Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِذِكْرِ تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ أهَمَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ إثْباتُ وصْفِ اللَّهِ بِالصِّفاتِ الجَلِيلَةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَمّا ضَلَّ في شَأْنِهِ أهْلُ الضَّلالِ مِن وصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وأوَّلُ التَّنْزِيهِ هو نَفْيُ الشَّرِيكِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَإنَّ الوَحْدانِيَّةَ هي أكْبَرُ صِفَةٍ ضَلَّ في كُنْهِها المُشْرِكُونَ والمانَوِيَّةُ ونَحْوُهم مِنأهْلِ التَّثْنِيَةِ وأصْحابِ التَّثْلِيثِ والبَراهِمَةِ، وهي الصِّفَةُ الَّتِي يُنْبِئُ عَنْها اسْمُهُ العَلَمُ أعْنِي
صفحة ٣٥٧
(اللَّهَ) لِما عَلِمْتَ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ مِن أنَّ أصْلَهُ الإلَهُ، أيِ: المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ.
وأتْبَعَ هَذا الِاسْمَ بِصِفاتٍ رَبّانِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى كَمالِ اللَّهِ تَعالى وتَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقْصِ كَما يَأْتِي بَيانُهُ فَكانَتْ هَذِهِ الفاتِحَةُ بَراعَةَ اسْتِهْلالٍ لِهَذِهِ السُّورَةِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ اسْمَهُ العَلَمَ بِعَشْرِ صِفاتٍ هي جامِعَةٌ لِصِفاتِ الكَمالِ وهي: العَزِيزُ، الحَكِيمُ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، يُحْيِي، ويُمِيتُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو الأوَّلُ، والآخِرُ، والظّاهِرُ، والباطِنُ، وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وصِيغَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَنْزِيهَهُ تَعالى أمْرٌ مُقَرَّرٌ أمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِن قَبْلُ وألْهَمَهُ النّاسَ وأوْدَعَ دَلائِلَهُ في أحْوالِ ما لا اخْتِيارَ لَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
فَفِي قَوْلِهِ ”سَبَّحَ“ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أهْمَلُوا أهَمَّ التَّسْبِيحِ وهو تَسْبِيحُهُ عَنِ الشَّرِيكِ والنِّدِّ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلَّهِ“ لامُ التَّبْيِينِ. وفائِدَتُها زِيادَةَ بَيانِ ارْتِباطِ المَعْمُولِ بِعامِلِهِ لِأنَّ فِعْلَ التَّسْبِيحِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لا يَحْتاجُ إلى التَّعْدِيَةِ بِحَرْفٍ، قالَ تَعالى ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦]، فاللّامُ هُنا نَظِيرُهُ اللّامُ في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَكَ، ونَصَحْتُ لَكَ، وقَوْلِهِ تَعالى ”ونُقَدِّسُ لَكَ“، وقَوْلِهِمْ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ، وأصْلُهُ: سَقْيُكَ ورَعْيُكَ.
و﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعُمُّ المَوْجُوداتِ كُلِّها فَإنَّ (ما) اسْمُ مَوْصُولٍ يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم، أوْ هو خاصٌّ بِغَيْرِ العُقَلاءِ فَجَرى هُنا عَلى التَّغْلِيبِ، وكُلُّها دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الشَّرِيكِ فَمِنها دَلالَةٌ بِالقَوْلِ كَتَسْبِيحِ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، ومِنها دَلالَةٌ بِالفِعْلِ كَتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ، ومِنها دَلالَةٌ بِشَهادَةِ الحالِ كَما تُنْبِئُ بِهِ أحْوالُ المَوْجُوداتِ مِنَ الِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ المُنْفَرِدِ بِالتَّدْبِيرِ، فَإنْ جُعِلَ عُمُومُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَخْصُوصًا بِمَن يَتَأتّى مِنهُمُ النُّطْقُ بِالتَّسْبِيحِ وهُمُ العُقَلاءُ كانَ إطْلاقُ التَّسْبِيحِ عَلى تَسْبِيحِهِمْ حَقِيقَةً.
صفحة ٣٥٨
وإنْ حُمِلَ العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ لَزِمَ تَأْوِيلُ فِعْلِ ”سَبَّحَ“ بِما يَشْمَلُ الحَقِيقَةَ والمَجازَ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
والعَزِيزُ: الَّذِي لا يُغْلَبُ، وهَذا الوَصْفُ يَنْفِي وُجُودَ الشَّرِيكِ في الإلَهِيَّةِ.
و”الحَكِيمُ“ المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ، وهي وضْعُ الأفْعالِ حَيْثُ يَلِيقُ بِها، وهي أيْضًا العِلْمُ الَّذِي لا يُخْطِئُ ولا يَتَخَلَّفُ ولا يَحُولُ دُونَ تَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُوماتِ حائِلٌ، وتَقَدَّما في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا الوَصْفُ يُثْبِتُ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى تَهْيِئَةِ المَخْلُوقاتِ لِما بِهِ إصابَةُ ما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، فَلِذَلِكَ عَزَّزَها اللَّهُ بِإرْشادِهِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ.
57:2Page 537
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِذِكْرِ صِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ الَّتِي مُتَعَلِّقُها أحْوالُ الكائِناتِ في السَّماواتِ والأرْضِ وخاصَّةً أهْلُ الإدْراكِ مِنهم.
ومَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيلِ تَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَن لَهُ مُلْكُ العَوالِمِ العُلْيا والعالَمِ الدُّنْيَوِيِّ حَقِيقٌ بِأنْ يَعْرِفَ النّاسُ صِفاتِ كَمالِهِ.
وأفادَ تَعْرِيفُ المُسْنَدِ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِداءِ بِمُلْكِ غَيْرِهِ في الأرْضِ إذْ هو مُلْكٌ ناقِصٌ فَإنَّ المُلُوكَ مُفْتَرِقُونَ إلى مَن يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَوادِي بِالأحْلافِ والجُنْدِ، وإلى مَن يُدَبِّرُ لَهم نِظامَ المَمْلَكَةِ مِن وُزَراءَ وقُوّادٍ، وإلى أخْذِ الجِبايَةِ والجِزْيَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ هو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ، إذا اعْتُبِرَتْ إضافَةُ ”مُلْكُ“ إلى مَجْمُوعِ ”السَّماواتِ والأرْضِ“ فَإنَّهُ لا مُلْكَ لِمالِكٍ عَلى الأرْضِ كُلِّها بَلْهَ السَّماواتُ مَعَها.
وهَذا مَعْنى صِفَتِهِ تَعالى ”المَلِكُ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾
صفحة ٣٥٩
فَإنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مَعْنى مُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّها مِن أحْوالِ ما عَلَيْهِما، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِما لِدَلالَتِهِما عَلى دَقِيقِ الحِكْمَةِ في التَّصَرُّفِ في السَّماءِ والأرْضِ ولِظُهُورِ أنَّ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ لا يَسْتَطِيعُ المَخْلُوقُ ادِّعاءَ أنَّ لَهُ عَمَلًا فِيهِما، ولِلتَّذْكِيرِ بِدَلِيلِ مَكانِ البَعْثِ الَّذِي جَحَدَهُ المُشْرِكُونَ، ولِلتَّعْرِيضِ بِإبْطالِ زَعْمِهِمْ إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]، ومِن هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِصِفَةِ“ المُحْيِي والمُمِيتِ " .
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الإحْياءِ والإماتَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تُفِيدُ مَفادَ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِتَعْمِيمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ مِن بَيانِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وإنَّما عُطِفَتْ بِالواوِ وكانَ حَقُّ التَّذْيِيلِ أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا لِقَصْدِ إيثارِ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِعُمُومِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ قَصْدَ التَّذْيِيلِ، لِأنَّ التَّذْيِيلَ يَحْصُلُ بِالمَعْنى.
57:3Page 537
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
﴿هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ .
اسْتِئْنافٌ في سِياقِ تَبْيِينِ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ، بِأنَّ مُلْكَهُ دائِمٌ في عُمُومِ الأزْمانِ وتَصَرُّفٌ فِيهِما في كُلِّ الأحْوالِ، إذْ هو الأوَّلُ الأزَلِيُّ، وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ مِن قَبْلِ وُجُودِ كُلِّ مُحْدَثٍ ومِن بَعْدِ فَنائِهِ إذِ اللَّهُ هو الباقِي بَعْدَ فَناءِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ يَظْهَرُ مِن دَلالَةِ الآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ فَإنَّ دَلائِلَ تَصَرُّفِهِ ظاهِرَةً لِلْمَتَبَصِّرِ بِالعَقْلِ وهو مَعْنى ”الظّاهِرُ“ كَما يَأْتِي، وأنَّ كَيْفِيّاتِ تَصَرُّفاتِهِ مَحْجُوبَةٌ عَنِ الحِسِّ وذَلِكَ مَعْنى ”الباطِنُ“ تَعالى كَما سَيَأْتِي.
فَضَمِيرُ هو لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ ولَكِنَّهُ ضَمِيرٌ يُعَبِّرُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ لِاعْتِبارِنا الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً ولَوْ جَعَلْتَهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ لَكانَتْ أوْصافُ ﴿الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ أخْبارًا عَنْ ضَمِيرِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] .
صفحة ٣٦٠
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى أرْبَعَةِ أخْبارٍ هي صِفاتٌ لِلَّهِ تَعالى.
فَأمّا وصْفُ ”الأوَّلِ“ فَأصْلُ مَعْناهُ الَّذِي حَصُلَ قَبْلَ غَيْرِهِ في حالَةٍ تُبَيِّنُها إضافَةُ هَذا الوَصْفِ إلى ما يَدُلُّ عَلى الحالَةِ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ، فَقَدْ يَقَعُ مَعَ وصْفٍ. (أوَّلُ) لَفْظٌ يَدُلُّ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَ فِيها السَّبْقُ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مِن سِياقِ الكَلامِ، فَوَصْفُ ”الأوَّلُ“ لا يَتَبَيَّنُ مَعْناهُ إلّا بِما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الكَلامِ ولا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْصُوفٍ آخَرَ وهو مُتَأخِّرٌ عَنِ المَوْصُوفِ بِـ (أوَّلُ) في حالَةٍ ما.
فَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
ومُهَلْهَلُ الشُّعَراءِ ذاكَ الأوَّلُ
يُفِيدُ أنَّ مُهَلْهَلَ سابِقٌ غَيْرَهُ مِنَ الشُّعَراءِ في الشِّعْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] أيْ: أوَّلَهم في اتِّباعِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، أيْ: أوَّلَهم كُفْرًا. وقَوْلُهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩]، أيْ أُولاهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ.
وأشْهَرُ مَعانِي الأوَّلِيَّةِ هو السَّبْقُ في المَوْجُودِ، أيْ في ضِدِّ العَدَمِ، ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الأحْوالِ الَّتِي يَسْبِقُ صاحِبُها غَيْرَهُ فِيها هي وجُوداتٌ مِنَ الكَيْفِيّاتِ، فَوَصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ”الأوَّلُ“ مَعْناهُ: أنَّهُ السّابِقُ وُجُودُهُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ وُجِدَ أوْ سَيُوجَدُ، دُونَ تَخْصِيصِ جِنْسٍ ولا نَوْعٍ ولا صِنْفٍ، ولَكِنَّهُ وصْفٌ نِسْبِيٌّ غَيْرُ ذاتِيٍّ.
ولِهَذا لَمْ يُذْكَرُ لِهَذا الوَصْفِ مُتَعَلِّقٌ (بِكَسْرِ اللّامِ)، ولا ما يَدُلُّ عَلى مُتَعَلِّقٍ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ ”الأوَّلُ“ بِدُونِ تَقْيِيدٍ.
ويُرادِفُ هَذا الوَصْفَ في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ صِفَةُ ”القِدَمِ“ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَصْفَ يَسْتَلْزِمُ صِفَةَ الغِنى المُطْلَقِ، وهي عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى المُخَصَّصِ، أيْ: مُخَصَّصٌ يُخَصِّصُهُ بِالوُجُودِ بَدَلًا مِنَ العَدَمِ، لِأنَّ ”الأوَّلُ“ هُنا مَعْناهُ المَوْجُودُ لِذاتِهِ دُونَ سَبْقِ عَدَمٍ، وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ قِيامَ العَرْضِ بِالجَوْهَرِ.
صفحة ٣٦١
ويَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ انْفِرادُهُ تَعالى بِصِفَةِ الوُجُودِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرُ اللَّهِ واجِبًا وُجُودُهُ لَما كانَ اللَّهُ مَوْصُوفًا بِالأوَّلِيَّةِ، فالمَوْجُوداتُ غَيْرُ اللَّهِ مُمْكِنَةٌ، والمُمْكِنُ لا يَتَّصِفُ بِالأوَّلِيَّةِ المُطْلَقَةِ، فَلِذَلِكَ تَثْبُتُ لَهُ الوَحْدانِيَّةُ، ثُمَّ هَذِهِ الأوَّلِيَّةُ في الوُجُودِ تَقْتَضِي أنْ تَثْبُتَ لِلَّهِ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ اقْتِضاءً عَقْلِيًّا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ البَيِّنِ بِالمَعْنى الأعَمِّ (وهو الَّذِي يَلْزَمُ مِن تَصَوُّرِ مَلْزُومِهِ وتَصَوُّرِهِ الجَزْمُ بِالمُلازَمَةِ بَيْنَهُما) .
وأمّا وصْفُ ”الآخِرُ“ فَهو ضِدُّ الأوَّلِ، فَأصْلُهُ: هو المَسْبُوقُ بِمَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ مُتَحَدَّثٍ عَنْها في الكَلامِ أوْ مُشارٍ إلَيْها فِيهِ بِما يُذْكَرُ مِن مُتَعَلِّقٍ بِهِ، أوْ تَمْيِيزِهِ، عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ هو الأوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ: أُخْراهم في الإدْراكِ في النّارِ، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ آخِرُ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ. . . إلَخْ، وقَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثّانِيَةِ وجَلَسَ في أُخْرَياتِ النّاسِ، أيِ: الجَماعاتِ الأُخْرَياتِ في الجُلُوسِ، وهو وصْفٌ نِسْبِيٌّ.
ووَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ ”الآخِرُ“ بَعْدَ وصْفِهِ بِأنَّهُ ”الأوَّلُ“ مَعَ كَوْنِ الوَصْفَيْنِ مُتَضادَّيْنِ يَقْتَضِي انْفِكاكُ جِهَةِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ أنَّ كَوْنَهُ ”الأوَّلُ“ مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِ المَوْجُوداتِ اقْتَضى أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِـ ”الآخِرُ“ مُتَعَلِّقًا بِانْتِقاضِ ذَلِكَ الوُجُودِ، أيْ هو ”الآخِرُ“ بَعْدَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ في السَّماءِ والأرْضِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ [مريم: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .
فَتَقْدِيرُ المَعْنى: ”والآخِرُ“ في ذَلِكَ أيْ في اسْتِمْرارِ الوُجُودِ الَّذِي تَقَرَّرَ بِوَصْفِهِ بِأنَّهُ ”الأوَّلُ“ . ولَيْسَ في هَذا إشْعارٌ بِأنَّهُ زائِلٌ يَنْتابُهُ العَدَمُ، إذْ لا يُشْعِرُ وصْفُ ”الآخِرُ“ بِالزَّوالِ لا مُطابَقَةً ولا التِزامًا، وهَذا هو صِفَةُ البَقاءِ في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ. فَآلَ مَعْنى ”الآخِرُ“ إلى مَعْنى الباقِي، وإنَّما أُوثِرَ وصْفُ ”الآخِرُ“ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مُقْتَضى البَلاغَةِ لِيَتِمَّ الطِّباقُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المُتَضادَّيْنِ، وقَدْ عُلِمَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ البَقاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِاللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُنافِي الحُدُوثَ عَلى خِلافٍ في تَعْيِينِ الحَوادِثِ الباقِيَةِ، بِخِلافِ وصْفِ القِدَمِ بِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعالى ومُتَنافٍ مَعَ الحُدُوثِ.
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ دَلالَةَ قَصْرٍ مِن طَرِيقِ تَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ.
صفحة ٣٦٢
فَأمّا قَصْرُ الأوَّلِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ الوُجُودِ فَظاهِرٌ، وأمّا قَصْرُ الآخِرِيَّةِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ وهو مَعْنى البَقاءِ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ البَقاءُ في العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ عَرَضَ إشْكالُ المُتَعارِضِ بِما ورَدَ مِن بَقاءِ الأرْواحِ، وحَدِيثُ ”أنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ لا يَفْنى وأنَّ الإنْسانَ مِنهُ يُعادُ“ . ورَفْعُ هَذا الإشْكالِ أنْ يُجْعَلَ القَصْرُ ادِّعائِيًّا لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِبَقاءِ غَيْرِهِ تَعالى لِأنَّهُ بَقاءٌ غَيْرُ واجِبٍ بَلْ هو بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى.
والجَمْعُ بَيْنَ وصْفَيِ ﴿الأوَّلُ والآخِرُ﴾ فِيهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
والظّاهِرُ الأرْجَحُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي هو ضِدُّ الخَفاءِ فَيَكُونُ وصْفُهُ تَعالى بِهِ مَجازًا عَقْلِيًّا، فَإنَّ إسْنادَ الظُّهُورِ في الحَقِيقَةِ هو ظُهُورُ أدِلَّةِ صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ لِأهْلِ النَّظَرِ والاسْتِدْلالِ والتَّدَبُّرِ في آياتِ العالَمِ فَيَكُونُ الوَصْفُ جامِعًا لِصِفَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، وهي الوُجُودُ، إذْ أدِلَّةُ وُجُودِهِ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ ولِصِفاتِهِ الأُخْرى مِمّا دَلَّ عَلَيْها فِعْلُهُ مِن قُدْرَةٍ وعِلْمٍ وحَياةٍ وإرادَةٍ، وصِفاتُ الأفْعالِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ ”هو الأوَّلُ“ عَنِ النَّقْصِ أوْ ما دَلَّ عَلَيْها تَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقْصِ كَصِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ والقِدَمِ والبَقاءِ والغِنى المُطْلَقِ ومُخالَفَةِ الحَوادِثِ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي يُناسِبُهُ المُقابَلَةُ بِالباطِنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الظُّهُورِ، أيِ الغَلَبَةِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠]، فَمَعْنى وصْفِهِ تَعالى بِـ ”الظّاهِرُ“ أنَّهُ الغالِبُ.
وهَذا لا يُناسِبُ مُقابَلَتَهُ بِـ ”الباطِنُ“ إلّا عَلى اعْتِبارِ مُحَسِّنِ الإيهامِ، وما وقَعَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» فَمَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ فِيهِ أنَّ ظُهُورَهُ تَعالى سَبَبٌ في انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ فَوْقَ اللَّهِ في الظُّهُورِ، أيْ في دَلالَةِ الأدِلَّةِ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَدَلالَةُ الفاءِ تَفْرِيعٌ لا تَفْسِيرٌ.
و”الباطِنُ“ الخَفِيُّ يُقالُ: بَطَنَ، إذا خَفِيَ ومَصْدَرُهُ بُطُونٌ.
ومَعْنى وصْفِهِ تَعالى بِباطِنٍ وصْفُ ذاتِهِ وكُنْهِهِ لِأنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ إدْراكِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ قالَ تَعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
صفحة ٣٦٣
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ ظُهُورَ اللَّهِ تَعالى بِالمَعْنَيَيْنِ ظُهُورٌ لا يُدانِيهِ ظُهُورُ غَيْرِهِ، وبُطُونَهُ تَعالى لا يُشْبِهُهُ بُطُونُ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ إذْ لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في إدْراكِ ذاتِهِ ولا في مَعْرِفَةِ تَفاصِيلِ تَصَرُّفاتِهِ.
والجَمْعُ بَيْنَ وصْفِهِ بِـ ”الظّاهِرُ“ بِالمَعْنى الرّاجِحِ و”الباطِنُ“ كالجَمْعِ بَيْنَ وصَفِهِ بِـ ﴿الأوَّلُ والآخِرُ﴾ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا. وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما مُحَسِّنُ المُطابَقَةِ.
وفائِدَةُ إجْراءِ الوَصْفَيْنِ المُتَضادَّيْنِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى لِيَتَدَبَّرَ العالِمُونَ في مَواقِعِها. واعْلَمْ أنَّ الواواتِ الثَّلاثَةَ الواقِعَةَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ مُتَّحِدَةُ المَعْنى تَقْتَضِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَطْفَ صِفَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ الأُولى مَعْناها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ. والثّالِثَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى فَعَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ اهـ. وهو تَشَبُّثٌ لا داعِيَ إلَيْهِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقالَ: هو الأوَّلُ الآخِرُ، والظّاهِرُ الباطِنُ، بِحَذْفِ واوَيْنِ. والمَعْنى الَّذِي حاوَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْتَضِيهُ مَعانِي هاتِهِ الصِّفاتِ بِدُونِ اخْتِلافِ مَعانِي الواواتِ.
* * *
﴿وهْوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ إلَخْ عُطِفَتْ صِفَةُ عِلْمِهِ عَلى صِفَةِ ذاتِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
57:4Page 538
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ .
مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافٌ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] الآيَةَ، فَهَذا اسْتِئْنافٌ ثانٍ مُفِيدٌ الِاسْتِدْلالَ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ لِيُقْلِعُوا عَنِ الإشْراكِ بِهِ.
صفحة ٣٦٤
ويُفِيدُ أيْضًا بَيانًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢] وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢]، فَإنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى عَظِيمِ الإبْداعِ.
والاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ تَمْثِيلٌ لِلْمُلْكِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢] .
وهَذا مَعْنى اسْمِهِ تَعالى ”الخالِقُ“، وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ.
* * *
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ عِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ فَكانَ بَيانَ جُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢] وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ لِلَّفِّ عَلى التَّرْتِيبِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ سَبَأٍ فانْظُرْ ذَلِكَ.
* * *
﴿وهْوَ مَعَكم أيْنَما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عَطْفُ مَعْنًى خاصٍّ عَلى مَعْنًى شَمِلَهُ وغَيْرَهُ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمَعْطُوفِ.
والمَعِيَّةُ تَمْثِيلٌ كِنائِيٌّ عَنِ العِلْمِ بِجَمِيعِ أحْوالِهِ.
و”أيْنَما“ ظَرْفٌ مُرَكَّبٌ مِن (أيْنَ) وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ، و(ما) الزّائِدَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَكْمِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾، وكانَ حَقُّها أنْ لا تُعْطَفَ وإنَّما عُطِفَتْ تَرْجِيحًا لِجانِبِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ.
57:5Page 538
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
صفحة ٣٦٥
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
هَذا تَأْكِيدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَرَّرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، فَكانَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ في المَوْجُوداتِ القابِلَةِ لِلْحَياةِ والمَوْتِ في الدُّنْيا، وكانَ ذِكْرُهُ هُنا مَبْنِيًّا عَلَيْهِ أنَّ أُمُورَ المَوْجُوداتِ كُلِّها تَرْجِعُ إلى تَصَرُّفِهِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِقَصْرِ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى فَيُفِيدُ صِفَةَ الواحِدِ.
* * *
﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ عَطَفَ عَلى ”لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ“ عَطْفَ الخاصِّ مِن وجْهٍ عَلى العامِّ مِنهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الجارِيَةِ في الدُّنْيا، وعَطْفَ المُغايِرِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الَّتِي تَجْرِي يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما سَيَتَّضِحُ في تَفْسِيرِ مَعْنى الأُمُورِ.
فالأُمُورُ: جَمْعُ أمْرٍ، واشْتُهِرَ في اللُّغَةِ أنَّ الأمْرَ اسْمٌ لِلشَّأْنِ والحادِثِ فَيَعُمُّ الأفْعالَ والأقْوالَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأُمُورُ هُنا: جَمِيعُ المَوْجُوداتِ لِأنَّ الأمْرَ والشَّيْءَ والمَوْجُودَ أسْماءٌ شائِعَةٌ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ: أعْراضِها وجَواهِرِها اهـ. ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ. وفي المَحْصُولِ وشَرْحِهِ في أُصُولِ الفِقْهِ، ومَن تَبِعَهُ مِن كُتُبِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ كَلِمَةَ (أمْرٌ) مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ والقَوْلِ والشَّأْنِ والشَّيْءِ. ولَمْ أرَ عَزْوَ ذَلِكَ إلى مَعْرُوفٍ ولا أتَوْا لَهُ بِمِثالٍ سالِمٍ عَنِ النَّظَرِ ولا أحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ.
فَإنْ أخَذْنا بِالمَشْهُورِ في اللُّغَةِ كانَ المَعْنى: تَرْجِعُ أفْعالُ النّاسِ إلى اللَّهِ، أيْ: تَرْجِعُ في الحَشْرِ، والمُرادُ: رُجُوعُ أهْلِها لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الرُّجُوعُ بِحَقائِقِها، فَعَطْفُ قَوْلِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ تَتْمِيمٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ مُلْكُ العَوالِمِ في الدُّنْيا ولَهُ التَّصَرُّفُ في أعْمالِ العُقَلاءِ مِن أهْلِها في الآخِرَةِ.
وإنْ أخَذْنا بِشِمُولِ اسْمِ الأُمُورِ لِلذَّواتِ كانَ مُفِيدًا لِإثْباتِ البَعْثِ، أيِ:
صفحة ٣٦٦
الذَّواتُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا تَصِيرُ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِيها عَلى أعْمالِها.
وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فَمَفادُهُ مَفادُ اسْمِهِ (المُهَيْمِنُ) .
وتَعْرِيفُ الجَمْعِ في ”الأُمُورُ“ مِن صِيَغِ العُمُومِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ لا لِلْقَصْرِ إذْ لا مُقْتَضى لِلْقَصْرِ الحَقِيقِيِّ ولا داعِيَ لِلْقَصْرِ الإضافِيِّ إذْ لا يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ مَن يُثْبِتُ البَعْثَ ولا مَن زَعَمُوا أنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ في تَصَرُّفِ غَيْرِ اللَّهِ.
والرُّجُوعُ: مُسْتَعارٌ لِلْكَوْنِ في مَكانٍ غَيْرِ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ دُونَ سَبْقِ مُغادَرَةٍ عَنْ هَذا المَكانِ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ أنْ يَقُولَ: وإلَيْهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ، لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ كالمَثَلِ صالِحَةً لِلتَّسْيِيرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ”تُرْجَعُ“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ عَلى مَعْنى يُرْجِعُها مُرْجِعٌ وهو اللَّهُ قَسْرًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ ”تَرْجِعُ“ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، أيْ: تَرْجِعُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِها لِأنَّها مُسَخَّرَةٌ لِذَلِكَ في آجالِها.
57:6Page 538
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ .
مُناسَبَةُ ذِكْرِهِ هَذِهِ الجُمْلَةَ أنَّ تَقْدِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَعاقُبَهُما مِنَ التَّصَرُّفاتِ الإلَهِيَّةِ المُشاهَدَةِ في أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ ومُلابَساتِ أحْوالِ الإنْسانِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٥] .
وهُوَ أيْضًا مُناسِبٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحديد: ٥] تَذْكِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ المُتَصَرِّفَ في سَبَبِ الفَناءِ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما اللَّذانِ يُفْنِيانِ النّاسَ، قالَ الأعْشى:
ألَمْ تَرَوْا إرَمًا وعادًا أفْناهُما اللَّيْلُ والنَّهارُ
صفحة ٣٦٧
وحَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فَلَمّا قالَ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحديد: ٥]، أبْطَلَ بَعْدَهُ اعْتِقادَ أهْلِ الشِّرْكِ أنَّ لِلزَّمانِ الَّذِي هو تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدَّهْرِ تَصَرُّفًا فِيهِمْ، وهَذا مَعْنى اسْمِهِ تَعالى (المُدَبِّرُ) .
* * *
﴿وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لَمّا ذُكِرَ تَصَرُّفُ اللَّهِ في اللَّيْلِ وكانَ اللَّيْلُ وقْتَ إخْفاءِ الأشْياءِ أعْقَبَ ذِكْرَهُ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأخْفى الخَفايا وهي النَّوايا، فَإنَّها مَعَ كَوْنِها مَعانِيَ غائِبَةً عَنِ الحَواسِّ كانَتْ مَكْنُونَةً في ظُلْمَةِ باطِنِ الإنْسانِ فَلا يَطَّلِعُ عَلَيْها عالِمٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقَوْلِهِ ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] .
”ذاتِ الصُّدُورِ“: ما في خَواطِرِ النّاسِ مِنَ النَّوايا، فَ (ذاتِ) هُنا مُؤَنَّثُ (ذُو) بِمَعْنى صاحِبَةٍ.
والصُّحْبَةُ: هُنا بِمَعْنى المُلازَمَةِ.
ولَمّا أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ الجِنْسُ أُضِيفَ إلى (جَمْعٍ)، وتَقَدَّمَ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ. وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا المِقْدارُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا عَلى مَعانِي سِتَّ عَشْرَةَ صِفَةً مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى: وهي: اللَّهُ، العَزِيزُ، الحَكِيمُ، المَلِكُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، القَدِيرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظّاهِرُ، الباطِنُ، العَلِيمُ، الخالِقُ، البَصِيرُ، الواحِدُ، المُدَبِّرُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ هو في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ فَهو يَعْنِي مَجْمُوعَ هَذِهِ الأسْماءِ. واعْلَمْ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا يُرَجِّحُ أنَّهُ مَكِّيٌّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences