Ibn 'AshurAn‑Najm · 53:42–48

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:42–48

53:42Page 527

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ ٤٢

And that to your Lord is the finality

﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ .

القَوْلُ في مَوْقِعِها كالقَوْلِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى سَواءً، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى فَتَكُونَ تَتِمَّةً لِما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ، ويَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ إلى رَبِّكَ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ والمُخاطَبُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأنَّ إلى رَبِّهِ المُنْتَهى، وقَدْ يَكُونُ نَظِيرُها مِن كَلامِ إبْراهِيمَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] .

ويَجُوزُ أنَّها لَيْسَتْ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ صُحُفُ مُوسى وإبْراهِيمَ ويَكُونُ عَطْفُها عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنَّ“ ومَعْمُولَها مَدْخُولًا لِلْباءِ، أيْ: لَمْ يُنَبَّأْ بِأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .

صفحة ١٤١

وعَلَيْهِ فَلا نَتَطَلَّبُ لَها نَظِيرًا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ومَعْنى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ الرُّجُوعُ إلى حُكْمِهِ المَحْضِ الَّذِي لا تُلابِسُهُ أحْكامٌ هي في الظّاهِرِ مِن تَصَرُّفاتِ المَخْلُوقاتِ مِمّا هو شَأْنُ أُمُورِ الدُّنْيا، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ بِلَفْظِ رَبِّكَ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والتَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ لِمُكَذِّبِيهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الرَّبِّ الدِّفاعُ عَنْ مَرْبُوبِهِ.

وفِي الآيَةِ مَعْنًى آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ المُنْتَهى مَجازًا عَنِ انْتِهاءِ السَّيْرِ، بِمَعْنى الوُقُوفِ؛ لِأنَّ الوُقُوفَ انْتِهاءُ سَيْرِ السّائِرِ، ويَكُونُ الوُقُوفُ تَمْثِيلًا لِحالِ المُطِيعِ لِأمْرِ اللَّهِ تَشْبِيهًا لِأمْرِ اللَّهِ الَّذِي تُحَدَّدُ بِهِ الحَوائِطُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي الشِّيصِ:

وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتِ فَلَيْسَ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ

كَما عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِالوُقُوفِ عِنْدَ الحَدِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . والمَعْنى: التَّحْذِيرُ مِنَ المُخالَفَةِ لِما أمَرَ اللَّهُ ونَهى.

وفِي الآيَةِ مَعْنًى ثالِثٌ وهو انْتِهاءُ دَلالَةِ المَوْجُوداتِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ؛ لِأنَّ النّاظِرَ إلى الكائِناتِ يَعْلَمُ أنَّ وُجُودَها مُمْكِنٌ غَيْرُ واجِبٍ فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ، فَإذا خَيَّلَتِ الوَسْوَسَةُ لِلنّاظِرِ أنْ يَفْرِضَ لِلْكائِناتِ مُوجِدًا مِمّا يَبْدُو لَهُ مِن نَحْوِ الشَّمْسِ أوِ القَمَرِ أوِ النّارِ لِما يَرى فِيها مِن عِظَمِ الفاعِلِيَّةِ، لَمْ يَلْبَثْ أنْ يَظْهَرَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ المَفْرُوضَ لا يَخْلُو عَنْ تَغَيُّرٍ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِهِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ أوْجَدَهُ فَإذا ذَهَبَ الخَيالُ يُسَلْسِلُ مَفْرُوضاتِ الإلَهِيَّةِ كَما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي الآياتُ لَمْ يَجِدِ العَقْلُ بُدًّا مِنَ الِانْتِهاءِ إلى وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ لِلْمُمْكِناتِ كُلِّها، وجُودُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ بَلْ واجِبٌ، وأنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ الكَمالِ وهو الإلَهُ الحَقُّ، فاللَّهُ هو المُنْتَهى الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ اسْتِدْلالُ العَقْلِ، ثُمَّ إذا لاحَ لَهُ دَلِيلُ وُجُودِ الخالِقِ وأفْضى بِهِ إلى إثْباتِ أنَّهُ واحِدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَعَدِّدًا لَكانَ كُلٌّ مِنَ المُتَعَدِّدِ غَيْرَ كامِلِ الإلَهِيَّةِ إذْ لا يَتَصَرَّفُ أحَدُ المُتَعَدِّدِ فِيما قَدْ تَصَرَّفَ

صفحة ١٤٢

فِيهِ الآخَرُ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مُحْتاجًا إلى الآخَرِ لِيَرْضى بِإقْرارِهِ عَلى إيجادِ ما أوْجَدَهُ، وإلّا لَقَدَرَ عَلى نَقْضِ ما فَعَلَهُ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَعَدِّدِ مُحْتاجًا إلى مَن يَسْمَحُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ، قالَ تَعالى ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وقالَ ”قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا“ وقالَ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فانْتَهى العَقْلُ لا مَحالَةَ إلى مُنْتَهًى.

53:43Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ ٤٣

And that it is He who makes [one] laugh and weep

﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ .

انْتِقالٌ مِنَ الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ إلى الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ الدُّنْيا وضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى رَبِّكَ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] .

والضَّحِكُ: أثَرُ سُرُورِ النَّفْسِ، والبُكاءُ: أثَرُ الحُزْنِ، وكُلٌّ مِنَ الضَّحِكِ والبُكاءِ مِن خَواصِّ الإنْسانِ وكِلاهُما خَلْقٌ عَجِيبٌ دالٌّ عَلى انْفِعالٍ عَظِيمٍ في النَّفْسِ.

ولَيْسَ لِبَقِيَّةِ الحَيَوانِ ضَحِكٌ ولا بُكاءٌ وما ورَدَ مِن إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى الحَيَوانِ فَهو كالتَّخَيُّلِ أوِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

بُكاءُ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا مُطَوَّقَةٍ عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي

ولا يَخْلُو الإنْسانُ مِن حالَيْ حُزْنٍ وسُرُورٍ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ حَزِينًا مَغْمُومًا كانَ مَسْرُورًا؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ السُّرُورَ والِانْشِراحَ مُلازِمًا لِلْإنْسانِ بِسَبَبِ سَلامَةِ مَزاجِهِ وإدْراكِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سالِمًا كانَ نَشِيطَ الأعْصابِ وذَلِكَ النَّشاطُ تَنْشَأُ عَنْهُ المَسَرَّةُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَتْ مُتَفاوِتَةً في الضَّعْفِ والقُوَّةِ، فَذِكْرُ الضَّحِكِ والبُكاءِ يُفِيدُ الإحاطَةَ بِأحْوالِ الإنْسانِ بِإيجازٍ ويَرْمُزُ إلى أسْبابِ الفَرَحِ والحُزْنِ ويُذَكِّرُ بِالصّانِعِ الحَكِيمِ، ويُبَشِّرُ إلى أنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ خَلَقَ أسْبابَ فَرَحِهِ ونَكَدِهِ وألْهَمَهُ إلى اجْتِلابِ ذَلِكَ بِما في مَقْدُورِهِ وجَعَلَ حَدًّا عَظِيمًا مِن ذَلِكَ خارِجًا عَلى مَقْدُورِ الإنْسانِ وذَلِكَ لا يَمْتَرِي فِيهِ أحَدٌ إذا تَأمَّلَ وفِيهِ ما يُرْشِدُ إلى الإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ لِيُقَدِّرَ لِلنّاسِ أسْبابَ الفَرَحِ، ويَدْفَعَ عَنْهم أسْبابَ الحُزْنِ

صفحة ١٤٣

وإنَّما جَرى ذِكْرُ هَذا في هَذا المَقامِ لِمُناسَبَةِ أنَّ الجَزاءَ الأوْفى لِسَعْيِ النّاسِ: بَعْضُهُ سارٌّ لِفَرِيقٍ وبَعْضُهُ مُحْزِنٌ لِفَرِيقٍ آخَرَ.

وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ قَصْرًا لِصِفَةِ خَلْقِ أسْبابِ الضَّحِكِ والبُكاءِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِإبْطالِ الشَّرِيكِ في التَّصَرُّفِ فَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ في الإلَهِيَّةِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ تَصَرُّفِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ هَذا القَصْرُ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ قَصْرًا حَقِيقِيًّا لِإبْطالِ اعْتِقادِ أنَّ الدَّهْرَ مُتَصَرِّفٌ.

وإسْنادُ الإضْحاكِ والإبْكاءِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ خالِقُ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ في الإنْسانِ، وذَلِكَ خَلْقٌ عَجِيبٌ ولِأنَّهُ خالِقُ طَبائِعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي تَجْلِبُ أسْبابَ الضَّحِكِ والبُكاءِ مِن سُرُورٍ وحُزْنٍ.

ولَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُ أضْحَكَ وأبْكى؛ لِأنَّ القَصْدَ إلى الفِعْلَيْنِ لا إلى مَفْعُولَيْهِما فالفِعْلانِ مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: أوْجَدَ الضَّحِكَ والبُكاءَ.

ولَمّا كانَ هَذا الغَرَضُ مِن إثْباتِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في الإنْسانِ بِما يَجِدُهُ النّاسُ في أحْوالِ أنْفُسِهِمْ مِن خُرُوجِ أسْبابِ الضَّحِكِ والبُكاءِ عَلى قُدْرَتِهِمْ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ: أضْحَكَ وأبْكى في الدُّنْيا، ولا عَلاقَةَ لِهَذا بِالمَسَرَّةِ والحُزْنِ الحاصِلَيْنِ في الآخِرَةِ.

وفِي الِاعْتِبارِ بِخَلْقِ الشَّيْءِ وضِدِّهِ إشارَةٌ إلى دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُحْسِنُ الطِّباقِ بَيْنَ الضَّحِكِ والبُكاءِ وهُما ضِدّانِ.

وتَقْدِيمُ الضَّحِكِ عَلى البُكاءِ؛ لِأنَّ فِيهِ امْتِنانًا بِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى القُدْرَةِ وحَصَلَ بِذَلِكَ مُراعاةُ الفاصِلَةِ.

ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في عَطْفِها مِثْلُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى في الِاحْتِمالَيْنِ، فَإنْ كانَتْ مِمّا شَمِلَتْهُ صُحُفُ إبْراهِيمَ كانَتْ حِكايَةً لِقَوْلِهِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ.

53:44Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا ٤٤

And that it is He who causes death and gives life

صفحة ١٤٤

﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ انْتَقَلَ مِنَ الِاعْتِبارِ بِانْفِرادِ اللَّهِ بِالقُدْرَةِ عَلى إيجادِ أسْبابِ المَسَرَّةِ والحُزْنِ وهُما حالَتانِ لا تَخْلُو عَنْ إحْداهِما نَفْسُ الإنْسانِ إلى العِبْرَةِ بِانْفِرادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ، وهُما حالَتانِ لا يَخْلُو الإنْسانُ عَنْ إحْداهِما فَإنَّ الإنْسانَ أوَّلُ وُجُودِهِ نُطْفَةٌ مَيْتَةٌ ثُمَّ عَلَقَةٌ ثُمَّ مُضْغَةٌ - قِطْعَةٌ مَيْتَةٌ وإنْ كانَتْ فِيها مادَّةُ الحَياةِ إلّا أنَّها لَمْ تَبْرُزْ مَظاهِرُ الحَياةِ فِيها - ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ثُمَّ يَصِيرُ إلى حَياةٍ وذَلِكَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ.

ولَعَلَّ المَقْصُودَ هو العِبْرَةُ بِالإماتَةِ لِأنَّها أوْضَحُ عِبْرَةً ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ، وأنَّ عَطْفَ ”وأحْيا“ تَتْمِيمٌ واحْتِراسٌ كَما في قَوْلِهِ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ. ولِذَلِكَ قَدَّمَ أماتَ عَلى أحْيا مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في أضْحَكَ وأبْكى.

ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. فَإنْ كانَ مَضْمُونُها مِمّا شَمِلَتْهُ صُحُفُ إبْراهِيمَ كانَ المَحْكِيُّ بِها مِن كَلامِ إبْراهِيمَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] .

وفِعْلا أماتَ وأحْيا مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] إظْهارًا لِبَدِيعِ القُدْرَةِ عَلى هَذا الصُّنْعِ الحَكِيمِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى كَيْفِيَّةِ البَعْثِ وإمْكانِهِ حَيْثُ أحالَهُ المُشْرِكُونَ، وشاهِدُهُ في خَلْقِ أنْفُسِهِمْ.

وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلْقَصْرِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] رَدًّا عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِينَ يُسْنِدُونَ الإحْياءَ والإماتَةَ إلى الدَّهْرِ فَقالُوا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ. فَلَيْسَ المُرادُ الحَياةَ الآخِرَةَ؛ لِأنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، ولِأنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ والمُتَحَدَّثُ عَنْهُ ماضٍ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ أيْضًا لِما بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ مِنَ التَّضادِّ.

53:45–46Page 528

وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥

And that He creates the two mates - the male and female -

مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ ٤٦

From a sperm-drop when it is emitted

صفحة ١٤٥

﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾

هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُسْتَقِلَّةً بِإفادَةِ أنَّ اللَّهَ خالِقٌ الأزْواجَ مِنَ الإنْسانِ خَلْقًا بَدِيعًا مِن نُطْفَةٍ فَيَصِيرُ إلى خَصائِصِ نَوْعِهِ وحَسْبُكَ بِنَوْعِ الإنْسانِ تَفْكِيرًا أوْ مَقْدِرَةً وعَمَلًا، وذَلِكَ ما لا يَجْهَلُهُ المُخاطَبُونَ فَما كانَ ذِكْرُهُ إلّا تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وبِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِها بِالدَّلالَةِ عَلى عَجِيبِ تَكْوِينِ نَسْلِ الإنْسانِ، عُطِفَتْ عَلَيْها جُمْلَةُ وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى وإلّا لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى بِدُونِ عَطْفٍ وبِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ إلى هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ فِيها كَيْفِيَّةَ ابْتِداءِ الحَياةِ.

والمُرادُ بِالزَّوْجَيْنِ: الذَّكَرُ والأُنْثى مِن خُصُوصِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ لِلِاعْتِبارِ بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ وذَلِكَ أشَدُّ اتِّفاقًا في خِلْقَةِ الإنْسانِ، ولِأنَّ اعْتِبارَ النّاسِ بِما في أحْوالِ أنْفُسِهِمْ أقْرَبُ وأمْكَنُ ولِأنَّ بَعْضَ الأزْواجِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ لا يَتَخَلَّقُ مِن نُطْفَةٍ بَلْ مِن بَيْضٍ وغَيْرِهِ.

ولَعَلَّ وجْهَ ذِكْرِ الزَّوْجَيْنِ والبَدَلِ مِنهُ الذَّكَرَ والأُنْثى دُونَ أنْ يَقُولَ: وأنَّهُ خَلَقَهُ، أيِ: الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ، كَما قالَ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٥] الآيَةَ أمْرانِ: أحَدُهُما: إدْماجُ الِامْتِنانِ في أثْناءِ ذِكْرِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ بِنِعْمَةِ أنْ خَلَقَ لِكُلِّ إنْسانٍ زَوْجَةً كَما قالَ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ [الروم: ٢١] الآيَةَ.

الثّانِي: الإشارَةُ إلى أنَّ لِكِلا الزَّوْجَيْنِ حَظًّا مِنَ النُّطْفَةِ الَّتِي مِنها يُخْلَقُ الإنْسانُ فَكانَتْ لِلذَّكَرِ نُطْفَةٌ ولِلْمَرْأةِ نُطْفَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ «إذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ أشْبَهَ المَوْلُودُ أباهُ، وإنْ سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ أشْبَهَ المَوْلُودُ أُمَّهُ»، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى نُطْفَةً وإنْ كانَ المُتَعارَفُ عِنْدَ النّاسِ قَبْلَ القُرْآنِ أنَّ النُّطْفَةَ

صفحة ١٤٦

هِيَ ماءُ الرَّجُلِ إلّا أنَّ القُرْآنَ يُخاطِبُ النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ ويُشِيرُ إلى ما لا يَعْلَمُونَ إلى أنْ يَفْهَمَهُ المُتَدَبِّرُونَ.

وحَسْبُكَ ما وقَعَ بَيانُهُ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ آنِفًا.

والنُّطْفَةُ: فُعْلَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن: نَطَفَ الماءُ، إذا قَطَرَ، فالنُّطْفَةُ ماءٌ قَلِيلٌ وسُمِّي ما مِنهُ النَّسْلُ نُطْفَةً بِمَعْنى مَنطُوفٍ، أيْ: مَصْبُوبٌ فَماءُ الرَّجُلِ مَصْبُوبٌ، وماءُ المَرْأةِ أيْضًا مَصْبُوبٌ فَإنَّ ماءَ المَرْأةِ يَخْرُجُ مَعَ بُوَيْضَةٍ دَقِيقَةٍ تَتَسَرَّبُ مَعَ دَمِ الحَيْضِ وتَسْتَقِرُّ في كِيسٍ دَقِيقٍ فَإذا باشَرَ الذَّكَرُ الأُنْثى انْحَدَرَتْ تِلْكَ البَيْضَةُ مِنَ الأُنْثى واخْتَلَطَتْ مَعَ ماءِ الذَّكَرِ في قَرارَةِ الرَّحِمِ.

و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن نُطْفَةٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ فَإنَّ خَلْقَ الإنْسانِ آتٍ وناشِئٌ بِواسِطَةِ النُّطْفَةِ، فَإذا تَكَوَّنَتِ النُّطْفَةُ وأُمْنِيَتِ ابْتَدَأ خَلْقُ الإنْسانِ.

و”تُمْنى“ تُدْفَقُ وفَسَّرُوهُ بِمَعْنى تُقْذَفُ أيْضًا.

وقِيلَ إنَّ (تُمْنى) بِمَعْنى تُراقُ، وجَعَلُوا تَسْمِيَةَ الوادِي الَّذِي بِقُرْبِ مَكَّةَ مِنًى؛ لِأنَّهُ تُراقُ بِهِ دِماءُ البُدْنِ مِنَ الهَدايا. ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعانِي مِنًى أوْ أمْنى أنَّ مِنها الإراقَةَ. وهَذا مِن مُشْكِلاتِ اللُّغَةِ.

ثُمَّ إنَّ ”تُمْنى“ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُضارِعُ أمْنى بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ وسَقَطَتْ في المُضارِعِ فَوَزْنُهُ تُؤَفْعَلُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُضارِعُ مَنى مِثْلُ رَمى فَوَزْنُهُ: تُفْعَلُ.

وبُنِيَ فِعْلُ ”تُمْنى“ إلى المَجْهُولِ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ تَدْفَعُها قُوَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ في الجِسْمِ خَفِيَّةٌ فَكانَ فاعِلُ الإمْناءِ مَجْهُولًا لِعَدَمِ ظُهُورِهِ.

وعَنِ الأخْفَشِ تُمْنى تُقَدَّرُ، يُقالُ: مَنى المانِي، أيْ: قَدَّرَ المُقَدِّرُ. والمَعْنى: إذا قُدِّرَ لَها، أيْ: قُدِّرَ لَها أنْ تَكُونَ مُخَلَّقَةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] .

والتَّقْيِيدُ بِ إذا تُمْنى لِما في اسْمِ الزَّمانِ مِنَ الإيذانِ بِسُرْعَةِ الخَلْقِ عِنْدَ دَفْقِ النُّطْفَةِ في رَحِمِ المَرْأةِ فَإنَّهُ عِنْدَ التِقاءِ النُّطْفَتَيْنِ يَبْتَدِئُ تَخَلُّقُ النَّسْلِ فَهَذِهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ

صفحة ١٤٧

إلى أنَّ البُوَيْضَةَ الَّتِي هي نُطْفَةُ المَرْأةِ حاصِلَةٌ في الرَّحِمِ فَإذا أُمْنِيَتْ عَلَيْها نُطْفَةُ الذَّكَرِ أخَذَتْ في التَّخَلُّقِ إذا لَمْ يَعُقْها عائِقٌ.

ثُمَّ لِما في فِعْلِ تُمْنى مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ النُّطْفَةَ تُقَطَّرُ وتُصَبُّ عَلى شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الصَّبَّ يَقْتَضِي مَصْبُوبًا عَلَيْهِ فَيُشِيرُ إلى التَّخَلُّقِ إنَّما يَحْصُلُ مِنِ انْصِبابِ النُّطْفَةِ عَلى أُخْرى، فَعِنْدَ اخْتِلاطِ الماءَيْنِ يَحْصُلُ تَخَلُّقُ النَّسْلِ فَهَذا سِرُّ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ إذا تُمْنى.

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِما بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن شِبْهِ التَّضادِّ.

ولَمْ يُؤْتَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَضَمِيرِ الفَصْلِ كَما في اللَّتَيْنِ قَبْلَها لِعَدَمِ الدّاعِي إلى القَصْرِ إذْ لا يُنازِعُ أحَدٌ في أنَّ اللَّهَ خالِقُ الخَلْقِ ومَوْقِعُ جُمْلَةِ وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ إلى آخِرِها كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى.

53:47Page 528

وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧

And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.

﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ التَّنْظِيرِ أنْ يُقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] عَلى قَوْلِهِ ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ لِما في قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] مِنَ الِامْتِنانِ وإظْهارِ الِاقْتِدارِ المُناسِبَيْنِ لِقَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم: ٤٥] إلَخْ. إذْ يَنْتَقِلُ مِن نِعْمَةِ الخَلْقِ إلى نِعْمَةِ الرِّزْقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةٍ تُشْبِهُ الِاعْتِراضَ لِيُقْرَنَ بَيْنَ البَيانَيْنِ ذِكْرُ قُدْرَتِهِ عَلى النَّشْأتَيْنِ.

ومِمّا يُشابِهُ هَذا ما قالَهُ الواحِدِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ المُتَنَبِّي في سَيْفِ الدَّوْلَةِ:

وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ

تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ

أنَّهُ لَمّا أنْشَدَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ أنْكَرَ عَلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ تَطْبِيقَ عَجُزَيِ البَيْتَيْنِ عَلى

صفحة ١٤٨

صَدْرَيْهِما وقالَ: يَنْبَغِي أنْ تُطَبِّقَ عَجُزَ الأوَّلِ عَلى الثّانِي وعَجُزَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ ثُمَّ قالَ لَهُ: وأنْتَ في هَذا مِثْلَ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:

كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ

ولَمْ أسْبَإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ

ووَجْهُ الكَلامِ في البَيْتَيْنِ عَلى ما قالَهُ أهْلُ العِلْمِ بِالشِّعْرِ أنْ يَكُونَ عَجُزُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي والثّانِي عَلى الأوَّلِ، أيْ: مَعَ نَقْلِ كَلِمَةِ (لِلَذَّةٍ) مِن صَدْرِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، وكَلِمَةِ (ولَمْ أقُلْ) مِن صَدْرِ الثّانِي إلى الأوَّلِ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ فَيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ وسَبْأُ الخَمْرِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ أطالَ اللَّهُ عِزَّ مَوْلانا إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ هَذا عَلى امْرِئِ القَيْسِ أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا يَعْرِفُ أنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ الثَّوْبَ مَعْرِفَةَ الحائِكِ؛ لِأنَّ البَزّازَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ، وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وإنَّما لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ في أوَّلِ البَيْتِ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِيُجانِسَهُ، ولَمّا كانَ وجْهُ المُنْهَزِمِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ عُبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: ووَجْهُكَ وضّاءٌ، لِأجْمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ في المَعْنى اهـ.

ولَوْ أنَّ أبا الطَّيِّبِ شَعَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ لَذَكَرَها لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ فَكانَتْ لَهُ أقْوى حُجَّةً مِن تَأْوِيلِهِ شِعْرَ امْرِئِ القَيْسِ.

وفِي جُمْلَةِ ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ﴾ تَحْقِيقٌ لِفِعْلِهِ إيّاها شَبَهًا بِالحَقِّ الواجِبِ عَلى المَحْقُوقِ بِهِ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ فَكَأنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِحُصُولِهِ بِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ لِظُهُورِ أنَّ اللَّهَ لا يُكْرِهُهُ شَيْءٌ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرادَ النَّشْأةَ الأُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢] .

والنَّشْأةُ: المَرَّةُ مِنَ الإنْشاءِ، أيِ الإيجادِ والخَلْقِ.

والأُخْرى: مُؤَنَّثُ الأخِيرِ، أيِ: النَّشْأةُ الَّتِي لا نَشْأةَ بَعْدَها، وهي مُقابِلُ النَّشْأةِ

صفحة ١٤٩

الأُولى الَّتِي يَتَضَمَّنُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] . وهَذِهِ المُقابَلَةُ هي مُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ النَّشْأةِ الأُخْرى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ النَّشْأةَ بِوَزْنِ الفَعْلَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أنْشَأ، ولَيْسَ مَصْدَرًا، إذْ لَيْسَ نَشَأ المُجَرَّدَ بِمُتَعَدٍّ وإنَّما يُقالُ: أنْشَأ.

وقَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (النَّشاءَةَ) بِألِفٍ بَعْدَ الشِّينِ المَفْتُوحَةِ بِوَزْنِ الفَعالَةِ وهو مِن أوْزانِ المَصادِرِ لَكِنَّهُ مَقِيسٌ في مَصْدَرِ الفِعْلِ المَضْمُومِ العَيْنِ في الماضِي نَحْوِ الجَزالَةِ والفَصاحَةِ. ولِذَلِكَ فالنَّشاءَةُ بِالمَدِّ مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ مِثْلُ الكَآبَةِ. ولَعَلَّ مَدَّتَها مِن قَبِيلِ الإشْباعِ مِثْلِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ:

يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ، أيْ: يَنْبَعُ.

وتَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى اسْمِ ”أنَّ“ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْقِيقِ الَّذِي أفادَتْهُ (عَلى) تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ تَحْقِيقِهِ بَعْدَ أنْ حُقِّقَ بِما في (أنَّ) مِنَ التَّوْكِيدِ.

53:48Page 528

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ ٤٨

And that it is He who enriches and suffices

﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ ومَعْنى أغْنى جَعَلَ غَنِيًّا، أيْ: أعْطى ما بِهِ الغِنى، والغِنى التَّمَكُّنُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِما يُحِبُّ الِانْتِفاعُ بِهِ.

ويَظْهَرُ أنَّ مَعْنى أقْنى ضِدُّ مَعْنى أغْنى رَعْيًا لِنَظائِرِهِ الَّتِي زاوَجَتْ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مِن قَوْلِهِ ﴿أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] و﴿أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤]، و﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥]، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ زَيْدٍ والأخْفَشُ وسُلَيْمانُ التَّمِيمِيُّ بِمَعْنى أرْضى.

وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ: أقْنى: أخْدَمَ، فَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ القِنِّ وهو العَبْدُ أوِ المَوْلُودُ في الرِّقِّ فَيَكُونُ زِيادَةً عَلى الإغْناءِ. وقِيلَ: أقْنى: أعْطى القُنْيَةَ. وهَذا زِيادَةٌ في الغِنى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْنى: أرْضى، أيْ: أرْضى الَّذِي أغْناهُ بِما أعْطاهُ، أيْ: أغْناهُ حَتّى أرْضاهُ فَيَكُونُ زِيادَةً في الِامْتِنانِ.

صفحة ١٥٠

والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْرِ صِفَةِ الإغْناءِ والإقْناءِ عَلَيْهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِمُقابَلَةِ ذُهُولِ النّاسِ عَنْ شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِإسْنادِهِمُ الأرْزاقَ لِوَسائِلِهِ العادِيَّةِ، مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ إلى أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ مَوادَّ الإرْزاقِ وأسْبابَها وصَرَفَ مَوانِعَها، وهَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٤٠] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском