Ibn 'AshurAr‑Rahman · 55:13–28

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:13–28

55:13Page 531

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣

So which of the favors of your Lord would you deny?1

صفحة ٢٤٣

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المِنَنِ المُدْمَجَةِ مِن دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحَقِّيَّةِ وحْيِ القُرْآنِ، ودَلائِلُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ بِاسْتِفْهامٍ عَنْ تَعْيِينِ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ يَأْتِي لَهم إنْكارُها، وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ.

و(أيِّ) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ واحِدٍ مِنَ الجِنْسِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ وهي هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّقْرِيرِ بِذِكْرِ ضِدِّ ما يُقَرِّبُهُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وقَدْ بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَجْحَدَ نِعَمَ اللَّهِ.

والآلاءُ: النِّعَمُ جَمْعُ: إلْيٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ، وألْيٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ وياءٍ في آخِرِهِ ويُقالُ: ألْوٌ بِواوٍ عِوَضُ الياءِ وهو النِّعْمَةُ.

وضَمِيرُ المُثَنّى في رَبِّكُما تُكَذِّبانِ خِطابٌ لِفَرِيقَيْنِ مِنَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ. والوَجْهُ عِنْدِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ الَّذِينَ يَنْقَسِمُ إلَيْهِما جِنْسُ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ [الرحمن: ٣] وهُمُ المُخاطِبُونَ بِقَوْلِهِ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] الآيَةِ والمُنْقَسِمُ إلَيْهِما الأنامُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، أيْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى النّاسِ لا يَجْحَدُها كافِرٌ بَلْهَ المُؤْمِنُ، وكُلُّ فَرِيقٍ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الاِسْتِفْهامُ بِالمَعْنى الَّذِي يُناسِبُ حالَهُ.

والمَقْصُودُ الأصْلِيُّ: التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى أنْ أشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُنْعِمِ غَيْرَ المُنْعِمِ، والشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ بِتِوْحِيدِ المُؤْمِنِينَ، والتَّكْذِيبُ مُسْتَعْمَلٌ في الجُحُودِ والإنْكارِ.

وقِيلَ التَّثْنِيَةُ جَرَتْ عَلى طَرِيقَةٍ في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ يُخاطِبُوا الواحِدَ بِصِيغَةِ المُثَنّى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، والنَّسَفِيُّ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ قائِمَةً مَقامَ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ لِتَأْكِيدِ المَعْنى مِثْلَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، ومَعْنى هَذا أنَّ الخِطابَ لِواحِدٍ وهو الإنْسانُ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو خِطابٌ لِلْإنْسِ والجِنِّ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ القُرْآنَ

صفحة ٢٤٤

نَزَلَ لِخَطابِ النّاسِ ووَعْظِهِمْ ولَمْ يَأْتِ لِخِطابِ الجِنِّ، فَلا يَتَعَرَّضُ القُرْآنُ لِخِطابِهِمْ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن وُقُوعِ اهْتِداءِ نَفَرٍ مِنَ الجِنِّ بِالقُرْآنِ في سُورَةِ الأحْقافِ وفي سُورَةِ الجِنِّ يُحْمَلُ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الجِنَّ بِاتِّباعِ ما يَتَبَيَّنُ لَهم في إدْراكِهِمْ، وقَدْ يُكَلِّفُ اللَّهُ أصْنافًا بِما هم أهْلٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَما كَلَّفَ أهْلَ العِلْمِ بِالنَّظَرِ في العَقائِدِ وكَما كَلَّفَهم بِالاِجْتِهادِ في الفُرُوعِ ولَمْ يُكَلِّفِ العامَّةَ بِذَلِكَ، فَما جاءَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ الجِنِّ فَهو في سِياقِ الحِكايَةِ عَنْ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ فِيهِمْ ولَيْسَ لِتَوْجِيهِ العَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ.

وأمّا ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ أنَّ «النَّبِيءَ ﷺ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ وهم ساكِتُونَ فَقالَ لَهم لَقَدْ قَرَأْتُها عَلى الجِنِّ لَيْلَةَ الجِنِّ فَكانُوا أحْسَنَ مَرْدُودًا مِنكم، كُنْتُ كُلَّما أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالُوا لا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وفي سَنَدِهِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَدْ ضَعَّفَهُ البُخارِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

وهَذا الحَدِيثُ لَوْ صَحَّ فَلَيْسَ تَفْسِيرًا لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِأنَّ الجِنَّ سَمِعُوا ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ فَلا يَقْتَضِي أنَّهُمُ المُخاطِبُونَ بِهِ وإنَّما كانُوا مُقْتَدِينَ بِالَّذِينَ خاطَبَهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ الخِطابُ لِلذُّكُورِ والإناثِ وهو بَعِيدٌ.

والتَّكْذِيبُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَحْدِ والإنْكارِ مَجازًا لِتَشْنِيعِ هَذا الجَحْدِ.

وتَكْذِيبُ الآلاءِ كِنايَةٌ عَنِ الإشْراكِ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكم تُنْكِرُونَ إنَّها نِعْمَةٌ عَلَيْكم فَأشْرَكْتُمْ فِيها غَيْرَهُ بَلْهَ إنْكارَ جَمِيعِ نِعَمِهِ إذْ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ دَوامًا.

55:14–15Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤

He created man from clay like [that of] pottery.

وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥

And He created the jinn from a smokeless flame of fire.

﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ .

هَذا انْتِقالٌ إلى الاِعْتِبارِ بِخَلْقِ اللَّهِ الإنْسانَ وخَلْقِهِ الجِنَّ.

والقَوْلُ في مَجِيءِ المُسْنَدِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] .

صفحة ٢٤٥

والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ وهو أصْلُ الجِنْسِ وقَوْلُهُ مِن صَلْصالٍ تَقَدَّمَ نَظِيرِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ.

والصَّلْصالُ: الطِّينُ اليابِسُ.

والفَخّارُ: الطِّينُ المَطْبُوخُ بِالنّارِ ويُسَمّى الخَزَفَ. وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ كالفَخّارِ صِفَةٌ لِ صَلْصالٍ. وصَرَّحَ بِذَلِكَ الكَواشِيُّ في تَلْخِيصِ التَّبْصِرَةِ ولَمْ يُعَرِّجُوا عَلى فائِدَةِ هَذا الوَصْفِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنْ يَكُونَ كالفَخّارِ حالًا مِنَ الإنْسانِ، أيْ خَلَقَهُ مِن صَلْصالٍ فَصارَ الإنْسانُ كالفَخّارِ في صُورَةٍ خاصَّةٍ وصَلابَةٍ.

ومَعْنى أنَّهُ صَلْصالٌ يابِسٌ يُشْبِهُ يَبِسَ الطِّينِ المَطْبُوخِ والمُشَبَّهُ غَيْرُ المُشَبَّهِ بِهِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالحَمَأِ المَسْنُونِ، والطِّينِ اللّازِبِ، والتُّرابِ.

والجانُّ: الجِنُّ والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وما خَرَجَ عَنْهُ مِنَ الشَّياطِينِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] .

والمارِجُ: هو المُخْتَلِطُ وهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ مِثْلِ دافِقٍ، وعِيشَةٍ راضِيَةِ، أيْ خَلَقَ الجانَّ مِن خَلِيطٍ مِن نارٍ، أيْ مُخْتَلِطٍ بِعَناصِرٍ أُخْرى إلّا أنَّ النّارَ أغْلَبُ عَلَيْهِ كَما كانَ التُّرابُ أغْلَبَ عَلى تَكْوِينِ الإنْسانِ مَعَ ما فِيهِ مِن عُنْصُرِ النّارِ وهو الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والمَقْصُودُ هُنا هو خَلْقُ الإنْسانِ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وإنَّما قُرِنَ بِخَلْقِ الجانِّ إظْهارًا لِكَمالِ النِّعْمَةِ في خَلْقِ الإنْسانِ مِن مادَّةٍ لَيِّنَةٍ قابِلًا لِلتَّهْذِيبِ والكَمالِ وصُدُورِ الرِّفْقِ بِالمَوْجُوداتِ الَّتِي مَعَهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.

وهُوَ أيْضًا تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ بِمَظْهَرٍ مِن مَظاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ نَوْعِ الإنْسانِ وجِنْسِ الجانِّ.

وفِيهِ إيماءٌ إلى ما سَبَقَ في القُرْآنِ النّازِلِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَفْضِيلِ الإنْسانِ عَلى الجانِّ إذْ أمَرَ اللَّهُ الجانَّ بِالسُّجُودِ لِلْإنْسانِ، وما يَنْطَوِي مِن ذَلِكَ مِن وفْرَةِ مَصالِحِ الإنْسانِ عَلى مَصالِحِ الجانِّ، ومِن تَأهُّلِهِ لِعُمْرانِ العالِمِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مَن طِينَتِهِ إذِ الفَضِيلَةُ تَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ أوْصافٍ لا مِن خُصُوصِيّاتٍ مُفْرَدَةٍ.

55:16Page 531

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

صفحة ٢٤٦

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

هَذا تَوْبِيخٌ عَلى عَدَمِ الاِعْتِرافِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، جِيءَ فِيهِ بِمِثْلِ ما جِيءَ بِهِ في نَظِيرِهِ الَّذِي سَبَقَهُ لِيَكُونَ التَّوْبِيخُ بِكَلامٍ مِثْلَ سابِقِهِ، وذَلِكَ تَكْرِيرٌ مِن أُسْلُوبِ التَّوْبِيخِ ونَحْوِهُ أنْ يَكُونَ بِمِثْلِ الكَلامِ السّابِقِ، فَحَقُّ هَذا أنْ يُسَمّى بِالتَّعْدادِ لا بِالتَّكْرارِ، لِأنَّهُ لَيْسَ تَكْرارًا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] هُنا تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] لِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَقْتَضِي الاِعْتِرافَ لَهُ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والإمْدادِ وتَحْصُلُ مِن تَماثُلِ الجُمَلِ المُكَرَّرَةِ فائِدَةُ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أيْضًا فَيَكُونُ لِلتَّكْرِيرِ غَرَضانِ كَما قَدَّمْناهُ في الكَلامِ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ.

وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ تَوْكِيدُ التَّقْرِيرِ بِما لِلَّهِ تَعالى مِن نِعَمٍ عَلى المُخاطَبِينَ وتَعْرِيضُ تَوْبِيخِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ أصْنامًا لا نِعْمَةَ لَها عَلى أحَدٍ، وكُلُّها دَلائِلُ عَلى تَفَرُّدِ الإلَهِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ اللَّهَ عَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَعْماءَ، وذَكَرَ خَلْقَهُ آلاءَهُ ثُمَّ أتْبَعَ كُلَّ خِلَّةٍ وصَفَها، ونِعْمَةٍ وضَعَها بِهَذِهِ، وجَعَلَها فاصِلَةً بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ لِيُنَبِّهَهم عَلى النِّعَمِ ويُقْرِرْهم بِها اهـ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّكْرِيرُ طَرْدٌ لِلْغَفْلَةِ وتَأْكِيدٌ لِلْحُجَّةِ.

وقالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في مَجالِسِهِ وآمالِهِ المُسَمّى الدُّرَرُّ والغَرَرُ: وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، قالَ مُهَلْهَلُ بْنُ رَبِيعَةَ يَرْثِي أخاهُ كُلَيْبًا:

عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ إذا طَرَدَ اليَتِيمَ عَنِ الجَزُورِ

وذَكَرَ المِصْراعَ الأوَّلَ ثَمانِ مَرّاتٍ في أوائِلِ أبْياتٍ مُتَتابِعَةٍ. وقالَ الحارِثُ بْنُ عَيّادٍ:

قَرِّبا مَرْبِطَ النَّعامَةِ مِنِّي ∗∗∗ لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عَنْ حِبالِ

ثُمَّ كَرَّرَ قَوْلَهُ: قَرَّبا مَرْبِطَ النَّعامَةِ مِنِّي، في أبْياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القَصِيدِ.

صفحة ٢٤٧

وهَكَذا القَوْلُ في نَظائِرَ قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ المَذْكُورِ هُنا إلى ما في آخِرِ السُّورَةِ.

55:17Page 532

رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧

[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1

﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ فِيهِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] وعَطَفَ ﴿ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ لِأجْلِ ما ذَكَرْتُهُ آنِفًا مِن مُراعاةِ المُزاوَجَةِ.

وحَذَفَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي سَمّاها السَّكّاكِيُّ بِإتِّباعِ الاِسْتِعْمالِ الوارِدِ عَلى تَرْكِهِ أوْ تَرْكِ نَظائِرِهِ وتَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ.

والمَشْرِقُ: جِهَةُ شُرُوقِ الشَّمْسِ، والمَغْرِبُ: جِهَةُ غُرُوبِها وتَثْنِيَةُ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ في فَصْلَيِ الشِّتاءِ والرَّبِيعِ مِن سَمْتٍ وفي فَصْلَيِ الصَّيْفِ والخَرِيفِ مِن سَمْتٍ آخَرَ وبِمُراعاةِ وقْتِ الطُّولِ ووَقْتِ القِصَرِ وكَذَلِكَ غُرُوبُها وهي فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ يَنْتَقِلُ طُلُوعُها وغُرُوبُها في دَرَجاتٍ مُتَقارِبَةٍ فَقَدْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فَيُقالُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] في سُورَةِ المَعارِجِ.

ومَن زَعَمَ أنَّ تَثْنِيَةَ المَشْرِقَيْنِ لِمُراعاةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ المَغْرِبَيْنِ لَمْ يَغَصُّ عَلى مَعْنًى كَبِيرٍ.

وعَلى ما فَسَّرَ بِهِ الجُمْهُورُ (المَشْرِقَيْنِ) و (المَغْرِبَيْنِ) بِمَشْرِقَيِ الشَّمْسِ ومَغْرِبَيْها فالمُرادُ بِ المَشْرِقَيْنِ النِّصْفُ الشَّرْقِيُّ مِنَ الأرْضِ، وبِ المَغْرِبَيْنِ النِّصْفُ الغَرْبِيُّ مِنها.

ورُبُوبِيَّةُ اللَّهِ تَعالى بِالمَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ بِمَعْنى الخَلْقِ والتَّصَرُّفِ.

55:18Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيٍّ آلَآءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

تَكْرِيرٌ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

55:19–20Page 532

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩

He released the two seas,1 meeting [one another];

بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠

Between them is a barrier so neither of them transgresses.

صفحة ٢٤٨

﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ .

خَبَرٌ آخَرُ عَنِ الرَّحْمَنِ قَصَدَ مِنهُ العِبْرَةَ بِخَلْقِ البِحارِ والأنْهارِ، وذَلِكَ خَلْقٌ عَجِيبٌ دالٌّ عَلى عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ ما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ وكانَتِ الأبْحُرُ والأنْهارُ في جِهاتِ الأرْضِ ناسَبَ الاِنْتِقالَ إلى الاِعْتِبارِ بِخَلْقِهِما وبِالاِمْتِنانِ بِما أوْدَعَها مِن مَنافِعِ النّاسِ.

والمَرَجُ: لَهُ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، وأوَّلُها في هَذا الكَلامِ أنَّهُ الإرْسالُ مِن قَوْلِهِمْ مَرَجَ الدّابَّةَ إذْ أرْسَلَها تَرْعى في المَرَجِ، وهو الأرْضُ الواسِعَةُ ذاتُ الكَلَأِ الَّذِي لا مالَ لَهُ، أيْ: تَرْكُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ.

والمَعْنى: أرْسَلَ البَحْرِينِ لا يَحْبِسُ ماءَهُما عَنِ الجَرْيِ حاجِزٌ. وهَذا تَهْيِئَةٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ .

والمُرادُ: أنَّهُ خَلَقَهُما ومَرَجَهُما، لِأنَّهُ ما مَرَجَهُما إلّا عَقِبَ أنْ خَلَقَهُما.

ويَلْتَقِيانِ: يَتَّصِلانِ بِحَيْثُ يَصُبُّ أحَدُهُما في الآخَرِ.

والبَحْرُ: الماءُ الغامِرُ جُزْءًا عَظِيمًا مِنَ الأرْضِ يُطْلَقُ عَلى الماءِ المالِحِ والعَذْبِ.

والمُرادُ تَثْنِيَةُ نَوْعَيِ البَحْرِ وهُما البَحْرُ المِلْحُ والبَحْرُ العَذْبُ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] . والتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ الجِنْسِيِّ.

فالمَقْصُودُ ما يَعْرِفُهُ العَرَبُ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ وهُما نَهْرُ الفُراتِ وبَحْرُ العَجَمِ المُسَمّى اليَوْمَ بِالخَلِيجِ الفارِسِيِّ. والتِقاؤُهُما انْصِبابُ ماءِ الفُراتِ في الخَلِيجِ الفارِسِيِّ. في شاطِئِ البَصْرَةِ، والبِلادِ الَّتِي عَلى الشّاطِئِ العَرَبِيِّ مِنَ الخَلِيجِ الفارِسِيِّ تُعْرَفُ عِنْدَ العَرَبِ بِبِلادِ البَحْرِينِ لِذَلِكَ.

والمُرادُ بِالبَرْزَخِ الَّذِي بَيْنَهُما: الفاصِلُ بَيْنَ الماءَيْنِ الحُلْوِ والمِلْحِ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ أحَدُ البَحْرَيْنِ طَعْمَ الآخَرِ بِجِوارِهِ. وذَلِكَ بِما في كُلِّ ماءٍ مِنهُما مِن خَصائِصَ تَدْفَعُ

صفحة ٢٤٩

عَنْهُ اخْتِلاطَ الآخَرِ بِهِ. وهَذا مِن مَسائِلِ الثِّقَلِ النَّوْعِيِّ. وذِكْرُ البَرْزَخِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بَيْنَهُما مِثْلُ البَرْزَخِ وهو مَعْنى لا يَبْغِيانِ، أيْ لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، أيْ لا يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيُفْسِدُ طَعْمَهُ فاسْتُعِيرَ لِهَذِهِ الغَلَبَةِ لَفْظُ البَغْيِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ الاِعْتِداءُ والتَّظَلُّمُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ تَثْنِيَةَ بَحْرَيْنِ مِلْحَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، والتَّعْرِيفُ حِينَئِذٍ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ، فالمُرادُ: بَحْرانِ مَعْرُوفانِ لِلْعَرَبِ. فالأظْهَرُ أنَّ المُرادَ: البَحْرُ الأحْمَرُ الَّذِي عَلَيْهِ شُطُوطُ تِهامَةَ مَثَّلُ: جُدَّةُ ويَنْبُعُ النَّخْلِ، وبَحْرُ عُمانَ وهو بَحْرُ العَرَبِ الَّذِي عَلَيْهِ حَضْرَمَوْتُ وعَدَنُ مِن بِلادِ اليَمَنِ: والبَرْزَخُ: الحاجِزُ الفاصِلُ، والبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ هو مَضِيقُ بابِ المَندَبِ حَيْثُ يَقَعُ مَرْسى عَدَنَ ومَرْسى زَيْلَعَ.

ولَمّا كانَ في خَلْقِ البَحْرَيْنِ نِعَمٌ عَلى النّاسِ عَظِيمَةٌ مِنها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فَإنَّهم يَسِيرُونَ فِيهِما كَما قالَ تَعالى ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] وقالَ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] واسْتِخْراجُ سَمَكِهِ والتَّطَهُّرُ بِمائِهِ. ومِنها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ وهي ما لِأمْلاحِ البَحْرِ مِن تَأْثِيرٍ في تَنْقِيَةِ هَواءِ الأرْضِ واسْتِجْلابِ الأمْطارِ وتَلَقِّي الأجْرامِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ الشُّهُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ يَلْتَقِيانِ وجُمْلَةُ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ حالانِ مِنَ البَحْرَيْنِ.

وجُمْلَةُ لا يَبْغِيانِ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ .

55:21Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

تَكْرِيرٌ كَما عَلِمْتُهُ مِمّا تَقَدَّمَ، ووَقَعَ هُنا اعْتِراضًا بَيْنَ أحْوالِ البَحْرَيْنِ.

55:22Page 532

يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢

From both of them emerge pearl and coral.

﴿يُخْرَجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ .

حالٌ ثالِثَةٌ. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ: بَحْرَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ مِنَ البِحارِ المِلْحَةِ تَكُونُ مِن في قَوْلِهِ مِنهُما ابْتِدائِيَّةً لِأنَّ اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ يَكُونانِ في البَحْرِ المِلْحِ.

صفحة ٢٥٠

وإنْ كانَ المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ: البَحْرُ المِلْحُ، والبَحْرُ العَذْبُ كانَتْ مِن في قَوْلِهِ مِنهُما لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (فَمِن نَفْسِكَ) في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ بِسَبَبِهِما، أيْ بِسَبَبِ مَجْمُوعِهِما، أمّا اللُّؤْلُؤُ فَأجْوَدُهُ ما كانَ في مَصَبِّ الفُراتِ عَلى خَلِيجِ فارِسَ، قالَ الرُّمّانِيُّ: لَمّا كانَ الماءُ العَذْبُ كاللِّقاحِ لِلْماءِ المِلْحِ في إخْراجِ اللُّؤْلُؤِ، قِيلَ: يَخْرُجُ مِنهُما كَما يُقالُ: يَتَخَلَّقُ الوَلَدُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ تَكَوُّنِ اللُّؤْلُؤِ في البِحارِ في سُورَةِ الحَجِّ.

وقالَ الزُّجاجُ: قَدْ ذَكَرَهُما اللَّهُ فَإذا خَرَجَ مِن أحَدِهِما شَيْءٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنهُما وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، و (القَمَرَ) في السَّماءِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ مِن أحَدِهِما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أيْ مِن إحْداهُما.

والمَرْجانُ: حَيَوانٌ بَحَرِيٌّ ذُو أصابِعَ دَقِيقَةٍ يَنْشَأُ لَيِّنًا ثُمَّ يَتَحَجَّرُ ويَتَلَوَّنُ بِلَوْنِ الحُمْرَةِ ويَتَصَلَّبُ كُلَّما طالَ مُكْثُهُ في البَحْرِ فَيُسْتَخْرَجُ مِنهُ كالعُرُوقِ تُتَّخَذُ مِنهُ حِلْيَةٌ ويُسَمّى بِالفارِسِيَّةِ (بِسَذْ) . وقَدْ تَتَفاوَتُ البِحارُ في الجَيِّدِ مِن مَرْجانِها. ويُوجَدُ بِبَحْرِ طَبَرْقَةَ عَلى البَحْرِ المُتَوَسِّطِ في شَمالِ البِلادِ التُّونِسِيَّةِ.

والمَرْجانُ: لا يَخْرُجُ مِن مُلْتَقى البَحْرَيْنِ المِلْحِ والعَذْبِ بَلْ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ.

وقِيلَ: المَرْجانُ اسْمٌ لِصِغارِ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ فَلا إشْكالَ في قَوْلِهِ مِنهُما.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (يَخْرُجُ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. وقَرَأ الباقُونَ يَخْرُجُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ لِأنَّهُما إذا أخْرَجَهُما الغَوّاصُونَ فَقَدْ خَرَجا.

وبَيْنَ قَوْلِهِ (مَرَجَ) وقَوْلِهِ (والمَرْجانُ) الجِناسُ المُذَيَّلُ.

55:23Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ أوَّلًا.

55:24Page 532

وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤

And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.

صفحة ٢٥١

﴿ولَهُ الجِوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ .

الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] لِأنَّ هَذا مِن أحْوالِ البَحْرِينِ وقَدْ أغْنَتْ إعادَةُ لَفْظِ البَحْرِ عَنْ ذِكْرِ ضَمِيرِ البَحْرِينِ الرّابِطِ لِجُمْلَةِ الحالِ بِصاحِبِها.

واللّامُ لِلْمِلْكِ وهو مِلْكُ تَسْخِيرِ السَّيْرِ فِيها قالَ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أوْ ﴿يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] . فالمَعْنى: أنَّ الجَوارِيَ في البَحْرِ في تَصَرُّفِهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] .

والإخْبارُ عَنِ الجَوارِي بِأنَّها لَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إنْشاءَ البَحْرِ لِلسُّفُنِ لا يُخْرِجُها عَنْ مُلْكِ اللَّهِ.

والجَوارِي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُهُ وهو قَوْلُهُ: في البَحْرِ، والتَّقْدِيرُ: السُّفُنُ الجَوارِي إذْ لا يَجْرِي في البَحْرِ غَيْرُ السُّفُنِ.

وكُتِبَ في المُصْحَفِ الإمامِ (الجِوارِ) بِراءٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءٍ وقِياسُ رَسْمِهِ أنْ يَكُونَ بِياءٍ في آخِرِهِ، فَكُتِبَ بِدُونَ ياءٍ اعْتِدادًا بِحالَةِ النُّطْقِ بِهِ في الوَصْلِ إذْ لا يَقِفُ القارِئُ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قُراهُ جَمِيعُ العَشَرَةِ بِدُونَ ياءٍ في حالَةِ الوَصْلِ والوَقْفِ لِأنَّ الوَقْفَ عَلَيْهِ نادِرٌ في حالِ قِراءَةِ القارِئِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ المُنْشَآتُ بِفَتْحِ الشِّينِ، فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ، إذا أُوجِدَ وصُنِعَ، أيِ الَّتِي أنْشَأها النّاسُ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ فَحَصَلَ مِنَ الكَلامِ مِنَّتانِ مِنَّةُ تَسْخِيرِ السُّفُنِ لِلسَّيْرِ في البَحْرِ ومِنَّةُ إلْهامِ النّاسِ لِإنْشائِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الشِّينِ فَهو اسْمُ فاعِلٍ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُنْشَآتُ مُشْتَقًّا مَن أنْشَأ السَّيْرُ إذا أسْرَعَ، أيِ الَّتِي يَسِيرُ بِها النّاسُ سَيْرًا سَرِيعًا. قالَ مُجاهِدٌ: المُنْشَآتُ الَّتِي رُفِعَتْ قُلُوعُها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِاسْتِعْمالِ الاِشْتِقاقِ في مَعْنَيَيِ المُشْتَقِّ مِنهُ ويَكُونُ في ذَلِكَ

صفحة ٢٥٢

تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ إلْهامِ النّاسِ إلى اخْتِراعِ الشِّراعِ لِإسْراعِ سَيْرِ السُّفُنِ وهي مِمّا اخْتُرِعَ بَعْدَ صُنْعِ سَفِينَةِ نُوحٍ.

ووُصِفَتِ الجَوارِي بِأنَّها كالأعْلامِ، أيِ الجِبالِ وصْفًا يُفِيدُ تَعْظِيمَ شَأْنِها في صُنْعِها المُقْتَضِي بَداعَةَ إلْهامِ عُقُولِ البَشَرِ لِصُنْعِها، والمُقْتَضِي عِظَمَ المِنَّةِ بِها لِأنَّ السُّفُنَ أمْكَنُ لِحَمْلِ العَدَدِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ والمَتاعِ.

55:25Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ السّابِقِ.

55:26–27Page 532

كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦

Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧

And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ .

لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] مُؤْذِنًا بِنِعْمَةِ إيجادِ أسْبابِ النَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ وأسْبابِ السَّعْيِ لِتَحْصِيلِ ما بِهِ إقامَةَ العَيْشِ إذْ يَسَرَّ لِلنّاسِ السُّفُنَ عَوْنًا لِلنّاسِ عَلى الأسْفارِ وقَضاءَ الأوْطارِ مَعَ السَّلامَةِ مِن طُغْيانِ ماءِ البِحارِ، وكانَ وصْفُ السُّفُنِ بِأنَّها كالأعْلامِ تَوْسِعَةً في هَذِهِ النِّعْمَةِ أتْبَعُهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ هَذا لا يَحُولُ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الفَناءِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في الفُرَصِ لِلْمَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . وفائِدَةُ هَذا أنْ لا يَنْسَوُا الاِسْتِعْدادَ لِلْحَياةِ الباقِيَةِ بِفِعْلِ الصّالِحاتِ، وأنْ يَتَفَكَّرُوا في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ويُقْبِلُوا عَلى تَوْحِيدِهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ.

ووُقُوعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَقِبَ ما عَدَّدَ مِنَ النِّعَمِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مَصِيرَ نِعَمِ الدُّنْيا إلى الفَناءِ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

وضَمِيرُ (عَلَيْها) مُرادٌ بِهِ الأرْضَ بِقَرِينَةِ المَقامِ مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، أيِ الشَّمْسِ ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ وفي كَلامِ البُلَغاءِ.

صفحة ٢٥٣

ومَعْنى (فَإنَّ): أنَّهُ صائِرٌ إلى الفَناءِ، فَهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ لِزَمانِ الاِسْتِقْبالِ بِالقَرِينَةِ مِثْلِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .

والمُرادُ بِ مَن عَلَيْها: النّاسُ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذِهِ العِبَرِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِ مَنِ المَوْصُولَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ.

والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَ جَمِيعِ مَن عَلى الأرْضِ إلى الفَناءِ، وهَذا التَّذْكِيرُ بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِنَ الجَزاءِ.

و(وجْهُ رَبِّكَ): ذاتُهُ، فَذِكْرُ الوَجْهِ هُنا جارٍ عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ. قالَ في الكَشّافِ: والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجُمْلَةِ والذّاتِ اهـ.

وقَدْ أُضِيفَ إلى اسْمِهِ تَعالى لَفْظُ الوَجْهِ بِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنها ما هُنا ومِنها قَوْلُهُ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقَوْلُهُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] .

وقَدْ عَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ وجْهٌ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وهو الجُزْءُ الَّذِي في الرَّأْسِ.

واصْطَلَحَ عُلَماءُ العَقائِدِ عَلى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذا بِالمُتَشابِهِ وكانَ السَّلَفُ يَحُجُّونَ عَلى الخَوْفِ في ذَلِكَ مَعَ اليَقِينِ بِاسْتِحالَةِ ظاهِرَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ تَناوَلَهُ عُلَماءُ التّابِعِينَ وما بَعْدَهم بِالتَّأْوِيلِ تَدْرِيجِيًّا إلى أنِ اتَّضَحَ وجْهُ التَّأْوِيلِ بِالجَرْيِ عَلى قَواعِدِ عِلْمِ المَعانِي فَزالَ الخَفاءُ، وانْدَفَعَ الجَفاءُ، وكُلُّ الفَرِيقَيْنِ خِيرَةُ الحُنَفاءِ.

وضَمِيرُ المُخاطَبِ في قَوْلِهِ: (وجْهُ رَبِّكَ) خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وفِيهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

والمَقْصُودُ تَبْلِيغُهُ إلى الَّذِينَ يُتْلى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لِيَذَّكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ.

ولَمّا كانَ الوَجْهُ هُنا بِمَعْنى الذّاتِ وُصِفَ بِ (ذُو الجَلالِ)، أيِ العَظَمَةِ (والإكْرامِ): أيِ المُنْعِمِ عَلى عِبادِهِ وإلّا فَإنَّ الوَجْهَ الحَقِيقِيَّ لا يُضافُ لِلْإكْرامِ في عُرْفِ اللُّغَةِ، وإنَّما يُضافُ لِلْإكْرامِ اليَدُ، أيْ فَهو لا يُفْقِدُ عَبِيدُهُ جَلالَهُ

صفحة ٢٥٤

وإكْرامَهُ، وقَدْ دَخَلَ في الجَلالِ جَمِيعُ الصِّفاتِ الرّاجِعَةِ إلى التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقْصِ وفي الإكْرامِ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ الوُجُودِيَّةِ وصِفاتِ الجَمالِ كالإحْسانِ.

وتَفْرِيعُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] إنَّما هو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ كَما عَلِمَتْ مِن أنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُعامَلَةَ خَلْقِهِ مُعامَلَةَ العَظِيمِ الَّذِي لا تَصْدُرُ عَنْهُ السَّفاسِفُ، الكَرِيمُ الَّذِي لا يَقْطَعُ إنْعامَهُ، وذَلِكَ مِنَ الآلاءِ العَظِيمَةِ.

55:28Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

تَكْرِيرٌ كَما تَقَدَّمَ وهَذا المَوْقِعُ يُنادِي عَلى أنَّ لَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ولا أنَّ جُمْلَةَ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] تَتَضَمَّنُ نِعْمَةً إذْ لَيْسَ في الفَناءِ نِعْمَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском