Ibn 'AshurAl‑Mujadila · 58:11–13

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mujadila 58:11–13

58:11Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١

O you who have believed, when you are told, "Space yourselves" in assemblies, then make space; Allāh will make space for you.1 And when you are told, "Arise,"2 then arise; Allāh will raise those who have believed among you and those who were given knowledge, by degrees. And Allāh is Aware of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجْلِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

فَصَلَ بَيْنَ آياتِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنَّجْوى بِهَذِهِ الآيَةِ مُراعاةً لِاتِّحادِ المَوْضُوعِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ ومَضْمُونِ الَّتِي بَعْدَها في أنَّهُما يَجْمَعُهُما غَرَضُ التَّأدُّبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ تِلْكَ المُراعاةُ أوْلى مِن مُراعاةِ اتِّحادِ سِياقِ الأحْكامِ.

فَفِي هَذِهِ الآيَةِ أدَبٌ في مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها تَتَعَلَّقُ بِالأدَبِ في مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ وأخَّرَ تِلْكَ عَنْ آياتِ النَّجْوى العامَّةِ إيذانًا بِفَضْلِها دُونَ النَّجْوى الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآياتُ السّابِقَةُ، فاتِّحادُ الجِنْسِ في النَّجْوى هو مُسَوِّغُ الِانْتِقالِ مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ إلى النَّوْعِ الثّانِي، والإيماءُ إلى تَمَيُّزِها بِالفَضْلِ هو الَّذِي اقْتَضى الفَصْلَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بِآيَةِ أدَبِ المَجْلِسِ النَّبَوِيِّ.

وأيْضًا قَدْ كانَ لِلْمُنافِقِينَ نِيَّةُ مَكْرٍ في قَضِيَّةِ المَجْلِسِ كَما كانَ لَهم نِيَّةُ مَكْرٍ في

صفحة ٣٧

النَّجْوى، وهَذا مِمّا أنْشَأ مُناسَبَةَ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ عَلى النَّجْوى إلى ذِكْرِ التَّفَسُّحِ في المَجْلِسِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ.

رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ في الصُّفَّةِ، وكانَ في المَكانِ ضِيقٌ في يَوْمِ الجُمُعَةِ فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ فِيهِمْ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ قَدْ سَبَقُوا في المَجْلِسِ فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُفْسَحَ لَهم وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ بِعَدَدِ الواقِفِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الَّذِينَ أُقِيمُوا، وغَمَزَ المُنافِقُونَ وقالُوا: ما أُنْصِفَ هَؤُلاءِ، وقَدْ أحَبُّوا القُرْبَ مِن نَبِيئِهِمْ فَسَبَقُوا إلى مَجْلِسِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» تَطْيِيبًا لِخاطِرِ الَّذِينَ أُقِيمُوا، وتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِواجِبِ رَعْيِ فَضِيلَةِ أصْحابِ الفَضِيلَةِ مِنها، وواجِبِ الِاعْتِرافِ بِمَزِيَّةِ أهْلِ المَزايا، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، وقالَ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] .

والخِطابُ بِـ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ يَعُمُّ مَن حَضَرُوا المَجْلِسَ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ حادِثَةُ سَبَبِ النُّزُولِ وغَيْرَهم مِمَّنْ عَسى أنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الرَّسُولِ ﷺ .

وابْتُدِئَتِ الآيَةُ بِالأمْرِ بِالتَّفَسُّحِ؛ لِأنَّ إقامَةَ الَّذِينَ أُقِيمُوا إنَّما كانَتْ لِطَلَبِ التَّفَسِيحِ فَإناطَةُ الحُكْمِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ.

والتَّفَسُّحُ: التَّوَسُّعُ وهو تَفْعُّلٌ مِن فَسَحَ لَهُ بِفَتْحِ السِّينِ مُخَفَّفَةً إذا أوْجَدَ لَهُ فُسْحَةً في مَكانٍ وفَسُحَ المَكانُ مِن بابِ كَرُمَ إذا صارَ فَسِيحًا. ومادَّةُ التَّفَعُّلِ هُنا لِلتَّكَلُّفِ، أيْ يُكَلَّفُ أنْ يَجْعَلَ فُسْحَةً في المَكانِ وذَلِكَ بِمُضايَقَةٍ مَعَ الجُلّاسِ.

وتَعْرِيفُ المَجْلِسِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، وهو مَجْلِسُ النَّبِيءُ ﷺ، أيْ إذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ لَكم ذَلِكَ لِأنَّ أمْرَهُ لا يَكُونُ إلّا لِمُراعاةِ حَقٍّ راجِحٍ إلى غَيْرِهِ والمَجْلِسُ مَكانُ الجُلُوسِ. وكانَ مَجْلِسُ النَّبِيءِ ﷺ بِمَسْجِدِهِ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ المَكانَ المُسَمّى بِالرَّوْضَةِ وهو ما بَيْنَ مِنبَرِ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْتِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ المَجْلِسِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ. وقَوْلُهُ ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾

صفحة ٣٨

مَجْزُومٌ في جَوابِ قَوْلِهِ فافْسَحُوا، وهو وعْدٌ بِالجَزاءِ عَلى الِامْتِثالِ لِأمْرِ التَّفَسُّحِ مِن جِنْسِ الفِعْلِ إذْ جُعِلَتْ تَوْسِعَةُ اللَّهِ عَلى المُمْتَثِلِ جَزاءً عَلى امْتِثالِهِ الَّذِي هو إفْساحُهُ لِغَيْرِهِ، فَضَمِيرُ لَكم عائِدٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِاعْتِبارِ أنَّ الَّذِينَ يَفْسَحُونَ هم مِن جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ الحُكْمَ مَشاعٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَّةِ وإنَّما الجَزاءُ لِلَّذِينَ تَعَلَّقَ بِهِمُ الأمْرُ تَعَلُّقًا إلْزامِيًّا.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَتَطَلَّبُ النّاسُ الإفْساحَ فِيهِ بِحَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن مَكانٍ أوْ رِزْقٍ أوْ جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ عَلى حَسَبِ النِّيّاتِ، وتَقْدِيرُهُ الجَزاءُ مَوْكُولٌ إلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى.

وحُذِفَ فاعِلُ القَوْلِ لِظُهُورِهِ، أيْ إذا قالَ لَكُمُ الرَّسُولُ: تَفَسَّحُوا فافْسَحُوا، فَإنَّ اللَّهَ يُثِيبُكم عَلى ذَلِكَ.

فالآيَةُ لا تَدُلُّ إلّا عَلى الأمْرِ بِالتَّفَسُّحِ إذا أمَرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ولَكِنْ يُسْتَفادُ مِنها أنَّ تَفَسُّحَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في المَجالِسِ مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ وُجُوبًا أوْ نَدْبًا لِأنَّهُ مِنَ المُكارَمَةِ والإرْفاقِ. فَهو مِن مُكَمِّلاتِ واجِبِ التَّحابِّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وإنْ كانَ فِيهِ كُلْفَةٌ عَلى صاحِبِ البُقْعَةِ يُضايِقُهُ فِيها غَيْرُهُ. فَهي كُلْفَةٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ إذا قُوبِلَتْ بِمَصْلَحَةِ التَّحابِّ وفَوائِدِهِ، وذَلِكَ ما لَمْ يُفْضِ إلى شِدَّةِ مُضايِقَةٍ ومَضَرَّةٍ أوْ إلى تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ مِن سَماعٍ أوْ نَحْوِهِ مِثْلِ مَجالِسِ العِلْمِ والحَدِيثِ وصُفُوفِ الصَّلاةِ. وذَلِكَ قِياسٌ عَلى مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ في أنَّهُ مَجْلِسُ خَيْرٍ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أحَبُّكم إلَيَّ ألْيَنُكم مَناكِبَ في الصَّلاةِ» . قالَ مالِكٌ ما أرى الحُكْمَ إلّا يَطَّرِدُ في مَجالِسِ العِلْمِ ونَحْوِها غابِرَ الدَّهْرِ. يُرِيدُ أنَّ هَذا الحُكْمَ وإنْ نَزَلَ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ فَهو شامِلٌ لِمَجالِسِ المُسْلِمِينَ مِن مَجالِسِ الخَيْرِ لِأنَّ هَذا أدَبٌ ومُؤاساةٌ، فَلَيْسَ فِيهِ قَرِينَةُ الخُصُوصِيَّةِ بِالمَجالِسِ النَّبَوِيَّةِ، وأرادَ مالِكٌ بِـ (نَحْوِها) كُلَّ مَجْلِسٍ فِيهِ أمْرٌ مُهِمٌّ في شُؤُونِ الدِّينِ فَمِن حَقِّ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْرِصُوا عَلى إعانَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى حُضُورِهِ. وهَذا قِياسٌ عَلى مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ، وعِلَّتُهُ هي التَّعاوُنُ عَلى المَصالِحِ.

وأفْهَمَ لَفْظُ التَّفَسُّحِ أنَّهُ تَجَنُّبٌ لِلْمُضايَقَةِ والمُراصَّةِ بِحَيْثُ يَفُوتُ المَقْصُودُ مِن حُضُورِ ذَلِكَ المَجْلِسِ أوْ يَحْصُلُ ألَمٌ لِلْجالِسِينَ.

صفحة ٣٩

وقَدْ أرْخَصَ مالِكٌ في التَّخَلُّفِ عَنْ دَعْوَةِ الوَلِيمَةِ إذا كَثُرَ الزِّحامُ فِيها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (في المَجْلِسِ) وقَرَأهُ عاصِمٌ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ﴿فِي المَجالِسِ﴾ وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ كَوْنُ اللّامِ لِلْعَهْدِ وكَوْنُها لِلْجِنْسِ وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مَجالِسَ النَّبِيءَ ﷺ كُلَّما تَكَرَّرَتْ أوْ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ مَجالِسِ المُسْلِمِينَ وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَصِحُّ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى فافْسَحُوا لِلْوُجُوبِ أوْ لِلنَّدْبِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ الآيَةَ عَطْفٌ عَلى ﴿إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ .

و﴿انْشُزُوا﴾ أمْرٌ مِن نَشَزَ إذا نَهَضَ مِن مَكانِهِ يُقالُ: نَشَزَ يَنْشُزُ مِن بابِ قَعَدَ وضَرَبَ إذا ارْتَفَعَ لِأنَّ النُّهُوضَ ارْتِفاعٌ مِنَ المَكانِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ، ونُشُوزُ المَرْأةِ مِن زَوْجِها مَجازًا عَنْ بُعْدِها عَنْ مَضْجَعِها. والنُّشُوزُ: أخَصُّ مِنَ التَّفْسِيحِ مِن وجْهٍ فَهو مِن عَطْفِ الأخَصِّ مِن وجْهٍ عَلى الأعَمِّ مِنهُ لِلِاهْتِمامِ بِالمَعْطُوفِ لِأنَّ القِيامَ مِنَ المَجْلِسِ أقْوى مِنَ التَّفْسِيحِ مِن قُعُودٍ. فَذُكِرَ النُّشُوزُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ وأنَّ التَّفْسِيحَ المَأْمُورَ بِهِ تَفْسِيحٌ مِن قُعُودٍ ولاسِيَّما وقَدْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ بِنُشُوزٍ، وهو المَقْصُودُ مِن نُزُولِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ النُّشُوزَ بِمُطْلَقِ القِيامِ مِن مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ سَواءٌ كانَ لِأجْلِ التَّفْسِيحِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُؤْمَرُ بِالقِيامِ لِأجْلِهِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ إذا قِيلَ انْشُزُوا إلى الخَيْرِ وإلى الصَّلاةِ فانْشُزُوا.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا قِيلَ انْشُزُوا عَنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فارْتَفِعُوا فَإنَّ لِلنَّبِيءِ ﷺ حَوائِجَ، وكانُوا إذا كانُوا في بَيْتِهِ أحَبَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يُخَصِّصُ العامَّ ولا يُقَيِّدُ المُطْلَقَ.

وهَذا الحُكْمُ إذا عَسُرَ التَّفْسِيحُ واشْتَدَّ الزِّحامُ والتَّراصُّ فَإنَّ لِأصْحابِ المَقاعِدِ الحَقَّ المُسْتَقِرَّ في أنْ يَسْتَمِرُّوا قاعِدِينَ لا يُقامُ أحَدٌ لِغَيْرِهِ وذَلِكَ إذا كانَ المَقُومُ لِأجْلِهِ أوْلى بِالمَكانِ مِنَ الَّذِي أُقِيمَ لَهُ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ الأوَّلِيَّةِ كَما فَعَلَ النَّبِيءُ ﷺ في إقامَةِ نَفَرٍ لِإعْطاءِ مَقاعِدِهِمْ لِلْبَدْرِيِّينَ. ومِنهُ أوْلَوِيَّةُ طَلَبَةِ العِلْمِ بِمَجالِسِ الدَّرْسِ، وأوْلَوِيَّةُ النّاسِ في مَقاعِدِ المَساجِدِ بِالسَّبْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أوْلى مِن غَيْرِهِ فَقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنْ أنْ يُقِيمَ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ.

صفحة ٤٠

ولِلرَّجُلِ أنْ يُرْسِلَ إلى المَسْجِدِ بِبِساطِهِ أوْ طَنْفَسَتِهِ أوْ سَجّادَتِهِ لِتُبْسَطَ لَهُ في مَكانٍ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى يَأْتِيَ فَيَجْلِسَ عَلَيْها فَإنَّ ذَلِكَ حَوْزٌ لِذَلِكَ المَكانِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وكانَ ابْنُ سِيرِينَ يُرْسِلُ غُلامَهُ إلى المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ فَإذا جاءَ ابْنُ سِيرِينَ قامَ الغُلامُ لَهُ مِنهُ.

وفِي المُوَطَّأِ عَنْ مالِكِ بْنِ أبِي عامِرٍ قالَ كُنْتُ أرى طَنْفَسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ تُطْرَحُ إلى جِدارِ المَسْجِدِ الغَرْبِيِّ فَإذا غَشِيَ الطَّنْفَسَةَ كُلَّها ظَلُّ الجِدارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَصَلّى الجُمُعَةَ. فالطَّنْفَسَةُ ونَحْوُها حَوْزُ المَكانِ لِصاحِبِ البِساطِ.

فَيَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَأْمُرَ أحَدًا يُبَكِّرُ إلى المَسْجِدِ فَيَأْخُذُ مَكانًا يَقْعُدُ فِيهِ حَتّى إذا جاءَ الَّذِي أرْسَلَ تَرَكَ لَهُ البُقْعَةَ لِأنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ النِّيابَةِ في حَوْزِ الحَقِّ.

وقَرَأ ابْنُ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ الشِّينِ. وهَما لُغَتانِ في مُضارِعِ نَشَزَ.

وقَوْلُهُ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ جَوابُ الأمْرِ لِقَوْلِهِ ﴿فانْشُزُوا﴾ فَقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى جَزْمِ فِعْلِ يَرْفَعُ فَهو جَوابُ الأمْرِ بِهَذا. وعَدَ بِالجَزاءِ عَلى الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ الشَّرْعِيِّ فِيما فِيهِ أمْرٌ أوْ لِما يَقْتَضِي الأمْرُ مِن عِلَّةٍ يُقاسُ بِها عَلى المَأْمُورِ بِهِ أمْثالُهُ مِمّا فِيهِ عِلَّةُ الحُكْمِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى فافْسَحُوا.

ولَمّا كانَ النُّشُوزُ ارْتِفاعًا عَنِ المَكانِ الَّذِي كانَ بِهِ كانَ جَزاؤُهُ مِن جِنْسِهِ.

وتَنْكِيرُ دَرَجاتٍ لِلْإشارَةِ إلى أنْواعِها مِن دَرَجاتِ الدُّنْيا ودَرَجاتِ الآخِرَةِ.

وضَمِيرُ مِنكم خِطابٌ لِلَّذِينَ نُودُوا بِـ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ يَرْفَعِ اللَّهُ دَرَجاتِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا. وقَرِينَةُ هَذا التَّقْدِيرِ هي جَعْلُ الفِعْلِ جَزاءً لِلْأمْرِ فَإنَّ الجَزاءَ مُسَبَّبٌ عَمّا رُتِّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مِنكم صِفَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا. أيِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ والتَّغايُرُ بَيْنَ مَعْنى الوَصْفِ ومَعْنى المَوْصُوفِ بِتَغايُرِ المُقَدَّرِ وإنْ كانَ لَفْظُ الوَصْفِ والمَوْصُوفِ مُتَرادِفَيْنِ في الظّاهِرِ. فَآلَ الكَلامُ إلى تَقْدِيرِ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلْأمْرِ بِالنُّشُوزِ إذا كانُوا

صفحة ٤١

مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ دُونَ مَن يَضُمُّهُ المَجْلِسُ مِنَ المُنافِقِينَ. فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: يَرْفَعِ اللَّهُ النّاشِزِينَ مِنكم فاسْتَحْضَرُوا بِالمَوْصُولِ بِصِلَةِ الإيمانِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ رَفْعِ الدَّرَجاتِ لِأجْلِ امْتِثالِهِمْ أمْرَ القائِلِ انْشُزُوا وهو الرَّسُولُ ﷺ إنْ كانَ لِإيمانِهِمْ وأنَّ ذَلِكَ الِامْتِثالَ مِن إيمانِهِمْ لَيْسَ لِنِفاقٍ أوْ لِصاحِبِهِ امْتِعاضٌ.

وعَطَفَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنهم عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِأنَّ غِشْيانَ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ إنَّما هو لِطَلَبِ العِلْمِ مِن مَواعِظِهِ وتَعْلِيمِهِ، أيْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ، لِأنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ قَدْ يَكُونُ الأمْرُ لِأحَدٍ بِالقِيامِ مِنَ المَجْلِسِ لِأجْلِهِمْ، أيْ لِأجْلِ إجْلاسِهِمْ، وذَلِكَ رَفْعٌ لِدَرَجاتِهِمْ في الدُّنْيا، ولِأنَّهم إذا تَمَكَّنُوا مِن مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ تَمَكُّنُهم أجْمَعَ لِلْفَهْمِ وأنْفى لِلْمَلَلِ، وذَلِكَ أدْعى لِإطالَتِهِمُ الجُلُوسَ وازْدِيادِهِمُ التَّلَقِّيَ وتَوْفِيرِ مُسْتَنْبَطاتِ أفْهامِهِمْ فِيما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ العِلْمِ، فَإقامَةُ الجالِسِينَ في المَجْلِسِ لِأجْلِ إجْلاسِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن رَفْعِ دَرَجاتِهِمْ في الدُّنْيا.

ولَعَلَّ البَدْرِيِّينَ الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ قِصَّتِهِمْ كانُوا مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ.

ويَجُوزُ أنْ بَعْضًا مِنَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِيامِ كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ فَأُقِيمَ لِأجْلِ رُجْحانِ فَضِيلَةِ البَدْرِيِّينَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ في الوَعْدِ لِلَّذِي أُقِيمَ مِن مَكانِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ اسْتِئْناسٌ لَهُ بِأنَّ اللَّهَ رافِعُ دَرَجَتِهِ.

هَذا تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ الَّذِي اقْتَضاهُ قُوَّةُ إيجازِهِ. وقَدْ ذَهَبَ المُفَسِّرُونَ في الإفْصاحِ عَنِ اسْتِفادَةِ المَعْنى مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ مَذاهِبَ كَثِيرَةً وما سَلَكْناهُ أوْضَحُ مِنها.

وانْتَصَبَ دَرَجاتٍ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ مَكانٍ يَتَعَلَّقُ بِـ ”يَرْفَعِ“ أيْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا رَفْعًا كائِنًا في دَرَجاتٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِ ”يَرْفَعُ“ لِأنَّها دَرَجاتٌ مِنَ الرَّفْعِ، أيْ مَرافِعَ.

صفحة ٤٢

والدَّرَجاتُ مُسْتَعارَةٌ لِلْكَرامَةِ فَإنَّ لِمَكانِ الرَّفْعِ في الآيَةِ رَفْعًا مَجازِيًّا، وهو التَّفْضِيلُ والكَرامَةُ وجِيءَ لِلِاسْتِعارَةِ بِتَرْشِيحِها بِكَوْنِ الرَّفْعِ دَرَجاتٍ. وهَذا التَّرْشِيحُ هو أيْضًا اسْتِعارَةٌ مِثْلُ التَّرْشِيحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وهَذا أحْسَنُ التَّرْشِيحِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] .

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ مِنكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ولَعَلَّهُ يَعْنِي: نَصْبَ دَرَجاتٍ بِفِعْلٍ هو الخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: جَعَلَهم.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيِ اللَّهُ عَلِيمٌ بِأعْمالِكم ومُخْتَلِفِ نِيّاتِكم مِن الِامْتِثالِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ الحَدِيثَ.

58:12Page 544

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢

O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ إلى ذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ النَّجْوى وهو مِن أحْوالِها المَحْمُودَةِ. والمُناسَبَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ [المجادلة: ٩] . فَهَذِهِ الصَّدَقَةُ شَرَعَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ سَبَبَها مُناجاةَ الرَّسُولِ ﷺ، فَذُكِرَتْ عَقِبَ آيِ النَّجْوى لِاسْتِيفاءِ أنْواعِ النَّجْوى مِن مَحْمُودٍ ومَذْمُومٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُتَقَدِّمُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ صَدَقَةِ المُناجاةِ. فَنُقِلَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُقاتِلٍ أقْوالٌ في سَبَبِ نُزُولِها مُتَخالِفَةٌ، ولا أحْسَبُهم يُرِيدُونَ مِنها إلّا حِكايَةَ أحْوالٍ لِلنَّجْوى كانَتْ شائِعَةً، فَلَمّا نَزَلَ حُكْمُ صَدَقَةِ النَّجْوى أقَلَّ النّاسُ مِنَ النَّجْوى. وكانَتْ عِباراتُ الأقْدَمِينَ تَجْرِي عَلى التَّسامُحِ فَيُطْلِقُونَ عَلى أمْثِلَةِ الأحْكامِ وجُزْئِيّاتِ الكُلِّيّاتِ اسْمَ أسْبابِ النُّزُولِ، كَما ذَكَرْناها في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وأمْسَكَ مُجاهِدٌ فَلَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا واقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: نُهُوا عَنْ مُناجاةِ الرَّسُولِ حَتّى يَتَصَدَّقُوا.

صفحة ٤٣

والَّذِي يَظْهَرُ لِي: أنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ شَرْعَها اللَّهُ وفَرْضَها عَلى مَن يَجِدُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ وأسْقَطَها عَنِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ. وجَعَلَ سَبَبَها ووَقْتَها هو وقْتَ تُوَجُّهِهِمْ إلى مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ المُسْلِمُونَ حَرِيصِينَ عَلى سُؤالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ كُلَّ يَوْمٍ، فَشَرَعَ اللَّهُ لَهم هَذِهِ الصَّدَقَةَ كُلَّ يَوْمٍ لِنَفْعِ الفُقَراءِ نَفْعًا يَوْمِيًّا، وكانَ الفُقَراءُ أيّامَئِذٍ كَثِيرِينَ بِالمَدِينَةِ مِنهم أهْلُ الصُّفَّةِ ومُعْظَمُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ.

والأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ شُرِعَتْ بَعْدَ الزَّكاةِ فَتَكُونُ لِحِكْمَةِ إغْناءِ الفُقَراءِ يَوْمًا فَيَوْمًا لِأنَّ الزَّكاةَ تُدْفَعُ في رُؤُوسِ السِّنِينَ وفي مُعَيَّنِ الفُصُولِ فَلَعَلَّ ما يَصِلُ إلى الفُقَراءِ مِنها يَسْتَنْفِدُونَهُ قَبْلَ حُلُولِ وقْتِ الزَّكاةِ القابِلَةِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ صَدَقَةَ المُناجاةِ شُرِعَتْ قَبْلَ شَرْعِ الزَّكاةِ ونُسِخَتْ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وءاتُوا الزَّكاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] أنَّ الزَّكاةَ حِينَئِذٍ شَرْعٌ مُفْرَدٌ مَعْلُومٌ، ولَعَلَّ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنْ صَحَّ عَنْهُ أرادَ أنَّها نُسِخَتْ بِالِاكْتِفاءِ بِالزَّكاةِ.

وقَدْ تَعَدَّدَتْ أخْبارٌ مُخْتَلِفَةُ الأسانِيدِ تَتَضَمَّنُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ يَدُمِ العَمَلُ بِها إلّا زَمَنًا قَلِيلًا، قِيلَ: إنَّهُ عَشَرَةُ أيّامٍ. وعَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: كانَ ساعَةً مِن نَهارٍ، أيْ أنَّها لَمْ يَدُمِ العَمَلُ بِها طَوِيلًا إنْ كانَ الأمْرُ مُرادًا بِهِ الوُجُوبُ وإلّا فَإنَّ نَدْبَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقَطِعْ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ لِتَكُونَ نَفْسُ المُؤْمِنِ أزْكى عِنْدَ مُلاقاةِ النَّبِيءِ مِثْلَ اسْتِحْبابِ تَجْدِيدِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ.

وتَظافَرَتْ كَلِماتُ المُتَقَدِّمِينَ عَلى أنَّ حُكْمَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ قَدْ نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ. وهَذا مُؤَذِّنٌ بِأنَّ الأمْرَ فِيها لِلْوُجُوبِ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وأحْكامِ ابْنِ الفَرَسِ حِكايَةُ أقْوالٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ تَحُومُ حَوْلَ كَوْنِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ شُرِعَتْ لِصَرْفِ أصْنافٍ مِنَ النّاسِ عَنْ مُناجاةِ النَّبِيءِ ﷺ إذْ كانُوا قَدْ ألْحَفُوا في مُناجاتِهِ دُونَ داعٍ يَدْعُوهم فَلا يَنْثَلِجُ لَها صَدْرُ العالِمِ لِضَعْفِها سَنَدًا ومَعْنًى، ومُنافاتِها مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ. وأقْرَبُ ما رُوِيَ عَنْ خَبَرِ تَقْرِيرِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ. ما في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ «عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَلْقَمَةَ الأنْمارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ

صفحة ٤٤

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ قالَ لِيَ النَّبِيءُ ﷺ ما تَرى دِينارًا ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ فَنِصْفُ دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ. قالَ: فَكَمْ ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ قالَ التِّرْمِذِيُّ: أيْ وزْنُ شَعِيرَةٍ مِن ذَهَبٍ. قالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ فَنَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ. قالَ فَبِيَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إنَّما نَعْرِفُهُ مِن هَذا الوَجْهِ اهـ.

قُلْتُ: عَلِيُّ بْنُ عَلْقَمَةَ الأنْمارِيُّ قالَ البُخارِيُّ: في حَدِيثِهِ نَظَرٌ، ووَثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ. وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: صَحَّحُوا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي. وساقَ حَدِيثًا.

ومَحْمَلُ قَوْلِ عَلِيٍّ فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، أنَّهُ أرادَ التَّخْفِيفَ في مِقْدارِ الصَّدَقَةِ مِن دِينارٍ إلى زِنَةِ شَعِيرَةٍ مِن ذَهَبٍ وهي جُزْءٌ مِنَ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الدِّينارِ.

وفَعْلُ ناجَيْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إرادَةِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] .

والقَرِينَةُ قَوْلُهُ ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ .

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ فَقَدِّمُوا لِلْوُجُوبِ، واخْتارَهُ الفَخْرُ ورَجَّحَهُ بِأنَّهُ الأصْلُ في صِيغَةِ الأمْرِ، وبِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيما بِفَقْدِهِ يَزُولُ الوُجُوبُ. ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ هَذا هو قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ نُسِخَتْ بِفَرْضِ الزَّكاةِ، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ فَرِيقٌ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ وهو يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنْ فَرَضَ الزَّكاةِ كانَ سابِقًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ شَرْعَ الزَّكاةِ أبْطَلَ كُلَّ حَقٍّ كانَ واجِبًا في المالِ.

و﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ مَعْناهُ: قَبْلَ نَجْواكم بِقَلِيلٍ، وهي اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ جَرَتْ مَجْرى المِثْلِ لِلْقُرْبِ مِنَ الشَّيْءِ قُبَيْلَ الوُصُولِ إلَيْهِ. شَبَّهَتْ هَيْئَةَ قُرْبِ الشَّيْءِ مِن آخَرٍ بِهَيْئَةِ وُصُولِ الشَّخْصِ بَيْنَ يَدَيْ مَن يَرِدُ هو عَلَيْهِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.

صفحة ٤٥

ويُسْتَعْمَلُ في قُرْبِ الزَّمانِ بِتَشْبِيهِ الزَّمانِ بِالمَكانِ كَما هُنا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إلى التَّقْدِيمِ المَفْهُومِ مِن ”قَدَّمُوا“ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .

وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ تَعْرِيفٌ بِحِكْمَةِ الأمْرِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ نَجْوى الرَّسُولِ ﷺ لِيَرْغَبَ فِيها الرّاغِبُونَ.

و(خَيْرٌ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، أصْلُهُ: أخْيَرُ وهو المُزاوِجُ لِقَوْلِهِ: وأطْهَرُ أيْ: ذَلِكَ أشَدُّ خَيْرِيَّةً لَكم مِن أنْ تُناجُوا الرَّسُولَ ﷺ بِدُونِ تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ، وإنْ كانَ في كُلٍّ خَيْرٌ. كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا عَلى وزْنِ (فَعْلٍ) وهو مُقابِلُ الشَّرِّ، أيْ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ النَّجْوى فِيهِ خَيْرٌ لَكم وهو تَحْصِيلُ رِضى اللَّهِ تَعالى في حِينِ إقْبالِهِمْ عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَيَحْصُلُ مِن الِانْتِفاعِ بِالمُناجاةِ ما لا يَحْصُلُ مِثْلُهُ بِدُونِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ.

وأمّا أطْهَرُ فَهو اسْمُ تَفْضِيلٍ لا مَحالَةَ، أيْ أطْهَرُ لَكم بِمَعْنى: أشَدُّ طُهْرًا، والطُّهْرُ هُنا مَعْنَوِيٌّ، وهو طُهْرُ النَّفْسِ وزَكاؤُها لِأنَّ المُتَصَدِّقَ تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ أنْوارٌ رَبّانِيَّةٌ مِن رِضى اللَّهِ عَنْهُ فَتَكُونُ نَفْسُهُ زَكِيَّةً كَما قالَ تَعالى﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . ومِنهُ سُمِّيَتِ الصَّدَقَةُ زَكاةً.

وصِفَةُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ أنَّها كانَتْ تُعْطى لِلْفَقِيرِ حِينَ يَعْمِدُ المُسْلِمُ إلى الذَّهابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِيُناجِيَهُ.

وعَذَرَ اللَّهُ العاجِزِينَ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تَتَصَدَّقُونَ بِهِ قَبْلَ النَّجْوى غَفَرَ اللَّهُ لَكُمُ المَغْفِرَةَ الَّتِي كانَتْ تَحْصُلُ لَكم لَوْ تَصَدَّقْتُمْ لِأنَّ مَن نَوى أنْ يَفْعَلَ الخَيْرَ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى نِيَّتِهِ.

وأمّا اسْتِفادَةُ أنَّ غَيْرَ الواجِدِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ في النَّجْوى بِدُونِ صَدَقَةٍ فَحاصِلَةٌ

صفحة ٤٦

بِدِلالَةِ الفَحْوى لِأنَّهُ لا يَتْرُكُ مُناجاةَ الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّ إرادَةَ مُناجاتِهِ الرَّسُولَ ﷺ لَيْسَتْ عَبَثًا بَلْ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

وأمّا قَوْلُهُ رَحِيمٌ فَهو في مُقابَلَةِ ما فاتَ غَيْرَ الواجِدِ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ إشْعارًا بِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْفَعُهُ.

واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ.

58:13Page 544

ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣

Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.

﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها: والمَشْهُورُ عِنْدَ جَمْعٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ عَشَرَةِ أيّامٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها. وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ القادِرِينَ عَلى تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ النَّجْوى شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأمْسَكُوا عَنْ مُناجاةِ النَّبِيءِ ﷺ فَأسْقَطَ اللَّهُ وُجُوبَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، وقَدْ قِيلَ لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَعَلَّ غَيْرَهُ لَمْ يَحْتَجْ إلى مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ واقْتَصَدَ مِمّا كانَ يُناجِيهِ لِأدْنى مُوجِبٍ.

فالخِطابُ لِطائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قادِرِينَ عَلى تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ المُناجاةِ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أوْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ.

والإشْفاقُ تَوَقُّعُ حُصُولِ ما لا يَبْتَغِيهِ ومَفْعُولُ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ هو أنْ تُقَدِّمُوا أيْ مِن أنْ تُقَدِّمُوا، أيْ أأشْفَقْتُمْ عاقِبَةَ ذَلِكَ وهو الفَقْرُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها فَسَقَطَ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لِمَن يُرِيدُ مُناجاةَ الرَّسُولِ ﷺ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ عَلى تَجَهُّمِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ مَعَ ما فِيها مِن فَوائِدَ لِنَفْعِ الفُقَراءِ.

صفحة ٤٧

ثُمَّ تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهم رَحْمَةً بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ الآيَةَ. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ أيْ بَعْضًا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ.

و(إذْ) ظَرْفِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ فَحِينَ لَمْ تَفْعَلُوا فَأقِيمُوا الصَّلاةَ.

وفاءُ ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ.

وجُمْلَةُ ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. وما تَتَعَلَّقُ بِهِ إذْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: خَفَّفْنا عَنْكم وأعْفَيْناكم مِن أنْ تُقَدِّمُوا صَدَقَةً قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ . وفاءُ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ عاطِفَةٌ عَلى الكَلامِ المُقَدَّرِ وحافِظُوا عَلى التَّكالِيفِ الأُخْرى وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. أيْ فَذَلِكَ لا تَسامُحَ فِيهِ قِيلَ لَهم ذَلِكَ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّهم كُلَّما ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ ما كُلِّفُوا بِهِ يُعْفَوْنَ مِنهُ.

وإذْ قَدْ كانَتِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ سابِقَةً عَلى الأمْرِ بِصَدَقَةِ النَّجْوى عَلى الأصَحِّ كانَ فِعْلُ ”آتَوْا“ مُسْتَعْمَلًا في طَلَبِ الدَّوامِ مِثْلُ فِعْلِ فَأقِيمُوا.

واعْلَمْ أنَّهُ يَكْثُرُ وُقُوعُ الفاءِ بَعْدَ إذْ ومُتَعَلِّقِها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] في سُورَةِ الأحْقافِ. ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] في سُورَةِ الكَهْفِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيطِ في طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском