Ibn 'AshurAl‑Hadid · 57:12–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:12–15

57:12Page 539

يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢

On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.

﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ مُضاعَفَةَ الثَّوابِ وإعْطاءَ الأجْرِ يَكُونُ في يَوْمِ الجَزاءِ، تَرَجَّحَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ”يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ“ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِما يَحْصُلُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ثَوابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ومِن حِرْمانٍ لِلْمُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ يَوْمَ لِيَخْتَصَّ كُلُّ فَرِيقٍ بِذِكْرِ ما هو مِن شُئُونِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

وعَلى هَذا فالجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَها بِسَبَبِ هَذا التَّعَلُّقِ، عَلى أنَّهُ في نَظْمِ الكَلامِ يَصِحُّ جَعْلُهُ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿يُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] عَلى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ لِذِكْرِ ما يَجْرِي في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَيْراتِ لِأهْلِها ومِنَ الشَّرِّ لِأهْلِهِ.

وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ أجْرِ المُنْفِقِينَ فَعَقَّبَ بِبَيانِ بَعْضِ مَزايا المُؤْمِنِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي فَهي مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَها بِسَبَبِ التَّعَلُّقِ.

والخِطابُ في ”تَرى“ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَكُونَ عَلى مِنوالِ المُخاطَباتِ الَّتِي قَبْلَهُ، أيْ: يَوْمُ يَرى الرّائِي، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، و”يَوْمَ“ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، ويَجُوزُ كَوْنُها فَتْحَةَ إعْرابٍ لِأنَّ المُضافَ إلى المُضارِعِ يَجُوزُ فِيهِ الوَجْهانِ.

ووَجْهُ عَطْفِ ”المُؤْمِناتِ“ عَلى ”المُؤْمِنِينَ“ هُنا، وفي نَظائِرِهِ مِنَ القُرْآنِ المَدَنِيِّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ حُظُوظَ النِّساءِ في هَذا الدِّينِ مُساوِيَةٌ حُظُوظَ الرِّجالِ إلّا فِيما خُصِّصْنَ

صفحة ٣٨٠

بِهِ مِن أحْكامٍ قَلِيلَةٍ لَها أدِلَّتُها الخاصَّةِ وذَلِكَ لِإبْطالِ ما عِنْدَ اليَهُودِ مِن وضْعِ النِّساءِ في حالَةِ مَلْعُوناتٍ ومَحْرُوماتٍ مِن مُعْظَمِ الطّاعاتِ.

وقَدْ بَيَّنّا شَيْئًا مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والنُّورُ المَذْكُورُ هُنا نُورٌ حَقِيقِيٌّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ في مَسِيرِهِمْ مِن مَكانِ الحَشْرِ إكْرامًا لَهم وتَنْوِيهًا بِهِمْ في ذَلِكَ المَحْشَرِ.

والمَعْنى: يَسْعى نُورُهم حِينَ يَسْعَوْنَ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِأنَّ النُّورَ إنَّما يَسْعى إذا سَعى صاحِبُهُ وإلّا لانْفَصَلَ عَنْهُ وتَرَكَهُ.

وإضافَةُ ”نُورٍ“ إلى ضَمِيرِهِمْ وجَعْلُ مَكانِهِ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يُبَيِّنُ أنَّهُ نُورٌ لِذَواتِهِمْ أُكْرِمُوا بِهِ.

وانْظُرْ مَعْنى هَذِهِ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِمْ، وما في قَوْلِهِ يَسْعى مِنَ الِاسْتِعارَةِ، ووَجْهَ تَخْصِيصِ النُّورِ بِالجِهَةِ الأمامِ وبِالأيْمانِ كُلَّ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ.

والباءُ في ”وبِأيْمانِهِمْ“ بِمَعْنى (عَنْ) واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الأيْمانِ تَشْرِيفًا لَها وهو مِنَ الِاكْتِفاءِ، أيْ: وبِجانِبَيْهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَكُونُ النُّورُ المُلابِسُ لِلْيَمِينِ نُورَ كِتابِ الحَسَناتِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٧] فَإنَّ كِتابَ الحَسَناتِ هُدًى فَيَكُونُ لَفْظُ النُّورِ قَدِ اسْتُعْمِلَ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ وهو الهُدى والبَرَكَةُ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ المُعْتَقِ لِلشَّمْعَةِ اهـ. لَعَلَّهُ يُشِيرُ إلى عادَةٍ كانَتْ مَأْلُوفَةً عِنْدَهم أنْ يَجْعَلُوا بِيَدِ العَبْدِ الَّذِي يَعْتِقُونَهُ شَمْعَةً مُشْتَعِلَةً يَحْمِلُها ساعَةَ عِتْقِهِ ولَمْ أقِفْ عَلى هَذا في كَلامِ غَيْرِهِ.

والبُشْرى: اسْمُ مَصْدَرِ بَشَّرَ وهي الإخْبارُ بِخَبَرٍ يَسُرُّ المُخْبَرَ، وأطْلَقَ المَصْدَرَ عَلى المَفْعُولِ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ مِثْلُ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيِ: الَّذِي تُبَشَّرُونَ بِهِ

صفحة ٣٨١

جَنّاتٌ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافَيْنِ تَقْدِيرُهُما: إعْلامٌ بِدُخُولِ جَنّاتٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .

وجُمْلَةُ ”بُشْراكم“ إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم، أيْ: يُقالُ مِن جانِبِ القُدْسِ، تَقُولُهُ المَلائِكَةُ، أوْ يَسْمَعُونَ كَلامًا يَخْلُقُهُ اللَّهُ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن جانِبِ القُدْسِ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحِكايَةِ الَّتِي حُكِيَتْ في القُرْآنِ، عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ تَدُلُّ عَلى مَجْمُوعِ مَحاسِنِ ما وقَعَتْ بِهِ البُشْرى. واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّنْبِيهِ، وضَمِيرُ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.

57:13–14Page 539

يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣

On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.

يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤

They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.

﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ .

”يَوْمَ يَقُولُ“ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ١٢] بَدَلًا مُطابِقًا إذِ اليَوْمُ هو عَيْنُ اليَوْمِ المُعَرَّفِ بِقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] .

والقَوْلُ في فَتْحَةِ ”يَوْمَ“ تَقَدَّمَ في نَظَرِهِ قَرِيبًا.

وعَطْفُ ”المُنافِقاتُ“ عَلى ”المُنافِقُونَ“ كَعَطْفِ المُؤْمِناتِ عَلى المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.

والَّذِينَ آمَنُوا تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هم أصْحابُ النُّورِ وهو لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.

صفحة ٣٨٢

و”انْظُرُونا“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ مَضْمُومًا، مِن نَظَرَهُ، إذا انْتَظَرَهُ مِثْلَ نَظَرَ، إذا أبْصَرَ، إلّا أنَّ نَظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ، ونَظَرَ بِمَعْنى أبْصَرَ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) قالَ تَعالى ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] .

الانْتِظارُ: التَّرَيُّثُ بِفِعْلٍ ما، أيْ: تَرَيَّثُوا في سَيْرِكم حَتّى نَلْحَقَ بِكم فَنَسْتَضِيءَ بِالَّنُورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيكم وبِجانِبِكم وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ الأوَّلِينَ بِالسَّيْرِ إلى الجَنَّةِ فَوْجًا، ويَجْعَلُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا بَيْنَهم في المَدِينَةِ سائِرِينَ وراءَهم كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ ”وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها“ والمَعْنى: أنَّهم يَسِيرُونَ في ظُلُماتٍ فَيَسْألُ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْتَظِرُوهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”انْظُرُونا“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وضَمِّ الظّاءِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ الظّاءِ، مِن أنْظَرَهُ، إذا أمْهَلَهُ، أيْ: أمْهِلُونا حَتّى نَلْحَقَ بِكم ولا تُعَجِّلُوا السَّيْرَ فَيَنْأى نُورُكم عَنّا وهم يَحْسَبُونَ أنَّ بُعْدَهم عَنْهم مِن جَرّاءِ السُّرْعَةِ.

والاقْتِباسُ حَقِيقَتُهُ: أخْذُ القَبَسِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الجَذْوَةُ مِنَ الجَمْرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ومَجِيءُ فَعَلْتُ وافْتَعَلْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِمْ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وحَقَرْتُ واحْتَقَرْتُ، قُلْتَ: وكَذَلِكَ حَفَرْتُ واحْتَفَرْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ نَقْتَبِسُ هُنا حَقِيقَةً بِأنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ مَعَ المُؤْمِنِينَ نُورُ شُعْلَةٍ وحَسِبُوا أنَّهم يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَأْخُذُوا قَبَسًا مِنهُ يُلْقى ذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لِتَكُونَ خَيْبَتُهم أشَدَّ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يُسْتَعارَ الِاقْتِباسُ لِانْتِفاعِ أحَدٍ بِضَوْءِ آخَرَ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الِاقْتِباسَ في الِانْتِفاعِ بِالضَّوْءِ بِدُونِ عِلاجٍ فَمَعْنى ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ نُصِبْ مِنهُ ونَلْتَحِقْ بِهِ فَنَسْتَنِرْ بِهِ.

ويَظْهَرُ مِن إسْنادِ ”قِيلَ“ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ أنَّ قائِلَهُ غَيْرُ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ وإنَّما هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ السّائِقِينَ لِلْمُنافِقِينَ.

وتَكُونُ مَقالَةُ المَلائِكَةُ لِلْمُنافِقِينَ تَهَكُّمًا إذْ لا نُورَ وراءَهم وإنَّما أرادُوا إطْماعَهم

صفحة ٣٨٣

ثُمَّ تَخْيِيبَهم بِضَرِبِ السُّورِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الخَيْبَةَ بَعْدَ الطَّمَعِ أشَدُّ حَسْرَةً. وهَذا اسْتِهْزاءٌ كانَ جَزاءً عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ واسْتِسْخارِهِمْ بِهِمْ، فَهو مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] .

و”وراءَكم“: تَأْكِيدٌ لِمَعْنى ”ارْجِعُوا“ إذِ الرُّجُوعُ يَسْتَلْزِمُ الوَراءَ، وهَذا كَما يُقالُ: رَجَعَ القَهْقَرى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلِ ”التَمِسُوا نُورًا“، أيْ: في المَكانِ الَّذِي خَلْفَكم.

وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى الإغْراءِ بِالتِماسِ النُّورِ هُناكَ وهو أشَدُّ في الإطْماعِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ النُّورَ يُتَناوَلُ مِن ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي صَدَرَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، وبِذَلِكَ الإيهامِ لا يَكُونُ الكَلامُ كَذِبًا لِأنَّهُ مِنَ المَعارِيضِ لا سِيَّما مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ وراءَكم تَأْكِيدًا لِمَعْنى ارْجِعُوا.

وضَمِيرُ ”بَيْنَهم“ عائِدٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ.

وضَرْبُ السُّورِ: وضْعُهُ، يُقالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ:

إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتا مُهاجَرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ

وضَمَّنَ ”ضُرِبَ“ في الآيَةِ مَعْنى الحَجْزِ فَعُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: ضُرِبَ بَيْنَهم سُورٌ لِلْحَجْزِ بِهِ بَيْنَ المُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، خَلَقَهُ اللَّهُ ساعَتَئِذٍ قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ، وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، فَحَقَّ بِذَلِكَ التَّمْثِيلُ الَّذِي مَثَّلَ اللَّهُ بِهِ حالَهم في الدُّنْيا بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأنَّ الحَيْرَةَ وعَدَمَ رُؤْيَةِ المَصِيرِ عَذابٌ ألِيمٌ.

ولَعَلَّ ضَرْبَ السُّورِ بَيْنَهم وجَعْلَ العَذابِ بِظاهِرِهِ والنَّعِيمِ بِباطِنِهِ قُصِدَ مِنهُ التَّمْثِيلُ لَهم بِأنَّ الفاصِلَ بَيْنَ النَّعِيمِ والعَذابِ هو الأعْمالُ في الدُّنْيا وأنَّ الأعْمالَ الَّتِي يَعْمَلُها النّاسُ في الدُّنْيا مِنها ما يُفْضِي بِعامِلِهِ إلى النَّعِيمِ ومِنها ما يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى العَذابِ فَأحَدُ طَرَفَيِ السُّورِ مِثالٌ لِأحَدِ العَمَلَيْنِ وطَرَفُهُ الآخَرُ مِثالٌ

صفحة ٣٨٤

لِضِدِّهِ. و”البابُ“ واحِدٌ وهو المَوْتُ، وهو الَّذِي يَسْلُكُ بِالنّاسِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ.

ولَعَلَّ جَعْلَ البابِ في سُورٍ واحِدٍ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ لِيَمُرَّ مِنهُ أفْواجُ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ مِن وُجُودِ مُنافِقِينَ بَيْنَهم بِمَرْأًى مِنَ المُنافِقِينَ المَحْبُوسِينَ وراءَ ذَلِكَ السُّورِ تَنْكِيلًا بِهِمْ وحَسْرَةً حِينَ يُشاهِدُونَ أفْواجَ المُؤْمِنِينَ يُفْتَحُ لَهُمُ البابُ الَّذِي في السُّورِ لِيَجْتازُوا مِنهُ إلى النَّعِيمِ الَّذِي بِباطِنِ السُّورِ.

ورَكَّبَ القَصّاصُونَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلاتٍ مَوْضُوعَةً في فَضائِلِ بِلادِ القُدْسِ بِفِلَسْطِينَ عَزَوْها إلى كَعْبِ الأحْبارِ فَسَمَّوْا بَعْضَ أبْوابِ مَدِينَةِ القُدْسِ بابَ الرَّحْمَةِ، وسَمَّوْا مَكانًا مِنها وادِي جَهَنَّمَ، وهو خارِجُ سُورِ بِلادِ القُدْسِ، ثُمَّ رَكَّبُوا تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلَيْها وهي أوْهامٌ عَلى أوْهامٍ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّورَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ الحِجابِ الَّذِي ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وضَمائِرُ ”لَهُ بابٌ“ و”باطِنُهُ“ و”ظاهِرُهُ“ عائِدٌ إلى السُّورِ، والجُمْلَتانِ صِفَتانِ لِ ”سُورٍ“ . وإنَّما عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ بِالواوِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصِّفَةِ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] .

والباطِنُ: هو داخِلُ الشَّيْءِ، والظّاهِرُ: خارِجُهُ.

فالباطِنُ: هو داخِلُ السُّورِ الحاجِزِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ وهو مَكانُ المُسْلِمِينَ.

والبُطُونُ والظُّهُورُ هُنا نِسْبِيّانِ، أيْ: بِاعِتَبارِ مَكانِ المُسْلِمِينَ ومَكانِ المُنافِقِينَ، فالظّاهِرُ هو الجِهَةُ الَّتِي نَحْوَ المُنافِقِينَ، أيْ: ضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ يُشاهِدُ المُنافِقُونَ العَذابَ مِن ظاهِرِهِ الَّذِي يُواجِهُهم، وإنَّ الرَّحْمَةَ وراءَ ما يَلِيهِمْ.

و”قِبَلِ“ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، الجِهَةُ المُقابِلَةُ، وقَوْلُهُ ”مِن قِبَلِهِ“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و”العَذابُ“ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بِرُمَّتِها خَبَرٌ عَنْ ظاهِرِهِ.

صفحة ٣٨٥

و(مِن) بِمَعْنى (في) كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] فَتَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ .

والعَذابُ: هو حَرْقُ جَهَنَّمَ فَإنَّ جَهَنَّمَ دارُ عَذابٍ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] .

وجُمْلَةُ ﴿يُنادُونَهُمْ﴾ حالٌ مِن ﴿يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ .

وضَمائِرُ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى﴾ تُعْرَفُ مَراجِعُها مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ.

و﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ، اسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنْ طَلَبِ اللَّحاقِ بِهِمْ والانْضِمامِ إلَيْهِمْ كَما كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ.

والمَعِيَّةُ أُطْلِقَتْ عَلى المُشارَكَةِ في أعْمالِ الإسْلامِ مِن نُطْقٍ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ وإقامَةِ عِباداتِ الإسْلامِ، تَوَهَّمُوا أنَّ المُعامَلَةَ في الآخِرَةِ تَجْرِي كَما تَجْرِي المُعامَلَةُ في الدُّنْيا عَلى حَسَبِ صُوَرِ الأعْمالِ، وما دَرَوْا أنَّ الصُّوَرَ مُكَمِّلاتٌ وأنَّ قِوامَها إخْلاصُ الإيمانِ وهَذا الجَوابُ إقْرارٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالَهم مَعَهم.

ولَمّا كانَ هَذا الإقْرارُ يُوهِمُ أنَّهُ قَوْلٌ بِمُوجَبِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ أعْقَبُوا جَوابَهُمُ الإقْرارِيَ بِالِاسْتِدْراكِ الرّافِعِ لِما تَوَهَّمَهُ المُنافِقُونَ مِن أنَّ المُوافَقَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ في أعْمالِ الإسْلامِ تَكْفِي في التِحاقِهِمْ بِهِمْ في نَعِيمِ الجَنَّةِ فَبَيَّنُوا لَهم أسْبابَ التَّباعُدِ بَيْنَهم بِأنَّ باطِنَهم كانَ مُخالِفًا لِظاهِرِهِمْ.

وذَكَرُوا لَهم أرْبَعَةَ أُصُولٍ هي أسْبابُ الخُسْرانِ، وهي: فِتْنَةُ أنْفُسِهِمْ، والتَّرَبُّصُ بِالمُؤْمِنِينَ، والارْتِيابُ في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ والاغْتِرارُ بِما تُمَوِّهُ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم.

وهَذِهِ الأرْبَعَةُ هي أُصُولُ الخِصالِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى النِّفاقِ.

الأوَّلُ: فِتْنَتُهم أنْفُسَهم، أيْ: عَدَمُ قَرارِ ضَمائِرِهِمْ عَلى الإسْلامِ، فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، فَكَأنَّ الِاضْطِرابَ وعَدَمَ الِاسْتِقْرارِ خُلُقٌ لَهم فَإذا خَطَرَتْ في

صفحة ٣٨٦

أنْفُسِهِمْ خَواطِرُ خَيْرٍ مِن إيمانٍ ومَحَبَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ نَقَضُوها بِخَواطِرِ الكُفْرِ والبَغْضاءِ، وهَذا مِن صُنْعِ أنْفُسِهِمْ فَإسْنادُ الفِتَنِ إلَيْهِمْ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، وكَذَلِكَ الحالُ في أعْمالِهِمْ مِن صَلاةٍ وصَدَقَةٍ.

وهَذا يَنْشَأُ عَنِ الكَذِبِ، والخِداعِ، والاسْتِهْزاءِ، والطَّعْنِ في المُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] .

الثّانِي: التَّرَبُّصُ، والتَّرَبُّصُ: انْتِظارُ شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآيَةَ.

ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ ويَتَعَلَّقُ بِهِ ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِالباءِ. وحَذَفَ هُنا مَفْعُولَهُ ومُتَعَلِّقَهُ لِيَشْمَلَ عِدَّةَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْتَظِرُها المُنافِقُونَ في شَأْنِ المُؤْمِنِينَ وهي كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى أذى المُؤْمِنِينَ والإضْرارِ بِهِمْ فَيَتَرَبَّصُونَ هَزِيمَةَ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ ونَحْوِها مِنَ الأحْداثِ، قالَ تَعالى في بَعْضِهِمْ ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] ويَتَرَبَّصُونَ انْقِسامَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ قالُوا لِفَرِيقٍ مِنَ الأنْصارِ يُنَدِّمُونَهم عَلى مَن قُتِلَ مِن قَوْمِهِمْ في بَعْضِ الغَزَواتِ ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] .

الثّالِثُ: الِارْتِيابُ في الدِّينِ وهو الشَّكُّ في الِاعْتِمادِ عَلى أهْلِ الإسْلامِ أوْ عَلى الكافِرِينَ ويَنْشَأُ عَنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ قالَ تَعالى ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] ولِذَلِكَ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالآجالِ، وقالُوا لِإخْوانِهِمْ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] .

الرّابِعُ: الغُرُورُ بِالأمانِيِّ، وهي جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وهي اسْمُ التَّمَنِّي. والمُرادُ بِها ما كانُوا يُمَنُّونَ بِهِ أنْفُسَهم مِن أنَّهم عَلى الحَقِّ وأنَّ انْتِصارَ المُؤْمِنِينَ عَرَضٌ زائِلٌ، وأنَّ الحَوادِثَ تَجْرِي عَلى رَغْبَتَهِمْ وهَواهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقَوْلُهم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ولِذَلِكَ يَحْسَبُونَ أنَّ العاقِبَةَ لَهم ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وقَدْ بَيَّنْتُ الخِصالَ الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَلى النِّفاقِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَطَبِّقْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُصُولَ الأرْبَعَةَ وألْحِقْ فُرُوعَ بَعْضِها بِبَعْضٍ.

والمَقْصُودُ مِنَ الغايَةِ بِـ ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ التَّنْدِيدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَرْعَوُوا عَنْ

صفحة ٣٨٧

غَيِّهِمْ مَعَ طُولِ مُدَّةِ أعْمارِهِمْ وتَعاقُبِ السِّنِينَ عَلَيْهِمْ وهم لَمْ يَتَدَبَّرُوا في العَواقِبِ، كَما قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] وإسْنادُ التَّغْيِيرِ إلى الأمانِيِّ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الأمانِيَّ والطَّمَعَ في حُصُولِها سَبَبُ غُرُورِهِمْ ومَلابِسُهُ.

ومَجِيءُ أمْرِ اللَّهِ هو المَوْتُ، أيْ حَتّى يَتِمَّ عَلى تِلْكَ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ولَمْ تُقْلِعُوا عَنْها بِالإيمانِ الحَقِّ.

والغايَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، ومِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ يَعْتَبِرَ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَلا يُماطِلُ التَّوْبَةَ ولا يَقُولُ: غَدًا غَدًا.

وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ تَحْقِيرًا لِغُرُورِهِمْ وأمانِيِّهِمْ بِأنَّها مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ لِيَزْدادُوا حَسْرَةً حِينَئِذٍ.

والغَرُورُ: بِفَتْحِ الغَيْنِ مُبالَغَةٌ في المُتَّصِفِ بِالتَّغْرِيرِ، والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ، أيْ: بِإلْقائِهِ خَواطِرَ النِّفاقِ في نُفُوسِهِمْ بِتَلْوِينِهِ بِلَوْنِ الحَقِّ وإرْضاءِ دِينِ الكُفْرِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ جِنْسُ الغارِّينَ، أيْ: وغَرَّكم بِاللَّهِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وقادَةُ النِّفاقِ.

والتَّغْرِيرُ: إظْهارُ الضّارِّ في صُورَةِ النّافِعِ بِتَمْوِيهٍ وسَفْسَطَةٍ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِاللَّهِ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْآلَةِ المَجازِيَّةِ، أيْ: جَعَلَ الشَّيْطانُ شَأْنَ اللَّهِ سَبَبًا لِغُرُورِكم بِأنْ خَيَّلَ إلَيْكم أنَّ الحِفاظَ عَلى الكُفْرِ مُرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعالى وأنَّ النِّفاقَ حافَظْتُمْ بِهِ عَلى دِينِكم وحافَظْتُمْ بِهِ نُفُوسَكم وكَرامَةَ قَوْمِكم واطَّلَعْتُمْ بِهِ عَلى أحْوالِ عَدُوِّكم.

وهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهم قَدْ شاهَدُوا دَلائِلَهُ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ فَرَّعُوا لَهم عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥]، قَطْعًا لِطَمَعِهِمْ أنْ يَكُونُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ كَما كانُوا مَعَهم في الحَياةِ.

57:15Page 539

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."

صفحة ٣٨٨

﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِن تَتِمَّةِ خِطابِ المُؤْمِنِينَ لِلْمُنافِقِينَ اسْتِمْرارًا في التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ. وهَذا ما جَرى عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، فَمَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ بَيِّنٌ والعِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ لا تُؤْخَذَ فِدْيَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ كَفَرُوا حاصِلٌ مِمّا يَسْمَعُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأقْضِيَةِ الإلَهِيَّةِ بَيْنَ الخَلْقِ بِحَيْثُ صارَ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَحْشَرِ، أوْ هو عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في نُفُوسِهِمْ مِمّا عَلِمُوهُ في الدُّنْيا مِن أخْبارِ القُرْآنِ وكَلامِ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ مُوجِبُ عَطْفَ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَعْبِيرًا عَمّا عَلِمُوهُ بِأسْرِهِ وهو عَطْفٌ مُعْتَرِضٌ جَرَّتْهُ المُناسَبَةُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا صادِرًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ تَأْيِيسًا لَهم مِنَ الطَّمَعِ في نَوالِ حَظٍّ مِن نُورِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ الفاءُ مِن عَطْفِ التَّلْقِينِ عاطِفَةً كَلامَ أحَدٍ عَلى كَلامِ غَيْرِهِ لِأجْلِ اتِّحادِ مَكانِ المُخاطَبَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] .

ويَكُونُ عَطْفُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَمْعًا لِلْفَرِيقَيْنِ في تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ واحِدٍ لِاتِّحادِهِما في الكُفْرِ.

وإقْحامُ كَلِمَةِ ”فاليَوْمَ“ لِتَذْكِيرِهِمْ بِما كانُوا يُضْمِرُونَهُ في الدُّنْيا حِينَ يُنْفِقُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ رِياءً وتَقِيَّةً. وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا يُؤْخَذُ“ بِياءِ الغائِبِ المُذَكَّرِ لِأنَّ تَأْنِيثَ ”فِدْيَةٌ“ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَدْ فَصَلَ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ بِالظَّرْفِ فَحَصَلَ مُسَوِّغانِ لِتَرْكِ اقْتِرانِ الفِعْلِ بِعَلامَةِ المُؤَنَّثِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ جَرْيًا عَلى تَأْنِيثِ الفاعِلِ في اللَّفْظِ، والقِراءَتانِ سَواءٌ.

وكَنّى بِنَفْيِ أخْذِ الفِدْيَةِ عَنْ تَحَقُّقِ جَزائِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وإلّا فَإنَّهم لَمْ يَبْذُلُوا فِدْيَةً، ولا كانَ النِّفاقُ مِن أنْواعِ الفِدْيَةِ ولَكِنَّ الكَلامَ جَرى عَلى الكِنايَةِ لِما هو

صفحة ٣٨٩

مَشْهُورٌ مِن أنَّ الأسِيرَ والجانِي قَدْ يَتَخَلَّصانِ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِفِدْيَةٍ تُبْذَلُ عَنْهُما.فَعَطْفُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قُصِدَ مِنهُ تَعْلِيلُ أنْ لا مَحِيصَ لَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، مِثْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيِ: الَّذِينَ أعْلَنُوا الكُفْرَ حَتّى كانَ حالَةً يُعْرَفُونَ بِها. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا هم والكافِرُونَ في صَعِيدٍ واحِدٍ عِنْدَ أبْوابِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ الكافِرُونَ الصُّرَحاءُ مِن ضَمِيرِ ﴿لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ تَعَلُّقًا بِأقَلِ طَمَعٍ، فَلَيْسَ ذِكْرُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُجَرَّدَ اسْتِطْرادٍ.

والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ، أيْ: يُصارُ إلَيْهِ ويُرْجَعُ، وكُنِّيَ بِهِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ والخُلُودِ.

وأكَّدَ ذَلِكَ بِالصَّرِيحِ بِجُمْلَةِ ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكُمْ﴾ أيْ تَرْجِعُونَ إلَيْها كَما يَرْجِعُ المُسْتَنْصِرُ إلى مَوْلاهُ لِيَنْصُرَهُ أوْ يُفادِي عَنْهُ، فاسْتُعِيرَ المَوْلى لِلْمَقَرِّ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ المَوْلى اسْمَ مَكانِ الوَلْيِ، وهو القُرْبُ والدُّنُوُّ، أيْ: مَقَرُّكم، كَقَوْلِ لَبِيدٍ:

فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أنَّهُ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفُها وأمامُها

أيْ: مَكانُ المَخافَةِ ومَقَرُّها.

و”بِئْسَ المَصِيرُ“ تَذْيِيلٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ. وقَدْ يَحْصُلُ العِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما أجابُوا بِهِ أهْلَ النِّفاقِ لِأنَّهم صارُوا إلى دارِ الحَقائِقِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском