Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Rahman 55:29–45
55:29Page 532
يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩
Whoever is within the heavens and earth asks Him; every day He is in [i.e., bringing about] a matter.1
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ، والمَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْقَرِضُ مِنهم أجْيالٌ وتَبْقى أجْيالٌ وكَلُّ باقٍ مُحْتاجٌ إلى أسْبابِ بَقائِهِ وصَلاحِ أحْوالِهِ فَهم في حاجَةٍ إلى الَّذِي لا يَفْنى وهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِمْ. ولَمّا أفْضى الإخْبارُ إلى حاجَةِ النّاسِ إلَيْهِ تَعالى أتْبَعَ بِأنَّ الاِحْتِياجَ عامٌّ أهْلَ الأرْضِ وأهْلَ السَّماءِ. فالجَمِيعُ يَسْألُونَهُ، فَسُؤالُ أهْلِ السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ويَسْألُونَ رِضى اللَّهُ تَعالى، ومَن في الأرْضِ وهُمُ البَشَرُ يَسْألُونَهُ نِعَمَ الحَياةِ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ ورَفْعَ الدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ. وحَذَفَ مَفْعُولَ يَسْألُهُ لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ، أيْ يَسْألُونَهُ حَوائِجَهم ومَهامِّهِمْ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها.
* * *
﴿كُلُّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في يَسْألُهُ أوْ تَذْيِيلًا لِجُمَلَةِ ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ مِنَ الشُّئُونِ
صفحة ٢٥٥
لِلسّائِلِينَ وغَيْرِهِمْ فَهو تَعالى يُبْرِمُ شُئُونًا مُخْتَلِفَةً مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ دَوامًا، ويَكُونُ (كُلَّ يَوْمٍ) ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِالاِسْتِقْرارِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، وقُدِّمَ عَلى ما فِيهِ مُتَعَلِّقُهُ لِلْاِهْتِمامِ بِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ ودَوامِهِ. والمَعْنى: في شَأْنٍ مِن شُئُونِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنِ اسْتِجابَةِ سُؤْلٍ، ومِن زِيادَةٍ، ومِن حِرْمانٍ، ومِن تَأْخِيرِ الاِسْتِجابَةِ، ومِن تَعْوِيضٍ عَنِ المُؤَوَّلِ بِثَوابٍ، كَما ورَدَ في أحادِيثَ الدُّعاءِ أنَّ اسْتِجابَتَهُ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
ومَعْنى (في) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَقْوِيَةُ ثُبُوتِ الشُّئُونِ لِلَّهِ تَعالى وهي شُئُونُ تَصَرُّفِهِ ومَظاهِرُ قُدْرَتِهِ، كَما قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ النَّيْسابُورِيُّ: شُئُونٌ يُبْدِيها لا شُئُونَ يَبْتَدِيها.
و(يَوْمٍ) مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الوَقْتِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، إذِ المَعْنى: كُلُّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ولَوْ لَحُظَةً، ولَيْسَ المُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتَ الخاصَّ الَّذِي يَمْتَدُّ مِنَ الفَجْرِ إلى الغُرُوبِ.
وإطْلاقُ اليَوْمِ ونَحْوِهُ عَلى مُطْلَقِ الزَّمانِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: الدَّهْرُ يَوْمانِ يَوْمٌ نُعُمٌ ويَوْمٌ بُؤْسٌ، وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وإنَّ غَدًا وإنَّ اليَوْمَ رَهْنٌ وبَعْدَ غَدٍ لِما لا تَعْلَمِينَ
أرادَ الزَّمانَ المُسْتَقْبَلَ والحاضِرَ والمُسْتَقْبَلَ البَعِيدَ وإلّا فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ غَدٍ وبَعْدَ غَدٍ.
والشَّأْنُ: الشَّيْءُ العَظِيمُ والحَدَثُ المُهِمُّ مِن مَخْلُوقاتٍ وأعْمالٍ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ تَعالى كُلُّ يَوْمٍ يَغْفِرُ ذَنْبًا ويُفَرِّجُ كَرْبًا ويَرْفَعُ أقْوامًا ويَضَعُ آخَرِينَ»، وهو تَعالى يَأْمُرُ ويَنْهى ويُحْيِي ويُمِيتُ ويُعْطِي ويَمْنَعُ ونَحْوَ ذَلِكَ وإذا كانَ في تَصَرُّفِهِ كُلُّ شَأْنٍ فَما هو أقَلُّ مِنَ الشَّأْنِ أوْلى بِكَوْنِهِ مِن تَصَرُّفِهِ.
والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَعْمَلَةُ في حَرْفِ في ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعارَةٌ لِشِدَّةِ التَّلَبُّسِ
صفحة ٢٥٦
والتَّعَلُّقِ بِتَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ إحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ أوْ بِأسْئِلَةِ المَخْلُوقاتِ الَّذِينَ في السَّماءِ والأرْضِ.
والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كُلُّ يَوْمٍ تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بِأُمُورٍ يُبْرِزُها ويَتَعَلَّقُ أمْرُهُ التَّكْوِينِيُّ بِأُمُورٍ مِن إيجادٍ أوْ إعْدامٍ.
ومِن أحاسِنِ الكَلِمِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ لَمّا سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ قائِلًا: قَدْ أشْكَلَ عَلَيَّ قَوْلُهُ هَذا: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فَقالَ: إنَّها شُئُونٌ يُبْدِيها لا شُئُونَ يَبْتَدِيها وقَدْ أجْمَلَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ الجَوابَ بِما يُقْنِعُ أمْثالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ، وإنْ كانَ الإشْكالُ غَيْرَ وارِدٍ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ الشُّئُونَ تُخالِفُ ما سَطَرَهُ قَلَمُ العِلْمِ الإلَهِيِّ، عَلى أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَجْرِي إلّا عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
55:30Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِهِ.
﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ .
هَذا تَخَلُّصٌ مِنَ الاِعْتِبارِ بِأحْوالِ الحَياةِ العاجِلَةِ إلى التَّذْكِيرِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُناسَبَةِ اشْتِمالِ ما سَبَقَ مِن دَلائِلَ سَعَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى تَعْرِيضٍ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ أهْلٌ لِلتَّوْحِيدِ بِالإلَهِيَّةِ، ومُسْتَحَقُّ الإفْرادِ بِالعِبادَةِ، وإذْ قَدْ كانَ المُخاطَبُونَ بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ مَعَ اللَّهِ في العِبادَةِ انْتَقَلَ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِأنَّهم وأوْلِياءَهم مِنَ الجِنِّ المُسَوِّلِينَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ سَيُعْرَضُونَ عَلى حُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ التَّرْكِيبِ المُكَنّى بِهِ عَنِ التَّحْقِيقِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ.
والفَراغُ لِلشَّيْءِ: الخُلُوُّ عَمّا يُشْغِلُ عَنْهُ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْاِعْتِناءِ بِالشَّيْءِ، شَبَّهَ حالَ المُقْبِلِ عَلى عَمَلٍ دُونَ عَمَلٍ آخَرَ بِحالِ الوِعاءِ الَّذِي أُفْرِغَ مِمّا فِيهِ لِيُمْلَأ بِشَيْءٍ آخَرَ.
وهَذا التَّمْثِيلُ صالِحٌ لِلْاِسْتِعْمالِ في الاِعْتِناءِ كَما في قَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمانِ افْرُغْ إلى أضْيافِكَ أيْ تَخَلَّ عَنْ كُلِّ شُغْلٍ لِتَشْتَغِلَ بِأضْيافِكَ وتَتَوَفَّرُ عَلى قِراهم وصالِحٌ لِلْاِسْتِعْمالِ في الوَعِيدِ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نَمِيرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَها عَذابًا
والمُناسِبُ لِسِياقِ الآيَةِ بِاعْتِبارِ السّابِقِ واللّاحِقِ، أنْ تُحْمَلَ عَلى مَعْنى الإقْبالِ عَلى أُمُورِ الثَّقَلَيْنِ في الآخِرَةِ، لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]، وهَذا لِكُفّارِ الثَّقَلَيْنِ وهُمُ الأكْثَرُ في حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
والثَّقَلانِ: تَثْنِيَةُ ثَقَلٍ، وهَذا المُثَنّى اسْمٌ مُفْرَدٌ لِمَجْمُوعِ الإنْسِ والجِنِّ.
وأحْسَبُ أنَّ الثَّقَلَ هو الإنْسانُ لِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الأرْضِ، فَهو كالثِّقَلِ عَلى الدّابَّةِ، وأنَّ إطْلاقَ هَذا المُثَنّى عَلى الإنْسِ والجِنِّ مِن بابِ التَّغْلِيبِ، وقِيلَ غَيْرَ هَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ المُتَأمِّلُ. وقَدْ عُدَّ هَذا اللَّفْظُ بِهَذا المَعْنى مِمّا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فَلا يُطْلَقُ عَلى نَوْعِ الإنْسانِ بِانْفِرادِهِ اسْمُ الثَّقَلِ ولِذَلِكَ فَهو مُثَنّى اللَّفْظِ مُفْرَدُ الإطْلاقِ. وأظُنُّ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يُطْلَقْ عَلى مَجْمُوعِ النَّوْعَيْنِ قَبْلَ القُرْآنِ فَهو مِن أعْلامِ الأجْناسِ بِالغَلَبَةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ أهْلُ الإسْلامِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ومِيَّةُ أحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ وجْهًا ∗∗∗ وسالِفَةً وأحْسَنُهُ قَذالًا
أرادَ وأحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ لَهُ مُفْرَدًا. وقَدْ أخْطَأ في اسْتِعْمالِهِ إذْ لا عَلاقَةَ لِلْجِنِّ في شَيْءٍ مِن غَرَضِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَنَفْرُغُ بِالنُّونِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الاِلْتِفاتِ.
صفحة ٢٥٨
وكُتِبَ أيُّها في المُصْحَفِ بِهاءٍ لَيْسَ بَعْدَها ألْفٌ وهو رَسْمٌ مُراعى فِيهِ حالَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ في الوَصْلِ إذْ لا يُوقَفُ عَلى مِثْلِهِ، فَقَرَأها الجُمْهُورُ بِفَتْحَةٍ عَلى الهاءِ دُونَ ألِفٍ في حالَتَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِألِفٍ بَعْدَ الهاءِ في الوَقْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الهاءِ تَبَعًا لِضَمِّ الياءِ الَّتِي قَبْلَها وهَذا مِنَ الإتِّباعِ.
55:32Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِهِ ولَيْسَ هو خِطابًا لِلثَّقَلَيْنِ ولا تَذْيِيلًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبِلَهُ إذْ لَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلى الثَّقَلَيْنِ بَلْ هي تَهْدِيدٌ لَهُما.
55:33Page 532
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣
O company of jinn and mankind, if you are able to pass beyond the regions of the heavens and the earth, then pass. You will not pass except by authority [from Allāh].
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ .
هَذا مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ السّابِقِ واللّاحِقِ، ولَيْسَ خِطابًا لِلْإنْسِ والجِنَّ في الحَياةِ الدُّنْيا. والتَّقْدِيرُ: فَنَقُولُ لَكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨] الآيَةِ، أيْ فَنَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمَعْشَرُ: اسْمٌ لِلْجَمْعِ الكَثِيرِ الَّذِي يُعَدُّ عَشَرَةً عَشَرَةً دُونَ آحادٍ.
وهَذا إعْلانٌ لَهم بِأنَّهم في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَجِدُونَ مَنجى مِنها، وهو تَرْوِيعٌ لِلضّالِّينَ والمُضِلِّينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ بِما يَتَرَقَّبُهم مِنَ الجَزاءِ السَّئِّ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقالُ لِجَمْعٍ مُخْتَلِطٍ إلّا والمَقْصُودُ أهْلُ الجِنايَةِ مِنهم فَقَوْلُهُ ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ عامٌ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] إلَخْ.
والنُّفُوذُ والنَّفاذُ: جَوازُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وخُرُوجُهُ مِنهُ. والشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ الَّذِي هو جَوابُ هَذا الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ فانْفُذُوا، أيْ وأنْتُمْ لا تَسْتَطِيعُونَ الهُرُوبَ.
صفحة ٢٥٩
والمَعْنى: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى الاِنْفِلاتِ مِن هَذا المَوْقِفِ فافْلِتُوا. وهَذا مُؤْذِنٌ بِالتَّعْرِيضِ بِالتَّخْوِيفِ مِمّا سَيَظْهَرُ في ذَلِكَ المَوْقِفِ مِنَ العِقابِ لِأهْلِ التَّضْلِيلِ.
والأقْطارُ: جَمْعُ قُطْرٍ بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ وهو النّاحِيَةُ الواسِعَةُ مِنَ المَكانِ الأوْسَعِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] في سُورَةِ الأحْزابِ.
وذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِتَحْقِيقِ إحاطَةِ الجِهاتِ كُلِّها تَحْقِيقًا لِلتَّعْجِيزِ، أيْ: فَهَذِهِ السَّماواتُ والأرْضُ أمامَكم فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ فاخْرُجُوا مِن جِهَةٍ مِنها فِرارًا مِن مَوْقِفِكم هَذا، وذَلِكَ أنَّ تَعَدُّدَ الأمْكِنَةِ يُسَهِّلُ الهُرُوبَ مِن إحْدى جِهاتِها.
والأرْضُ المَذْكُورَةُ هُنا إمّا أنْ تَكُونَ الأرْضَ المَذْكُورَةَ في الدُّنْيا وذَلِكَ حِينَ البَعْثِ، وإمّا أنْ تَكُونَ أرْضَ الحَشْرِ وهي الَّتِي سَمّاها القُرْآنُ السّاهِرَةَ في سُورَةِ النّازِعاتِ، وقالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ المُسْتَعْمَلِ لِلْمُبالَغَةِ في إحاطَةِ الجِهاتِ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي، وأيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي.
وهَذِهِ المَعانِي لا تَتَنافى، وهي مِن حَدِّ إعْجازِ القُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ بَيانٌ لِلتَّعْجِيزِ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ فَإنَّ السُّلْطانَ: القُدْرَةُ، أيْ لا تَنْفُذُونَ مِن هَذا المَأْزِقِ إلّا بِقُدْرَةٍ عَظِيمَةٍ تَفُوقُ قُدْرَةَ اللَّهِ الَّذِي حَشَرَكم لِهَذا المَوْقِفِ، وأنّى لَكم هاتِهِ القُوَّةُ.
وهَذا عَلى طَرِيقِ قَوْلِهِ ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]، أيْ ما صَعِدُوا إلى السَّماءِ فَيَتَنَزَّلُوا بِهِ.
55:34Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
55:35Page 532
يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥
There will be sent upon you a flame of fire and smoke,1 and you will not defend yourselves.
صفحة ٢٦٠
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٍ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] إلَخْ لِأنَّ ذَلِكَ الإشْعارَ بِالتَّهْدِيدِ يُثِيرُ في نُفُوسِهِمْ تَساؤُلًا عَمّا وراءَهُ.
وضَمِيرُ عَلَيْكُما راجِعٌ إلى الجِنِّ والإنْسِ فَهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصَ بِالقَرِينَةِ، وهي قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] الآياتِ. وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهم مُعاقَبُونَ بَعْدَ أنْ عَرَّضَ لَهم بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِقَوْلِهِ ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] .
ومَعْنى ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ أنَّ ذَلِكَ يَعْتَرِضُهم قَبْلَ أنْ يَلِجُوا في جَهَنَّمَ، أيْ تُقْذَفُونَ بِشُواظٍ مِن نارٍ تَعْجِيلًا لِلسُّوءِ. والمُضارِعُ لِلْحالِ، أيْ ويُرْسَلُ عَلَيْكُما الآنَ شُواظٌ.
والشُّواظُ بِضَمِّ الشِّينِ وكَسْرِها: اللَّهَبُ الَّذِي لا يُخالِطُهُ دُخانٌ لِأنَّهُ قَدْ كَمُلَ اشْتِعالُهُ وذَلِكَ أشَدُّ إحْراقًا. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الشِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها.
والنُّحاسُ: يُطْلَقُ عَلى الدُّخانِ الَّذِي لا لَهَبَ مَعَهُ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وتَبِعَهُما الخَلِيلُ.
والمَعْنى عَلَيْهِ: أنَّ الدُّخّانَ الَّذِي لَمْ تَلْحَقْهم مَضَرَّتُهُ والاِخْتِناقُ بِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ لَهَبِ الشُّواظِ يُضافُ إلى ذَلِكَ الشُّواظِ عَلى حِيالِهِ فَلا يَفْلِتُونَ مِنَ الأمْرَيْنِ.
ويُطْلَقُ النُّحاسُ عَلى الصُّفْرِ وهو القِطْرُ. وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فالمَعْنى: أنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الصُّفْرُ المُذابُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ونُحاسٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى شُواظٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى نارٍ فَيَكُونُ الشُّواظُ مِنهُ أيْضًا، أيْ: شُواظُ لَهَبٍ مِن نارٍ، ولَهَبٍ مِن نُحاسٍ مُلْتَهِبٍ. وهَذِهِ نارٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
صفحة ٢٦١
ومَعْنى ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾: فَلا تَجِدانِ مَخْلِصًا مِن ذَلِكَ ولا تَجِدانِ ناصِرًا.
والنّاصِرُ: هَنا مُرادٌ مِنهُ حَقِيقَتُهُ ومَجازُهُ، أيْ لا تَجِدانِ مَن يَدْفَعُ عَنْكُما ذَلِكَ ولا مَلْجَأ تَتَّقِيانِ بِهِ.
55:36Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ كالقَوْلِ في الَّذِي وقَعَ قَبْلَهُ قَرِيبًا.
55:37–40Page 532
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧
And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨
So which of the favors of your Lord would you deny? -
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩
Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى إخْبارِ فَرْعٍ عَلى بَعْضِ الخَبَرِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] إلى آخِرِهِ، تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ الإجْمالِ بِتَعْيِينِ وقَتِهِ وشَيْءٍ مِن أهْوالِ ما يَقَعُ فِيهِ لِلْمُجْرِمِينَ وبَشائِرِ ما يُعْطاهُ المُتَّقُونَ مِنَ النَّعِيمِ والحُبُورِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ كانَتْ كَوَرْدَةٍ.
والوَرْدَةُ: واحِدَةُ الوَرْدِ، وهو زَهْرٌ أحْمَرُ مِن شَجَرَةٍ دَقِيقَةٍ ذاتِ أغْصانٍ شائِكَةٍ تَظْهَرُ في فَصْلِ الرَّبِيعِ وهو مَشْهُورٌ. ووَجْهُ الشَّبَهِ قِيلَ هو شِدَّةُ الحُمْرَةِ، أيْ يَتَغَيَّرُ لَوْنُ السَّماءِ المَعْرُوفُ أنَّهُ أزْرَقُ إلى البَياضِ، فَيَصِيرُ لَوْنُها أحْمَرَ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . ويَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةَ الشُّقُوقِ كَأوْراقِ الوَرْدَةِ.
والدِّهانُ، بِكَسْرِ الدّالِ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وهَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ لِلسَّماءِ في التَّمَوُّجِ والاِضْطِرابِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَوابِ وقَدْ مَثَّلَ بِها في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلْاِعْتِراضِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وعَيَّنَ كَوْنَها مُعْتَرِضَةً لا
صفحة ٢٦٢
حالِيَّةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةُ تَكْرِيرٍ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ كَما هو مُبَيَّنٌ، وانْشِقاقُ السَّماءِ مِن أحْوالِ الحَشْرِ، أيْ فَإذا قامَتِ القِيامَةُ وانْشَقَّتِ السَّماءُ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] . وهَذا هو الاِنْشِقاقُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ إلَخْ جَوابُ شَرْطِ إذا. واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّها صَدَرَتْ بِاسْمِ زَمانٍ وهو يَوْمَئِذٌ وذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِدُخُولِ إذا عَلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾: نَفْيُ السُّؤالِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ السّائِلُ مَعْرِفَةَ حُصُولِ الأمْرِ المُتَرَدِّدِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
ولَيْسَ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] وقَوْلِهِ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَإنَّ ذَلِكَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسَعُ الزَّمانِ، فَفِيهِ مُواطِنٌ لا يُسْألُ أهْلُ الذُّنُوبِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وفِيهِ مُواطِنٌ يُسْألُونَ فِيها سُؤالا تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.
55:41Page 533
يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١
The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.
﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ .
هَذا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، أيْ يُسْتَغْنى عَنْ سُؤالِهِمْ بِظُهُورِ عَلاماتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ويَعْرِفُونَهم بِسِيماهم فَيُؤْخَذُونَ أخْذَ عِقابٍ ويُساقُونَ إلى الجَزاءِ.
والسِّيما: العَلامَةُ. وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وال في ﴿بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
صفحة ٢٦٣
والنَّواصِي: جَمْعُ ناصِيَةٍ وهي الشَّعْرُ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] في سُورَةِ هُودٍ.
والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ أخْذٌ مُمْكِنٌ لا يُفْلِتُ مِنهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] .
والأقْدامُ: جَمْعُ قَدَمٍ، وهو ظاهِرُ السّاقِ مِن حَيْثُ تُمْسِكُ اليَدُ رِجْلَ الهارِبِ فَلا يَسْتَطِيعُ انْفِلاتًا وفِيهِ أيْضًا يُوضَعُ القَيْدُ، قالَ النّابِغَةُ:
أوْ حُرَّةٌ كَمَهاةِ الرَّمْلِ قَدْ كُبِلَتْ فَوْقَ المَعاصِمِ مِنها والعَراقِيبِ
55:42Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها الَّذِي قَبِلَها.
55:43–44Page 533
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣
This is Hell, which the criminals deny.
يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤
They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ .
هَذا مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ المَلَأِ.
ووَصُفُ جَهَنَّمَ بِ ﴿الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ تَسْفِيهٌ لِلْمُجْرِمِينَ وفَضْحٌ لَهم. وجُمْلَةُ يَطُوفُونَ حالٌ مِنَ (المُجْرِمُونَ)، أيْ قَدْ تَبَيَّنَ سَفَهُ تَكْذِيبِهِمْ بِجَهَنَّمَ اتِّضاحًا بَيِّنًا بِظُهُورِها لِلنّاسِ وبِأنَّهم يَتَرَدَّدُونَ خِلالَها كَما تَرَدَّدُوا في إثْباتِها حِينَ أُنْذِرُوا بِها في الدُّنْيا.
والطَّوافُ: تَرْدادُ المَشْيِ والإكْثارُ مِنهُ، يُقالُ طافَ بِهِ، وطافَ عَلَيْهِ، ومِنهُ الطَّوافُ بِالكَعْبَةِ، والطَّوافُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، قالَ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والحَمِيمُ: الماءُ المُغَلّى الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.
صفحة ٢٦٤
والمَعْنى: يَمْشُونَ بَيْنَ مَكانِ النّارِ وبَيْنَ الحَمِيمِ فَإذا أصابَهم حَرُّ النّارِ طَلَبُوا التَّبَرُّدَ فَلاحَ لَهُمُ الماءَ فَذَهَبُوا إلَيْهِ فَأصابَهم حَرُّهُ فانْصَرَفُوا إلى النّارِ دَوالَيْكَ وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
وآنٍ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أنى، إذا اشْتَدَّتْ حَرارَتُهُ.
55:45Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
مِثْلُ مَوْقِعِ الَّذِي قَبْلَهُ في التَّكْرِيرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences