Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:71–74
56:71–72Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١
And have you seen the fire that you ignite?
ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢
Is it you who produced its tree, or are We the producer?
﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ هو مِثْلُ سابِقِهِ في نَظْمِ الكَلامِ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الماءِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النّارِ هي ما تَقَدَّمَ في مُناسَبَةِ الِانْتِقالِ إلى خَلْقِ الماءِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الزَّرْعِ والشَّجَرِ، فَإنَّ النّارَ تَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرِ بِالِاقْتِداحِ وتُذَكّى بِالشَّجَرِ في الِاشْتِعالِ والِالتِهابِ.
وهَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى تَقْرِيبِ كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ لِلْبَعْثِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاقْتِداحَ إخْراجٌ والزَّنْدُ الَّذِي بِهِ إيقادُ النّارِ يَخْرُجُ مِن أعْوادِ الِاقْتِداحِ وهي مَيِّتَةٌ.
صفحة ٣٢٦
وفِي قَوْلِهِ ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في الِاسْتِدْلالِ بِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] .
وهُوَ أيْضًا وصْفٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الدَّلِيلِ وهو النّارُ الَّتِي تَقْتَدِحُ مِنَ الزَّنْدِ لا النّارُ المُلْتَهِبَةُ. وضَمِيرُ شَجَرَتِها عائِدٌ إلى النّارِ.
وشَجَرَةُ النّارِ: هي جِنْسُ الشَّجَرِ الَّذِي فِيهِ حُرّاقٌ، أيْ ما يُقْتَدَحُ مِنهُ النّارَ وهو شَجَرُ الزَّنْدِ أوِ الزِّنادِ وأشْجارُ النّارِ كَثِيرَةٌ مِنها المَرْخُ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) والعَفارُ (بِفَتْحِ العَيْنِ) والعُشَرُ (بِضَمٍّ فَفَتْحٍ) والكَلْخُ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) ومِنَ الأمْثالِ: ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ“ أيْ أكْثَرَ مِنَ النّارِ.
وتُورُونَ: مُضارِعُ أوْرى الزَّنْدَ إذا حَكَّهُ بِمِثْلِهِ يَسْتَخْرِجُ مِنهُ النّارَ كانُوا يَضَعُونَ عُودًا مِن شَجَرِ النّارِ ويَحُكُّونَهُ مِن أعْلاهُ بِعُودٍ مِثْلِهِ فَتَخْرُجُ النّارُ مِنَ العُودِ الأسْفَلِ ويُسَمّى العُودُ الأعْلى (زَنْدًا بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ النُّونِ وزِنادًا ( بِكَسْرِ الزّايِ) ويُسَمّى الأسْفَلُ زَنْدَةً بِهاءِ تَأْنِيثٍ في آخِرِهِ، شَبَّهُوا العُودَ الأعْلى بِالفَحْلِ وشَبَّهُوا العُودَ الأسْفَلَ بِالطَّرُوقَةِ وقَدْ تابَعَ ذُو الرُّمَّةِ هَذا المَعْنى في وصْفِهِ الِاقْتِداحَ لِلنّارِ فَقالَ عَلى شِبْهِ الألْغازِ: وسِقْطٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ عاوَرْتُ صاحِبِي أباها وهَيَّأْنا لِمَوْقِعِها وكْرًا ∗∗∗ مُشَهَّرَةٍ لا تُمْكِنُ الفَحْلَ أُمَّهاإذا نَحْنُ لَمْ نُمْسِكْ بِأطْرافِها قَسْرا
وحُذِفَ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ لِأنَّ ضَمِيرَ النَّصْبِ يَكْثُرُ حَذْفُهُ مِنَ الصِّلَةِ، وتَقْدِيرُهُ: الَّتِي تُورُونَها.
وتَعْدِيَةُ تُورُونَ إلى ضَمِيرِ النّارِ تَعْدِيَةً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ تُورُونَ شَجَرَتَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، قَدْ شاعَ هَذا الحَذْفُ في الكَلامِ فَقالُوا: أوْرى النّارَ كَما قالُوا أوَرى الزِّنادَ.
وجُمْلَةُ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ﴾ إلَخْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] .
56:73Page 536
نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣
We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2
صفحة ٣٢٧
﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ .
الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢]، أيْ إنَّ إنْشاءَ النّارِ كانَ لِفَوائِدَ وحِكَمًا مِنها أنْ تَكُونَ تَذْكِرَةً لِلنّاسِ يَذْكُرُونَ بِها نارَ جَهَنَّمَ ويُوازِنُونَ بَيْنَ إحْراقِها وإحْراقِ جَهَنَّمَ الَّتِي يَعْلَمُونَ أنَّها أشَدُّ مِن نارِهِمْ.
والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ، أيْ يُنْتَفَعُ بِهِ زَمانًا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمُقْوِي: الدّاخِلُ في القَواءِ (بِفَتْحِ القافِ والمَدِّ) وهي القَفْرُ، ويُطْلَقُ المُقْوِي عَلى الجائِعِ لِأنَّ جَوْفَهُ أقْوَتْ، أيْ خَلَتْ مِنَ الطَّعامِ إذْ كِلا الفِعْلَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ القَوى وهو الخَلاءُ. وفَراغُ البَطْنِ: قَواءٌ وقَوًى. فَإيثارُ هَذا الوَصْفِ في هَذِهِ الآيَةِ لِيَجْمَعَ المَعْنَيَيْنِ، فَإنَّ النّارَ مَتاعٌ لِلْمُسافِرِينَ يَسْتَضِيئُونَ بِها في مَناخِهِمْ ويَصْطَلُونَ بِها في البَرْدِ ويَراها السّائِرُ لَيْلًا في القَفْرِ فَيَهْتَدِي إلى مَكانِ النُّزُلِ فَيَأْوِي إلَيْهِمْ ومَتاعٌ لِلْجائِعِينَ يَطْبُخُونَ بِها طَعامَهم في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وهَذا إدْماجٌ في الِامْتِنانِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ. واخْتِيرَ هَذانِ الوَصْفانِ لِأنَّ احْتِياجَ أصْحابِهِما إلى النّارِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِ غَيْرِهِما.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ رَتَّبَ عَلى ما مَضى مِنَ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى دَلائِلِ عَظَمَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ وعَلى أمْثالٍ لِتَقْرِيبِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوا خَبَرَهُ، وعَلى جَلائِلِ النِّعَمِ المُدْمَجَةِ في أثْناءِ ذَلِكَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُنَزِّهَهُ تَنْزِيِهًا خاصًّا مُعَقِّبًا لِما تُفِيضُهُ عَلَيْهِ تِلْكَ الأوْصافُ الجَلِيلَةُ الماضِيَةُ مِن تَذَكُّرٍ جَدِيدٍ يَكُونُ التَّنْزِيهُ عَقِبَهُ ضَرْبًا مِنَ التَّذَكُّرِ في جَلالِ ذاتِهِ والتَّشَكُّرِ لِآلائِهِ فَإنَّ لِلْعِباداتِ مَواقِعَ تَكُونُ هي فِيها أكْمَلَ مِنها في دُونِها، فَيَكُونُ لَها مِنَ الفَضْلِ ما يُجْزَلُ ثَوابُهُ فالرَّسُولُ ﷺ لا يَخْلُو عَنْ تَسْبِيحِ رَبِّهِ والتَّفَكُّرِ في عَظَمَةِ شَأْنِهِ ولَكِنْ لِاخْتِلافِ التَّسْبِيحِ والتَّفَكُّرِ مِن تَجَدُّدِ مُلاحَظَةِ النَّفْسِ ما يَجْعَلُ لِكُلِّ حالٍ مِنَ التَّفَكُّرِ مَزايا تُكْسِبُهُ خَصائِصَ وتَزِيدُهُ ثَوابًا.
صفحة ٣٢٨
فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ﴾ [الواقعة: ٤٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، وهي تَذْيِيلٌ.
والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْمُ الرَّبِّ: هو ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ وجُمّاعِ صِفاتِهِ وهو اسْمُ الجَلالَةِ، أيْ بِأنْ يَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ، فالتَّسْبِيحُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِالألْفاظِ.
ولَمّا كانَ الكَلامُ مَوْضُوعًا لِلدَّلالَةِ عَلى ما في النَّفْسِ كانَ تَسْبِيحُ الِاسْمِ مُقْتَضِيًا تَنْزِيهَ مُسَمّاهُ وكانَ أيْضًا مُقْتَضِيًا أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ بِاللَّفْظِ مَعَ الِاعْتِقادِ لا مُجَرَّدَ الِاعْتِقادِ لِأنَّ التَّسْبِيحَ لَمّا عُلِّقَ بِلَفْظِ اسْمٍ تَعَيَّنَ أنَّهُ تَسْبِيحٌ لَفْظِيٌّ، أيْ قُلْ كَلامًا فِيهِ مَعْنى التَّنْزِيهِ، وعَلِّقْهُ بِاسْمِ رَبِّكَ، فَكُلُّ كَلامٍ يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ مَشْمُولٌ لِهَذا الأمْرِ، ولَكِنْ مُحاكاةُ لَفْظِ القُرْآنِ أوْلى وأجْمَعُ بِأنْ يَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما قالَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في سُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» أيْ: يَتَأوَّلُهُ عَلى إرادَةِ ألْفاظِهِ.
والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى ”اسْمِ“ زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ اللُّصُوقِ، أيِ: اتِّصالُ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ وذَلِكَ لِوُقُوعِ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ عَقِبَ ذِكْرِ عِدَّةِ أُمُورٍ تَقْتَضِيهِ حَسْبَما دَلَّتْ عَلَيْهِ فاءُ التَّرْتِيبِ فَكانَ حَقِيقًا بِالتَّقْوِيَةِ والحَثِّ عَلَيْهِ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] لِوُقُوعِهِ في صَدْرِ جُمْلَتِهِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] .
وهَذا الأمْرُ شامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ أنَّ القُرْآنَ مَتْلُوٌّ لَهم وأنَّ ما تَفَرَّعَ الأمْرُ عَلَيْهِ لا يَخْتَصُّ عِلْمُهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ فَلَمّا أُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ لِأجْلِهِ فَكَذَلِكَ مَن عَلِمَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ ما أنْزَلْنا مِنَ الدَّلائِلِ وتَذَكَّرْتُمْ ما في ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ فَنَزِّهُوا اللَّهَ وعَظِّمُوهُ بِقُصارى ما تَسْتَطِيعُونَ.
صفحة ٣٢٩
و”العَظِيمِ“ صالِحٌ لِأنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِـ ”رَبِّكَ“، وهو عَظِيمٌ بِمَعْنى ثُبُوتِ جَمِيعِ الكَمالِ لَهُ وهَذا مَجازٌ شائِعٌ مُلْحَقٌ بِالحَقِيقَةِ؛ وصالِحٌ لِأنْ يَكُونَ وصَفًا لِـ ”اسْمِ“ والِاسْمُ عَظِيمٌ عَظَمَةً مَجازِيَّةً لِيُمْنِهِ ولِعَظَمَةِ المُسَمّى بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences