Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:49–61
﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ .
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لا يَجُوزُ اعْتِبارُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] إذْ لا تَصِحُّ؛ لِأنْ تَكُونَ مِمّا في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ؛ لِأنَّ الشِّعْرى لَمْ تُعْبَدْ في زَمَنِ إبْراهِيمَ ولا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ما المَوْصُولَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ﴾ [النجم: ٣٦] إلَخْ.
الشِّعْرى: اسْمُ نَجْمٍ مِن نُجُومٍ بُرْجِ الجَوْزاءِ شَدِيدُ الضِّياءِ ويُسَمّى: كَلْبَ الجَبّارِ؛ لِأنَّ بُرْجَ الجَوْزاءِ يُسَمّى الجَبّارُ عِنْدَ العَرَبِ أيْضًا، وهو مِنَ البُرُوجِ الرَّبِيعِيَّةِ، أيِ الَّتِي تَكُونُ مُدَّةُ حُلُولِ الشَّمْسِ فِيها في فَصْلِ الرَّبِيعِ.
وسُمِّيَتِ الجَوْزاءَ لِشِدَّةِ بَياضِها في سَوادِ اللَّيْلِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالشّاةِ الجَوْزاءِ وهي الشّاةُ السَّوْداءُ الَّتِي وسَطُها أبْيَضُ.
وبُرْجُ الجَوْزاءِ ذُو كَواكِبَ كَثِيرَةٍ ولِكَثِيرٍ مِنها أسْماءٌ خاصَّةٌ، والعَرَبُ يَتَخَيَّلُونَ مَجْمُوعَ نُجُومِها في صُورَةِ رَجُلٍ واقِفٍ بِيَدِهِ عَصًا وعَلى وسَطِهِ سَيْفٌ، فَلِذَلِكَ سَمُّوهُ الجَبّارَ. ورُبَّما تَخَيَّلُوها صُورَةَ امْرَأةٍ فَيُطْلِقُونَ عَلى وسَطِها اسْمَ المِنطَقَةِ.
ولَمْ أقِفْ عَلى وجْهِ تَسْمِيَتِها الشِّعْرى، وسُمِّيتْ كَلْبَ الجَبّارِ تَخَيَّلُوا الجَبّارَ صائِدًا والشِّعْرى يَتْبَعُهُ كالكَلْبِ ورُبَّما سَمُّوا الشِّعْرى يَدَ الجَوْزاءِ، وهو أبْهَرُ نَجْمِ بُرْجِ الجَوْزاءِ، وتُوصَفُ الشِّعْرى بِاليَمانِيَّةِ لِأنَّها إلى جِهَةِ اليَمَنِ. وتُوصَفُ بِالعَبُورِ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّها زَوْجُ كَوْكَبِ سُهَيْلٍ وأنَّهُما كانَتا مُتَّصِلَيْنِ وأنَّ سُهَيْلًا انْحَدَرَ نَحْوَ اليَمَنِ فَتَبِعَتْهُ الشِّعْرى وعَبَرَتْ نَهْرَ المَجَرَّةِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ
صفحة ١٥١
بِالعَبُورِ (فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ)، وهو احْتِرازٌ عَنْ كَوْكَبٍ آخَرَ لَيْسَ مِن كَوْكَبِ الجَوْزاءِ يُسَمُّونَهُ الشِّعْرى الغُمَيْصاءَ (بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ والصّادِ المُهْمَلَةِ بِصِيغَةِ تَصْغِيرٍ) وذَكَرُوا لِتَسْمِيَتِهِ قِصَّةً.
والشِّعْرى تُسَمّى المِرْزَمَ كَمِنبَرٍ ويُقالُ: مِرْزَمُ الجَوْزاءِ؛ لِأنَّ نَوْءَهُ يَأْتِي بِمَطَرٍ بارِدٍ في فَصْلِ الشِّتاءِ فاشْتُقَّ لَهُ اسْمُ آلَةٍ المِرْزَمُ وهو شِدَّةُ البَرْدِ فَإنَّهم كَنَّوْا رِيحَ الشَّمالِ أُمَّ مِرْزَمٍ.
وكانَ كَوْكَبُ الشِّعْرى عَبَدَتْهُ خُزاعَةُ والَّذِي سَنَّ عِبادَتَهُ رَجُلٌ مِن سادَةِ خُزاعَةَ يُكَنّى أبا كَبْشَةَ. واخْتُلِفَ في اسْمِهِ فَفي تاجِ العَرُوسِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ اسْمَهُ جَزْءٌ بِجِيمٍ وزايٍ وهَمْزَةٍ. وعَنِ الدّارَقُطْنِيِّ أنَّهُ وجْزُ (بِواوٍ وجِيمٍ وزايٍ) بْنُ غالِبِ بْنِ عامِرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ غُبْشانَ كَذا في التّاجِ، والَّذِي في جَمْهَرَةِ ابْنِ حَزْمٍ أنَّ الحارِثَ هو غُبْشانُ الخُزاعِيُّ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ اسْمَ أبِي كَبْشَةَ عَبْدُ الشِّعْرى. ولا أحْسَبُ إلّا أنَّ هَذا وصْفٌ غَلَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ أنِ اتَّخَذَ الشِّعْرى مَعْبُودًا لَهُ ولِقَوْمِهِ، ولَمْ يُعَرِّجِ ابْنُ حَزْمٍ في الجَمْهَرَةِ عَلى ذِكْرِ أبِي كَبْشَةَ.
والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ الشِّعْرى لَمْ يَعْبُدْها مِنَ العَرَبِ إلّا خُزاعَةُ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنِ السُّدِّيِّ أنْ حِمْيَرَ عَبَدُوا الشِّعْرى.
وكانَتْ قُرَيْشٌ تَدْعُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أبا كَبْشَةَ قِيلَ لِمُخالَفَتِهِ إيّاهم في عِبادَةِ الأصْنامِ. وكانُوا يَصِفُونَهُ بِابْنِ أبِي كَبْشَةَ. وقِيلَ لِأنَّ أبا كَبْشَةَ كانَ مِن أجْدادِ النَّبِيءِ ﷺ مِن قِبَلِ أُمِّهِ يُعَرِّضُونَ أوْ يُمَوِّهُونَ عَلى دَهْمائِهِمْ بِأنَّهُ يَدْعُو إلى عِبادَةِ الشِّعْرى يُرِيدُونَ التَّغْطِيَةَ عَلى الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهم: لَمّا أراهُمُ انْشِقاقَ القَمَرِ " سَحَرُكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ وقَوْلُ أبِي سُفْيانَ لِلنَّفَرِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في حَضْرَةِ هِرَقْلَ لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ أنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ.
قالَ ابْنُ أبِي الأُصْبُعِ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ البَدِيعِ مُحَسِّنُ التَّنْكِيتِ وهو أنْ يَقْصِدَ المُتَكَلِّمُ إلى شَيْءٍ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يَسُدُّ مَسَدَّهُ لِأجْلِ نُكْتَةٍ في المَذْكُورِ تُرَجِّحُ مَجِيئَهُ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ خَصَّ الشِّعْرى بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ النُّجُومِ
صفحة ١٥٢
؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَ ظَهَرَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأبِي كَبْشَةَ عَبَدَ الشِّعْرى ودَعا خَلْقًا إلى عِبادَتِها.
وتَخْصِيصُ الشِّعْرى بِالذِّكْرِ في هاتِهِ السُّورَةِ أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ وهي مَعْبُوداتٌ وهْمِيَّةٌ لا مُسَمَّياتِ لَها كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها﴾ [النجم: ٢٣] وأعْقَبَها بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ المَلائِكَةِ وهي مِنَ المَوْجُوداتِ المُجَرَّداتِ الخَفِيَّةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ عِبادَةِ الكَواكِبِ وخُزاعَةُ أجْوارٍ لِأهْلِ مَكَّةَ فَلَمّا عَبَدُوا الشِّعْرى ظَهَرَتْ عِبادَةُ الكَواكِبِ في الحِجازِ، وإثْباتُ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى دَلِيلٌ عَلى إبْطالِ إلَهِيَّتِها؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ لا يَكُونُ إلَهًا، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] مَعَ ما في لَفْظِ الشِّعْرى مِن مُناسَبَةِ فَواصَلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرَ مَرْبُوبِيَّةِ الشِّعْرى عَلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ رَبَّ ما يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن تَصَرُّفاتِ الشِّعْرى، أيْ: هو رَبُّ تِلْكَ الآثارِ ومُقَدِّرُها ولَيْسَتِ الشِّعْرى رَبَّةَ تِلْكَ الآثارِ المُسْنَدَةِ إلَيْها في مَزاعِمِهِمْ، ولَيْسَ لِقَصْرِ كَوْنِ رَبِّ الشِّعْرى عَلى اللَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ لِلشِّعْرى رَبًّا غَيْرَ اللَّهِ ضَرُورَةَ أنَّ مِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّ الشِّعْرى رَبَّةٌ مَعْبُودَةٌ ومِنهم مَن يَعْتَقِدُ أنَّها تَتَصَرَّفُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ صِفَتِها.
53:50–52Page 528
وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠
And that He destroyed the first [people of] ʿAad
وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ ٥١
And Thamūd - and He did not spare [them] -
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢
And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.
﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الاُؤْلى﴾ ﴿وثَمُودًا فَما أبْقى﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ لَمّا اسْتُوفِيَ ما يَسْتَحِقُّهُ مَقامُ النِّداءِ عَلى باطِلِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ وطَعْنِهِمْ في القُرْآنِ، ومِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وقَوْلِهِمْ في المَلائِكَةِ، وفاسِدِ مُعْتَقَدِهِمْ في أُمُورِ الآخِرَةِ، وفي المُتَصَرِّفِ في الدُّنْيا، وكانَ مُعْظَمُ شَأْنِهِمْ في هَذِهِ الضَّلالاتِ شَبِيهًا بِشَأْنِ أُمَمِ الشِّرْكِ البائِدَةِ نُقِلَ الكَلامُ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِخَوْفِ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِتِلْكَ الأُمَمِ البائِدَةِ فَذَكَرَ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أشْهُرَها عِنْدَ العَرَبِ وهم: عادٌ، وثَمُودُ، وقَوْمُ نُوحٍ، وقَوْمُ لُوطٍ.
صفحة ١٥٣
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَمَوْقِعِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها في احْتِمالِ كَوْنِها زائِدَةً عَلى ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ ويُحْتَمَلُ كَوْنُها مِمّا شَمِلَتْهُ الصُّحُفُ المَذْكُورَةُ فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ بَعْدَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ، وكانَ مُعاصِرًا لِلْمُؤْتَفِكَةِ عالِمًا بِهَلاكِها.
ولِكَوْنِ هَلاكِ هَؤُلاءِ مَعْلُومًا لَمْ تُقْرَنِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ.
ووَصْفُ عادٍ بِ الأُولى عَلى اعْتِبارِ عادٍ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَما هو ظاهِرٌ. ومَعْنى كَوْنِها أُولى لِأنَّها أوَّلُ العَرَبِ ذِكْرًا وهم أوَّلُ العَرَبِ البائِدَةِ وهم أوَّلُ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ.
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ عادًا هَذِهِ لَمّا هَلَكَتْ خَلَفَتْها أُمَّةٌ أُخْرى تُعْرَفُ بِعادِ إرَمَ أوْ عادٍ الثّانِيَةِ كانَتْ في زَمَنِ العَمالِيقِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأُولى وصْفًا كاشِفًا، أيْ: عادًا السّابِقَةَ. وقِيلَ الأُولى صِفَةُ عَظَمَةٍ، أيِ الأُولى في مَراتِبِ الأُمَمِ قُوَّةً وسِعَةً، وتَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِعادٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ في سُورَةِ الأعْرافِ أيْضًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ وقَوْمِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.
وإنَّما قَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرَ عادٍ وثَمُودَ عَلى ذِكْرِ قَوْمِ نُوحٍ مَعَ أنَّ هَؤُلاءِ أسْبَقُ؛ لِأنَّ عادًا وثَمُودَ أشْهَرُ في العَرَبِ وأكْثَرُ ذِكْرًا بَيْنَهم ودِيارَهم في بِلادِ العَرَبِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عادًا الأُولى﴾ بِإظْهارِ تَنْوِينِ عادًا وتَحْقِيقِ هَمْزَةِ الأُولى. وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو (عادًا لُّولى) بِحَذْفِ هَمْزَةِ (الأُولى) بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ المُعَرِّفَةِ وإدْغامِ نُونِ التَّنْوِينِ مِن (عادًا) في لامِ (لُّولى) . وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ بِإسْكانِ هَمْزَةِ (الأُولى) بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ المُعَرِّفَةِ (عادًا لُّؤْلى) عَلى لُغَةِ مَن يُبْدِلُ الواوَ النّاشِئَةَ عَنْ إشْباعِ الضَّمَّةِ هَمْزًا، كَما قُرِئَ (فاسْتَوى عَلى سُؤْقِهِ) .
صفحة ١٥٤
وقَرَأ الجُمْهُورُ (وثَمُودًا) بِالتَّنْوِينِ عَلى إطْلاقِ اسْمِ جَدِّ القَبِيلَةِ عَلَيْها. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى إرادَةِ اسْمِ القَبِيلَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أهْلَكَ عادًا﴾ إلى آخِرِها، وضَمِيرُ الجَمْعِ في ﴿إنَّهم كانُوا﴾ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: كانُوا أظْلَمَ وأطْغى مِن عادٍ وثَمُودَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ والمَعْنى: أنَّهم أظْلَمُ وأطْغى مِن قَوْمِكَ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ فَتَكُونَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ لَقُوا مِن أُمَمِهِمْ أشَدَّ مِمّا لَقِيَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ مُبْقٍ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا يُهْلِكُها؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ دُخُولَ بَقِيَّتِها في الإسْلامِ ثُمَّ أبْنائِها.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿كانُوا هم أظْلَمَ﴾ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
53:53–54Page 528
وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ ٥٣
And the overturned towns1 He hurled down
فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤
And covered them by that which He covered.1
﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ .
والمُؤْتَفِكَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقاقُ الوَصْفِ كَما سَيَأْتِي، والتَّقْدِيرُ: القُرى المُؤْتَفِكَةُ، وهي قُرىقَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعُ وهي سَدُومُ وعَمُورَةُ وآدِمَةُ وصَبُويِيمُ. ووُصِفَتْ في سُورَةِ بَراءَةَ بِالمُؤْتَفِكاتِ؛ لِأنَّ وصْفَ جَمْعِ المُؤَنَّثِ يَجُوزُ أنْ يُجْمَعَ وأنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ المُؤَنَّثِ. وقَدْ صارَ هَذا الوَصْفُ غالِبًا عَلَيْها بِالغَلَبَةِ.
وذُكِّرَتِ القُرى بِاعْتِبارِ ما فِيها مِنَ السُّكّانِ تَفَنُّنًا ومُراعاةً لِلْفَواصِلِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُؤْتَفِكَةُ هُنا وصْفًا لِلْأُمَّةِ، أيْ: لِأُمَّةِ لُوطٍ لِيَكُونَ نَظِيرًا لِذِكْرِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ. والِائْتِفاكُ: الِانْقِلابُ، يُقالُ: أفَكَها فَأْتَفَكَتْ. والمَعْنى: الَّتِي خُسِفَ بِها فَجُعِلَ عالِيها سافِلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ بَراءَةَ.
وانْتَصَبَ المُؤْتَفِكَةَ مَفْعُولُ أهْوى، أيْ: أسْقَطُ، أيْ: جَعَلَها هاوِيَةً.
والإهْواءُ: الإسْقاطُ، يُقالُ: أهْواهُ فَهَوى، ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ رَفَعَها في الجَوِّ
صفحة ١٥٥
ثُمَّ سَقَطَتْ أوْ أسْقَطَها في باطِنِ الأرْضِ وذَلِكَ مِن أثَرِ زَلازِلَ وانْفِجاراتٍ أرْضِيَّةٍ بُرْكانِيَّةٍ.
ولِكَوْنِ المُؤْتَفِكَةِ عَلَمًا انْتَفى أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُؤْتَفِكَةَ وأهْوى تَكْرِيرٌ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِعِبْرَةِ انْقِلابِها.
وغَشّاها: غَطّاها وأصابَها مِن أعْلى.
و﴿ما غَشّى﴾ فاعِلُ ”غَشّاها“، وما مَوْصُولَةٌ، وجِيءَ بِصِلَتِها مِن مادَّةِ وصِيغَةِ الفِعْلِ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْها، وذَلِكَ لا يُفِيدُ خَبَرًا جَدِيدًا زائِدًا عَلى مُفادِ الفِعْلِ.
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْوِيلُ كَأنَّ المُتَكَلِّمَ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ وصْفَ فاعِلِ الفِعْلِ فَلَمْ يَجِدْ لِبَيانِهِ أكْثَرَ مِن إعادَةِ الفِعْلِ إذْ لا يُسْتَطاعُ وصْفُهُ. والَّذِي غَشّاها هو مَطَرٌ مِنَ الحِجارَةِ المُحَمّاةِ، وهي حِجارَةٌ بُرْكانِيَّةٌ قُذِفَتْ مِن فُوَّهاتٍ كالآبارِ كانَتْ في بِلادِهِمْ ولَمْ تَكُنْ مُلْتَهِبَةً مِن قَبْلُ، قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] وقالَ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] . وفاضَتْ عَلَيْها مِياهٌ غَمَرَتْ بِلادَهم فَأصْبَحَتْ بَحْرًا مَيِّتًا.
وأفادَ العَطْفُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ فَغَشّاها أنَّ ذَلِكَ كانَ بِعَقِبِ إهْوائِها.
53:55Page 528
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥
Then which of the favors of your Lord do you doubt?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ تَفْرِيعُ فَذْلَكَةٍ لِما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ: مِمّا يَخْتَصُّ بِالنَّبِيءِ ﷺ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] . ومِمّا يَشْمَلُهُ ويَشْمَلُ غَيْرَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] إلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] فَإنَّ ذَلِكَ خَلِيطٌ مِن نِعَمٍ وضِدِّها عَلى نَوْعِ الإنْسانِ وفي مَجْمُوعِها نِعْمَةُ تَعْلِيمِ الرَّسُولِ ﷺ وأُمَّتِهِ بِمَنافِعِ الِاعْتِبارِ بِصُنْعِ اللَّهِ. ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا﴾ [النجم: ٥٠] إلى هُنا. فَتِلْكَ نِقَمٌ مِنَ الضّالِّينَ والظّالِمِينَ لِنَصْرِ رُسُلِ اللَّهِ، وذَلِكَ نِعْمَةٌ عَلى جَمِيعِ الرُّسُلِ ونِعْمَةٌ خاصَّةٌ بِالرَّسُولِ ﷺ وهي بِشارَتُهُ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُهُ،
صفحة ١٥٦
فَجَمِيعُ ما عَدَّدَ مِنَ النِّعَمِ عَلى أقْوامٍ والنِّقَمِ عَنْ آخَرِينَ هو نِعَمٌ مَحْضَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.
و”أيِّ“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُطْلَبُ بِهِ تَمْيِيزُ مُتَشارِكٍ في أمْرٍ يَعُمُّ بِما يُمَيِّزُ البَعْضَ عَنِ البَقِيَّةِ مِن حالٍ يَخْتَصُّ بِهِ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في التَّسْوِيَةِ كِنايَةً عَنْ تَساوِي ما عُدِّدَ مِنَ الأُمُورِ في أنَّها نِعَمٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ إذْ لَيْسَ لِواحِدٍ مِن هَذِهِ المَعْدُوداتِ نَقْصٌ عَنْ نَظائِرِهِ في النِّعْمَةِ كَقَوْلِ فاطِمَةَ بِنْتِ الخُرْشُبِ وقَدْ سُئِلَتْ: أيُّ بَنِيكِ أفْضَلُ ؟ ”ثَكِلْتُهم إنْ كُنْتُ أدْرِي أيُّهم أفْضَلُ“، أيْ: إنْ كُنْتُ أدْرِي جَوابَ السُّؤالِ، وكَقَوْلِ الأعْشى:
بِأشْجَعَ أخّاذٍ عَلى الدَّهْرِ حُكْمَهُ فَمِن أيِّ ما تَجْنِي الحَوادِثُ أفْرَقُ
والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ تَذْكِيرُ النَّبِيءِ ﷺ بِهَذِهِ النِّعَمِ.
فالمَعْنى أنَّكَ لا تَحْصُلُ لَكَ مِرْيَةٌ في واحِدَةٍ مِن آلاءِ رَبِّكَ فَإنَّها سَواءٌ في الإنْعامِ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ ”رَبِّكَ“ الأظْهَرُ أنَّهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو مُناسِبٌ لِذِكْرِ الآلاءِ والمُوافِقُ لِإضافَةِ (رَبِّ) إلى ضَمِيرِ المُفْرَدِ المُخاطَبِ في عُرْفِ القُرْآنِ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنَ النّاسِ، أيِ المُكَذِّبِينَ، أيْ: بِاعْتِبارِ أنَّهُ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِمّا عَدَّدَ سابِقًا عَنْ نِعْمَةٍ لِبَعْضِ النّاسِ أوْ بِاعْتِبارِ عَدَمِ تَخْصِيصِ الآلاءِ بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ بَلِ المُرادُ جِنْسُ الآلاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] .
والآلاءُ: النِّعَمُ، وهو جَمْعٌ مُفْرَدُهُ: إلًى، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وبِفَتْحِها مَعَ فَتْحِ اللّامِ مَقْصُورًا، ويُقالُ: إلْيٌ، وألْيٌ، بِسُكُونِ اللّامِ فِيهِما وآخِرُهُ ياءٌ مُتَحَرِّكَةٌ، ويُقالُ: ألْوٌ، بِهَمْزٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها لامٌ ساكِنَةٌ وآخِرُهُ واوٌ مُتَحَرِّكَةٌ مِثْلُ: دَلْوٍ.
والتَّمارِي: التَّشَكُّكُ وهو تَفاعُلٌ مِنَ المِرْيَةِ فَإنْ كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ ”رَبِّكَ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ كانَ تَتَمارى مُطاوِعَ ماراهُ، مِثْلُ: التَّدافُعُ مُطاوِعُ دَفَعَ، في قَوْلِ المُنَخَّلِ:
فَدَفَعْتُها فَتَدافَعَتْ ∗∗∗ مَشْيَ القَطاةِ إلى الغَدِيرِ
صفحة ١٥٧
والمَعْنى: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ يُشَكِّكُونَكَ، وهَذا يُنْظَرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢]، أيْ: لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُشَكِّكُوكَ في حُصُولِ آلاءِ رَبِّكَ الَّتِي هي نِعَمُ النُّبُوَّةِ والَّتِي مِنها رُؤْيَةُ جِبْرِيلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. فالكَلامُ مَسُوقٌ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنَ الطَّمَعِ في الكَفِّ عَنْهم.
وإنْ كانَ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كانَ تَتَمارى تَفاعُلًا مُسْتَعْمَلًا في المُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، ولا يُعْرَفُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ لِلْمِراءِ، وإنَّما يُقالُ: امْتَرى، إذا شَكَّ.
53:56Page 528
هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦
This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.
﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أوْ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ عَلى اخْتِلافِ الِاعْتِبارَيْنِ في مَرْجِعِ اسْمِ الإشارَةِ فَإنْ جَعَلَتَ اسْمَ الإشارَةِ راجِعًا إلى القُرْآنِ فَإنَّهُ لِحُضُورِهِ في الأذْهانِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ شَيْءٍ مَحْسُوسٍ حاضِرٍ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِ، فالكَلامُ انْتِقالٌ اقْتِضابِيٌّ تَنْهِيَةٌ لِما قَبْلَهُ وابْتِداءٌ لِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُخاطَبِينَ بِمُعْظَمِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ فَلِذَلِكَ اقْتُصِرَ عَلى وصْفِ الكَلامِ بِأنَّهُ نَذِيرٌ، دُونَ أنْ يَقُولَ: نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
والإنْذارُ بَعْضُهُ صَرِيحٌ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ [النجم: ٣١] إلَخْ، وبَعْضُهُ تَعْرِيضٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] .
وإنْ جَعَلْتَ اسْمَ الإشارَةِ عائِدًا إلى ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ بِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ، أوْ إلى ما لَمْ يُنَبَّأْ بِهِ الَّذِي تَوَلّى وأعْطى قَلِيلًا، ابْتَداءً مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم: ٣٦] إلى هُنا عَلى كَلامِ التَّأْوِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ تَنْزِيلًا لِحُضُورِهِ في السَّمْعِ مَنزِلَةَ حُضُورِهِ في المُشاهَدَةِ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِ.
والنَّذِيرُ حَقِيقَتُهُ المُخْبِرُ عَنْ حُدُوثِ حَدَثٍ مُضِرٍّ بِالمُخْبَرِ بِالفَتْحِ،
صفحة ١٥٨
وجَمْعُهُ: نُذُرٌ، هَذا هو الأشْهَرُ فِيهِ. ولِذَلِكَ جَعَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ وجَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الإشارَةَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وهو بَعِيدٌ.
ويُطْلَقُ النَّذِيرُ عَلى الإنْذارِ وهو خَبَرُ المُخْبِرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ: يُطْلَقُ النَّذِيرُ عَلى الإنْذارِ يُرِيدُ أنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، أيْ: إنْذارِي وجَمْعُهُ نُذُرٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣]، أيْ: بِالمُنْذِرِينَ. وإطْلاقُ نَذِيرٍ عَلى ما هو كَلامٌ، وهو القُرْآنُ أوْ بَعْضُ آياتِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أوِ اسْتِعارَةٌ عَلى رَأْيِ جُمْهُورِ أهْلِ اللُّغَةِ وهو حَقِيقَةٌ عَلى رَأْيِ الزَّجاجِيِّ.
والمُرادُ بِالنُّذُرِ الأُولى: السّالِفَةُ، أيْ: أنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ مِن مَعانِي الشَّرائِعِ الأُولى كَقَوْلِ النَّبِيءِ «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسَ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ»، أيْ: مِن كَلامِ الأنْبِياءِ قَبْلَ الإسْلامِ.
53:57–58Page 528
أَزِفَتِ ٱلۡأٓزِفَةُ ٥٧
The Approaching Day has approached.
لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨
Of it, [from those] besides Allāh, there is no remover.
﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ .
تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلِها مَنزِلَةَ البَيانِ لِلْإنْذارِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ [النجم: ٥٦] .
فالمَعْنى: هَذا نَذِيرٌ بِآزِفَةٍ قَرُبَتْ، وفي ذِكْرِ فِعْلِ القُرْبِ فائِدَةٌ أُخْرى زائِدَةٌ عَلى البَيانِ وهي أنَّ المُنْذَرَ بِهِ دَنا وقْتُهُ، فَإنَّ: أزِفَ مَعْناهُ: قَرُبَ وحَقِيقَتُهُ لِقُرْبِ المَكانِ، واسْتُعِيرَ لِقُرْبِ الزَّمانِ لِكَثْرَةِ ما يُعامِلُونَ الزَّمانَ مُعامَلَةَ المَكانِ.
والتَّنْبِيهُ عَلى قُرْبِ المُنْذَرِ بِهِ مِن كَمالِ الإنْذارِ لِلْبِدارِ بِتَجَنُّبِ الوُقُوعِ فِيما يُنْذَرُ بِهِ.
وجِيءَ لِفِعْلِ أزِفَتِ بِفاعِلٍ مِن مادَّةِ الفِعْلِ لِلتَّهْوِيلِ عَلى السّامِعِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ في تَعْيِينِ هَذِهِ المُحادَثَةِ الَّتِي أزِفَتْ، ومَعْلُومٌ أنَّها مِنَ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ لِوُرُودِ ذِكْرِها عَقِبَ ذِكْرِ الإنْذارِ.
وتَأْنِيثُ الآزِفَةُ بِتَأْوِيلِ الوَقْعَةِ، أوِ الحادِثَةِ كَما يُقالُ: نَزَلَتْ بِهِ نازِلَةٌ، أوْ
صفحة ١٥٩
وقَعَتِ الواقِعَةُ، وغَشِيَتْهُ غاشِيَةٌ، والعَرَبُ يَسْتَعْمِلُونَ التَّأْنِيثَ دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ في النَّوْعِ، ولَعَلَّهم راعَوْا أنَّ الأُنْثى مَصْدَرُ كَثْرَةِ النَّوْعِ.
والتَّعْرِيفُ في الآزِفَةُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ومِنهُ زِيادَةُ تَهْوِيلٍ بِتَمْيِيزِ هَذا الجِنْسِ مِن بَيْنِ الأجْناسِ؛ لِأنَّ في اسْتِحْضارِهِ زِيادَةَ تَهْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّدَبُّرِ في المَخْلَصِ مِنهُ نَظِيرَ التَّعْرِيفِ في الحَمْدِ لِلَّهِ، وقَوْلِهِمْ: أرْسَلَها العِراكَ.
والكَلامُ يَحْتَمِلُ آزِفَةً في الدُّنْيا مِن جِنْسِ ما أُهْلِكَ بِهِ عادٌ وثَمُودُ وقَوْمُ نُوحٍ فَهي اسْتِئْصالُهم يَوْمَ بَدْرٍ، ويَحْتَمِلُ آزِفَةً وهي القِيامَةُ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالقُرْبُ مُرادٌ بِهِ التَّحَقُّقُ وعَدَمُ الِانْقِلابِ مِنها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] وقَوْلُهُ ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦] .
وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ لِ الآزِفَةُ. وكاشِفَةٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ بِوَزْنِ فاعِلَةٍ كالعافِيَةِ، وخائِنَةِ الأعْيُنِ، ولَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ. والمَعْنى لَيْسَ لَها كَشْفٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ قُرِنَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ راوِيَةٍ، وباقِعَةٍ وداهِيَةٍ، أيْ: لَيْسَ لَها كاشِفٌ قَوِيُّ الكَشْفِ فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُ.
والكَشْفُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّعْرِيَةِ مُرادٌ بِهِ الإزالَةُ مِثْلُ ويَكْشِفُ الضُّرَّ، وذَلِكَ ضِدُّ ما يُقالُ: غَشْيَةُ الضُّرِّ.
فالمَعْنى: لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ إزالَةَ وعِيدِها غَيْرُ اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّها واقِعَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِ وُقُوعِها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَشْفُ بِمَعْنى إزالَةِ الخَفاءِ، أيْ: لا يُبَيِّنُ وقْتَ الآزِفَةِ أحَدٌ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى البَيانِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ هو العالِمُ بِوَقْتِها لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا إذا شاءَ أنْ يُطِلِعَ عَلَيْهِ أحَدًا مِن رُسُلِهِ أوْ مَلائِكَتِهِ.
و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرُ اللَّهِ، و”مِن“ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ الَّذِي يُنْوى في خَبَرِ لَيْسَ في قَوْلِهِ لَها.
53:59–61Page 528
أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ ٥٩
Then at this statement do you wonder?
وَتَضۡحَكُونَ وَلَا تَبۡكُونَ ٦٠
And you laugh and do not weep
وَأَنتُمۡ سَٰمِدُونَ ٦١
While you are proudly sporting?1
صفحة ١٦٠
﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وما عُطِفَ عَلَيْهِ وبُيِّنَ بِهِ مِن بَيانٍ أوْ صِفَةٍ، فُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ.
والحَدِيثُ: الكَلامُ والخَبَرُ.
والإشارَةُ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الإنْذارِ بِأخْبارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فالمُرادُ بِالحَدِيثِ بَعْضُ القُرْآنِ بِما في قَوْلِهِ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] .
ومَعْنى العَجَبِ هُنا الِاسْتِبْعادُ والإحالَةُ كَقَوْلِهِ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، أوْ كِنايَةٌ عَنِ الإنْكارِ.
والضَّحِكُ: ضَحِكُ الِاسْتِهْزاءِ.
والبُكاءُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] .
ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ حَيْثُ حَلُّوا بِحِجْرِ ثَمُودَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ «لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم»، أيْ: ضارِعِينَ لِلَّهِ أنْ لا يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهم أوْ خاشِعِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهم.
والمَعْنى: ولا تَخْشَوْنَ سُوءَ عَذابِ الإشْراكِ فَتُقْلِعُوا عَنْهُ.
وسامِدُونَ: مِنَ السُّمُودِ وهو ما في المَرْءِ مِنَ الإعْجابِ بِالنَّفْسِ، يُقالُ: سَمَدَ البَعِيرُ، إذا رَفَعَ رَأْسَهُ في سَيْرِهِ، مُثِّلَ بِهِ حالُ المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ عَنِ النُّصْحِ المُعْجَبِ بِما هو فِيهِ بِحالِ البَعِيرِ في نَشاطِهِ.
وقِيلَ السُّمُودُ: الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، والمَعْنى: فَرِحُونَ بِأنْفُسِكم تَتَغَنَّوْنَ بِالأغانِي لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِما تَسْمَعُونَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ.
صفحة ١٦١
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ هَذا الحَدِيثُ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ تُقابِلُوهُ بِالضَّحِكِ والِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ ولا لِأنْ لا يَتُوبَ سامِعُهُ، أيْ لَوْ قابَلْتُمْ بِفِعْلِكم كَلامًا غَيْرَهُ لَكانَ لَكم شُبْهَةٌ في فِعْلِكم، فَأمّا مُقابَلَتُكم هَذا الحَدِيثَ بِما فَعَلْتُمْ فَلا عُذْرَ لَكم فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences