Ibn 'AshurAl‑Qamar · 54:43–49

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:43–49

54:43Page 530

أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣

Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?

﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالنَّتِيجَةِ لِحاصِلِ القَصَصِ عَنِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَمَن ذُكِرَ بَعْدَهم ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.

وقَدْ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ مِن كَوْنِهِ مُوَجَّهًا لِلرَّسُولِ ﷺ إلى تَوْجِيهِهِ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَنْتَقِلَ عَنِ التَّعْرِيضِ إلى التَّصْرِيحِ اعْتِناءً بِمَقامِ الإنْذارِ والإبْلاغِ.

والاِسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى

صفحة ٢١٠

حَقِيقَتِهِ، ويَكُونُ مِنَ المُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ الَّذِي سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ سَوْقَ المَعْلُومِ مَساقَ غَيْرِهِ وسَمّاهُ أهْلُ الأدَبِ مِن قَبْلِهِ بِ (تَجاهُلِ العارِفِ) . وعَدَلَ السَّكّاكِيُّ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ وقالَ لِوُقُوعِهِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] وهو هُنا لِلتَّوْبِيخِ كَما في قَوْلِ لَيْلى ابْنَةِ طَرِيفٍ الخارِجِيَّةِ تَرْثِي أخاها الوَلِيدَ بْنَ طَرِيفٍ الشَّيْبانِيَّ:

أيا شَجَرَ الخابُورِ مالَكَ مُورِقًا كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَرِيفِ

الشّاهِدُ في قَوْلِها: كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ إلَخْ.

والتَّوْبِيخُ عَلى تَخْطِئَتِهِمْ في عَدَمِ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِأمْثالِهِمْ حَتّى كَأنَّهم يَحْسَبُونَ كُفّارَهم خَيْرًا مِنَ الكُفّارِ الماضِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْ قِصَصِهِمْ، أيْ لَيْسَ لَهم خاصِّيَّةٌ تَرْبَأُ بِهِمْ عَنْ أنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ الكُفّارَ الماضِينَ. والمَعْنى: إنَّكم في عَدَمِ اكْتِراثِكم بِالمَوْعِظَةِ بِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ السّابِقَيْنِ لا تَخْلَوْنَ عَنْ أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ الَّذِي طَمْأنَكم مِن أنْ يُصِيبَكم مِثْلَما أصابَهم.

وأمْ لِلْإضْرابِ الاِنْتِقالِيِّ. وما يُقَدَّرُ بَعْدَها مِنِ اسْتِفْهامٍ مُسْتَعْمَلٍ في الإنْكارِ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ ما لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ حَتّى تَكُونُوا آمَنِينَ مِنَ العِقابِ.

وضَمِيرُ كُفّارِكم لِأهْلِ مَكَّةَ وهم أنْفُسُهُمُ الكُفّارُ، فَإضافَةُ لَفْظِ كُفّارٍ إلى ضَمِيرِهِمْ إضافَةً بَيانِيَّةً لِأنَّ المُضافَ صِنْفٌ مِن جِنْسِ مَن أُضِيفَ هو إلَيْهِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ (مِنِ) البَيانِيَّةِ. والمَعْنى: الكُفّارُ مِنكم خَيْرٌ مِنَ الكُفّارِ السّالِفِينَ. أيْ أأنْتُمُ الكُفّارُ خَيْرٌ مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ.

والمُرادُ بِالأخْيَرِيَّةِ انْتِفاءُ الكُفْرِ، أيْ: خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ الاِنْتِقامُ الإلَهِيُّ وادِّعاءُ فارِقَ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ.

والبَراءَةُ: الخَلاصُ والسَّلامَةُ مِمّا يَضُرُّ أوْ يَشُقُّ أوْ يُكَلِّفُ كُلْفَةً. والمُرادُ هُنا: الخَلاصُ مِنَ المُؤاخَذَةِ والمُعاقَبَةِ.

والزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، وهو الكِتابُ، وزَبُورٌ بِمَعْنى مَزْبُورٍ، أيْ (بَراءَةٌ) كُتِبَتْ في كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ.

صفحة ٢١١

والمَعْنى: ألَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ أنَّ كُفّارَكم لا يَنالُهُمُ العِقابُ الَّذِي نالَ أمْثالَهم مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ.

و(في الزُّبُرِ) صِفَةُ (بَراءَةً)، أيْ: كائِنَةٌ في الزُّبُرِ، أيْ: مَكْتُوبَةٌ في صَحائِفِ الكُتُبِ.

وأفادَ هَذا الكِتابُ تَرْدِيدَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: إمّا الاِتِّصافُ بِالخَيْرِ الإلَهِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وإمّا المُسامَحَةُ والعَفْوُ عَمّا يَقْتَرِفُهُ المَرْءُ مِنَ السَّيِّئاتِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» .

والمَعْنى: انْتِفاءُ كِلا الأمْرَيْنِ عَنِ المُخاطَبِينَ فَلا مَأْمَنَ لَهم مِن حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ كَما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ.

والآيَةُ تُؤْذِنُ بِارْتِقابِ عَذابٍ يَنالُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ، وذَلِكَ عَذابُ الجُوعِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] كَما تَقَدَّمَ، وعَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] .

54:44–45Page 530

أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤

Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?

سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥

[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1

﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ لِإضْرابٍ انْتِقالِيٍّ. والاِسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ أمْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ، فَإنْ كانُوا قَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فَظاهِرٌ، وإنْ كانُوا لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ فَهو إنْباءٌ بِأنَّهم سَيَقُولُونَهُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. ومَعْناهُ: أنَّ هَذا نَزَلَ قَبْلَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ إنْذارٌ بِهَزِيمَتِهِمْ، يَوْمَ بَدْرٍ هو مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ نُزُولِ الآيَةِ لِوُجُودِ عَلامَةِ الاِسْتِقْبالِ.

صفحة ٢١٢

وغَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ المُوَجَّهِ إلى المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ﴾ [القمر: ٤٣] إلَخْ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ رُجُوعًا إلى الأُسْلُوبِ الجارِي مِن أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر: ٢] بَعْدَ أنْ قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] .

والكَّلامُ بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَعْرِيضٌ بِالنِّذارَةِ لِلْمُشْرِكِينَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تُحَدِّثُهم نُفُوسُهم بِذَلِكَ وأنَّهم لا يَحْسَبُونَ حالَهم وحالَ الأُمَمِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ قِصَصُها مُتَساوِيَةً، أيْ نَحْنُ مُنْتَصِرُونَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ لَيْسَ رَسُولَ اللَّهِ فَلا يُؤَيِّدُهُ اللَّهُ.

و(جَمِيعٌ) اسْمٌ لِلجَّماعَةِ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، ولَيْسَ هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، ونَظِيرُهُ ما وقَعَ في خَبَرِ عُمَرَ وعَلِيٍّ وعَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في قَضِيَّةِ ما تَرَكَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن أرْضِ فَدَكَ. قالَ لَهُما: ثُمَّ جِئْتُمانِي وأمْرُكُما جَمِيعٌ وكَلِمَتُكُما واحِدَةٌ، وقَوْلُ لَبِيدٍ:

عَرِيَتْ وكانَ بِها الجَمِيعُ فَأبْكَرُوا مِنها وغُودِرَ نُؤْيُها وثُمامُها

والمَعْنى: بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّهم يُغالِبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ وأنَّهم غالِبُونَ لِأنَّهم جَمِيعٌ لا يُغْلَبُونَ.

ومُنْتَصِرٌ: وصْفُ جَمِيعٍ. جاءَ بِالإفْرادِ مُراعاةً لِلَفْظِ جَمِيعٍ وإنْ كانَ مَعْناهُ مُتَعَدِّدًا.

وتَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا هو ظَنُّهم واغْتِرارُهم، وقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ نَنْتَصِرُ اليَوْمَ مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ. فَإذا صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الآيَةُ مِنَ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِالإخْبارِ بِالغَيْبِ.

ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ هَذا الغُرُورَ بِأنْفُسِهِمْ وهَذا الاِسْتِخْفافُ بِالنَّبِيءِ ﷺ وأتْباعِهِ لِيَشْغِلَهم عَنْ مُقاوَمَتِهِ بِاليَدِّ ويُقْصِرَهم عَلى تَطاوُلِهِمْ عَلَيْهِ بِالألْسِنَةِ حَتّى تَكْثُرَ أتْباعُهُ وحَتّى يَتَمَكَّنَ مِنَ الهِجْرَةِ والاِنْتِصارِ بِأنْصارِ اللَّهِ.

صفحة ٢١٣

فَقَوْلُهُ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبِلَها. وهَذا بِشارَةٌ لِرَسُولِهِ ﷺ بِذَلِكَ وهو يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ مُنْجَزُ وعْدِهِ ولا يَزِيدُ ذَلِكَ الكافِرِينَ إلّا غُرُورًا فَلا يُعِيرُوهُ جانِبَ اهْتِمامِهِمْ وأخْذَ العُدَّةِ لِمُقاوَمَتِهِ كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] .

والتَّعْرِيفُ في الجَمْعِ أيِ الجَمْعِ المَعْهُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ والمَعْنى: سَيُهْزَمُ جَمْعُهم. وهَذا مَعْنى قَوْلِ النُّحاةِ: اللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ.

والهَزْمُ: الغَلْبُ، والسِّينُ لِتَقْرِيبِ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] . وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ الهازِمَ المُسْلِمُونَ.

ويُوَلُّونَ: يَجْعَلُونَ غَيْرَهم يَلِيَ، فَهو يَتَعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ هُنا لِلْاِسْتِغْناءِ عَنْهُ إذِ الغَرَضُ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم إذا جاءَ الوَغى يَفِرُّونَ ويُوَلُّونَكُمُ الأدْبارَ.

والدُّبُرُ: الظَّهْرُ، وهو ما أدْبَرَ، أيْ كانَ وراءً، وعَكْسُهُ القُبُلُ.

والآيَةُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ هُزِمُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ووَلَّوُا الأدْبارَ يَوْمَئِذٍ، ووَلَّوُا الأدْبارَ في جَمْعٍ آخَرَ وهو جَمْعُ الأحْزابِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ فَفَرُّوا بِلَيْلٍ كَما مَضى في سُورَةِ الأحْزابِ وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا خَرَجَ لِصَفِّ القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ تَلا هَذِهِ الآيَةَ قَبْلَ القِتالِ، إيماءً إلى تَحْقِيقِ وعْدِ اللَّهِ بِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا.

وأفْرَدَ الدُّبُرَ، والمُرادُ الجَمْعُ لِأنَّهُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالمُتَعَدِّدِ، أيْ يُوَلِّي كُلُّ أحَدٍ مِنهم دُبُرَهُ، وذَلِكَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ ومُزاوَجَةُ القَرائِنِ، عَلى أنَّ انْهِزامَ الجَمْعِ انْهِزامَةً واحِدَةً ولِذَلِكَ الجَيْشِ جِهَةُ تَوَلٍّ واحِدَةٌ، وهَذا الهَزْمُ وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ.

رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ جَعَلْتُ أقُولُ: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ النَّبِيءَ ﷺ

صفحة ٢١٤

يَثِبُ في الدِّرْعِ، ويَقُولُ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ»﴾ اهـ، أيْ لَمْ يَتَبَيَّنُ لَهُ المُرادُ بِالجَمْعِ الَّذِي سَيُهْزَمُ ويُوَلِّي الدُّبُرَ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ قِتالٌ ولا كانَ يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ.

54:46Page 530

بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦

But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.

﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ الاِنْتِقالِيِّ، وهو انْتِقالٌ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا كَما حَلَّ بِالأُمَمِ قَبْلَهم إلى الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ. قالَ تَعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، وعَذابُ الآخِرَةِ أعْظَمُ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ وقالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧] وفي الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ [فصلت: ١٦] .

والسّاعَةُ: عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ في القُرْآنِ عَلى يَوْمِ الجَزاءِ.

والمَوْعِدُ: وقْتُ الوَعْدِ، وهو هُنا وعْدُ سُوءٍ، أيْ: وعِيدٌ. والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ أيْ: مَوْعِدٌ لَهم. وهَذا إجْمالٌ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَفْصِلُهُ وهو ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ . ووَجْهُ العَطْفِ أنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ خَبَرًا مُسْتَقِلًّا.

وأدْهى: اسْمُ تَفْضِيلٍ مَن دَهاهُ إذا أصابَهُ بِداهِيَةٍ، أيِ: السّاعَةُ أشَدُّ إصابَةً بِداهِيَةِ الخُلُودِ في النّارِ مِن داهِيَةِ عَذابِ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ.

وأمَرُّ: أيْ: أشَدُّ مَرارَةً. واسْتُعِيرَتِ المَرارَةُ لِلْإحْساسِ بِالمَكْرُوهِ عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ الغائِبِ بِالمَحْسُوسِ المَعْرُوفِ.

وأُعِيدَ اسْمُ السّاعَةِ في قَوْلِهِ ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِها لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها فَتَسِيرَ مَسِيرَ المَثَلِ.

54:47–48Page 530

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧

Indeed, the criminals are in error and madness.1.

يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨

The Day they are dragged into the Fire on their faces [it will be said], "Taste the touch of Saqar."1

صفحة ٢١٥

﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ هَذا الكَّلامُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] . واقْتِرانُ الكَلامِ بِحَرْفِ إنَّ لِفائِدَتَيْنِ: إحْداهُما الاِهْتِمامُ بِصَرِيحِهِ الإخْبارِيِّ، وثانِيهُما تَأْكِيدُ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ، لِأنَّ الكَّلامَ وإنْ كانَ مُوَجَّهًا لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو لا يُشَكُّ في ذَلِكَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَبْلُغُهم ويَشِيعُ بَيْنَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِعَذابِ الآخِرَةِ فَكانُوا جَدِيرِينَ بِتَأْكِيدِ الخَبَرِ في جانِبِ التَّعْرِيضِ فَتَكُونَ (إنَّ) مُسْتَعْمَلَةً في غَرَضَيْها مِنَ التَّوْكِيدِ والاِهْتِمامِ.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإلْصاقِ وُصْفِ الإجْرامِ بِهِمْ.

والضَّلالُ: يُطْلَقُ عَلى ضِدِّ الهُدى ويُطْلَقُ عَلى الخُسْرانِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا المَعْنى الثّانِي. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ الخُسْرانُ في الآخِرَةِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ﴾ ظَرْفٌ لِلْكَوْنِ في ضَلالٍ وسُعُرٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨]، وقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] فَلا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ ضِدَّ الهُدى.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ ظَرْفًا لِلْكَوْنِ الَّذِي في خَبَرِ إنَّ، أيْ كائِنُونَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ، فالمَعْنى: أنَّهم في ضَلالٍ وسُعُرٍ يَوْمَ القِيامَةِ و (سُعُرٍ) جَمْعُ سَعِيرٍ، وهو النّارُ، وجَمْعُ السَّعِيرِ لِأنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدٌ.

والسَّحْبُ: الجَرُّ، وهو في النّارِ أشَدُّ مِن مُلازَمَةِ المَكانِ لِأنَّ بِهِ يَتَجَدَّدُ مُماسَّةُ نارٍ أُخْرى فَهو أشَدُّ تَعْذِيبًا.

وجُعِلَ السَّحْبُ عَلى الوُجُوهِ إهانَةً لَهم.

و﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ.

صفحة ٢١٦

وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ والمُجازاةِ.

والمَسُّ مُسْتَعْمَلٌ في الإصابَةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ.

وسَقَرُ: عَلَمٌ عَلى جَهَنَّمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السَّقَرِ بِسُكُونِ القّافِ وهو التِهابٌ في النّارِ، فَ (سَقَرٍ) وُضِعَ عَلَمًا لِجَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ فَهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لِأنَّ جَهَنَّمَ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَعْنًى اعْتَبَرُوا فِيهِ أنَّ مُسَمّاهُ نارٌ والنّارُ مُؤَنَّثَةٌ.

والآيَةُ تَتَحَمَّلُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يُرادَ بِالضَّلالِ ضِدُّ الهُدى وأنَّ الإخْبارَ عَنِ المُجْرِمِينَ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى هُدًى، وأنَّ ما هم فِيهِ باطِلٌ وضَلالٌ، وذَلِكَ في الدُّنْيا، وأنْ يُرادَ بِالسُّعُرِ نِيرانُ جَهَنَّمَ وذَلِكَ في الآخِرَةِ فَيَكُونَ الكَّلامُ عَلى التَّقْسِيمِ.

أوْ يَكُونَ السُّعُرُ بِمَعْنى الجُنُونِ، يُقالُ: سُعُرٌ بِضَمَّتَيْنِ وسُعُرٌ بِسُكُونِ العَيْنِ، أيْ: جُنُونٌ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: شَدِيدَةُ السُّرْعَةِ كَأنَّ بِها جُنُونًا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفَسَّرَ بِهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قائِلًا: لِأنَّهم إنْ كانُوا في السَّعِيرِ لَمْ يَكُونُوا في ضَلالٍ لِأنَّ الأمْرَ قَدْ كُشِفَ لَهم وإنَّما وصَفَ حالَهم في الدُّنْيا، وعَلَيْهِ فالضَّلالُ والسُّعُرُ حاصِلانِ لَهم في الدُّنْيا.

54:49Page 530

إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩

Indeed, all things We created with predestination.

﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ والاِعْتِبارِ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ، وهو أيْضًا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠] إلَخْ.

والمَعْنى: إنّا خَلَقْنا وفَعَلْنا كُلَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ وأسْبابِها وآلاتِها وسَلَّطْناهُ عَلى مُسْتَحِقِّيهِ لِأنّا خَلَقَنا كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ هَذا فانْتَبَهُوا إلى أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والإصْرارِ مُماثِلٌ لِما كانَتْ عَلَيْهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ.

واقْتِرانُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) يُقالُ فِيهِ ما قُلْناهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] ؟ .

صفحة ٢١٧

والخَلْقُ أصْلُهُ: إيجادُ ذاتٍ بِشَكْلٍ مَقْصُودٍ فَهو حَقِيقَةٌ في إيجادِ الذَّواتِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى إيجادِ المَعانِي الَّتِي تُشْبِهُ الذَّواتِ في التَّمَيُّزِ والوُضُوحِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] .

فَإطْلاقُهُ في قَوْلِهِ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

و(شَيْءٍ) مَعْناهُ مَوْجُودٌ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ، أيْ: خَلَقْنا كُلَّ المَوْجُوداتِ جِواهِرُها وأعْراضُها بِقَدَرٍ.

والقَدَرُ: بِتَحْرِيكِ الدّالِ مُرادِفُ القَدْرِ بِسُكُونِها وهو تَحْدِيدُ الأُمُورِ وضَبْطُها.

والمُرادُ: أنَّ خَلْقَ اللَّهِ الأشْياءَ مُصاحِبٌ لِقَوانِينٍ جارِيَةٍ عَلى الحِكْمَةِ، وهَذا المَعْنى قَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] ومِمّا يَشْمَلُهُ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ خَلْقُ جَهَنَّمَ لِلْعَذابِ.

وقَدْ أشارَ إلى أنَّ الجَزاءَ مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] فَتَرى هَذِهِ الآياتِ وأشْباهَها تُعَقِّبُ ذِكْرَ كَوْنِ الخَلْقِ كُلِّهِ لِحِكْمَةٍ بِذِكْرِ السّاعَةِ ويَوْمِ الجَزاءِ. فَهَذا وجْهُ تَعْقِيبِ آياتِ الإنْذارِ والعِقابِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] وسَيَقُولُ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ [القمر: ٥١] .

فالباءُ في بِقَدَرٍ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، فَهو في حُكْمِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ خَلَقْناهُ لِأنَّهُ مَقْصُودٌ بِذاتِهِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الإعْلامَ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى الإعْلامِ بِهِ بَلْهَ تَأْكِيدَهُ بَلِ المَقْصُودُ إظْهارُ مَعْنى العِلْمِ والحِكْمَةِ في الجَزاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] .

صفحة ٢١٨

ومِمّا يَسْتَلْزِمُهُ مَعْنى القَدَرِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ هو جارٍ عَلى وفْقِ عِلْمِ اللَّهِ وإرادَتِهِ لِأنَّهُ خالِقُ أُصُولِ الأشْياءِ وجاعِلُ القُوى فِيها لِتَنْبَعِثَ عَنْها آثارُها ومُتَوَلِّداتُها، فَهو عالِمٌ بِذَلِكَ ومُرِيدٌ لِوُقُوعِهِ. وهَذا قَدْ سُمِّيَ بِالقَدَرِ في اصْطِلاحِ الشَّرِيعَةِ كَما جاءَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ الصَّحِيحِ في ذِكْرِ ما يَقَعُ بِهِ الإيمانُ «وتُؤْمِنُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ» .

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «جاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»﴾ . ولَمْ يَذْكُرْ راوِي الحَدِيثِ مَعْنى القَدَرِ الَّذِي خاصَمَ فِيهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ فَبَقِيَ مُجْمَلًا ويَظْهَرُ أنَّهم خاصَمُوا جَدَلًا لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمُ التَّعْنِيفَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، أيْ جَدَلًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِمُوجَبِ ما يَقُولُهُ مِن أنَّ كُلَّ كائِنٍ بِقَدَرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم بِمَعانِي القَدَرِ.

قالَ عِياضٌ في الإكْمالِ ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِالقَدَرِ هَنا مُرادُ اللَّهِ ومَشِيئَتُهُ وما سِيقَ بِهِ قَدَرُهُ مِن ذَلِكَ، وهو دَلِيلُ مَساقِ القِصَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِسَبَبِها الآيَةُ اهـ. وقالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى: يَحْتَمِلُ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ مَعانِي: أحَدُها: أنْ يَكُونَ القَدَرُ هاهُنا بِمَعْنى مُقَدَّرٍ لا يُزادُ عَلَيْهِ ولا يَنْقُصُ كَما قالَ تَعالى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ، كَما قالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] .

والثّالِثُ: بِقَدَرٍ، أيْ نَخْلُقُهُ في وقْتِهِ، أيْ نُقَدِّرُ لَهُ وقْتًا نَخْلُقُهُ فِيهِ اهـ.

قُلْتُ: وإذا كانَ لَفْظُ قَدَرٍ جِنْسًا، ووَقَعَ مُعَلَّقًا بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِضَمِيرِ كُلِّ شَيْءٍ الدّالِّ عَلى العُمُومِ كانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ عامًّا لِلْمَعانِي كُلِّها فَكُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ فَخَلَقَهُ بِقَدَرٍ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولا يُناكِدُ مَوْقِعَ هَذا التَّذْيِيلِ، عَلى أنَّ السَّلَفَ كانُوا يُطْلِقُونَ سَبَبَ النُّزُولِ عَلى كُلِّ ما نَزَلَتِ الآيَةُ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ ولَوْ كانَتِ الآيَةُ سابِقَةٌ عَلى ما عَدُّوهُ مِنَ السَّبَبِ.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ كانَ بِضَبْطٍ جارِيًا عَلى حِكْمَةٍ،

صفحة ٢١٩

وأمّا تَعْيِينٌ ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِمّا لَيْسَ مَخْلُوقًا لَهُ مِن أفْعالِ العِبادِ مَثَلًا عِنْدَ القائِلِينَ بِخَلْقِ العِبادِ أفْعالَهم كالمُعْتَزِلَةِ والقائِلِينَ بِكَسْبِ العَبْدِ كالأشْعَرِيَّةِ، فَلا حُجَّةَ بِالآيَةِ عَلَيْهِمْ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مَصَبُّ الإخْبارِ هو مَضْمُونُ (خَلَقْناهُ) أوْ مَضْمُونُ (بِقَدَرٍ)، ولِاحْتِمالِ عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ لِلتَّخْصِيصِ، ولِاحْتِمالِ المُرادِ بِالشَّيْءِ ما هو، ولَيْسَ نَفْيُ حُجِّيَّةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القَدَرِ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ بَيْنَ النّاسِ بِمُبْطِلِ ثُبُوتِ القَدَرِ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى.

وحَقِيقَةُ القَدَرِ الاِصْطِلاحِيِّ خَفِيَّةٌ فَإنَّ مِقْدارَ تَأثُّرِ الكائِناتِ بِتَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى وبِتَسَبُّبِ أسْبابِها ونُهُوضِ مَوانِعِها لَمْ يَبْلُغْ عِلْمُ الإنْسانِ إلى كَشْفِ غَوامِضِهِ ومَعْرِفَةِ ما مَكَّنَ اللَّهُ الإنْسانَ مِن تَنْفِيذٍ لِما قَدَّرَهُ اللَّهُ، والأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ تَقْتَضِي أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ والأعْمالَ السَّيِّئَةَ سَواءٌ في التَّأثُّرِ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ إذا تَعَلَّقَتْ بِشَيُءٍ، فَلَيْسَتْ نِسْبَةُ آثارِ الخَيْرِ إلى اللَّهِ دُونَ نِسْبَةِ أثَرِ الشَّرِّ إلَيْهِ إلّا أدَبًا مَعَ الخالِقِ لَقَّنَهُ اللَّهُ عَبِيدَهُ، ولَوْلا أنَّها مَنسُوبَةٌ في التَّأثُّرِ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى لَكانَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أفْعالِ الخَيْرِ وأفْعالِ الشَّرِّ في النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ مُلْحَقَةً بِاعْتِقادِ المَجُوسِ بِأنَّ لِلْخَيْرِ إلَهًا ولِلشَّرِّ إلَهًا، وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ وتُؤْمِنُوا بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، وقَوْلِهِ: القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ رَواهُ أبُو داوُدَ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.

وانْتَصَبَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ خَلَقْناهُ عَلى طَرِيقَةِ الاِشْتِغالِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى خَلَقْناهُ لِيَتَأكَّدَ مَدْلُولُهُ بِذِكْرِ اسْمِهِ الظّاهِرِ ابْتِداءً، وذِكْرَ ضَمِيرِهِ ثانِيًا، وذَلِكَ هو الَّذِي يَقْتَضِي العُدُولَ إلى الاِشْتِغالِ في فَصِيحِ الكَلامِ العَرَبِيِّ فَيَحْصُلُ تَوْكِيدٌ لِلْمَفْعُولِ بَعْدَ أنْ حَصَلَ تَحْقِيقُ نِسْبَةِ الفِعْلِ إلى فاعِلِهِ بِحَرْفِ (إنَّ) المُفِيدِ لِتَوْكِيدِ الخَبَرِ ولِيَتَّصِلَ قَوْلُهُ (بِقَدَرٍ) بِالعامِلِ فِيهِ وهو خَلَقْناهُ، لِئَلّا يَلْتَبِسُ بِالنَّعْتِ لِشَيْءٍ لَوْ قِيلَ: إنّا خَلَقَنا كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، فَيَظُنَّ أنَّ المُرادَ: أنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ فَيَبْقى السّامِعُ مُنْتَظِرًا لِخَبَرِ (إنَّ) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском