Ibn 'AshurAl‑Qamar · 54:27–42

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:27–42

54:27–29Page 529

إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ ٢٧

Indeed, We are sending the she-camel as trial for them, so watch them and be patient.1

وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ ٢٨

And inform them that the water is shared between them,1 each [day of] drink attended [by turn].

فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ٢٩

But they called their companion,1 and he dared2 and hamstrung [her].

﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المُبَيَّنَةُ (بِفَتْحِ الياءِ) مِنَ الوَعِيدِ وتَقْرِيبِ زَمانِهِ، وإنَّ فِيهِ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ الَّذِي كَذَّبُوهُ.

وضَمِيرُ (لَهم) جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ سَيَعْلَمُونَ بِياءِ الغائِبَةِ، وإمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ (سَتَعْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ فَضَمِيرُ (لَهُمُ) التِفاتٌ.

وإرْسالُ النّاقَةِ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ مُعْجِزَةِ صالِحٍ أنَّهُ أخْرَجَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، وكانَتْ تِلْكَ المُعْجِزَةُ مُقَدِّمَةَ الأسْبابِ الَّتِي عُجِّلَ لَهُمُ العَذابُ لِأجْلِها، فَذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في جُمْلَةِ البَيانِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا.

والإرْسالُ مُسْتَعارٌ لِجَعْلِها آيَةً لِصالِحٍ. وقَدْ عُرِفَ خَلْقُ خَوارِقِ العاداتِ لِتَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِاسْمِ الإرْسالِ في القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] فَشُبِّهَتِ النّاقَةُ بِشاهِدٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ لِتَأْيِيدِ رَسُولِهِ. وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّ في هَذِهِ النّاقَةِ مُعْجِزَةً، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ آيَةً في قَوْلِهِ حِكايَةً عَنْهم وعَنْ صالِحٍ ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] إلَخْ.

وفِتْنَةً لَهم حالٌ مُقَدَّرٌ، أيْ تَفْتِنُهم فِتْنَةً هي مُكابَرَتُهم في دَلالَتِها عَلى صِدْقِ رَسُولِهِمْ، وتَقْدِيرُ مَعْنى الكَلامِ: إنّا مُرَسِلُو النّاقَةِ آيَةً لَكَ وفِتْنَةً لَهم.

صفحة ٢٠٠

وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى المُكَذِّبِينَ مِنهم بِقَرِينَةِ إسْنادِ التَّكْذِيبِ كَما تَقَدَّمَ. واسْمُ الفاعِلِ مِن قَوْلِهِ ﴿مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِقْبالِ مَجازًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾، فَعَدَلَ عَلى أنْ يُقالَ: سَنُرْسِلُ، إلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ الحَقِيقِيَّةِ في الحالِ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الِاسْتِقْبالِ مِن زَمَنِ الحالِ.

والِارْتِقابُ: الِانْتِظارُ، ارْتَقَبَ مِثْلُ: رَقَبَ، وهو أبْلَغُ دَلالَةً مِن رَقَبَ، لِزِيادَةِ المَبْنى فِيهِ.

وعُدِّيَ الِارْتِقابُ إلى ضَمِيرِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَقْتَضِيهِ الكَلامُ، لِأنَّهُ لا يَرْتَقِبُ ذَواتَهم وإنَّما يَرْتَقِبُ أحْوالًا تَحْصُلُ لَهم. وهَذِهِ طَرِيقَةُ إسْنادِ أوْ تَعْلِيقِ المُشْتَقّاتِ الَّتِي مَعانِيها لا تُسْنَدُ إلى الذَّواتِ فَتَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ اخْتِصارًا في الكَلامِ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ المَعْنى. وذَلِكَ مِثْلُ إضافَةِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ إلى الذَّواتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . والمَعْنى: فارْتَقِبْ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الفِتْنَةِ عِنْدَ ظُهُورِ النّاقَةِ.

والِاصْطِبارُ: الصَّبْرُ القَوِيُّ، وهو كالِارْتِقابِ أيْضًا أقْوى دَلالَةً مِنَ الصَّبْرِ، أيِ اصْبِرْ صَبْرًا لا يَعْتَرِيهِ مَلَلٌ ولا ضَجَرٌ، أيِ اصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ولا تَأْيَسْ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (اصْطَبِرْ) لِيَعُمَّ كُلَّ حالٍ تَسْتَدْعِي الضَّجَرَ. والتَّقْدِيرُ: واصْطَبِرْ عَلى أذاهم وعَلى ما تَجِدُهُ في نَفْسِكَ مِنَ انْتِظارِ النَّصْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّ الوَعْدَ بِخَلْقِ آيَةِ النّاقَةِ يَقْتَضِي كَلامًا مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: فَأرْسَلْنا لَهُمُ النّاقَةَ وقُلْنا نَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ والحَذْفِ في قَوْلِهِ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وإنْ كانَ حَرْفُ العَطْفِ مُخْتَلِفًا، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ كَثِيرٌ في إيجازِ القُرْآنِ.

والتَّعْرِيفُ في الماءِ لِلْعَهْدِ، أيْ ماءِ القَرْيَةِ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ، فَإنَّ لِكُلٍّ مَحَلَّةٍ يَنْزِلُها قَوْمٌ ماءً لِسُقْياهم وقالَ تَعالى ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] .

وأخْبَرَ عَنِ الماءِ بِأنَّهُ قِسْمَةٌ. والمُرادُ مَقْسُومٌ فَهو مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ.

صفحة ٢٠١

وضَمِيرُ (بَيْنَهم) عائِدٌ إلى المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ بَعْدَ ذِكْرِ الماءِ إذْ مِنَ المُتَعارَفِ أنَّ الماءَ يَسْتَقِي مِنهُ أهْلُ القَرْيَةِ لِأنْفُسِهِمْ وماشِيَتِهِمْ، ولَمّا ذُكِرَتِ النّاقَةُ عُلِمَ أنَّها لا تَسْتَغْنِي عَنِ الشُّرْبِ فَغَلَبَ ضَمِيرُ العُقَلاءِ عَلى ضَمِيرِ النّاقَةِ الواحِدَةِ، وإذْ لَمْ يَكُنْ لِلنّاقَةِ مالِكٌ خاصٌّ أمَرَ اللَّهُ لَها بِنَوْبَةٍ في الماءِ. وقَدْ جاءَ في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وهَذا مَبْدَأُ الفِتْنَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ النّاقَةَ كانَتْ في يَوْمِ شِرْبِها تَشْرَبُ ماءَ البِئْرِ كُلَّهُ فَشَحُّوا بِذَلِكَ وأضْمَرُوا حَلْدَها عَنِ الماءِ فَأبْلَغَهم صالِحٌ أنَّ اللَّهَ يَنْهاهم عَنْ أنْ يَمَسُّوها بِسُوءٍ.

والمُحْتَضَرُ بِفَتْحِ الضّادِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الحُضُورِ وهو ضِدُّ الغَيْبَةِ. والمَعْنى: مُحْتَضَرٌ عِنْدَهُ فَحُذِفَ المُتَعَلِّقُ لِحُضُورِهِ. وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ رَسُولُهم بِأنْ يُنْبِئَهم بِهِ، أيْ لا يَحْضُرُ القَوْمُ في يَوْمِ شِرْبِ النّاقَةِ، وهي بِإلْهامِ اللَّهِ لا تَحْضُرُ في أيّامِ شِرْبِ القَوْمِ. والشِّرْبُ بِكَسْرِ الشِّينِ: نَوْبَةُ الاِسْتِقاءِ مِنَ الماءِ. فَنادَوْا صاحِبَهُمُ الَّذِي أغْرَوْهُ بِقَتْلِها وهو قُدارُ (بِضَمِّ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ) بْنُ سالِفٍ. ويُعْرَفُ عِنْدَ العَرَبِ بِأحْمَرَ، قالَ زُهَيْرٌ:

فَتُنْتِجْ لَكم غِلْمانَ أشْأمَ كُلَّهم كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ

يُرِيدُ أحْمَرَ ثَمُودَ لِأَّنَ ثَمُودَ إخْوَةُ عادٍ ولَمْ أقِفْ عَلى سَبَبِ وصْفِهِ بِأحْمَرَ وأحْسَبُ أنَّهُ لِبَياضِ وجْهِهِ. وفي ”الحَدِيثِ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ“، وكانَ قُدارٌ مِن سادَتِهِمْ وأهْلِ العِزَّةِ مِنهم، وشَبَّهَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِأبِي زَمْعَةَ يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ في قَوْلِهِ فانْتُدِبَ لَها رَجُلٌ ذُو مَنَعَةٍ في قَوْمِهِ كَأبِي زَمْعَةَ أيْ فَأجابَ نِداءَهم فَرَماها بِنَبْلٍ فَقَتَلَها.

وعَبَّرَ بِصاحِبِهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم راضُونَ بِفِعْلِهِ إذْ هم مُصاحِبُونَ لَهُ ومُمالِئُونَ.

ونِداؤُهم إيّاهُ نِداءُ الإغْراءِ بِالنّاقَةِ، وإنَّما نادَوْهُ لِأنَّهُ مُشْتَهِرٌ بِالإقْدامِ وقِلَّةِ المُبالاةِ لِعِزَّتِهِ.

وتَعاطى مُطاوِعُ عاطاهُ وهو مُشْتَقٌّ مِن: عَطا يَعْطُو، إذا تَناوَلَ. وصِيغَةُ تَفاعَلَ تَقْتَضِي تَعَدُّدَ الفاعِلِ، شُبِّهَ تَخَوُّفُ القَوْمِ مَن قَتْلِها لِما أنْذَرَهم بِهِ رَسُولُهم مِنَ

صفحة ٢٠٢

الوَعِيدِ وتَرَدُّدُهم في الإقْدامِ عَلى قَتْلِها بِالمُعاطاةِ، فَكُلُّ واحِدٍ حِينَ يُحْجِمُ عَنْ مُباشَرَةِ ذَلِكَ ويُشِيرُ بِغَيْرِهِ كَأنَّهُ يُعْطِي ما بِيَدِهِ إلى يَدِ غَيْرِهِ حَتّى أخَذَهُ قُدارٌ.

وعَطَفَ (فَعَقَرَ) بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ إتْيانِهِ ما دَعَوْهُ لِأجْلِهِ.

والعَقْلُ: أصْلُهُ ضَرْبُ البَعِيرِ بِالسَّيْفِ عَلى عَراقِيبِهِ لِيَسْقُطَ إلى الأرْضِ جاثِيًا فَيَتَمَكَّنَّ النّاحِرُ مِن نَحْرِهِ، قالَ أبُو طالِبٍ:

ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سَمائُها ∗∗∗ إذا عَدِمُوا زادًا فَإنَّكَ عاقِرُ

وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى قَتْلِ البَعِيرِ كَما هُنا إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ عَقَرَها بَلْ قَتَلَها بِنَبْلِهِ.

54:30Page 530

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٠

And how [severe] were My punishment and warning.

﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ .

القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ الواقِعِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ فَلَيْسَ هو تَكْرِيرًا ولَكِنَّهُ خاصٌّ بِهَذِهِ القِصَّةِ.

54:31Page 530

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ ٣١

Indeed, We sent upon them one shriek [i.e., blast from the sky], and they became like the dry twig fragments of an [animal] pen.

﴿إنّا أرْسَلَنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] فَهو مِثْلُ مَوْقِعِ قَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] في قِصَّةِ عادٍ كَما تَقَدَّمَ.

والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِالطّاغِيَةِ في سُورَةِ الحاقَّةِ، وفي سُورَةِ الأعْرافِ بِالرَّجْفَةِ، وهي صاعِقَةٌ عَظِيمَةٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ أهْلَكَتْهم، ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِواحِدَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها خارِقَةٌ لِلْعادَةِ إذْ أتَتْ عَلى قَبِيلَةٍ كامِلَةٍ وهم أصْحابُ الحِجْرِ.

وكانُوا بِمَعْنى: صارُوا، وتَجِيءُ كانَ بِمَعْنى صارَ حِينَ يُرادُ بِها كَوْنٌ مُتَحَدِّدٌ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ.

صفحة ٢٠٣

والهَشِيمُ: ما يَبِسَ وجَفَّ مِنَ الكَلَأِ ومِنَ الشَّجَرِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الهَشْمِ وهو الكَسْرُ، لِأنَّ اليابِسَ مِن ذَلِكَ يَصِيرُ سَرِيعَ الِانْكِسارِ. والمُرادُ هُنا شَيْءٌ خاصٌّ مِنهُ وهو ما جَفَّ مِن أغْصانِ العِضاةِ والشَّوْكِ وعَظِيمِ الكَلَأِ كانُوا يَتَّخِذُونَ مِنهُ حَظائِرَ لِحِفْظِ أغْنامِهِمْ مِنَ الرِّيحِ والعادِيَةِ ولِذَلِكَ أُضِيفَ الهَشِيمُ إلى المُحْتَظِرِ. وهو بِكَسْرِ الظّاءِ المُعْجَمَةِ: الَّذِي يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ ويَبْنِيها، وذَلِكَ بِأنَّهُ يَجْمَعُ الهَشِيمَ ويُلْقِيهِ عَلى الأرْضِ لِيَرْصِفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سِياجًا لِحَظِيرَتِهِ، فالمُشَبَّهُ بِهِ هو الهَشِيمُ المَجْمُوعُ في الأرْضِ قَبْلَ أنْ يُسَيَّجَ ولِذَلِكَ قالَ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ولَمْ يَقُلْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالتَّشْبِيهِ حالَتُهُ قَبْلَ أنْ يُرْصَفَ ويُصَفَّفَ وقَبْلَ أنْ تُتَّخَذَ مِنهُ الحَظِيرَةُ.

والمُحْتَظِرِ: مُفْتَعِلٌ مِنَ الحَظِيرَةِ، أيْ مُتَكَلِّفُ عَمَلِ الحَظِيرَةِ.

والقَوْلُ في تَعْدِيَةِ أرْسَلَنا إلى ضَمِيرِ ثَمُودَ كالقَوْلِ في ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] .

54:32Page 530

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٣٢

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ تَكْرِيرٌ ثانٍ بَعْدَ نَظِيرَيْهِ السّالِفَيْنِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ وقِصَّةِ عادٍ تَذْيِيلًا لِهَذِهِ القِصَّةِ كَما ذُيِّلَتْ بِنَظِيرَيْهِ القِصَّتانِ السّالِفَتانِ، اقْتَضى التَّكْرِيرَ مَقامُ الاِمْتِنانِ والحَثِّ عَلى التَّدَبُّرِ بِالقُرْآنِ، لِأنَّ التَّدَبُّرَ فِيهِ يَأْتِي بِتَجَنُّبِ الضَّلالِ ويُرْشِدُ إلى مَسالِكِ الِاهْتِداءِ. فَهَذا أهَمُّ مِن تَكْرِيرِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] فَلِذَلِكَ أُوثِرَ.

54:33–35Page 530

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ ٣٣

The people of Lot denied the warning.

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤

Indeed, We sent upon them a storm of stones, except the family of Lot - We saved them before dawn.

نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ ٣٥

As favor from Us. Thus do We reward he who is grateful.

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ .

القَوْلُ في مُفْرَداتِهِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ، وقِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها.

صفحة ٢٠٤

وعَرَّفَ قَوْمَ لُوطٍ بِالإضافَةِ إلَيْهِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الأُمَّةِ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ عِنْدَ العَرَبِ.

ولَمْ يُحْكَ هُنا ما تَلَقّى بِهِ قَوْمُ لُوطٍ دَعْوَةَ لُوطٍ كَما حُكِيَ في القِصَصِ الثَّلاثِ قَبْلَ هَذِهِ، وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ وفي سُورَةِ الحِجْرِ، لِأنَّ سُورَةَ القَمَرِ بُنِيَتْ عَلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ الِاتِّعاظِ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي شاهَدُوها وآثارِ آياتِهِ عَلى الأُمَمِ الماضِيَةِ الَّتِي عَلِمُوا أخْبارَها وشَهِدُوا آثارَها، فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُقْتَضٍ لِتَفْصِيلِ أقْوالِ تِلْكَ الأُمَمِ إلّا ما كانَ مِنها مُشابِهًا لِأقْوالِ المُشْرِكِينَ في تَفْصِيلِهِ ولَمْ تَكُنْ أقْوالُ قَوْمِ لُوطٍ بِتِلْكَ المَثابَةِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ فِيها عَلى حِكايَةِ ما هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ وهو تَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ وإعْراضُهم عَنْ نُذُرِهِ. والنُّذُرُ تَقَدَّمَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الإخْبارِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِالنُّذُرِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ .

والحاصِبُ: الرِّيحُ الَّتِي تَحْصِبُ، أيْ تَرْمِي بِالحَصْباءِ تَرْفَعُها مِنَ الأرْضِ لِقُوَّتِها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

والِاسْتِثْناءُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّ آلَ لُوطٍ مِن جُمْلَةِ قَوْمِهِ.

وآلُ لُوطٍ: قَرابَتُهُ وهم بَناتُهُ، ولُوطٌ داخِلٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى. وقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ أُخْرى أنَّ زَوْجَةَ لُوطٍ لَمْ يُنَجِّها اللَّهُ ولَمْ يُذْكُرْ ذَلِكَ هُنا اكْتِفاءً بِمَواقِعِ ذِكْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ لا يُعَدُّ مِن آلِهِ، كَما قالَ ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] .

وذَكَرَ بِسَحَرٍ، أيْ في وقْتِ السَّحَرِ لِلْإشارَةِ إلى إنْجائِهِمْ قُبَيْلَ حُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِمْ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] .

وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ إنْعامًا مِنّا.

صفحة ٢٠٥

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ بِاعْتِبارِ ما مَعَها مِنَ الحالِ، أيْ إنْعامًا لِأجْلِ أنَّهُ شَكَرَ، فَفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إهْلاكَ غَيْرِهِمْ لِأنَّهم كَفَرُوا، وهَذا تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ وبِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وفِي قَوْلِهِ مِن عِنْدِنا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ هَذِهِ النِّعْمَةِ لِأنَّ ظَرْفَ (عِنْدَ) يَدُلُّ عَلى الِادِّخارِ والِاسْتِئْثارِ مِثْلُ (لَدُنْ) في قَوْلِهِ مِن لَدُنّا. فَذَلِكَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: نِعْمَةٌ مِنّا أوْ أنْعَمْنا.

54:36Page 530

وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦

And he had already warned them of Our assault, but they disputed the warning.

﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتُمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] .

وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ يُقْصَدُ مِنهُ تَأْكِيدُ الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ وهو مَوْعِظَةُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ أنْذَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتُمارَوْا بِالنُّذُرِ.

والبَطْشَةُ: المَرَّةُ مِنَ البَطْشِ، وهو الأخْذُ بِعُنْفٍ لِعِقابٍ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] في آخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإهْلاكِ السَّرِيعِ مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ [الدخان: ١٦] في سُورَةِ الدُّخانِ.

والتَّمّارِي: تَفاعُلٌ مِنَ المِراءِ وهو الشَّكُّ. وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ. وضَمَّنَ تَمارَوْا مَعْنى: كَذَّبُوا فَعُدِّيَ بِالباءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] في سُورَةِ النَّجْمِ.

54:37Page 530

وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧

And they had demanded from him his guests, but We obliterated their eyes, [saying], "Taste My punishment and warning."

﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ إجْمالٌ لِما ذْكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ في قِصَّةٍ قَوْمِ لُوطٍ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَرامَ قَوْمُهُ الفاحِشَةَ بِهِمْ وعَجَزَ لُوطٌ عَنْ دَفْعِ قَوْمِهِ إذِ اقْتَحَمُوا بَيْتَهُ وأنَّ اللَّهَ أعْمى أعْيُنَهم فَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يَدْخُلُونَ.

صفحة ٢٠٦

والمُراوَدَةُ: مُحاوَلَةُ رِضى الكارِهِ شَيْئًا بِقَبُولِ ما كَرِهَهُ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن رادَ يَرُودُ رَوْدًا، إذا ذَهَبَ ورَجَعَ في أمْرٍ، مُثِّلَتْ هَيْئَةُ مَن يُكَرِّرُ المُراجَعَةَ والمُحاوَلَةَ بِهَيْئَةِ المُنْصَرِفِ ثُمَّ الرّاجِعِ. وضَمَّنَ راوَدُوهُ مَعْنى دَفَعُوهُ وصَرَفُوهُ فَعُدِّيَ بِ عَنْ.

وأسْنَدَ المُراوَدَةَ إلى ضَمِيرِ قَوْمِ لُوطٍ وإنْ كانَ المُراوِدُونَ نَفَرًا مِنهم لِأنَّ ما راوَدُوا عَلَيْهِ هو رادٌّ جَمِيعَ القَوْمِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعْيِينِ مَن يَفْعَلُهُ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿عَنْ ضَيْفِهِ﴾ بِفِعْلِ راوَدُوهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِن ضُيُوفِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ لِلنَّفَرِ الَّذِينَ طَمَسْنا أعْيُنَهم ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ وهو العَمى، أيْ ألْقى اللَّهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّ ذَلِكَ عِقابٌ لَهم.

واسْتَعْمَلَ الذَّوْقَ في الإحْساسِ بُالعَذابِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ التَّقْيِيدِ في الإحْساسِ.

وعَطَفَ النُّذُرَ عَلى العَذابِ بِاعْتِبارِ أنَّ العَذابَ تَصْدِيقٌ لِلنُّذُرِ، أيْ ذُوقُوا مِصْداقَ نُذُرِي، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (ذُوقُوا) إلى (نُذُرِي) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ وآثارَ نُذُرِي.

والقَوْلُ في تَأْكِيدِهِ بِلامِ القَسَمِ تَقَدَّمَ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ ونُذُرِ تَخْفِيفًا.

54:38Page 530

وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨

And there came upon them by morning an abiding punishment.

﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ القَوْلُ في تَأْكِيدِهِ بِلامِ القَسَمِ تَقَدَّمَ آنِفًا في نَظِيرِهِ.

والبُكْرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ وهو وقْتُ الصُّبْحِ، وقَدْ جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى قَوْلُهُ

صفحة ٢٠٧

﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، فَذَكَرَ (بُكْرَةً) لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم.

والتَّصْبِيحُ: الكَوْنُ في زَمَنِ الصَّباحِ وهو أوَّلُ النَّهارِ.

والمُسْتَقِرُّ: الثّابِتُ الدّائِمُ الَّذِي يَجْرِي عَلى قُوَّةٍ واحِدَةٍ لا يُقْلِعُ حَتّى اسْتَأْصَلَهم.

والعَذابُ: هو الخَسْفُ ومَطَرُ الحِجارَةِ وهو مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ.

54:39Page 530

فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٩

So taste My punishment and warning.

﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَفْرِيعُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خُوطِبُوا بِهِ مُرادٌ بِهِ التَّوْبِيخَ؛ إمّا بِأنْ أُلْقِيَ في رَوْعِهِمْ عِنْدَ حُلُولِ العَذابِ، بِأنْ ألْقى اللَّهُ في أسْماعِهِمْ صَوْتًا.

والخِطابُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ أصابَهُمُ العَذابُ المُسْتَقِرُّ، وبِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَكْرِيرًا. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ ونُذُرِ تَخْفِيفًا.

والقَوْلُ في اسْتِعْمالِ الذَّوْقِ هُنا كالذَّوْقِ في سابِقِهِ.

وفائِدَةُ الإعْلامِ بِما قِيلَ لَهم مِن قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] في المَوْضِعَيْنِ أنْ يَتَجَدَّدَ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَإٍ مِن ذَلِكَ ادِّكارٌ لَهم واتِّعاظٌ وإيقاظٌ اسْتِيفاءً لِحَقِّ التَّذْكِيرِ القُرْآنِيِّ.

54:40Page 530

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ .

تَكْرِيرٌ ثالِثٌ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ القُرْآنِ لِلْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في المَواضِعِ الَّتِي كَرَّرَ فِيها نَظِيرَهُ وما يُقارِبَهُ وخاصَّةً في نَظِيرِهِ المُوالِي هو لَهُ. ولَمْ يَذْكُرْ هُنا ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٠] اكْتِفاءً بِحِكايَةِ التَّنْكِيلِ لِقَوْمِ لُوطٍ في التَّعْرِيضِ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ.

54:41–42Page 530

وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١

And there certainly came to the people of Pharaoh warning.

كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢

They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.

صفحة ٢٠٨

﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .

لَمّا كانَتْ دَعْوَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ مُوَجَّهَةٍ إلى أُمَّةِ القِبْطِ، وغَيْرَ مُرادٍ مِنها التَّشْرِيعَ لَهم. ولَكِنَّها مُوَجَّهَةٌ إلى فِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلَتِهِ الَّذِينَ بِأيْدِيهِمْ تَسِيرُ أُمُورُ المَمْلَكَةِ الفِرْعَوْنِيَّةِ، لِيَسْمَحُوا بِإطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الاِسْتِعْبادِ، ويُمَكِّنُوهم مِنَ الخُرُوجِ مَعَ مُوسى خَصَّ بِالنُّذُرِ هَنا آلَ فِرْعَوْنَ، أيْ فِرْعَوْنَ وآلِهِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِمْ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَسْتَأْثِرْ بِرَدِّ دَعْوَةِ مُوسى بَلْ قالَ لِمَن حَوْلَهُ: ﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] وقالَ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] وقالُوا ﴿أرْجِهْ وأخاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] الآيَةَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أُسْلُوبُ الإخْبارِ عَنْ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مُماثِلًا لِأُسْلُوبِ الإخْبارِ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ إذْ صَدَرَ الإخْبارُ عَنْ أُولَئِكَ بِجُمْلَةِ كَذَّبَتْ، وخُولِفَ في الإخْبارِ عَنْ فِرْعَوْنَ فَصَدَرَ بِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ وإنْ كانَ مَآلُ هَذِهِ الأخْبارِ الخَمْسَةِ مُتَماثِلًا.

والآلُ: القَرابَةُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مَن لَهُ شِدَّةُ اتِّصالٍ بِالشَّخْصِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] . وكانَ المُلُوكُ الأقْدَمُونَ يَنُوطُونَ وِزارَتَهم ومُشاوَرَتَهم بِقَرابَتِهِمْ لِأنَّهم يَأْمَنُونَ كَيْدَهم.

والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ. ووَجْهُ جَمْعِهِ أنَّ مُوسى كَرَّرَ إنْذارَهم.

والقَوْلُ في تَأْكِيدِ الخَبَرِ بِالقَسَمِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ.

وإسْنادُ التَّكْذِيبِ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ وإلّا فَقَدْ آمَنَ مِنهم رَجُلٌ واحِدٌ كَما في سُورَةِ غافِرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ لِأنَّ مَجِيءَ النُّذُرِ إلَيْهِمْ مُلابِسٌ لِلْآياتِ، وظُهُورُ الآياتِ مُقارِنٌ لِتَكْذِيبِهِمْ بِها فَمَجِيءُ النُّذُرِ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّكْذِيبِ لِأنَّهُ مُقارِنُ مُقارِنِهِ.

وقَوْلُهُ بِآياتِنا إشارَةٌ إلى آياتِ مُوسى المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى

صفحة ٢٠٩

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] وهي تِسْعُ آياتٍ مِنها الخَمْسُ المَذْكُورَةُ في آيَةِ الأعْرافِ والأرْبَعُ الأُخَرُ، هي: انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وظُهُورُ يَدِهِ بَيْضاءَ، وسِنُو القَحْطِ، وانْفِلاقُ البَحْرِ بِمَرْأى مِن فِرْعَوْنَ وآلِهِ، ولَمْ يَنْجَعْ ذَلِكَ في تَصْمِيمِهِمْ عَلى اللَّحاقِ بِبَنِي إسْرائِيلَ.

وتَأْكِيدُ (آياتِنا) بِ كُلِّها إشارَةٌ إلى كَثْرَتِها وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنها. وتَكْذِيبُهم بِآيَةِ انْفِلاقِ البَحْرِ تَكْذِيبٌ فِعْلِيٌّ لِأنَّ مُوسى لَمْ يَتَحَدَّهم بِتِلْكَ الآيَةِ وقَوْمُ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأوْا تِلْكَ الآيَةَ عَدُّوها سِحْرًا وتَوَهَّمُوا البَحْرَ أرْضًا فَلَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الآيَةِ.

والأخْذُ: مُسْتَعارٌ لِلِانْتِقامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] في سُورَةِ النَّحْلِ.

وهَذا الأخْذُ: هو إغْراقُ فِرْعَوْنَ ورِجالِ دَوْلَتِهِ وجُنْدِهِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِنُصْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ في الأعْرافِ.

وانْتَصَبَ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الأخْذِ بِأفْظَعِ ما هو مَعْرُوفٌ لِلْمُخاطَبِينَ مِن أخْذِ المُلُوكِ والجَبابِرَةِ.

والعَزِيزُ: الَّذِي لا يُغْلَبُ. والمُقْتَدِرُ: الَّذِي لا يَعْجِزُ.

وأُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ أخْذٌ لَمْ يُبْقِ عَلى العَدُوِّ أيْ إبْقاءٍ بِحَيْثُ قَطَعَ دابِرَ فِرْعَوْنَ وآلِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском