِ فَقالَ الباجِيُّ: قالَ ابْنُ الجَلّابِ في التَّفْرِيعِ يُكْرَهُ أنْ

صفحة ١٣٧

يُسْتَأْجَرُ مَن يَحُجُّ عَنْهُ فَإنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْسَخْ وقالَ ابْنُ القَصّارِ: ”يَجُوزُ ذَلِكَ في المَيِّتِ دُونَ المَعْضُوبِ“ وهو العاجِزُ عَنِ النُّهُوضِ. وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَدْ جاءَتِ الرُّخْصَةُ في ذَلِكَ عَنِ الكَبِيرِ الَّذِي لا يَنْهَضُ وعَنِ المَيِّتِ أنَّهُ يَحُجُّ عَنْهُ ابْنُهُ وإنْ لَمْ يُوصِ بِهِ.

وقالَ الأُبِّيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: ذُكِرَ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ عامَ حَجَّ اشْتَرى حَجَّةً لِلسُّلْطانِ أبِي العَبّاسِ الحَفْصِيِّ عَلى مَذْهَبِ المُخالِفِ، أيْ: خِلافًا لِمَذْهَبِ مالِكٍ.

وأمّا الصَّلاةُ والصِّيامُ فَسُئِلَ مالِكٌ عَنِ الحَجِّ عَنِ المَيِّتِ فَقالَ: أمّا الصَّلاةُ والصِّيامُ والحَجُّ عَنْهُ فَلا نَرى ذَلِكَ. وقالَ في المُدَوَّنَةِ: يُتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذا أحَبُّ إلَيَّ: يُهْدى عَنْهُ، أوْ يُعْتَقُ عَنْهُ. قالَ الباجِيُّ: فَفَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ النَّفَقاتِ.

وقالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلِهِ: لا يَصِلُهُ ثَوابُ الصَّلَواتِ التَّطَوُّعِ وسائِرِ التَّطَوُّعاتِ. قالَ صاحِبُ التَّوْضِيحِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ: وعِنْدَنا يَجُوزُ الِاسْتِنابَةُ في حُجَّةِ التَّطَوُّعِ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وقالَ أحْمَدُ: يَصِلُهُ ثَوابُ الصَّلَواتِ وسائِرِ التَّطَوُّعاتِ.

والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ: أنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ واهِداءَ ثَوابِها لِلْمَيِّتِ لا يَصِلُهُ ثَوابُها، وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وكَثِيرٌ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ يَصِلُهُ ثَوابُها.

وحَكى ابْنُ الفَرَسِ عَنْ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّ مَن قَرَأ ووَهَبَ ثَوابَ قِراءَتِهِ لِمَيِّتٍ جازَ ذَلِكَ ووَصَلَ لِلْمَيِّتِ أجْرُهُ ونَفْعُهُ، فَما يُنْسَبُ إلى مالِكٍ مِن عَدَمِ جَوازِ إهْداءِ ثَوابِ القِراءَةِ في كُتُبِ المُخالِفِينَ غَيْرُ مُحَرِّرٍ.

وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ نَفْسَهُ بِالمُعَوِّذاتِ فَلَمّا ثَقُلَ بِهِ المَرَضُ كُنْتُ أنا أُعَوِّذُهُ بِهِما وأضَعُ يَدَهُ عَلى جَسَدِهِ رَجاءَ بَرَكَتِها» فَهَلْ قِراءَةُ المُعَوِّذَتَيْنِ إلّا نِيابَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما كانَ يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ، فَإذا صَحَّتِ النِّيابَةُ في التَّعَوُّذِ والتَّبَرُّكِ بِالقُرْآنِ فَلِماذا لا تَصِحُّ في ثَوابِ القِراءَةِ.

صفحة ١٣٨

واعْلَمْ أنَّ هَذا كُلَّهُ في تَطَوُّعِ أحَدٍ عَنْ أحَدٍ بِقُرْبَةٍ، وأمّا الِاسْتِئْجارُ عَلى النِّيابَةِ في القُرَبِ: فَأمّا الحَجُّ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ جَوازَ الِاسْتِئْجارِ بِوَصِيَّةٍ، أوْ بِغَيْرِها،؛ لِأنَّ الإنْفاقَ مِن مُقَوِّماتِ الحَجِّ، ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ لا يَجُوزُ أخْذُ فاعِلِها أُجْرَةً عَلى فِعْلِها كالصَّلاةِ والصَّوْمِ لا يَصِحُّ الِاسْتِئْجارُ عَلى الِاسْتِنابَةِ فِيها، وأنَّ القُرَبَ الَّتِي يَصِحُّ أخْذُ الأجْرِ عَلَيْها يَصِحُّ الِاسْتِئْجارُ عَلى النِّيابَةِ فِيها مِثْلَ قِراءَةِ القُرْآنِ، فَقَدَ «أقَرَّ النَّبِيءُ ﷺ فِعْلَ الَّذِينَ أخَذُوا أجْرًا عَلى رُقْيَةِ المَلْدُوغِ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» .

وإذا عَلِمْتَ هَذا كُلَّهُ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ هو حُكْمٌ كانَ في شَرِيعَةٍ سالِفَةٍ، فالقائِلُونَ بِأنَّهُ لا يَنْسَحِبُ عَلَيْنا لَمْ يَكُنْ فِيما ورَدَ مِنَ الأخْبارِ بِصِحَّةِ النِّيابَةِ في الأعْمالِ في دِينِنا مَعارِضٌ لِمُقْتَضى الآيَةِ، والقائِلُونَ بِأنَّ شَرْعَ غَيْرِنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَرِدْ ناسِخٌ، مِنهم مَن أعْمَلَ عُمُومَ الآيَةِ وتَأوَّلَ الأخْبارَ المُعارِضَةَ لَها بِالخُصُوصِيَّةِ، ومِنهم مَن جَعَلَها مُخَصِّصَةً لِلْعُمُومِ، أوْ ناسِخَةً، ومِنهم مَن تَأوَّلَ ظاهِرَ الآيَةِ بِأنَّ المُرادَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِحَيْثُ يَعْتَمِدُ عَلى عَمَلِهِ، أوْ تَأوَّلَ السَّعْيَ بِالنِّيَّةِ. وتَأوَّلَ اللّامَ في قَوْلِهِ لِلْإنْسانِ بِمَعْنى عَلى، أوْ لَيْسَ عَلَيْهِ سَيِّئاتُ غَيْرِهِ.

وفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ مِنَ الكَشّافِ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طاهِرٍ قالَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ: أُشْكِلَتْ عَلَيَّ ثَلاثُ آياتٍ. فَذَكَرَ لَهُ مِنها قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ فَما بالُ الأضْعافِ، أيْ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فَقالَ الحُسَيْنُ: مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا ما سَعى عَدْلًا، ولِي أنْ أُجْزِيَهُ بِواحِدَةٍ ألْفًا فَضْلًا.

53:40–41Page 527

وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠

And that his effort is going to be seen -

ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١

Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -

﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فَهي مِن تَمامِ تَفْسِيرِ ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ فَيَكُونُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ إذْ جِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ أنَّ المُشَدَّدَةِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ أنْ يَقَعَ الإخْبارُ عَنْ سَعْيِ الإنْسانِ بِأنَّهُ

صفحة ١٣٩

يُعْلَنُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وذَلِكَ مِن تَوابِعِ أنْ لَيْسَ لَهُ إلّا ما سَعى، فَلَمّا كانَ لَفْظُ سَعْيَهُ صالِحًا لِلْوُقُوعِ اسْمًا لِحَرْفِ أنَّ زالَ مُقْتَضى اجْتِلابِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فَزالَ مُقْتَضى أنِ المُخَفَّفَةِ. وقَدْ يَكُونُ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] .

ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ في قَوْلِهِ مَضْمُونُ قَوْلِهِ وأنَّ سَعْيَهُ مَشْمُولًا لِما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ فَعَطْفُهُ عَلى ما المَوْصُولَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ﴾ [النجم: ٣٦]، عَطْفُ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ فَيَكُونُ مَعْمُولًا لِباءِ الجَرِّ في قَوْلِهِ في صُحُفِ مُوسى إلَخْ، والتَّقْدِيرُ: لَمْ يُنَبَّأْ بِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ سَوْفَ يُرى، أيْ: لا بُدَّ أنْ يُرى، أيْ: يُجازى عَلَيْهِ، أيْ: لَمْ يُنَبَّأْ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ وعَلَيْهِ فَلا نَتَطَلَّبُ ثُبُوتَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وسَوْفَ حَرْفُ اسْتِقْبالٍ والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ.

ومَعْنى يُرى: يُشاهَدُ عِنْدَ الحِسابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، فَيَجُوزُ أنْ تُجَسَّمَ الأعْمالُ فَتَصِيرَ مُشاهَدَةً، وأُمُورُ الآخِرَةِ مُخالِفَةٌ لِمُعْتادِ أُمُورِ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ عَلاماتٍ عَلى الأعْمالِ يُعْلَنُ بِها عَنْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] . وما في الحَدِيثِ ”يُنْصَبُ لِكُلِّ غادَرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ فَيُقَدَّرُ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: وأنَّ عُنْوانَ سَعْيِهِ سَوْفَ يُرى.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإشْهارِ العَمَلِ والسَّعْيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٩] الآيَةَ، وكَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «مَن سَمَّعَ بِأخِيهِ فِيما يَكْرَهُ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ»، فَتَكُونُ الرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةً لِلْعِلْمِ لِقَصْدِ تَحَقُّقِ العِلْمِ وإشْهارِهِ.

وحِكْمَةُ ذَلِكَ تَشْرِيفُ المُحْسِنِينَ بِحُسْنِ السُّمْعَةِ وانْكِسارِ المُسِيئِينَ بِسُوءِ الأُحْدُوثَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ وهو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ.

صفحة ١٤٠

و“ ثُمَّ ”لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ حُصُولَ الجَزاءِ أهَمُّ مِن إظْهارِهِ أوْ إظْهارِ المَجْزِيِّ عَنْهُ.

وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ“ يُجْزاهُ " عائِدٌ إلى السَّعْيِ، أيْ: يُجْزى عَلَيْهِ، أوْ يُجْزى بِهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ونَصَبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ فَقَدْ كَثُرَ أنْ يُقالَ: جَزاهُ عَمَلُهُ، وأصْلُهُ: جَزاهُ عَلى عَمَلِهِ أوْ جَزاهُ بِعَمَلِهِ.

والأوْفى: اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الوَفاءِ وهو التَّمامُ والكَمالُ، والتَّفْضِيلُ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في القُوَّةِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفْضِيلَهُ عَلى غَيْرِهِ. والمَعْنى: أنَّ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ مِن حَسَنٍ أوْ سَيِّئٍ مُوافِقٌ لِلْمَجَزِيِّ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وقالَ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] وقالَ ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩] وقالَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] .

وانْتَصَبَ الجَزاءَ الأوْفى عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ.

وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском