Ibn 'AshurAl‑Qamar · 54:17–26

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:17–26

54:17Page 529

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ لَمّا كانَتْ هَذِهِ النِّذارَةُ بُلِغَتْ بِالقُرْآنِ والمُشْرِكُونَ مُعْرِضُونَ عَنِ اسْتِماعِهِ حارِمِينَ أنْفُسَهم مِن فَوائِدِهِ ذُيِّلَ خَبَرُها بِتَنْوِيهِ شَأْنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ

صفحة ١٨٨

وسَهَّلَهُ لِتَذَكُّرِ الخَلْقِ بِما يَحْتاجُونَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ مِمّا هو هُدًى وإرْشادٌ. وهَذا التَّيْسِيرُ يُنْبِئُ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] تَبْصِرَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِيَزْدادُوا إقْبالًا عَلى مُدارَسَتِهِ وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ عَسى أنْ يَرْعَوُوا عَنْ صُدُودِهِمْ عَنْهُ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِاللّامِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مُراعًى فِيهِ حالُ المُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والتَّيْسِيرُ: إيجادُ اليُسْرِ في شَيْءٍ، مِن فِعْلٍ كَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أوْ قَوْلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] .

واليُسْرُ: السُّهُولَةُ، وعَدَمُ الكُلْفَةِ في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ مِن شَيْءٍ. وإذْ كانَ القُرْآنُ كَلامًا فَمَعْنى تَيْسِيرِهِ يَرْجِعُ إلى تَيْسِيرِ ما يُرادُ مِنَ الكَلامِ وهو فَهْمُ السّامِعِ المَعانِيَ الَّتِي عَناها المُتَكَلِّمُ بِهِ دُونَ كُلْفَةٍ عَلى السّامِعِ ولا إغْلاقٍ كَما يَقُولُونَ: يَدْخُلُ لِلْأُذُنِ بِلا إذْنٍ. وهَذا اليُسْرُ يَحْصُلُ مِن جانِبِ الألْفاظِ وجانِبِ المَعانِي؛ فَأمّا مِن جانِبِ الألْفاظِ فَذَلِكَ بِكَوُنِها في أعْلى دَرَجاتِ فَصاحَةِ الكَلِماتِ وفَصاحَةِ التَّراكِيبِ، أيْ فَصاحَةِ الكَلامِ، وانْتِظامِ مَجْمُوعِها، بِحَيْثُ يَخِفُّ حِفْظُها عَلى الألْسِنَةِ.

وأمّا مِن جانِبِ المَعانِي فَبِوُضُوحِ انْتِزاعِها مِنَ التَّراكِيبِ ووَفْرَةِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ التَّراكِيبُ مِنها مِن مَغازِي الغَرَضِ المَسُوقَةِ هي لَهُ. وبِتَوَلُّدِ مَعانٍ مِن مَعانٍ أُخَرَ كُلَّما كَرَّرَ المُتَدَبِّرُ تَدَبُّرَهُ في فَهْمِها.

ووَسائِلُ ذَلِكَ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُها في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ ومِن أهَمِّها إيجازُ اللَّفْظِ لِيُسْرِعَ تَعَلُّقُهُ بِالحِفْظِ، وإجْمالُ المَدْلُولاتِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُ السّامِعِينَ في انْتِزاعِ المَعانِي مِنها كُلَّ مَذْهَبٍ يَسْمَحُ بِهِ اللَّفْظُ والغَرَضُ والمَقامُ، ومِنها الإطْنابُ بِالبَيانِ إذا كانَ في المَعانِي بَعْضُ الدِّقَّةِ والخَفاءِ.

ويَتَأتّى ذَلِكَ بِتَأْلِيفِ نَظْمِ القُرْآنَ بِلُغَةٍ هي أفْصَحُ لُغاتِ البَشَرِ وأسْمَحُ ألْفاظًا

صفحة ١٨٩

وتَراكِيبَ بِوَفْرَةِ المَعانِي وبِكَوْنِ تَراكِيبِهِ أقْصى ما تَسْمَحُ بِهِ تِلْكَ اللُّغَةُ، فَهو خِيارٌ مِن خِيارٍ مِن خِيارٍ. قالَ تَعالى ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] .

ثُمَّ يَكُونُ المُتَلَقُّونَ لَهُ أُمَّةً هي أذْكى الأُمَمِ عُقُولًا وأسْرَعُها أفْهامًا وأشَدُّها وعْيًا لِما تَسْمَعُهُ، وأطْوَلُها تَذَكُّرًا لَهُ. دُونَ نِسْيانٍ، وهي عَلى تَفاوُتِهِمْ في هَذِهِ الخِلالِ تَفاوُتًا اقْتَضَتْهُ سُنَّةُ الكَوْنِ لا يُناكِدُ حالُهم في هَذا التَّفاوُتِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن تَيْسِيرِهِ لِلذِّكْرِ، لِأنَّ الذِّكْرَ جِنْسٌ مِنَ الأجْناسِ المَقُولِ عَلَيْها بِالتَّشْكِيكِ إلّا أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أصْحابُ الأفْهامِ عَلى مُدارَسَتِهِ وتَدَبُّرِهِ بَدَتْ لِمَجْمُوعِهِمْ مَعانٍ لا يُحْصِيها الواحِدُ مِنهم وحْدَهُ.

وقَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلى عُلَماءِ القُرْآنِ تَبْيِينَهُ تَصْرِيحًا كَقَوْلِهِ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتَعْرِيضًا كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أجْدَرُ بِهَذا المِيثاقِ.

وفِي الحَدِيثِ «ما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» .

واللّامُ في قَوْلِهِ لِلذِّكْرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَسَّرْنا وهي ظَرْفٌ لَغْوٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وهي لامٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ تَعَلَّقَتْ بِهِ فُعِلَ لِانْتِفاعِ مَدْخُولِ هَذِهِ اللّامِ بِهِ فَمَدْخُولُها لا يُرادُ مِنهُ مُجَرَّدُ تَعْلِيلِ فِعْلِ الفاعِلِ كَما هو مَعْنى التَّعْلِيلِ المُجَرَّدِ ومَعْنى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ المُنْتَصِبِ بِإضْمارِ لامِ التَّعْلِيلِ البَسِيطَةِ، ولَكِنْ يُرادُ أنَّ مَدْخُولَ هَذِهِ اللّامِ عِلَّةٌ خاصَّةٌ مُراعاةٌ في تَحْصِيلِ فِعْلِ الفاعِلِ لِفائِدَتِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ مَدْخُولُ هَذِهِ اللّامِ مَفْعُولًا، لِأنَّ المَفْعُولَ لِأجْلِهِ عِلَّةٌ بِالمَعْنى الأعَمِّ ومَدْخُولُ هَذِهِ اللّامِ عِلَّةٌ خاصَّةٌ فالمَفْعُولُ لِأجْلِهِ بِمَنزِلَةِ سَبَبِ الفِعْلِ وهو كَمَدْخُولِ باءِ السَّبَبِيَّةِ في نَحْوِ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، ومَجْرُورُ هَذِهِ اللّامِ بِمَنزِلَةِ مَجْرُورِ باءِ المُلابَسَةِ في نَحْوِ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وهو أيْضًا شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ في بابِ كَسا وأعْطى، فَهَذِهِ اللّامُ مِنَ القِسْمِ الَّذِي سَمّاهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ: شِبْهَ التَّمْلِيكِ. وتَبِعَ في ذَلِكَ ابْنَ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ.

صفحة ١٩٠

وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ تَسْمِيَةُ ابْنِ مالِكٍ إيّاهُ في شَرْحِ كافِيَتِهِ وفي الخُلاصَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. ولَقَدْ أجادَ في ذَلِكَ لِأنَّ مَدْخُولَ هَذا اللّامِ قَدْ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ اللّامُ تَعْدِيَةً مِثْلَ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولِ، وغَفَلَ ابْنُ هِشامٍ عَنْ هَذا التَّدْقِيقِ، وهو المَعْنى الخامِسُ مِن مَعانِي اللّامِ الجارَّةِ في مُغْنِى اللَّبِيبِ وقَدْ مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الشورى: ١١]، ومَثَّلَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ومِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] وقَوْلُهُ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] وقَوْلُهُ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]، ألا تَرى أنَّ مَدْخُولَ اللّامِ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ دالٌّ عَلى المُتَنَفِّعِينَ بِمَفاعِيلِ أفْعالِها فَهم مِثْلُ أوَّلِ المَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسا.

وإنَّما بَسَطْنا القَوْلَ في هَذِهِ اللّامِ لِدِقَّةِ مَعْناها ولِيَتَّضِحَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ .

وأصْلُ مَعانِي لامِ الجَرِّ هو التَّعْلِيلُ وتَنْشَأُ مِنَ اسْتِعْمالِ اللّامِ في التَّعْلِيلِ المَجازِيِّ مَعانٍ شاعَتْ فَساوَتِ الحَقِيقَةَ، فَجَعَلَها النَّحْوِيُّونَ مَعانِيَ مُسْتَقِلَّةً لِقَصْدِ الإيضاحِ.

والذِّكْرُ: مَصْدَرُ ذَكَرَ الَّذِي هو التَّذَكُّرُ العَقْلِيُّ لا اللِّسانِيُّ، والَّذِي يُرادِفُهُ الذُّكْرُ بِضَمِّ الذّالِ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ، فالذِّكْرُ هو تَذْكُّرُ ما في تَذَكُّرِهِ نَفَعٌ ودَفْعُ ضَرٍّ، وهو الِاتِّعاظُ والِاعْتِبارُ.

فَصارَ مَعْنى ﴿يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أنَّ القُرْآنَ سُهِّلَتْ دَلالَتُهُ لِأجْلِ انْتِفاعِ الذِّكْرِ بِذَلِكَ التَّيْسِيرِ، فَجُعِلَتْ سُرْعَةُ تَرْتِيبِ التَّذَكُّرِ عَلى سَماعِ القُرْآنِ بِمَنزِلَةِ مَنفَعَةٍ لِلذِّكْرِ لِأنَّهُ يَشِيعُ ويَرُوجُ بِها كَما يَنْتَفِعُ طالِبُ شَيْءٍ إذا يُسِّرَتْ لَهُ وسائِلُ تَحْصِيلِهِ، وقُرِّبَتْ لَهُ أباعِدُها. فَفي قَوْلِهِ ﴿يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ ولَفْظُ يَسَّرْنا تَخْيِيلٌ. ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلْمُتَذَكِّرِينَ.

وفَرَّعَ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلَهُ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] . والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، إلّا أنَّ بَيْنَ الِادِّكارَيْنِ فَرْقًا دَقِيقًا، فالِادِّكارُ السّالِفُ ادِّكارُ اعْتِبارٍ عَنْ مُشاهَدَةِ آثارِ الأُمَّةِ البائِدَةِ، والِادِّكارُ هُنا ادِّكارٌ عَنْ سَماعِ مَواعِظِ القُرْآنِ البالِغَةِ وفَهْمِ مَعانِيهِ والِاهْتِداءِ بِهِ.

54:18–20Page 529

كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٨

ʿAad denied; and how [severe] were My punishment and warning.

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩

Indeed, We sent upon them a screaming wind on a day of continuous misfortune,

تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ ٢٠

Extracting the people1 as if they were trunks of palm trees uprooted.

صفحة ١٩١

﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْها، وإنَّما فُصِلَتْ عَنْها لِيَكُونَ في الكَلامِ تَكْرِيرُ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ والنَّعْيِ عَلَيْهِمْ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] . ومَقامُ التَّوْبِيخِ والنَّعْيِ يَقْتَضِي التَّكْرِيرَ.

والحُكْمُ عَلى عادٍ بِالتَّكْذِيبِ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ بِناءً عَلى أنَّ مُعْظَمَهم كَذَّبُوهُ وما آمَنَ بِهِ إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ قالَ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [هود: ٥٨] .

وفَرَّعَ عَلى التَّذْكِيرِ بِتَكْذِيبِ عادٍ قَوْلَهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] قَبْلَ أنْ يَذْكُرَ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ اللَّهَ عَذَّبَهم فَضْلًا عَنْ وصْفِ عَذابِهِمْ.

فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ لِلْخَبَرِ الوارِدِ بَعْدَهُ وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ الجَوابِ، والجَوابُ يَتَوَقَّفُ عَلى صِفَةِ العَذابِ وهي لَمّا تُذْكَرُ فَيَحْصُلَ الشَّوْقُ إلى مَعْرِفَتِها وهو أيْضًا مُكَنًّى بِهِ عَنْ تَهْوِيلِ ذَلِكَ العَذابِ.

وفِي هَذا الِاسْتِفْهامِ إجْمالٌ لِحالِ العَذابِ وهو إجْمالٌ يَزِيدُ التَّشْوِيقَ إلى ما يُبَيِّنُهُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآيَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ثُمَّ قَوْلُهُ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الآيَةَ.

وعَطَفَ (ونُذُرِ) عَلى عَذابِي بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، والتَّقْدِيرُ: وعاقِبَةُ نُذُرِي، أيْ إنْذاراتِي لَهم، أيْ كَيْفَ كانَ تَحْقِيقُ الوَعِيدِ الَّذِي أنْذَرَهم.

(ونُذُرِ): جَمْعُ نَذِيرٍ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ كَما تَقَدَّمَ في أوائِلِ السُّورَةِ وقَدْ عَلِمْتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ جُمْلَةَ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِي﴾ [القمر: ١٦] هَذِهِ لَيْسَتْ تَكْرِيرًا لِنَظِيرِها السّابِقِ في خَبَرِ قَوْمِ نُوحٍ، ولا اللّاحِقِ في آخِرِ قِصَّةِ عادٍ لِلِاخْتِلافِ الَّذِي عَلِمْتَهُ بَيْنَ مَفادِها ومَفادِ مُماثِلِها وإنِ اتَّحَدَتْ ألْفاظُهُما.

صفحة ١٩٢

والبَلِيغُ يَتَفَطَّنُ لِلتَّغايُرِ بَيْنَهُما فَيَصْرِفُهُ عَنْ تَوَهُّمِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ تَكْرِيرًا فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَسْبِقْ وصْفُ عَذابِ عادٍ لَمْ يَسْتَقِمْ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ [القمر: ١٦] تَعْجِيبًا مِن حالَةِ عَذابِهِمْ.

وقَوْلُهُ (ونُذُرِ) مَوْعِظَةٌ مِن تَحَقُّقِ وعِيدِ اللَّهِ إيّاهم، وقَدْ أشارَ الفَخْرُ إلى هَذا وقَفَّيْنا عَلَيْهِ بِبَسْطٍ وتَوْجِيهٍ. وأصْلُ السُّؤالِ عَنْ تَكْرِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ أثْناءَ قِصَّةِ عادٍ هُنا أُورِدُهُ في كِتابِ دُرَّةِ التَّنْزِيلِ وغُرَّةِ التَّأْوِيلِ المَنسُوبِ إلى الفَخْرِ وإلى الرّاغِبِ إلّا أنَّ كَلامَ الفَخْرِ بِالتَّفْسِيرِ أجْدَرُ بِالتَّعْوِيلِ مِمّا في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ إلَخْ بَيانٌ لِلْإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] . وهو في صُورَةِ جَوابِ الِاسْتِفْهامِ الصُّورِيِّ. وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ يُفِيدُ تَعْرِيضًا بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ.

وجُمْلَةُ البَيانِ إنَّما اتَّصَفَ حالُ العَذابِ دُونَ حالِ الإنْذارِ، أوْ حالِ رَسُولِهِمْ وهو اكْتِفاءٌ لِأنَّ التَّكْذِيبَ يَتَضَمَّنُ مَجِيءَ نَذِيرٍ إلَيْهِمْ، وفي مَفْعُولِ كَذَّبَتِ المَحْذُوفِ إشْعارٌ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي كَذَّبُوهُ وبَعْثِ الرَّسُولِ وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإنْذارَ لِأنَّهم لَمّا كَذَّبُوهُ حَقَّ عَلَيْهِ إنْذارُهم.

وتَعْدِيَةُ إرْسالِ الرِّيحِ إلى ضَمِيرِهِمْ هي كَإسْنادِ التَّكْذِيبِ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى الغالِبِ وقَدْ أنْجى اللَّهُ هُودًا والَّذِينَ مَعَهُ كَما عَلِمْتَ آنِفًا أوْ هو عائِدٌ إلى المُكَذِّبِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ .

والصَّرْصَرُ: الشَّدِيدَةُ القَوِيَّةُ يَكُونُ لَها صَوْتٌ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

وأُرِيدَ بِ ﴿يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أوَّلُ أيّامِ الرِّيحِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى عادٍ إذْ كانَتْ سَبْعَةَ أيّامٍ إلّا يَوْمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] في سُورَةِ فُصِّلَتْ، وقَوْلِهِ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] في سُورَةِ الحاقَّةِ.

والنَّحْسُ: سُوءُ الحالِ.

وإضافَةُ يَوْمِ إلى نَحْسٍ مِن إضافَةِ الزَّمانِ إلى ما يَقَعُ فِيهِ كَقَوْلِهِمْ يَوْمُ

صفحة ١٩٣

تَحْلاقِ اللِّمَمِ، ويَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ. وإنَّما يُضافُ اليَوْمُ إلى النَّحْسِ بِاعْتِبارِ المَنحُوسِ، فَهو يَوْمُ نَحْسٍ لِلْمُعَذَّبِينَ ويَوْمُ نَصْرٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَصائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ. . ولَيْسَ في الأيّامِ يَوْمٌ يُوصَفُ بِنَحْسٍ أوْ بِسَعْدٍ لِأنَّ كُلَّ يَوْمٍ تَحْدُثُ فِيهِ نُحُوسٌ لِقَوْمٍ وسُعُودٌ لِآخَرِينَ، وما يُرْوى مِن أخْبارٍ في تَعْيِينِ بَعْضِ أيّامِ السَّنَةِ لِلنَّحْسِ هو مِن أغْلاطِ القَصّاصِينَ فَلا يُلْقِي المُسْلِمُ الحَقُّ إلَيْها سَمْعَهُ.

واشْتَهَرَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ التَّشاؤُمُ بِيَوْمِ الأرْبِعاءِ. وأصْلُ ذَلِكَ انْجَرَّ لَهم مِن عَقائِدِ مَجُوسِ الفُرْسِ، ويُسَمُّونَ الأرْبِعاءَ الَّتِي في آخِرِ الشَّهْرِ الأرْبِعاءَ الَّتِي لا تَدُورُ، أيْ لا تَعُودُ، أرادُوا بَهَذا الوَصْفِ ضَبْطَ مَعْنى كَوْنِها آخِرَ الشَّهْرِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ جَمِيعُ النِّصْفِ الأخِيرِ مِنهُ وإلّا فَأيَّةُ مُناسَبَةٍ بَيْنَ عَدَمِ الدَّوَرانِ وبَيْنَ الشُّؤْمِ، وما مِن يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إلّا وهو يَقَعُ في الأُسْبُوعِ الأخِيرِ مِنَ الشَّهْرِ ولا يَدُورُ في ذَلِكَ الشَّهْرِ.

ومِن شِعْرِ بَعْضِ المُوَلَّدِينِ مِنَ الخُراسانِيِّينَ:

لِقاؤُكَ لِلْمُبَكِّرِ فَألُ سُوءٍ ووَجْهُكَ أرْبِعاءٌ لا تَدُورُ

وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

ومُسْتَمِرٍّ: صِفَةُ نَحْسٍ، أيْ نَحْسٍ دائِمٍ عَلَيْهِمْ فَعُلِمَ مِنَ الِاسْتِمْرارِ أنَّهُ أبادَهم إذْ لَوْ نَجَوْا لَما كانَ النَّحْسُ مُسْتَمِرًّا. ولَيْسَ (مُسْتَمِرٍّ) صِفَةً لِيَوْمٍ إذْ لا مَعْنى لِوَصْفِهِ بِالِاسْتِمْرارِ.

والكَلامُ في اشْتِقاقِ مُسْتَمِرٍّ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن مَرَّ الشَّيْءُ قاصِرًا، إذا كانَ مُرًّا، والمَرارَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْكَراهِيَةِ والنَّفْرَةِ فَهو وصْفٌ كاشِفٌ لِأنَّ النَّحْسَ مَكْرُوهٌ.

والنَّزْعُ: الإزالَةُ بِعُنْفٍ لِئَلّا يَبْقى اتِّصالٌ بَيْنَ المُزالِ وبَيْنَ ما كانَ مُتَّصِلًا بِهِ، ومِنهُ نَزْعُ الثِّيابِ.

والأعْجازُ: جَمْعُ عَجُزٍ: وهو أسْفَلُ الشَّيْءِ، وشاعَ إطْلاقُ العَجُزِ عَلى آخِرِ

صفحة ١٩٤

الشَّيْءِ لِأنَّهم يَعْتَبِرُونَ الأجْسامَ مُنْتَصِبَةً عَلى الأرْضِ، فَأُولاها ما كانَ إلى السَّماءِ وآخِرُها ما يَلِي الأرْضَ.

وأُطْلِقَتِ الأعْجازُ هُنا عَلى أُصُولِ النَّخْلِ لِأنَّ أصْلَ الشَّجَرَةِ هو في آخِرِها مِمّا يَلِي الأرْضَ.

وشُبِّهَ النّاسُ المَطْرُوحُونَ عَلى الأرْضِ بِأُصُولِ النَّخِيلِ المَقْطُوعَةِ الَّتِي تُقْلَعُ مِن مَنابِتِها لِمَوْتِها إذْ تَزُولُ فُرُوعُها ويَتَحاتُّ ورَقُها فَلا يَبْقى إلّا الجُذُوعُ الأصْلِيَّةُ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أعْجازًا.

ومُنْقَعِرٍ: اسْمُ فاعِلِ انْقَعَرَ مُطاوِعُ قَعَرَهُ، أيْ بَلَغَ قَعْرَهُ بِالحَفْرِ يُقالُ: قَعَرَ البِئْرَ إذا انْتَهى إلى عُمْقِها، أيْ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ قُعِّرَتْ دَواخِلُهُ وذَلِكَ يَحْصُلُ لِعُودِ النَّخْلِ إذا طالَ مُكْثُهُ مَطْرُوحًا.

ومُنْقَعِرٍ: وصْفُ النَّخْلِ رُوعِيَ في إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ صُورَةُ لَفْظِ نَخْلٍ دُونَ عَدَدِ مَدْلُولِهِ خِلافًا لِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَوْلِهِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] .

قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ سَألَ المُبَرِّدُ بِحَضْرَةِ إسْماعِيلَ القاضِي عَنْ ألْفِ مَسْألَةٍ مِن جُمْلَتِها، قِيلَ لَهُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] و﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] وقَوْلِهِ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ؟ فَقالَ: كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْكَ مِن هَذا البابِ فَإنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ إلى اللَّفْظِ تَذْكِيرًا أوْ إلى المَعْنى تَأْنِيثًا اهـ.

وكَلِمَةُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ، ووَجْهُ الوَصْفِ بِمُنْقَعِرٍ الإشارَةُ إلى أنَّ الرِّيحَ صَرَعَتْهم صَرْعًا تَفَلَّقَتْ مِنهُ بُطُونُهم وتَطايَرَتْ أمْعاؤُهم وأفْئِدَتُهم فَصارُوا جُثَثًا فُرْغًا. وهَذا تَفْظِيعٌ لِحالِهِمْ ومُثْلَةٌ لَهم لِتَخْوِيفِ مَن يَراهم.

54:21Page 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٢١

And how [severe] were My punishment and warning.

صفحة ١٩٥

﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ السّابِقِ عَقِبَ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ لِأنَّ مَقامَ التَّهْوِيلِ والتَّهْدِيدِ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ ما يُفِيدُهُما. وكَيْفَ هُنا اسْتِفْهامٌ عَلى حالَةِ العَذابِ، وهي الحالَةُ المَوْصُوفَةُ في قَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] إلى مُنْقَعِرٍ، والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ.

54:22Page 529

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٢٢

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ السّابِقِ في خَبَرِ قَوْمِ نُوحٍ.

54:23–25Page 529

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ٢٣

Thamūd denied the warning.

فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ ٢٤

And said, "Is it one human being1 among us that we should follow? Indeed, we would then be in error and madness.

أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ ٢٥

Has the message been sent down upon him from among us? Rather, he is an insolent liar."

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بِلُ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ .

القَوْلُ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ كالقَوْلِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ [القمر: ١٨] . وكَذَلِكَ القَوْلُ في إسْنادِ حُكْمِ التَّكْذِيبِ إلى ثَمُودَ وهو اسْمُ القَبِيلَةِ مُعْتَبَرٌ في الغالِبِ الكَثِيرِ. فَإنَّ صالِحًا قَدْ آمَنَ بِهِ نَفَرٌ قَلِيلٌ كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ.

وثَمُودُ: مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ بِاعْتِبارِ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ، أيْ عَلى تَأْوِيلِ الِاسْمِ بِالقَبِيلَةِ.

والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ مَصْدَرِ أنْذَرَ، أيْ كَذَّبُوا بِالإنْذاراتِ الَّتِي أنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِها عَلى لِسانِ رَسُولِهِ. ولَيْسَ النُّذُرُ هُنا بِصالِحٍ لِحَمْلِهِ عَلى جَمْعِ النَّذِيرِ بِمَعْنى المُنْذِرِ، لِأنَّ فِعْلَ التَّكْذِيبِ إذا تَعَدّى إلى الشَّخْصِ المَنسُوبِ إلى الكَذِبِ تَعَدّى إلى اسْمِهِ بِدُونِ حَرْفٍ قالَ تَعالى ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ [سبإ: ٤٥] وقالَ ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان: ٣٧] وقالَ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ [الحج: ٤٢]، وإذا تَعَدّى إلى الكَلامِ المُكَذَّبِ تَعَدّى إلَيْهِ بِالباءِ قالَ ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقالَ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦] وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٤٠] وقالَ

صفحة ١٩٦

كَذَّبُوا بِآياتِنا. وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا إنْذاراتِ رَسُولِهِمْ، أيْ جَحَدُوها ثُمَّ كَذَّبُوا رَسُولَهم، فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ قَوْلَهُ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِالنُّذُرِ جَمْعَ النَّذِيرِ وأُطْلِقَ عَلى نَذِيرِهِمْ لَكانَ وجْهُ النَّظْمِ أنْ تَقَعَ جُمْلَةُ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا﴾ إلى آخِرِها غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ بِالفاءِ، لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ .

والمَعْنى: أنَّ صالِحًا جاءَهم بِالإنْذاراتِ فَجَحَدُوا بِها وكانَتْ شُبْهَتُهم في التَّكْذِيبِ ما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُهم ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ إلى آخِرِهِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جَوابًا عَنْ دَعْوَةٍ وإنْذارٍ، وإنَّما فَصَّلَ تَكْذِيبَ ثَمُودَ وأجْمَلَ تَكْذِيبَ عادٍ لِقَصْدِ بَيانِ المُشابَهَةِ بَيْنَ تَكْذِيبِهِمْ ثَمُودَ وتَكْذِيبِ قُرَيْشٍ إذْ تَشابَهَتْ أقْوالُهم.

والقَوْلُ في انْتِظامِ جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا﴾ إلَخْ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩] .

وهَذا قَوْلٌ قالُوهُ لِرَسُولِهِمْ لَمّا أنْذَرَهم بِالنُّذُرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ كَذَّبَتْ يَوْمَئِذٍ بِمَخْبَرٍ إذِ التَّكْذِيبُ يَقْتَضِي وُجُودَ مُخْبَرٍ. وهو كَلامٌ شافَهُوا بِهِ صالِحًا وهو الَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿أبَشَرًا مِنّا﴾ إلَخْ. وعَدَلُوا عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ.

وانْتَصَبَ أبَشَرًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ (نَتَّبِعُهُ) عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ، وقُدِّمَ لِاتِّصالِهِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّ حَقَّها التَّصْدِيرُ واتَّصَلَتْ بِهِ دُونَ أنْ تَدْخُلَ عَلى نَتَّبِعُ، لِأنَّ مَحَلَّ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ هو كَوْنُ البَشَرِ مَتْبُوعًا لا اتِّباعُهم لَهُ ومِثْلُهُ ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] وهَذا مِن دَقائِقِ مَواقِعِ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ كَما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي.

والِاسْتِفْهامُ هُنا إنْكارِيٌّ، أنْكَرُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلى النّاسِ بَشَرًا مِثْلَهم، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً.

ووَصْفُ (بَشَرًا) بِ (واحِدًا): إمّا بِمَعْنى أنَّهُ مُنْفَرِدٌ في دَعْوَتِهِ لا أتْباعَ لَهُ ولا نُصَراءَ، أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يُخْشى، أيْ بِعَكْسِ قَوْلِ أهْلِ مَدْيَنَ ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] .

صفحة ١٩٧

وإمّا بِمَعْنى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ آحادِ النّاسِ، أيْ لَيْسَ مِن أفْضَلِنا.

وإمّا بِمَعْنى أنَّهُ مُنْفَرِدٌ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ لا سَلَفَ لَهُ فِيها كَقَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ:

قَدْ كُنْتُ أغْنى النّاسِ شَخْصًا واحِدًا سَكَنَ المَدِينَةَ مِن مُزارِعِ فُومِ

يُرِيدُ لا يُناظِرُنِي في ذَلِكَ أحَدٌ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ أنْ يَتَّبِعُوا بَشَرًا مِنهم تَقْدِيرُهُ: أنَتَّبِعُكَ وأنْتَ بَشَرٌ واحِدٌ مِنّا.

وإذًا حَرْفُ جَوابٍ هي رابِطَةُ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها. والضَّلالُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ، أرادُوا: إنّا إذًا مُخْطِئُونَ في أمْرِنا.

والسُّعُرُ: الجُنُونُ، يُقالُ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِها.

وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ السُّعُرَ بِالعَذابِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ سَعِيرٍ. وجُمْلَةُ ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.

وأُلْقِيَ حَقِيقَتُهُ: رُمِيَ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِإنْزالِ الذِّكْرِ مِنَ السَّماءِ قالَ تَعالى ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] .

وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، جَعَلُوا تَلَبُّسَهم بِالضَّلالِ والجُنُونِ كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ.

ومِن بَيْنِنا حالٌ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِ)، أيْ كَيْفَ يُلْقى عَلَيْهِ الذِّكْرُ دُونَنا، يُرِيدُونَ أنَّ فِيهِمْ مَن هو أحَقُّ مِنهُ بِأنْ يُوحى إلَيْهِ حَسَبَ مَدارِكِ عُقُولِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ يَقِيسُونَ الأمْرَ بِمَقايِيسِ قُصُورِ أفْهامِهِمْ ويَحْسَبُونَ أنَّ أسْبابَ الأثَرَةِ في العاداتِ هي أسْبابُها في الحَقائِقِ.

وحَرْفُ مِن في قَوْلِهِ مِن بَيْنِنا بِمَعْنى الفَصْلِ كَما سَمّاهُ ابْنُ مالِكٍ وإنْ أباهُ ابْنُ هِشامٍ أيْ مَفْصُولًا مِن بَيْنِنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .

صفحة ١٩٨

و﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ إضْرابٌ عَنْ ما أنْكَرُوهُ بِقَوْلِهِمْ أؤُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا أيْ لَمْ يَنْزِلِ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ فِيما ادَّعاهُ، بَطِرٌ مُتَكَبِّرٌ.

والأشِرُ بِكَسْرِ الشِّينِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ: اسْمُ فاعِلِ أشِرَ، إذا فَرِحَ وبَطَرَ، والمَعْنى: هو مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ مُدَّعٍ ما لَيْسَ فِيهِ.

54:26Page 529

سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ ٢٦

They will know tomorrow who is the insolent liar.

﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا لِنَذِيرِهِمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] فَإنَّ النُّذُرَ تَقْتَضِي نَذِيرًا بِها وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ آنِفًا ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] كَلامٌ أجابُوا بِهِ نِذارَةَ صالِحٍ إيّاهُمُ المُقَدَّرَةَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣]، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ الكَلامُ أتَمَّ انْتِظامٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ سَيَعْلَمُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ (سَتَعْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ وهي تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ لِصالِحٍ عَلى تَقْدِيرِ: قُلْنا لَهُ: قُلْ لَهم، فَفِيهِ حَذْفُ قَوْلٍ. ويُحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ لَهم بِتَقْدِيرِ: قُلْنا لَهم سَتَعْلَمُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى جَعْلِ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً.

والمُرادُ مِن قَوْلِهِ غَدًا الزَّمَنُ المُسْتَقْبَلُ القَرِيبُ كَقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: إنَّ مَعَ اليَوْمِ غَدًا، أيْ إنَّ مَعَ الزَّمَنِ الحاضِرِ زَمَنًا مُسْتَقْبَلًا. يُقالُ في تَسْلِيَةِ النَّفْسِ مِن ظُلْمِ ظالِمٍ ونَحْوِهِ، وقالَ الطِّرِمّاحُ:

وقَبْلَ غَدٍ يا ويْحَ قَلْبِي مِن غَدٍ إذا راحَ أصْحابِي ولَسْتُ بِرائِحِ

يُرِيدُ يَوْمَ مَوْتِهِ. والمُرادُ بِهِ في الآيَةِ يَوْمُ نُزُولِ عَذابِهِمُ المُسْتَقْرَبِ.

وتَبْيِينُهُ في قَوْلِهِ ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] إلَخْ، أيْ حِينَ يَرَوْنَ المُعْجِزَةَ

صفحة ١٩٩

وتَلُوحُ لَهم بَوارِقُ العَذابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ الكَذّابُونَ الأشِرُونَ لا صالِحَ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في ضَمِيرِ (سَيَعْلَمُونَ) يَكُونُ الغَدُ مُرادًا بِهِ: يَوْمُ انْتِصارِ المُسْلِمِينَ في بَدْرٍ ويَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أيْ سَيَعْلَمُونَ مِنَ الكَذّابُ المُماثِلُ لِلْكَذّابِ في قِصَّةِ ثَمُودَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском