Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الرحمن
Ar-Rahman
The Beneficent · Medinan · 78 ayahs
55:1–3Page 531
ٱلرَّحۡمَٰنُ ١
The Most Merciful
عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢
Taught the Qur’ān,
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣
Created man,
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ .
خَبَرٌ ثانٍ، والمُرادُ بِالإنْسانِ جِنْسُ الإنْسانِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْخَبَرِ الآتِي وهو ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] .
وهَذِهِ قَضِيَّةٌ لا يُنازِعُونَ فِيها ولَكِنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنْ مُوجِبِها وهو إفْرادُ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، سِيقَ لَهُمُ الخَبَرُ بِها عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدِيدِ بِدُونِ عَطْفٍ كالَّذِي يَعُدُّ لِلْمُخاطَبِ مَواقِعَ أخْطائِهِ وغَفْلَتِهِ، وهَذا تَبْكِيتٌ ثانٍ.
صفحة ٢٣٣
فَفِي خَلْقِ الإنْسانِ دَلالَتانِ: أُولاهُما: الدَّلالَةُ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وثانِيَتُهُما الدَّلالَةُ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ.
والخَلْقُ: نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ فِيها تَشْرِيفًا لِلْمَخْلُوقِ بِإخْراجِهِ مِن غَياهِبِ العَدَمِ إلى مَبْرَزِ الوُجُودِ في الأعْيانِ، وقَدَّمَ خَلْقَ الإنْسانِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن مُناسَبَةِ إرْدافِهِ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ فَعُلًا بَعْدَ المُسْنَدِ إلَيْهِ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِلتَّخْصِيصِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ لِأنَّهم عَبَدُوا غَيْرَهُ.
﴿عَلَمَّهُ البَيانَ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ تَضَمَّنَ الاِعْتِبارَ بِنِعْمَةِ الإبانَةِ عَنِ المُرادِ والاِمْتِنانِ بِها بَعْدَ الاِمْتِنانِ بِنِعْمَةِ الإيجادِ، أيْ: عَلَّمَ جِنْسَ الإنْسانِ أنْ يُبَيِّنَ عَمّا في نَفْسِهِ لِيُفِيدَهْ غَيْرُهُ ويَسْتَفِيدُ هو.
والبَيانُ: الإعْرابُ عَمّا في الضَّمِيرِ مِنَ المَقاصِدِ والأغْراضِ وهو النُّطْقُ وبِهِ تَمَيُّزُ الإنْسانِ عَنْ بَقِيَّةِ أنْواعِ الحَيَوانِ فَهو مَن أعْظَمِ النِّعَمِ.
وأمّا البَيانُ مِن غَيْرِ النُّطْقِ مِن إشارَةٍ وإيماءٍ ولَمْحِ النَّظَرِ فَهو أيْضًا مِن مُمَيِّزاتِ الإنْسانِ وإنْ كانَ دُونَ بَيانِ النُّطْقِ.
ومَعْنى تَعْلِيمِ اللَّهِ الإنْسانَ البَيانَ: أنَّهُ خَلَقَ فِيهِ الاِسْتِعْدادَ لِعِلْمِ ذَلِكَ وألْهَمَهُ وضْعَ اللُّغَةِ لِلتَّعارُفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي الإشارَةِ إلى أنَّ نِعْمَةَ البَيانِ أجَلُّ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، فَعَدَّ نِعْمَةَ التَّكالِيفِ الدِّينِيَّةِ وفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالعُلُومِ الزّائِدَةِ في بَيانِ الإنْسانِ وهي خَصائِصُ اللُّغَةِ وآدابِها.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلًا بَعْدَ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ.
وفِيهِ مِنَ التَّبْكِيتِ ما عَلِمْتَهُ آنِفًا، ووَجْهُهُ أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوهُ عَلى نِعْمَةِ البَيانِ إذْ
صفحة ٢٣٤
صَرَفُوا جُزْءًا كَبِيرًا مِن بَيانِهِمْ فِيما يُلْهِيهِمْ عَنْ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ وفِيما يُنازِعُونَ بِهِ مَن يَدْعُوهم إلى الهُدى.
﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ .
جُمْلَةٌ هي خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الرَّحْمَنِ وإلّا كانَ ذِكْرُهُ هُنا بِدُونِ مُناسِبَةٍ فَيَنْقَلِبَ اعْتِراضًا. ورابِطُ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ تَقْدِيرُهُ: بِحُسْبانِهِ، أيْ حُسْبانِ الرَّحْمَنِ وضَبْطِهِ.
وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى التَّفَرُّدِ بِخَلْقِ كَوْكَبِ الشَّمْسِ وكُرَةِ القَمَرِ وامْتِنانٌ بِما أوْدَعَ فِيهِما مِن مَنافِعَ لِلنّاسِ، ونِظامِ سَيْرِهِما الَّذِي بِهِ تَدْقِيقُ نِظامِ مُعامَلاتِ النّاسِ واسْتِعْدادِهِمْ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ عِنْدَ تَغَيُّراتِ أجْوائِهِمْ وأرْزاقِهِمْ. ويَتَضَمَّنُ الاِمْتِنانُ بِما في ذَلِكَ مِن مَنافِعِهِمْ، وفي كَوْنِ هَذا الخَبَرِ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدِيدِ ما قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا مِنَ التَّبْكِيتِ، ووَجْهُهُ أنَّهم غَفَلُوا عَمّا في نِظامِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِنَ الحِكْمَةِ وما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّظامُ مِن تَفَرُّدِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ، فاشْتَغَلَ بَعْضُهم بِعِبادَةِ الشَّمْسِ وبَعْضُهم بِعِبادَةِ القَمَرِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] .
وجِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلتَّهْوِيلِ بِالاِبْتِداءِ بِاسْمِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُسْبانَهُما ثابِتٌ لا يَتَغَيَّرُ مُنْذُ بَدْءِ الخَلْقِ مُؤْذِنٌ بِحِكْمَةِ الخالِقِ. واسْتُغْنِيَ بِجَعْلِ اسْمِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مُسْنَدًا إلَيْهِما عَنْ تَفْكِيكِ المُسْنَدِ إلى مَسْنَدَيْنِ: أحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الاِسْتِدْلالِ، والآخَرُ يَدُلُّ عَلى الاِمْتِنانِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] .
والحُسْبانُ: مَصْدَرُ حَسَبَ بِمَعْنى عَدَّ مِثْلَ الغُفْرانِ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ عَنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، والتَّقْدِيرُ: كائِنانِ بِحُسْبانٍ، أيْ بِمُلابَسَةِ حُسْبانٍ أيْ لِحِسابِ النّاسِ مَواقِعَ سَيْرِهِما.
وإسْنادُ هَذِهِ المُلابَسَةِ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ
صفحة ٢٣٥
سَبَبٌ لِتَلَبُّسِ النّاسِ بِحِسابِهِما كَما تَقُولُ: أنْتَ بِعِنايَةٍ مِنِّي، جَعَلْتَ عِنايَتَكَ مُلابِسَةً لِلْمُخاطَبِ مُلابَسَةً اعْتِبارِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. والحُسْبانُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِظامِ سَيْرِهِما انْتِظامًا مُطَّرِدًا لا يَخْتَلُّ حِسابُ النّاسِ لَهُ والتَّوْقِيتُ بِهِ.
واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ دُونَ بَقِيَّةِ الكَواكِبِ وإنْ كانَ فِيها حُسْبانُ الأنْواءِ، والحَرِّ والبَرْدِ، مِثْلِ الجَوْزاءِ، والشِّعْرى، ومَنزَلَةِ الأسَدِ، والثُّرَيّا، لِأنَّ هَذَيْنِ الكَوْكَبَيْنِ هُما البادِيانِ لِجَمِيعِ النّاسِ لا يَحْتاجُ تَعَقُّلُ أحْوالِهِما إلى تَعْلِيمِ تَوْقِيتٍ مِثْلَ الكَواكِبِ الأُخْرى.
ولِأنَّ السُّورَةَ هَذِهِ بُنِيَتْ عَلى ذِكْرِ الأُمُورِ المُزْدَوِجَةِ والشَّمْسُ والقَمَرُ مُزْدَوِجانِ في مَعارِفِ عُمُومِ النّاسِ فالشَّمْسُ: كَوْكَبٌ سَماوِيٌّ لِأنَّهُ أعْلى مِنَ الأرْضِ والأرْضُ تَدُورُ حَوْلَهُ وداخِلَهُ في النِّظامِ الشَّمْسِيِّ. والقَمَرُ: كَوْكَبٌ أرْضِيٌّ لِأنَّهُ دُونَ الأرْضِ وتابِعٌ لَها كَبَقِيَّةِ أقْمارِ الكَواكِبِ فَذِكْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَذِكْرِ السَّماءِ والأرْضِ، والمَشْرِقِ، والمَغْرِبِ، والبَحْرِينِ.
﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] عَطَفَ الخَبَرَ عَلى الخَبَرِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ لِأنَّ سُجُودَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِلَّهِ تَعالى وهو انْتِقالٌ مِنَ الاِمْتِنانِ بِما في السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ إلى الاِمْتِنانِ بِما في الأرْضِ، وجَعَلَ لَفْظَ النَّجْمِ واسِطَةَ الاِنْتِقالِ لِصَلاحِيَّتِهِ لِأنَّهُ يُرادُ مِنهُ نُجُومُ السَّماءِ وما يُسَمّى نَجْمًا مِن نَباتِ الأرْضِ كَما يَأْتِي.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ولَمْ تُفْصَلْ فَخَرَجَتْ مِن أُسْلُوبِ تَعْدادِ الأخْبارِ إلى أُسْلُوبِ عَطْفِ بَعْضِ الأخْبارِ عَلى بَعْضٍ لِأنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ لَمْ يُقْصَدْ بِها التَّعْدادُ إذْ لَيْسَ فِيها تَعْرِيضٌ بِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ، فالإخْبارُ بِسُجُودِ النَّجْمِ والشَّجَرِ أُرِيدَ بِهِ الإيقاظُ إلى ما في هَذا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ دَلالَةٍ رَمْزِيَّةٍ، ولِأنَّهُ لَمّا اقْتَضى المَقامُ جَمْعَ النَّظائِرِ مِنَ المُزاوَجاتِ بَعْدَ
صفحة ٢٣٦
ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا سُلُوكَ طَرِيقَةِ الوَصْلِ بالعَطْفِ بِجامِعِ التَّضادِّ.
وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ مُفْتَتَحَةً بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ لِتَكُونَ عَلى صُورَةِ فاتِحَةِ الجُمْلَةِ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها. وأُتِيَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدٍ هَذا السُّجُودِ وتَكَرُّرِهِ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] .
والنَّجْمُ يُطْلَقُ: اسْمَ جَمْعٍ عَلى نُجُومِ السَّماءِ قالَ تَعالى ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ويُطْلَقُ مُفْرَدًا فَيُجْمَعُ عَلى نُجُومٍ، قالَ تَعالى ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] . وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ هُنا بِنُجُومِ السَّماءِ.
ويُطْلَقُ النَّجْمُ عَلى النَّباتِ والحَشِيشِ الَّذِي لا سُوقَ لَهُ فَهو مُتَّصِلٌ بِالتُّرابِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ النَّجْمِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ. والشَّجَرُ: النَّباتُ الَّذِي لَهُ ساقٌ وارْتِفاعٌ عَنْ وجْهِ الأرْضِ. وهَذانَ يَنْتَفِعُ بِهِما الإنْسانُ والحَيَوانُ.
فَحَصَلَ مِن قَوْلِهِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] قَرِينَتانِ مُتَوازِيَتانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وهَذا مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ الكامِلَةِ.
والسُّجُودُ: يُطْلَقُ عَلى وضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، ويُطْلَقُ الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أوِ اسْتِعارَةً ومِنهُ قَوْلُهم نَخْلَةٌ ساجِدَةٌ إذا أمالَها حِمْلُها، فَسُجُودُ نُجُومِ السَّماءِ نُزُولُها إلى جِهاتِ غُرُوبِها، وسُجُودُ نَجْمِ الأرْضِ التِصاقُهُ بِالتُّرابِ كالسّاجِدِ، وسُجُودُ الشَّجَرِ تَطَأْطُؤُهُ بِهُبُوبِ الرِّياحِ ودُنُوُّ أغْصانِهِ لِلجّانِينَ لِثِمارِهِ والخابِطِينَ لِوَرَقِهِ، فَفِعْلُ يَسْجُدانِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ وهُما الدُّنُوُّ لِلْمُتَناوِلِ والدَّلالَةُ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ شَبَّهَ ارْتِسامَ ظِلالِهِما عَلى الأرْضِ بِالسُّجُودِ كَما قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وكَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ٢٣٧
يَكُبُّ عَلى الأذْقانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
فَقالَ: عَلى الأذْقانِ، لِيَكُونَ الاِنْكِبابُ مُشَبَّهًا بِسُقُوطِ الإنْسانِ عَلى الأرْضِ بِوَجْهِهِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، وذِكْرُ الأذْقانِ تَخْيِيلٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ فِعْلُ يَسْجُدانِ هُنا مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المَوْجُوداتِ دَلالاتٍ عِدَّةً عَلى أنَّ اللَّهَ مُوجِدُها ومُسَخِّرُها، فَفي جَمِيعِها دَلالاتٌ عَقْلِيَّةٌ، وفِيَ بَعْضِها أوْ مُعْظَمِها دَلالاتٌ أُخْرى رَمْزِيَّةٌ وخَيالِيَّةٌ لِتُفِيدَ مِنها العُقُولُ المُتَفاوِتَةُ في الاِسْتِدْلالِ.
55:7–9Page 531
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧
And the heaven He raised and imposed the balance
أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٨
That you not transgress within the balance.
وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩
And establish weight in justice and do not make deficient the balance.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضْعَ المِيزانَ﴾ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ .
اطَّرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبُ المُقابَلَةِ بَيْنَ ما يُشْبِهُ الضِّدَّيْنِ بَعْدَ مُقابَلَةِ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِذِكْرِ النَّجْمِ والشَّجَرِ، فَجِيءَ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ وخَلْقِ الأرْضِ.
وعادَ الكَّلامُ إلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ كَما في قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ فَهو في مَعْناهُ.
ورَفْعُ السَّماءِ يَقْتَضِي خَلْقَها. وذُكِرَ رَفْعُها لِأنَّهُ مَحَلُّ العِبْرَةِ بِالخَلْقِ العَجِيبِ. ومَعْنى رَفَعَها: خَلَقَها مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ أعْمِدَةٍ كَما يُقالُ لِلْخَيّاطِ: وسِّعْ جَيْبَ القَمِيصِ، أيْ خِطْهُ واسِعًا عَلى أنَّ في مُجَرَّدِ الرَّفْعِ إيذانًا بِسِمُوِّ المَنزِلَةِ وشَرَفِها لِأنَّ فِيها مَنشَأ أحْكامِ اللَّهِ ومَصْدَرَ قَضائِهِ، ولِأنَّها مَكانُ المُلائِكَةِ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وتَقْدِيمُ السَّماءِ عَلى الفِعْلِ النّاصِبِ لَهُ زِيادَةٌ في الاِهْتِمامِ بِالاِعْتِبارِ بِخَلْقِها.
والمِيزانُ: أصْلُهُ اسْمُ آلَةِ الوَزْنِ، والوَزْنُ تَقْدِيرُ تَعادُلِ الأشْياءِ وضَبْطُ مَقادِيرِ ثِقَلِها وهو مِفْعالٌ مِنَ الوَزْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وشاعَ إطْلاقُ المِيزانِ عَلى العَدْلِ بِاسْتِعارَةِ لَفْظِ المِيزانِ لِلْعَدْلِ عَلى وجْهِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٢٣٨
والمِيزانُ هَنا مُرادٌ بِهِ العَدْلَ، مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] لِأنَّهُ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ، أيْ عَيَّنَهُ لِإقامَةِ نِظامِ الخَلْقِ، فالوَضْعُ هُنا مُسْتَعارٌ بِالجَعْلِ فَهو كالإنْزالِ في قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] . ومِنهُ قَوْلُ أبِي طَلْحَةَ الأنْصارِيِّ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بِئْرُ حاءٍ وأنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ أيِ اجْعَلْها وعَيِّنْها لِما يَدُلُّكَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَإطْلاقُ الوَضْعِ في الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ رَفْعِ السَّماءِ مُشاكَلَةٌ ضِدِّيَّةٌ، وإيهامُ طِباقٍ مَعَ قَوْلِهِ (رَفَعَها) فَفِيهِ مُحْسِنانِ بَدِيعِيّانِ.
وقَرَنَ ذَلِكَ مَعَ رَفْعِ السَّماءِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ العَدْلِ بِأنْ نُسِبَ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ وهو عالَمُ الحَقِّ والفَضائِلِ، وأنَّهُ نُزُلٌ إلى الأرْضِ مِنَ السَّماءِ أيْ هو مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَدْلِ مَعَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] في سُورَةِ الحِجْرِ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] في سُورَةِ الدُّخانِ. وهَذا يُصَدِّقُ القَوْلَ المَأْثُورَ: بِالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. وإذْ قَدْ كانَ الأمْرُ بِإقامَةِ العَدْلِ مِن أهَمِّ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ قُرِنَ ذِكْرُ جَعْلِهِ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ووُضِعَ فِيها المِيزانُ.
وأنْ في قَوْلِهِ أنْ لا تَطْغَوْا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِأنَّ فِعْلَ وضَعَ المِيزانَ فِيهِ مَعْنى أمْرِ النّاسِ بِالعَدْلِ. وفي الأمْرِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِحَرْفِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ. فَكانَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ العَدْلِ في أكْثَرِ المُعامَلاتِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ. فَتَكُونُ لا ناهِيَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَها. والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا تَطْغَوْا في المِيزانِ، وعَلى كِلا الاِحْتِمالَيْنِ يُرادُ بِالمِيزانِ ما يَشْمَلُ العَدْلَ ويَشْمَلُ ما بِهِ تَقْدِيرُ الأشْياءِ المَوْزُونَةِ ونَحْوِها في البَيْعِ والشِّراءِ، أيْ مِن فَوائِدِ تَنْزِيلِ الأمْرِ بِالعَدْلِ أنْ تَجْتَنِبُوا الطُّغْيانَ في إقامَةِ الوَزْنِ في المُعامَلَةِ. وتَكُونُ لا نافِيَةً، وفِعْلُ تَطْغَوْا مَنصُوبًا بِ أنَّ المَصْدَرِيَّةِ.
صفحة ٢٣٩
ولَفْظُ المِيزانِ يَسْمَحُ بِإرادَةِ المَعْنَيَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وفي لَفْظِ المِيزانِ وما قارَنَهُ مِن فِعْلِ (وضَعَ) وفِعْلَيْ (لا تَطْغَوْا) و (أقِيمُوا) وحَرْفُ الباءِ في قَوْلِهِ بِالقِسْطِ وحَرْفُ في مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ولَفْظُ القِسْطِ، كُلُّ هَذِهِ تَظاهَرَتْ عَلى إفادَةِ هَذِهِ المَعانِي وهَذا مِن إعْجازِ القُرْآنِ.
والطُّغْيانُ: دَحْضُ الحَقِّ عَمْدًا واحْتِقارًا لِأصْحابِهِ، فَمَعْنى الطُّغْيانِ في العَدْلِ الاِسْتِخْفافُ بِإضاعَتِهِ وضَعْفُ الوازِعِ عَنِ الظُّلْمِ. ومَعْنى الطُّغْيانِ في وزْنِ المُقَدَّراتِ تَطْفِيفُهُ.
و(في) مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ تُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ أقَلِّ طُغْيانٍ عَلى المِيزانِ، أيْ لَيْسَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ المِيزانِ كُلِّهِ بَلِ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ طُغْيانٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى نَحْوِ الظَّرْفِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، أيِ ارْزُقُوهم مِن بَعْضِها وقَوْلُ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
إذْ أرادَ أنَّهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بِبَعْضِ أثْمانِ إبِلِهِمْ ويُقامِرُونَ، أيْ أنَّ لَهم فِيها مَنافِعَ أُخْرى وهي العَطاءُ والأكْلُ مِنها لِقَوْلِهِ في صَدْرِ البَيْتِ:
نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَفْسِيرِيَّةً.
وعَلى جُمْلَةِ ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ عَلى احْتِمالِ قَوْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَعْلِيلًا.
والإقامَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قائِمًا، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإتْيانِ بِهِ عَلى أكْمَلِ ما يُرِيدُ لَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَزْنُ حَقِيقَتُهُ: تَحْقِيقُ تَعادُلِ الأجْسامِ في الثِّقَلِ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ ما يَشْمَلُ تَقْدِيرُ الكَمِّيّاتِ وهو الكَيْلُ والمِقْياسُ.
صفحة ٢٤٠
والقِسْطُ: العَدْلُ وهو مُعَرَّبٌ مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ قِسْطاسٌ ثُمَّ اخْتُصِرَ في العَرَبِيَّةِ فَقالُوا مَرَّةً: قِسْطاسٌ، ومَرَّةً: قِسْطٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ.
والمَعْنى: اجْعَلُوا العَدْلَ مُلازِمًا لِما تَقُوِّمُونَهُ مِن أُمُورِكم كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وكَما قالَ ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ أوِ الباءِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ راعُوا في إقامَةِ التَّمْحِيصِ ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْهَدُونَ إلى التَّطْفِيفِ في الوَزْنِ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] . فَلَمّا كانَ التَّطْفِيفُ سُنَّةً مِن سُنَنِ المُشْرِكِينَ تَصَدَّتِ الآيَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، ويَجِيءُ عَلى الاِعْتِبارَيْنِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ فَإنْ حُمِلَ المِيزانُ فِيهِ عَلى مَعْنى العَدْلِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنِ التَّهاوُنِ بِالعَدْلِ لِغَفْلَةٍ أوْ تَسامُحٍ بَعْدَ أنْ نَهى عَنِ الطُّغْيانِ فِيهِ، ويَكُونُ إظْهارُ لَفْظِ المِيزانِ في مَقامِ ضَمِيرِهِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ عِنايَةِ اللَّهِ بِالعَدْلِ، وإنْ حُمِلَ فِيهِ عَلى آلَةِ الوَزْنِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنْ غَبْنِ النّاسِ في الوَزْنِ لَهم كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] .
والإخْسارُ: جَعْلُ الغَيْرِ خاسِرًا والخَسارَةُ النَّقْصُ.
فَعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى العَدْلِ يَكُونُ الإخْسارُ جَعْلَ صاحِبِ الحَقِّ خاسِرًا مَغْبُونًا؛ ويَكُونُ المِيزانُ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى آلَةِ الوَزْنِ يَكُونُ الإخْسارُ بِمَعْنى النَّقْصِ، أيْ لا تَجْعَلُوا المِيزانَ ناقِصًا كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وقَدْ عَلِمْتَ هَذا النَّظْمَ البَدِيعَ في الآيَةِ الصّالِحَ لِهَذِهِ المَحامِلِ.
55:10–12Page 531
وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠
And the earth He laid [out] for the creatures.
فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١
Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]
وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢
And grain having husks and scented plants.
صفحة ٢٤١
﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] وهو مُقابِلُهُ في المُزاوَجَةِ والوَضْعِ يُقابِلُ الرَّفْعَ، فَحَصَلَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ، ومَعْنى (وضَعَها) خَفَضَها لَهم، أيْ جَعَلَها تَحْتَ أقْدامِهِمْ وجَنُوبِهِمْ لِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الاِنْتِفاعِ بِها بِجَمِيعِ ما لَهم فِيها مِن مَنافِعَ ومُعالَجاتٍ.
واللّامُ في لِلْأنامِ لِلْأجَلِ. والأنامُ: اخْتَلَفَتْ أقْوالُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ فِيهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ الجَوْهَرِيُّ ولا الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ ولا ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ ولا أبُو البَقاءِ الكَفَوِيُّ في الكُلِّيّاتِ. وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ (الخَلْقُ وهو كُلُّ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ فِيها رُوحٌ) . وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّهُ الإنْسانُ فَقَطْ. وهو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
وسِياقُ الآيَةِ يُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ، لِأنَّهُ في مَقامِ الاِمْتِنانِ والاِعْتِناءِ بِالبَشَرِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ وفِيهِ لُغاتٌ: أنامٌ كَسَحابٍ، وأنامٌ كَساباطٍ، وأنِيمٌ كَأمِيرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ إلى آخِرِها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ وتَقْدِيمُ (فِيها) عَلى المُبْتَدَأِ لِلْاِهْتِمامِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأرْضُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿وضَعَها لِلْأنامِ﴾ يَتَضَمَّنُ وضْعًا وعِلَّةً لِذَلِكَ الوَضْعِ كانَتِ الجُمْلَةُ المُبَيِّنَةُ لَهُ مُشْتَمِلَةً عَلى ما فِيهِ العِبْرَةِ والاِمْتِنانِ.
والفاكِهَةُ: اسْمٌ لِما يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا لا قُوتًا مُشْتَقَّةٌ مِن فَكِهَ كَفَرِحَ، إذا طابَتْ نَفْسُهُ بِالحَدِيثِ والضَّحِكِ، قالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] لِأنَّ أكْلَ ما يَلَذُّ لَلْأكْلِ ولَيْسَ بِضَرُورِيٍّ لَهُ إنَّما يَكُونُ في حالِ الاِنْبِساطِ.
صفحة ٢٤٢
والفاكِهَةُ: مِثْلُ الثِّمارِ والبُقُولِ مِنُ لَوْزٍ وجَوْزٍ وفُسْتُقٍ.
وعَطَفَ عَلى الفاكِهَةِ النَّخْلَ وهو شَجَرُ التَّمْرِ وهو أهَمُّ شَجَرِ الفاكِهَةِ عِنْدَ العَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِمْ، وهو يُثْمِرُ أصْنافًا مِنَ الفاكِهَةِ مِن رَطْبٍ وبُسْرٍ ومِن تَمْرٍ وهو فاكِهَةٌ وقُوتٌ.
ووَصْفُ النَّخْلِ ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ وصْفٌ لِلتَّحْسِينِ فَهو اعْتِبارٌ بِأطْوارِ ثَمَرِ النَّخْلِ، وامْتِنانٌ بِجَمالِهِ وحُسْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] فامْتَنَّ بِمَنافِعِها وبِحُسْنِ مَنظَرِها.
والأكْمامُ: جَمْعُ كُمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وهو وِعاءُ ثَمَرِ النَّخْلَةِ ويُقالُ لَهُ: الكُفُرّى، فَلَيْسَتِ الأكْمامُ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ النَّخْلِ لِلتَّحْسِينِ.
﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾: هو الحُبُّ الَّذِي لِنَباتِهِ سَنابِلُ ولَها ورَقٌ وقَصَبٌ فَيَصِيرُ تِبْنًا، وذَلِكَ الوَرَقُ والقَصَبُ هو العَصْفُ، أيِ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ وهَذا وصَفٌ لِحَبِّ الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ وبِهِما قِوامُ حَياةِ مُعْظَمِ النّاسِ وكَذَلِكَ ما أشْبَهَهُما مِن نَحْوِ السَّلْتِ والأُرْزِ.
وسُمِّيَ العَصْفُ عَصْفًا لِأنَّ الرِّياحَ تَعْصِفُهُ، أيْ تُحَرِّكُهُ ووَصَفَ الحَبَّ بِأنَّهُ ﴿ذُو العَصْفِ﴾ لِلتَّحْسِينِ ولِلتَّذْكِيرِ بِمِنَّةِ جَمالِ الزَّرْعِ حِينَ ظُهُورِهِ في سُنْبُلِهِ في حُقُولِهِ نَظِيرَ وصْفِ النَّخْلِ بِذاتِ الأكْمامِ ولِأنَّ في المَوْصُوفِ ووَصْفِهِ أقْواتَ البَشَرِ وحَيَوانِهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ بِرَفْعِ الحَبِّ ورَفْعِ الرَّيْحانِ ورَفْعِ ذُو، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِرَفْعِ الحَبِّ وذُو وبِجَرِّ الرَّيْحانِ عَطْفًا عَلى العَصْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ وعَلامَةُ نَصْبِ (ذا العَصْفِ) الألْفُ. وكَذَلِكَ كُتِبَ في مُصْحَفِ الشّامِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ أوْ هو عَلى الاِخْتِصاصِ.
والرَّيْحانُ: ما لَهُ رائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ مِنَ الأزْهارِ والحَشائِشِ وهو فَعْلانُ مِنَ الرّائِحَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ ما لَهُ رائِحَةٌ طَيِّبَةٌ. وهَذا اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ بِالنَّباتِ المُودَعَةِ فِيهِ الأطْيابُ مِثْلَ الوَرْدِ والياسَمِينِ وما يُسَمّى بِالرَّيْحانِ الأخْضَرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences