Ibn 'AshurAl‑Waqi'ah · 56:82–94

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:82–94

56:82Page 537

وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ ٨٢

And make [the thanks for] your provision that you deny [the Provider]?

﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾

إذا جَرَيْنا عَلى ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] عَطَفَ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَتَكُونُ داخِلَةً في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ ومُسْتَقِلَّةً بِمَعْناها.

والمَعْنى: أفَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ؟ وهو تَفْرِيعٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِدْلالُ بِتَكْوِينِ نَسْلِ الإنْسانِ وخَلْقِ الحَبِّ، والماءِ في المُزْنِ، والنّارِ مِن أعْوادِ الِاقْتِداحِ، فَإنَّ في مَجْمُوعِ ذَلِكَ حُصُولَ مُقَوِّماتِ الأقْواتِ وهي رِزْقٌ، والنَّسْلُ رِزْقٌ، يُقالُ: رُزِقَ فُلانٌ ولَدًا، لِأنَّ الرِّزْقَ يَقَعُ عَلى العَطاءِ النّافِعِ، قالَ لَبِيدٌ:

رُزِقَتْ مَرابِيعَ النُّجُومِ وصابَها ودْقُ الرَّواعِدِ جَوْدُها فَرِهامُها

أيْ أُعْطِيَتْ، وقالَ تَعالى ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] فَعَطَفَ الإطْعامَ عَلى الرِّزْقِ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ.

والاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ العاطِفِ إنْكارِيٌّ، وإذْ كانَ التَّكْذِيبُ لا يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ

صفحة ٣٤٠

رِزْقًا تَعَيَّنَ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ يُفِيدُهُ الكَلامُ فَقَدَّرَهُ المُفَسِّرُونَ: شُكْرَ رِزْقِكم، أوْ نَحْوَهُ، أيْ تَجْعَلُونَ شُكْرَ اللَّهِ عَلى رِزْقِهِ إيّاكم أنْ تُكَذِّبُوا بِقُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الحَياةِ، لِأنَّهم عَدَلُوا عَنْ شُكْرِ اللَّهِ تَعالى فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ فاسْتَنْقَصُوا قُدْرَتَهُ عَلى إعادَةِ الأجْسامِ، ونَسَبُوا الزَّرْعَ لِأنْفُسِهِمْ، وزَعَمُوا أنَّ المَطَرَ تُمْطِرُهُ النُّجُومُ المُسَمّاةُ بِالأنْواءِ فَلِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِمْ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، أيْ لِأنَّهم يَقُولُونَهُ عَنِ اعْتِقادِ تَأْثِيرِ الأنْواءِ في خَلْقِ المَطَرِ، فَمَعْنى قَوْلِابْنِ عَبّاسٍ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، أنَّهُ مُرادٌ مِن مَعْنى الآيَةِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ رِزْقًا: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا اهـ.

أشارَ هَذا إلى ما رُوِيَ في المُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ قالَ: صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ فَلَمّا انْصَرَفَ النَّبِيءُ ﷺ أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ أعْلَمُ قالَ: قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا ونَوْءِ كَذا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ»، ولَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَوْ كانَ نُزُولُها يَوْمَئِذٍ لَقالَهُ الصَّحابِيُّ الحاضِرُ ذَلِكَ اليَوْمَ.

ووَقَعَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ مُطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ النَّبِيءُ «أصْبَحَ مِنَ النّاسِ شاكِرٌ ومِنهم كافِرٌ، قالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا ونَوْءُ كَذا. قالَ فَنَزَلَتْ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حَتّى بَلَغَ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ»﴾ فَزادَ عَلى ما في حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ قَوْلَهُ فَنَزَلَتْ فَلا أُقْسِمُ إلَخْ.

وزِيادَةُ الرّاوِي مُخْتَلَفٌ في قَبُولِها بِدُونِ شَرْطٍ أوْ بِشَرْطِ عَدَمِ اتِّحادِ المَجْلِسِ، أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ مِمَّنْ لا يَغْفُلُ مِثْلُهُ عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الزِّيادَةِ عادَةً وهي أقْوالٌ لِأئِمَّةِ الحَدِيثِ وأُصُولِ الفِقْهِ، وابْنُ عَبّاسٍ لَمْ يَكُنْ في سِنِّ أهْلِ الرِّوايَةِ في مُدَّةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَكَّةَ فَلَعَلَّ قَوْلَهُ ”فَنَزَلَتْ“ تَأْوِيلٌ مِنهُ، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ النّاسَ مُطِرُوا في مَكَّةَ

صفحة ٣٤١

فِي صَدْرِ الإسْلامِ فَقالَ المُؤْمِنُونَ قَوْلًا وقالَ المُشْرِكُونَ قَوْلًا فَنَزَلَتْ آيَةُ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ تَنْدِيدًا عَلى المُشْرِكِينَ مِنهم بِعَقِيدَةٍ مِنَ العَقائِدِ الَّتِي أنْكَرَها اللَّهَ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ مَطَرٌ آخَرُ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ولَمْ يُرْوَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُلْحِقَتْ بِالسُّورَةِ بَعْدَ نُزُولِ السُّورَةِ.

ولَعَلَّ الرّاوِيَ عَنْهُ لَمْ يُحْسِنِ التَّعْبِيرَ عَنْ كَلامِهِ فَأُوهِمَ بِقَوْلِهِ فَنَزَلَتْ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] بِأنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، أوْ نَحْوَ تِلْكَ العِبارَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذا الإيهامِ في أخْبارِ أسْبابِ النُّزُولِ، ويَتَأكَّدُ هَذا صِيغَةُ تُكَذِّبُونَ لِأنَّ قَوْلَهم: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ بِشَيْءِ، ولِذَلِكَ احْتاجَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى تَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] . فَهَذا مَعْنى ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ تُكَذِّبُونَ بِهَذا الخَبَرِ.

والَّذِي نَحاهُ الفَخْرُ مَنحًى آخَرَ فَجَعَلَ مَعْنى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ تَكْمِلَةً لِلْإدْهانِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] فَقالَ: أيْ تَخافُونَ أنَّكم إنْ صَدَّقْتُمْ بِالقُرْآنِ ومَنَعْتُمْ ضُعَفاءَكم مِنَ الكُفْرِ يَفُوتُ عَلَيْكم مِن كَسْبِكم ما تَرْبَحُونَهُ بِسَبَبِهِمْ فَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ أيْ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مُدْهِنُونَ عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ شَبِيهٍ بِهِ، وهو مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، أيْ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وجاعِلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ، فَهَذا التَّكْذِيبُ مِنَ الإدْهانِ، أيْ أنَّهم يَعْلَمُونَ صِدْقَ الرَّسُولِ ﷺ ولَكِنَّهم يُظْهِرُونَ تَكْذِيبَهُ إبْقاءً عَلى مَنافِعِهِمْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . وعَلى هَذا يُقَدَّرُ قَوْلُهُ ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ مَجْرُورًا بِباءِ الجَرِّ مَحْذُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم بِأنَّكم تُكَذِّبُونَ، أيْ تَجْعَلُونَ عِوَضَهُ بِأنْ تُكَذِّبُوا بِالبَعْثِ.

56:83–87Page 537

فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ٨٣

Then why, when it [i.e., the soul at death] reaches the throat

وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ ٨٤

And you are at that time looking on -

وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ٨٥

And We [i.e., Our angels] are nearer to him than you, but you do not see -

فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ٨٦

Then why do you not, if you are not to be recompensed,

تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٨٧

Bring it back,1 if you should be truthful?

صفحة ٣٤٢

﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

مُقْتَضى فاءِ التَّفْرِيعِ أنَّ الكَلامَ الواقِعَ بَعْدَها ناشِئٌ عَمّا قَبْلَهُ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِ وإذْ قَدْ كانَ الكَلامُ السّابِقُ إقامَةَ أدِلَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ الحَياةِ لِلنّاسِ بَعْدَ المَوْتِ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ تِلْكَ الأدِلَّةَ أيَّدَتْ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن إثْباتِ البَعْثِ، وأنْحى عَلَيْهِمْ أنَّهم وضَحَتْ لَهُمُ الحُجَّةُ ولَكِنَّهم مُكابِرُونَ فِيها ومُظْهِرُونَ الجُحُودَ وهم مُوقِنُونَ بِها في الباطِنِ، وكُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِقُوَّةِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إيجادِ مَوْجُوداتٍ لا تَصِلُ إلَيْها مَدارِكُ النّاسِ، انْتَقَلَ الكَلامُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إثْباتِ البَعْثِ بِدَلِيلٍ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَتِهِ.

فالتَّفْرِيعُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] وهو أنْ عَجْزَهم عَنْ إرْجاعِ الرُّوحِ عِنْدَ مُفارَقَتِها الجَسَدَ يُنَبِّهُهم عَلى أنَّ تِلْكَ المُفارَقَةَ مُقَدَّرَةٌ في نِظامِ الخِلْقَةِ وأنَّها لِحِكْمَةٍ.

فَمَعْنى الكَلامِ قَدْ أخْبَرَكُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ يُجازِي النّاسَ عَلى أفْعالِهِمْ ولِذَلِكَ فَهو مُحْيِيهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِإجْراءِ الجَزاءِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ دَلَّكم عَلى ذَلِكَ بِانْتِزاعِ أرْواحِهِمْ مِنهم قَهْرًا، فَلَوْ كانَ ما تَزْعُمُونَ مِن أنَّكم غَيْرَ مَجْزِيِّينَ بَعْدَ المَوْتِ لَبَقِيَتِ الأرْواحُ في أجْسادِها، إذْ لا فائِدَةَ في انْتِزاعِها مِنها بَعْدَ إيداعِها فِيها، لَوْلا حِكْمَةُ نَقْلِها إلى حَياةٍ ثانِيَةٍ، لِيَجْرِيَ جَزاؤُها عَلى أفْعالِها في الحَياةِ الأُولى.

وهَذا نَظِيرُ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ بِأنَّ في كَيْنُونَةِ المَوْجُوداتِ دَلائِلَ خِلْقِيَّةٍ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] . ومَرْجِعُ هَذا المَعْنى إلى أنَّ هَذا اسْتِدْلالٌ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في حالَةِ خَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّ إيداعَ الأرْواحِ في الأجْسادِ تَصَرُّفٌ مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى، وهو الحَكِيمُ، فَما نَزَعَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ بَعْدَ أنْ أوْدَعَها فِيها مُدَّةً إلّا لِأنَّ انْتِزاعَها مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ تُنْتَزَعَ، وانْحَصَرَ ذَلِكَ في أنْ يَجْرِيَ عَلَيْها الحِسابُ عَلى ما اكْتَسَبَتْهُ في مُدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا.

صفحة ٣٤٣

وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ الحَياةَ الدُّنْيا والآجالَ مُدَدَ عَمَلٍ، وجَعَلَ الحَياةَ الآخِرَةَ دارَ جَزاءٍ عَلى الأعْمالِ، ولِذَلِكَ أقامَ نِظامَ الدُّنْيا عَلى قاعِدَةِ الِانْتِهاءِ لِآجالِ حَياةِ النّاسِ.

أمّا مَوْتُ مَن كانَ قَرِيبًا مِن سِنِّ التَّكْلِيفِ ومَن دُونَهُ ومَوْتُ العَجَماواتِ فَذَلِكَ عارِضٌ تابِعٌ لِإجْراءِ التَّكْوِينِ لِلْأجْسادِ الحَيَّةِ عَلى نِظامِ التَّكْوِينِ المُتَماثِلِ، وكَذَلِكَ ما يَعْرِضُ لَها مِن عَوارِضَ مُهْلِكَةٍ اقْتَضاها تَعارُضُ مُقْتَضَياتِ الإنْظامِ وتَكْوِينُ الأمْزِجَةِ مِن صِحَّةٍ ومَرَضٍ، ومُسالَمَةٍ وعُدْوانٍ.

فَبَقِيَ الإشْكالُ في جَعْلِ ”تَرْجِعُونَها“ مِن جُمْلَةِ جَوابِ شَرْطِ (إنْ) إذْ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى صَدِّ الأرْواحِ عَنِ الخُرُوجِ، أنْ يَكُونَ خُرُوجُها لِإجْراءِ الحِسابِ.

ودَفَعَ هَذا الإشْكالَ وُجُوبُ تَأْوِيلِ تَرْجِعُونَها بِمَعْنى تُحاوِلُونَ إرْجاعَها، أيْ: عَدَمُ مُحاوَلَتِكم إرْجاعَها مُنْذُ العُصُورِ الأُولى دَلِيلٌ عَلى تَسْلِيمِكم بِعَدَمِ إمْكانِ إرْجاعِها، وما ذَلِكَ إلّا لِوُجُوبِ خُرُوجِها مِن حَياةِ الأعْمالِ إلى حَياةِ الجَزاءِ.

وأصْلُ تَرْكِيبِ هَذِهِ الجُمْلَةِ: فَإذا كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّكم غَيْرُ مَدِينِينَ فَلَوْلا حاوَلْتُمْ عِنْدَ كُلِّ مُحْتَضِرٍ إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلْقُومَ أنْ تُرْجِعُوها إلى مَواقِعِها مِن أجْزاءِ جَسَدِهِ فَما صَرَفَكم عَنْ مُحاوَلَةِ ذَلِكَ إلّا العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّ الرُّوحَ ذاهِبَةٌ لا مَحالَةَ. فَإذا عَلِمْتَ هَذا اتَّضَحَ لَكَ انْتِظامُ الآيَةِ الَّتِي نُظِمَتْ نَظْمًا بَدِيعًا مِنَ الإيجازِ، وأُدْمِجَ في دَلِيلِها ما هو تَكْمِلَةٌ لِلْإعْجازِ.

و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُسْتَعْمَلٍ في التَّعْجِيزِ لِأنَّ المَحْضُوضَ إذا لَمْ يَفْعَلْ ما حُضَّ عَلى فِعْلِهِ فَقَدْ أظْهَرَ عَجْزَهُ، والفِعْلُ المَحْضُوضُ عَلَيْهِ هو تَرْجِعُونَها، أيْ تُحاوِلُونَ رُجُوعَها.

وإذا بَلَغَتِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَرْجِعُونَها مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِتَهْوِيلِهِ والتَّشْوِيقِ إلى الفِعْلِ المَحْضُوضِ عَلَيْهِ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”بَلَغَتِ“ عائِدٌ عَلى مَفْهُومٍ مِنَ العِباراتِ لِظُهُورِ أنَّ الَّتِي

صفحة ٣٤٤

تَبْلُغُ الحُلْقُومَ هي الرُّوحُ حُذِفَ إيجازًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] أيِ: الشَّمْسُ.

و(ال) في الحُلْقُومِ لِلْعَهْدِ الجِنْسِيِّ.

وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”بَلَغَتِ“ ومَفْعُولُ تَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهُ: تَنْظُرُونَ صاحِبَها، أيْ: صاحِبَ الرُّوحِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَحْقِيقُ أنَّ اللَّهَ صَرَفَهم عَنْ مُحاوَلَةِ إرْجاعِها مَعَ شِدَّةِ أسَفِهِمْ لِمَوْتِ الأعِزَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ تَنْظُرُونَ المَحْذُوفِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

وأيًّا ما كانَتْ فَهي احْتِراسٌ لِبَيانِ أنَّ ثَمَّةَ حُضُورًا أقْرَبَ مِن حُضُورِهِمْ عِنْدَ المُحْتَضِرِ وهو حُضُورُ التَّصْرِيفِ لِأحْوالِهِ الباطِنَةِ.

وقُرْبُ اللَّهِ: قُرْبُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ”وجاءَ رَبُّكَ“، أوْ قُرْبُ مَلائِكَتِهِ المُرْسَلِينَ لِتَنْفِيذِ أمْرِهِ في الحَياةِ والمَوْتِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ [الأعراف: ٥٢]، أيْ جاءَهم جِبْرِيلٌ بِكِتابٍ، قالَ تَعالى ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] .

وجُمْلَةُ ﴿ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ وكَلِمَةُ ”فَلَوْلا“ الثّانِيَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِنَظِيرِها السّابِقِ أُعِيدَ لِتُبْنى عَلَيْهِ جُمْلَةُ تَرْجِعُونَها لِطُولِ الفَصْلِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ أوْ حالٌ مِنَ الواوِ في تَرْجِعُونَها.

وجَوابُ شَرْطِ (إنْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ تَرْجِعُونَها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ تَرْجِعُونَها سَدَّ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَّحْضِيضاتُ، و(إذا) مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ﴾ و(إنْ) المُتَكَرِّرَةُ وحَمْلُ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازٌ أوِ اقْتِضاباتٌ اهـ.

صفحة ٣٤٥

وجُمْلَةُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِمَعْنى مَدِينِينَ يَكُونُ وجْهُ إعادَةِ هَذا الشَّرْطِ مَعَ أنَّهُ مِمّا اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ هو الإيماءُ إلى فَرْضِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ لِما في نَفْسِ الأمْرِ وأنَّ الشَّرْطَ في قَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ هو فَرْضٌ وتَقْدِيرٌ لا وُقُوعَ لَهُ نَفْيُ البَعْثِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَرْجِعُ قَوْلُهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى ما أفادَهُ التَّحْضِيضُ، ومَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ مِن إرادَةِ أنَّ قَبْضَ الأرْواحِ لِتَأْخِيرِهِا إلى يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في نَفْيِ البَعْثِ والجَزاءِ.

وضَمِيرُ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ تَرْجِعُونَها عائِدٌ إلى الرُّوحِ الدّالِّ عَلَيْهِ التّاءُ في قَوْلِهِ ﴿إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ .

ومَعْنى الِاسْتِدْراكِ في ﴿ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ لِرَفْعِ تَوَهُّمٍ قائِلٍ: كَيْفَ يَكُونُ أقْرَبَ إلى المُحْتَضِرِ مِنَ العُوّادِ الحافِّينَ حَوْلَهُ وهم يَرَوْنَ شَيْئًا غَيْرَهم يَدْفَعُ ذَلِكَ بِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ومَفْعُولُ تُبْصِرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ.

ومَعْنى مَدِينِينَ مُجازِينَ عَلى أعْمالِكم. وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَهُ جُمْهُورُ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ عَلى الإجْمالِ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ، والزَّمَخْشَرِيُّ مَدِينِينَ بِمَعْنى: عَبِيدٌ لِلَّهِ، مِن قَوْلِهِمْ: دانَ السُّلْطانُ الرَّعِيَّةُ، إذا ساسَهم، أيْ: غَيْرُ مَرْبُوبِينَ وهو بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ فَرْضٌ وتَقْدِيرٌ فَ (إنْ) فِيهِ بِمَنزِلَةِ (لَوْ)، أيْ: لَوْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، أيْ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ عَلى الأعْمالِ.

وأسْنَدَ فِعْلَ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ إلى المُخاطَبِينَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، دُونَ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ النّاسُ غَيْرَ مَدِينِينَ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الَّذِينَ لِأجْلِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ سِيقَ هَذا الكَلامُ. والمَعْنى: لَوْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وكانَ النّاسُ غَيْرَ مَدِينِينَ لَما أُخْرِجَتِ

صفحة ٣٤٦

الأرْواحُ مِنَ الأجْسادِ إذْ لا فائِدَةَ تَحْصُلُ مِن تَفْرِيقِ ذَيْنَكِ الإلْفَيْنِ لَوْلا غَرَضٌ سامٍ، وهو وضْعُ كُلِّ رُوحٍ فِيما يَلِيقُ بِها مِن عالَمِ الخُلُودِ جَزاءً عَلى الأعْمالِ، ولِذَلِكَ أُوثِرَ لَفْظُ ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: غَيْرُ مَبْعُوثِينَ أوْ غَيْرُ مُعادِينَ، وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الإدانَةِ نَفْيُ البَعْثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْثٌ بِلا جَزاءٍ لَكِنْ ذَلِكَ لا يُدْعى لِأنَّهُ عَبَثٌ.

فَقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الغَرَضَ مِن سَوْقِ هَذا الدَّلِيلِ إبْطالُ إنْكارِهِمُ البَعْثَ الَّذِي هو لِحِكْمَةِ الجَزاءِ.

ومِن مُسْتَتْبَعاتِ هَذا الكَلامِ أنْ يُفِيدَ الإيماءُ إلى حِكْمَةِ المَوْتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ لِأنَّهُ لِتَخْلِيصِ الأرْواحِ مِن هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ المَمْلُوءَةِ باطِلًا إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الحَقِّ الَّتِي تَجْرِي فِيها أحْوالُ الأرْواحِ عَلى ما يُناسِبُ سُلُوكَها في الحَياةِ الدُّنْيا، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فَيَقْتَضِي أنَّهُ لَوْلا أنَّكم مَدِينُونَ لَما انْتَزَعْنا الأرْواحَ مِن أجْسادِها بَعْدَ أنْ جَعَلْناها فِيها ولَأبْقَيْناها لِأنَّ الرُّوحَ الإنْسانِيَّ لَيْسَ كالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى دَلِيلَيْنِ: أحَدُهُما بِحاقِّ التَّرْكِيبِ، والآخَرُ بِمُسْتَتْبَعاتِهِ الَّتِي أوْمَأ إلَيْها قَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ . والغَرَضُ الأوَّلُ هو الَّذِي ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّذِي يُحِيطُ بِأوْفَرِ مَعانِيها دَلالَةً واقْتِضاءً ومُسْتَتْبَعاتٍ. وجُعِلَ في الكَشّافِ مَهْيَعُ الآيَةِ يَصُبُّ إلى إبْطالِ ما يَعْتَقِدُهُ الدَّهْرِيُّونَ، أيِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ”نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ“، لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ. وجُعِلَ مَعْنى مَدِينِينَ مَمْلُوكِينَ لِلَّهِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الفَرّاءُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ أصَحَّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَّفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ بِمُجازى أوْ بِمُحاسَبٍ، فَذَلِكَ هُنا قَلِقٌ. وقُلْتَ: في كَلامِهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ.

وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَفْرِيعَهُ عَلى ما حُكِيَ مِن كَلامِهِمُ السّابِقِ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِن كَلامِهِمْ في الأنْواءِ والتَّكْذِيبِ يُفْضِي إلى مَذْهَبِ التَّعْطِيلِ، فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي وُجُودَ الخالِقِ وهو كُلُّهُ ناءٍ عَنْ مَهْيَعِ الآيَةِ لِأنَّ الدَّهْرِيَّةَ لا يَنْتَحِلُها جَمِيعُ العَرَبِ بَلْ هي نِحْلَةُ طَوائِفَ قَلِيلَةٍ مِنهم وناءٍ عَنْ مُتَعارَفِ ألْفاظِها وعَنْ تَرْتِيبِ اسْتِدْلالِها.

56:88–94Page 537

فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٨٨

And if he [i.e., the deceased] was of those brought near [to Allāh],

فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ ٨٩

Then [for him is] rest and bounty and a garden of pleasure.

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩٠

And if he was of the companions of the right,

فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩١

Then [the angels will say], "Peace for you; [you are] from the companions of the right."

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢

But if he was of the deniers [who were] astray,

فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ ٩٣

Then [for him is] accommodation of scalding water

وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤

And burning in Hellfire.

صفحة ٣٤٧

﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعَيْمٍ﴾ ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ لَمّا اقْتَضى الكَلامُ بِحَذافِرِهِ أنَّ الإنْسانَ صاحِبُ الرُّوحِ صائِرٌ إلى الجَزاءِ فَرَّعَ عَلَيْهِ إجْمالَ أحْوالِ الجَزاءِ في مَراتِبِ النّاسِ إجْمالًا لِما سَبَقَ تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] لِيَكُونَ هَذا فَذْلَكَةً لِلسُّورَةِ ورَدًّا لِعَجُزِها عَلى صَدْرِها.

فَضَمِيرُ ”إنْ كانَ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”إلَيْهِ“ مِن قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] .

والمُقَرَّبُونَ هُمُ السّابِقُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] وأصْحابُ اليَمِينِ قَدْ تَقَدَّمَ. والمُكَذِّبُونَ الضّالُّونَ: هم أصْحابُ الشِّمالِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم.

وقَدْ ذُكِرَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِن هَؤُلاءِ جَزاءٌ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ لِيُضَمَّ إلى ما أُعِدَّ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى طَرِيقَةِ القُرْآنِ في تَوْزِيعِ القِصَّةِ.

والرَّوْحُ: بِفَتْحِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الرّاحَةُ، أيْ فَرَوْحٌ لَهُ، أيْ هو في راحَةٍ ونَعِيمٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] في سُورَةِ يُوسُفَ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الرّاءِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، أيْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُوِيَ عَنْهُ الوَجْهانِ، فالمَشْهُورُ رُوِيَ مُتَواتِرًا، والآخَرُ رُوِيَ مُتَواتِرًا وبِالآحادِ، وكِلاهُما مُرادٌ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ ضَمِّ الرّاءِ: أنَّ رُوحَهُ مَعَها الرَّيْحانُ وهو الطِّيبُ وجَنَّةُ النَّعِيمِ. وقَدْ ورَدَ في حَدِيثٍ آخَرَ: أنَّ «رُوحَ المُؤْمِنِ تَخَرُجُ طَيِّبَةً» . وقِيلَ: أطْلَقَ الرُّوحَ بِضَمِّ الرّاءِ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّ مَن كانَ في رَحْمَةِ اللَّهِ فَهو الحَيُّ حَقًّا، فَهو

صفحة ٣٤٨

ذُو رُوحٍ، أمّا مَن كانَ في العَذابِ فَحَياتُهُ أقَلُّ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤]، أيْ لِأنَّهُ يَتَمَنّى المَوْتَ فَلا يَجِدُهُ.

والرَّيْحانُ: شَجَرٌ لِوَرَقَهِ وقُضْبانِهِ رائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ شَدِيدُ الخُضْرَةِ كانَتِ الأُمَمُ تُزَيِّنُ بِهِ مَجالِسِ الشَّرابِ. قالَ الحَرِيرِيُّ: وطَوْرًا يَسْتَبْزِلُ الدِّنانَ، ومَرَّةً يَسْتَنْشِقُ الرَّيْحانَ وكانَتْ مُلُوكُ العَرَبِ تَتَّخِذُهُ، قالَ النّابِغَةُ:

يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قَبْلَ ذِكْرِ الجَنَّةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَيْهِ إيماءً إلى كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] .

وجُمْلَةُ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ جَوابُ أمّا الَّتِي هي بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ شَيْءٌ. وفَصَلَ بَيْنَ ”ما“ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى اسْمِ شَرْطٍ وبَيْنَ فِعْلِ شَرْطٍ وبَيْنَ الجَوابِ بِشَرْطٍ آخَرَ هو ﴿إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جَرى عَلى لُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ (أمّا) وجَوابِها بِفاصِلٍ كَراهِيَةَ اتِّصالِ فاءِ الجَوابِ بِأداةِ الشَّرْطِ لَمّا التَزَمُوا حَذْفَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَأقامُوا مَقامَهُ فاصِلًا كَيْفَ كانَ.

وجَوابُ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ جَوابُ (أمّا) .

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ .

والسَّلامُ: اسْمٌ لِلسَّلامَةِ مِنَ المَكْرُوهِ، ويُطْلَقُ عَلى التَّحِيَّةِ، واللّامُ في قَوْلِهِ لَكَ لِلِاخْتِصاصِ. والكَلامُ إجْمالٌ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وخَلاصِهِمْ مِنَ المُكَدِّراتِ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَقِيلَ: كافُ الخِطابِ مُوَجَّهَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ. والمَعْنى: أنَّ السَّلامَةَ الحاصِلَةَ لِأصْحابِ اليَمِينِ تَسُرُّ مَن يَبْلُغُهُ أمْرُها. وهَذا كَما يُقالُ:

صفحة ٣٤٩

ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ بِهِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، واللَّفْظُ جَرى مَجْرى المَثَلِ فَطُوِيَ مِنهُ بَعْضُهُ، وأصْلُهُ: فَلَهُمُ السَّلامَةُ سَلامَةٌ تَسُرُّ مَن بَلَغَهُ حَدِيثُها.

وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيرُ المَعْنى كَما تَقَدَّمَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُسَرُّ بِما يَنالُهُ أهْلُ الإسْلامِ مِنَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ وهم مِمَّنْ شَمَلَهم لَفْظُ أصْحابِ اليَمِينِ. وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: تَقُولُ لَهُ المَلائِكَةُ.

ومِن أصْحابِ اليَمِينِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، و”مِن“ عَلى هَذا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَهي بِشارَةٌ لِلْمُخاطَبِ عِنْدَ البَعْثِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] .

وقِيلَ: الكافُ خِطابٌ لِمَن كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَسَلامٌ لَهُ، فَعَدَلَ إلى الخِطابِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّرِيفَةِ، أيْ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ أصْحابُ اليَمِينِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ يُبادِرُونَهُ بِالسَّلامِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن أهْلِ مَنزِلَتِهِمْ، و(مِن) عَلى هَذا ابْتِدائِيَّةٌ.

فَهَذِهِ مَحامِلُ لِهَذِهِ الآيَةِ يُسْتَخْلَصُ مِن مَجْمُوعِها مَعْنى الرِّفْعَةِ والكَرامَةِ.

والمُكَذِّبُونَ الضّالُّونَ: هم أصْحابُ الشِّمالِ في القِسْمِ السّابِقِ إلى أزْواجٍ ثَلاثَةٍ.

وقُدِّمَ هُنا وصْفُ التَّكْذِيبِ عَلى وصْفِ الضَّلالِ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] لِمُراعاةِ سَبَبِ ما نالَهم مِنَ العَذابِ وهو التَّكْذِيبُ، لِأنَّ الكَلامَّ هُنا عَلى عَذابٍ قَدْ حانَ حِينُهُ وفاتَ وقْتُ الحَذَرِ مِنهُ فَبُيِّنَ سَبَبُ عَذابِهِمْ وذُكِّرُوا بِالَّذِي أوْقَعَهم في سَبَبِهِ لِيَحْصُلَ لَهم ألَمُ التَّنَدُّمِ.

والنُّزُلُ: ما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ مِنَ القِرى، وإطْلاقُهُ هُنا تَهَكُّمٌ، كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] .

صفحة ٣٥٠

والتَّصْلِيَةُ: مَصْدَرُ صَلّاهُ المُشَدَّدُ، إذْ أحْرَقَهُ وشَواهُ، يُقالُ: صَلّى اللَّحْمَ تَصْلِيَةً، إذا شَواهُ، وهو هُنا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ لِإيهامِهِ لَهُ يُصَلّى لَهُ الشِّواءُ في نُزُلِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أيْ يُحَرَّقُ بِها.

والجَحِيمُ: يُطْلَقُ عَلى النّارِ المُؤَجَّجَةِ، ويُطْلَقُ عَلَمًا عَلى جَهَنَّمِ دارِ العَذابِ الآخِرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском