Ibn 'AshurAr‑Rahman · 55:46–75

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:46–75

55:46–53Page 533

وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦

But for he who has feared the position of his Lord1 are two gardens -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧

So which of the favors of your Lord would you deny? -

ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ ٤٨

Having [spreading] branches.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ ٥٠

In both of them are two springs, flowing.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ ٥٢

In both of them are of every fruit, two kinds.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.

واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.

وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]

صفحة ٢٦٥

ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:

فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ

أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.

وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.

والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.

وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.

وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ

صفحة ٢٦٦

الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.

والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.

وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.

فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.

وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.

وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.

وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.

صفحة ٢٦٧

و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.

وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.

55:54Page 533

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ وَجَنَى ٱلۡجَنَّتَيۡنِ دَانٖ ٥٤

[They are] reclining on beds whose linings are of silk brocade, and the fruit of the two gardens is hanging low.

﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرِشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنا الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ .

حالٌ مِن ﴿لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وجِيءَ بِالحالِ صِيغَةَ جَمْعٍ بِمَعْنى اعْتِبارِ صاحِبِ الحالِ وصَلاحِيَةِ لَفْظِهِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، لا بِاعْتِبارِ وُقُوعِ صِلَتِهِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ فَإنَّ ذَلِكَ اعْتِبارٌ بِكَوْنِ (مَن) مُفْرَدَةَ اللَّفْظِ.

والمَعْنى: أُعْطُوا الجِنانَ واسْتَقَرُّوا بِها واتَّكَئُوا عَلى فُرُشٍ.

والاِتِّكاءُ: افْتِعالٌ مِنَ الوَكْءِ مَهْمُوزُ اللّامِ وهو الاِعْتِمادُ، فَصارَ الاِتِّكاءُ اسْمًا لِاعْتِمادِ الجالِسِ ومِرْفَقِهِ إلى الأرْضِ وجَنْبِهِ إلى الأرْضِ وهي هَيْئَةٌ بَيْنَ الاِضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ والقُعُودِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا في سُورَةِ الصّافّاتِ.

وفُرُشٌ: جَمْعُ فِراشٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ. والفِراشُ أصْلُهُ ما يُفْرَشُ، أيْ يُبْسَطُ عَلى الأرْضِ لِلنَّوْمِ والاِضْطِجاعِ.

ثُمَّ أطْلَقَ الفِراشُ عَلى السَّرِيرِ المُرْتَفِعِ عَلى الأرْضِ بِسُوقٍ لِأنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِ ما شَأْنُهُ أنْ يُفْرَشَ عَلى الأرْضِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ ما جُعِلَ فِيهِ، ولِذَلِكَ ورَدَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ في قَوْلِهِ عَلى ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] وفي سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .

والمُعَبِّرُ عَنْهُ في هَذِهِ الآياتِ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفُرُشِ في هَذِهِ الآيَةِ السُّرُرُ الَّتِي عَلَيْها الفُرُشُ.

صفحة ٢٦٨

والاِتِّكاءُ: جِلْسَةُ أهْلِ التَّرَفِ المَخْدُومِينَ لِأنَّها جِلْسَةُ راحَةٍ وعَدَمِ احْتِياجٍ إلى النُّهُوضِ لِلتَّناوُلِ ونَحْوِهِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ.

والبَطائِنُ: جَمْعُ بِطانَةٍ بِكَسْرِ الباءِ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ البَطْنِ ضِدِّ الظَّهْرِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الأسْفَلِ. يُقالُ لِلْجِهَةِ السُّفْلى: بَطْنٌ، ولِلْجِهَةِ العُلْيا ظَهْرٌ، فَيُقالُ: بَطَنْتُ ثَوْبِي بِآخَرَ إذا جَعَلَ تَحْتَ ثَوْبِهِ آخَرَ، فَبِطانَةُ الثَّوْبِ داخِلُهُ وما لا يَبْدُو مِنهُ، وضِدُّ البِطانَةِ الظِّهارَةُ بِكَسْرِ الظّاءِ، ومِن كَلامِهِمْ: أفْرَشَنِي ظَهْرُ أمْرِهِ وبَطْنُهُ، أيْ: عَلانِيَّتُهُ وسِرُّهُ، شُبِّهَتِ العَلانِيَةُ بِظَهْرِ الفِراشِ والسِّرُّ بِبَطْنِ الفِراشِ وهُما الظِّهارَةُ والبِطانَةُ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ هَذا التَّشْبِيهَ بِاسْتِعارَةِ فِعْلِ: أفْرَشَنِي. فالبِطانَةُ: هي الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ عَلى الفِراشِ. والظِّهارَةُ: الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ فَوْقَ البِطانَةِ لِيَظْهَرَ لِرُؤْيَةِ الدّاخِلِ لِلْبَيْتِ فَتَكُونُ الظِّهارَةُ أحْسَنُ مِنَ البِطانَةِ في الفِراشِ الواحِدِ.

والعَرَبُ كانُوا يَجْعَلُونَ الفِراشَ حَشِيَّةً، أيْ شَيْئًا مَحْشُوًّا بِصُوفٍ أوْ قُطْنٍ أوْ لِيفٍ لِيَكُونَ أوْثَرَ لِلْجَنْبِ، قالَ عَنْتَرَةُ يَصِفُ تَنَعُّمَ عَبْلَةَ:

تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشِيَّةٍ وأبِيتُ فَوْقَ سَراةِ أدْهَمَ مُلْجَمِ

فَإذا وضَعُوا عَلى الحَشِيَّةِ ثَوْبًا أوْ خاطُوها بِثَوْبٍ فَهو البِطانَةُ، وإذا غَطَّوْا ذَلِكَ بِثَوْبٍ أحْسَنَ مِنهُ فَهو الظِّهارَةُ.

فالمَعْنى هُنا: أنَّ بَطائِنَ فُرُشِ الجَنَّةِ مِن إسْتَبْرَقٍ فَلا تَسْألُ عَنْ ظَهائِرِها فَإنَّها أجْوَدُ مِن ذَلِكَ، ولا ثَوْبَ مِنَ الثِّيابِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ النّاسِ في الدُّنْيا أنْفَسُ مِنَ الإسْتَبْرَقِ البَطائِنِ بِالذِّكْرِ كِنايَةً عَنْ نَفاسَةِ وصْفِ ظَهائِرِ الفُرُشِ.

والإسْتَبْرَقُ: صِنْفٌ رَفِيعٌ مِنَ الدِّيباجِ الغَلِيظِ. والدِّيباجُ: نَسِيجٌ غَلِيظٌ مِن حَرِيرِ والإسْتَبْرَقِ يُنْسَجُ بِخُيُوطِ الذَّهَبِ. قالَ الفَخْرُ: وهو مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ عَنْ كَلِمَةِ (سْتبرك) بِكافٍ في آخِرِهِ عَلامَةَ تَصْغِيرٍ (ستبز) بِمَعْنى ثَخِينٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ، فَأبْدَلُوا الكافَ قافًا خَشْيَةَ اشْتِباهِ الكافِ بِكافِ الخِطابِ، والَّذِي في القامُوسِ: الإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ الغَلِيظُ مُعَرَّبُ اسْتُرُوهُ، وقَدْ

صفحة ٢٦٩

تَبَيَّنَ أنَّ الإسْتَبْرَقَ: صِنْفٌ مِنَ الدِّيباجِ، والدِّيباجُ: ثَوْبٌ مَنسُوجٌ مِنَ الحَرِيرِ مَنقُوشٌ وهو أجْوَدُ أنْواعِ الثِّيابِ.

ومِن (جَنى الجَنَّتَيْنِ): ما يُجْنى مِن ثِمارِهِما، وهو بِفَتْحِ الجِيمِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرِ. والمَعْنى: أنَّ ثَمَرَ الجَنَّةِ دانٍ مِنهم وهم عَلى فُرُشِهِمْ فَمَتى شاءُوا اقْتَطَفُوا مِنهُ.

55:55Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

هُوَ مِثْلُ نَظائِرِهِ.

55:56–58Page 533

فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٥٦

In them are women limiting [their] glances,1 untouched2 before them by man or jinnī -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧

So which of the favors of your Lord would you deny? -

كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٥٨

As if they were rubies and coral.1

﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ .

ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى فُرُشٍ وهو سَبَبُ تَأْخِيرِ نِعَمِ أهْلِ الجَنَّةِ بِلَذَّةِ التَّأنُّسِ بِالنِّساءِ عَنْ ما في الجَنّاتِ مِنَ الأفْنانِ والعُيُونِ والفَواكِهِ والفُرُشِ، لِيَكُونَ ذِكْرُ الفُرُشِ مُناسِبًا لِلْاِنْتِقالِ إلى الأوانِسِ في تِلْكَ الفُرُشِ ولِيَجِيءَ هَذا الضَّمِيرُ مُفِيدًا مَعْنًى كَثِيرًا مِن لَفْظٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ مِن خَصائِصِ التَّرْتِيبِ مِن هَذا التَّرْكِيبِ.

فَ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ كائِنَةٌ في الجَنَّةِ وكائِنَةٌ عَلى الفُرُشِ مَعَ أزْواجِهِنَّ قالَ تَعالى ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] الآيَةَ.

و(﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نِساءٌ، وشاعَ المَدْحُ بِهَذا الوَصْفِ في الكَلامِ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ الاِسْمِ، فَ قاصِراتُ الطَّرْفِ نِساءٌ في نَظَرِهِنَّ مِثْلُ القُصُورِ والغَضُّ خِلْقَةٌ فِيهِنَّ، وهَذا نَظِيرُ ما يَقُولُ الشُّعَراءُ مِنَ المُوَلَّدِينَ: مِراضُ العُيُونِ، أيْ مِثْلِ المِراضِ خِلْقَةً. والقُصُورُ: مِثْلُ الغَضِّ مِن صِفاتِ عُيُونِ المَها والظِّباءِ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

وما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إذْ رَحَلُوا إلّا أغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

صفحة ٢٧٠

أيْ: كَغَضِيضِ الطَّرْفِ وهو الظَّبْيُ.

والطَّمْثُ بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ المِيمِ مَسِيسُ الأُنْثى البِكْرِ، أيْ مِن أبْكارٍ. وعُبِّرَ عَنِ البَكارَةِ بِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ إطْنابًا في التَّحْسِينِ، وقَدْ جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] . وهَؤُلاءِ هُنَّ نِساءُ الجَنَّةِ لا أزْواجَ المُؤْمِنِينَ اللّائِي كُنْ لَهم في الدُّنْيا لِأنَّهُنَّ قَدْ يَكُنَّ طَمَثَهم أزْواجٌ فَإنَّ الزَّوْجَةَ في الجَنَّةِ تَكُونُ لِآخِرِ مِن تَزَوَّجَها في الدُّنْيا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ يَطْمِثْهُنَّ هُنا، وفي نَظِيرِهِ الآتِي بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ الدَّوْرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ بِضَمِّ المِيمِ وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ طَمَثَ. ونُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الضَّمِّ والكَسْرِ.

وقَوْلُهُ إنْسٌ قَبْلَهم أيْ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ أحَدٌ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ ولا جانٌّ تَتْمِيمٌ واحْتِراسٌ وهو إطْنابٌ دَعا إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ دارُ ثَوابٍ لِصالِحِ الإنْسِ والجِنِّ فَلَمّا ذَكَرَ (إنْسٌ) نَشَأ تَوَهُّمٌ أنْ يَمَسَّهُنَّ جِنٌّ فَدَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِهَذا الاِحْتِراسِ.

وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ نَعْتٌ أوْ حالٌ مِن ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ .

ووَجْهُ الشَّبَهِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ في لَوْنِ الحُمْرَةِ المَحْمُودَةِ، أيْ حُمْرَةِ الخُدُودِ كَما يُشَبَّهُ الخَدُّ بِالوُرُدِ، ويُطْلَقُ الأحْمَرُ عَلى الأبْيَضِ فَمِنهُ حَدِيثُ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وقالَ عَبْدُ بَنِي الحَسّاسِ:

فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقَتْنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِهِما في الصَّفاءِ واللَّمَعانِ.

55:59Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

كَرَّرَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فِيما عَلِمْتَ سابِقًا.

55:60Page 533

هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠

Is the reward for good [anything] but good?

صفحة ٢٧١

﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ المَبْدُوءَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، أيْ لِأنَّهم أحْسَنُوا فَجازاهم رَبُّهم بِالإحْسانِ.

والإحْسانُ الأوَّلُ: الفِعْلُ الحَسَنُ، والإحْسانُ الثّانِي: إعْطاءُ الحَسَنِ وهو الخَيْرُ، فالأوَّلُ مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَنُوا في كَذا، والثّانِي مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَنَ إلى فُلانٍ.

والاِسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في النَّفْيِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالاِسْتِثْناءِ فَأفادَ حَصْرَ مُجازاةِ الإحْسانِ في أنَّها إحْسانٌ، وهَذا الحَصْرُ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِهِ الجَزاءَ الحَقَّ ومُقْتَضى الحِكْمَةِ والعَدْلِ، وإلّا فَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ لَدى الظّالِمِينَ، قالَ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وقالَ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [الأعراف: ١٩٠] .

وعُلِمَ مِنهُ أنَّ جَزاءَ الإساءَةِ السُّوءُ قالَ تَعالى ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] .

55:61Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

القَوْلُ فِيهِ مِثْلُ القَوْلِ في نَظائِرِهِ.

55:62–69Page 533

وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢

And below them both [in excellence] are two [other] gardens -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣

So which of the favors of your Lord would you deny? -

مُدۡهَآمَّتَانِ ٦٤

Dark green [in color].

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦

In both of them are two springs, spouting.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ ٦٨

In both of them are fruit and palm trees and pomegranates.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.

ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ

صفحة ٢٧٢

رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.

ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.

ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.

ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:

يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ

تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ

و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.

وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.

صفحة ٢٧٣

وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.

55:70–74Page 534

فِيهِنَّ خَيۡرَٰتٌ حِسَانٞ ٧٠

In them are good and beautiful women -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١

So which of the favors of your Lord would you deny? -

حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ ٧٢

Fair ones reserved in pavilions -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣

So which of the favors of your Lord would you deny? -

لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤

Untouched before them by man or jinnī -

﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ .

ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى الجَنّاتِ الأرْبَعِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ والجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ فَصارَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْزِيعًا عَلى مَن خافُوا رَبَّهم كَما تَقَدَّمَ.

و(خَيْراتٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُناسِبُ صِيغَةَ الوَصْفِ، أيْ: نِساءٌ خَيْراتٌ، وخَيْراتٌ مُخَفَّفٌ مِن خَيِّراتٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ مُؤَنَّثُ خَيْرٍ وهو المُخْتَصُّ بِأنَّ صِفَتَهُ الخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ. وخَفَّفَ في الآيَةِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ مَعَ السَّلامَةِ مَعَ اللَّبْسِ بِما أتْبَعَ بِهِ ومِن وصْفِ حِسانٍ الَّذِي هو جَمْعُ حَسْناءَ كَما خَفَّفَ هَيِّنَ ولَيِّنَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

هَيْنُونَ لَيْنُونَ

ومَعْنى (﴿خَيْراتٌ﴾) أنَّهُنَّ فاضِلاتُ النَّفْسِ كَرائِمُ الأخْلاقِ.

ومَعْنى (﴿حِسانٌ﴾): أنَّهم حِسانُ الخَلْقِ، أيْ صِفاتِ الذَّواتِ.

و(﴿حُورٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿خَيْراتٌ﴾) . الحُورُ: جَمْعُ حَوْراءَ وهي ذاتُ الحَوَرِ بِفَتْحِ الواوِ، وهو وصْفٌ مُرَكَّبٌ مِن مَجْمُوعِ شِدَّةٍ بَياضِ أبْيَضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِ أسْوَدِها وهو مِن مَحاسِنِ النِّساءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] في سُورَةِ الدُّخانِ.

صفحة ٢٧٤

ووَصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ بِ قاصِراتِ الطَّرْفِ. ووَصَفَ نِساءَ الجَنّاتِ الأرْبَعِ بِأنَّهُنَ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في الخِيامِ، فَعُلِمَ أنَّ الصِّفاتَ الثّابِتَةَ لِنِساءِ الجَنَّتَيْنِ واحِدَةٌ.

والمَقْصُوراتُ: اللّائِي قُصِرَتْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَعُدُّونَ الأُنْسَ مَعَ أزْواجِهِنَّ، وهو مِن صِفاتِ التَّرَفِ في نِساءِ الدُّنْيا فَهُنَّ اللّائِي لا يَحْتَجْنَ إلى مُغادَرَةِ بِيُوتِهِنَّ لِخِدْمَةٍ أوْ وِرْدٍ أوِ اقْتِطافِ ثِمارٍ، أيْ هُنَّ مَخْدُوماتٌ مُكَرَّماتٌ كَما قالَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ:

ويُكْرِمُها جاراتُها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَعْتَلَّ عَنْ إتْيانِهِنَّ فَتُعَذَرْ

والخِيامُ: جَمْعُ خَيْمَةٍ وهي البَيْتُ، وأكْثَرُ ما تُقالُ عَلى البَيْتِ مَن أدَمٍ أوْ شَعْرٍ تُقامُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى بَيْتِ البِناءِ.

واعْتَرَضَ بِجُمْلَةِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ في كُلِّ مَكانٍ يَقْتَضِيهِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] آنِفًا.

55:75Page 534

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥

So which of the favors of your Lord would you deny? -

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

تَكْرِيرٌ في آخِرِ الأوْصافِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском