Ibn 'AshurAl‑Hashr · 59:19–23

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hashr 59:19–23

59:19Page 548

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩

And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

بَعْدَ أنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ وإعْدادِ العُدَّةِ لِلْآخِرَةِ أعْقَبَهُ بِهَذا النَّهْيِ تَحْذِيرًا عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ والتَّغافُلِ عَنِ التَّقْوى، وذَلِكَ يُفْضِي إلى الفُسُوقِ. وجِيءَ

صفحة ١١٣

فِي النَّهْيِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ حالَةِ قَوْمٍ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الصِّلَةُ لَيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ التَّقْوى مُصَوَّرًا في صُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ هي صُورَةُ قَوْمٍ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الصِّلَةُ وهُمُ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ التَّقْوى.

وهَذا الإعْراضُ مَراتِبُ قَدْ تَنْتَهِي إلى الكُفْرِ الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ اليَهُودُ وإلى النِّفاقِ الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ فَرِيقٌ مِمَّنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ في أوَّلِ سِنِيِّ الهِجْرَةِ، وظاهَرُ المَوْصُولِ أنَّهُ لِطائِفَةٍ مَعْهُودَةٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ (الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) المُنافِقِينَ لِأنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ ولَمْ يَهْتَدُوا لِلتَّوْحِيدِ بِهَدْىِ الإسْلامِ فَعَبَّرَ عَنِ النِّفاقِ بِنِسْيانِ اللَّهِ لِأنَّهُ جَهْلٌ بِصِفاتِ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والكَمالِ. وعَبَّرَ عَنْهم بِالفاسِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] في سُورَةِ بَراءَةٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةً إلى تِلْكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ لِأنَّهم أضاعُوا دِينَهم ولَمْ يَقْبَلُوا رِسالَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ .

فالمَعْنى: نَسُوا دِينَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَهم بِهِ، قالَ تَعالى ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] .

وقَدْ أطْلَقَ نِسْيانَهم عَلى التَّرْكِ والإعْراضِ عَنْ عَمْدٍ أيْ فَنَسُوا دَلائِلَ تَوْحِيدِ اللَّهِ ودَلائِلَ صِفاتِهِ ودَلائِلَ صِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وفَهْمِ كِتابِهِ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أوْ مُضافَيْنِ.

ومَعْنى أنْساهم أنْفُسَهم أنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ في مَدارِكِهِمُ التَّفَطُّنَ لِفَهْمِ الهَدْيِ الإسْلامِيِّ فَيَعْمَلُوا بِما يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولِما فِيهِ صَلاحُهم في الدُّنْيا، إذْ خَذَلَهم بِذَبْذَبَةِ آرائِهِمْ فَأصْبَحَ اليَهُودُ في قَبْضَةِ المُسْلِمِينَ يُخْرِجُونَهم مِن دِيارِهِمْ، وأصْبَحَ المُنافِقُونَ مَلْمُوزِينَ بَيْنَ اليَهُودِ بِالغَدْرِ ونَقْضِ العَهْدِ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ بِالِاحْتِقارِ واللَّعْنِ.

وأشْعَرَ فاءُ التَّسَبُّبِ بِأنَّ إنْساءَ اللَّهِ إيّاهم أنْفُسَهم مُسَبَّبٌ عَلى نِسْيانِهِمْ دِينَ اللَّهِ، أيْ لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الهُدى بِكَسْبِهِمْ وإرادَتِهِمْ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بِأنْ خَلَقَ فِيهِمْ نِسْيانَ أنْفُسِهِمْ.

صفحة ١١٤

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ دُونَ أنْ يُقالَ: نَسُوهُ لِاسْتِفْظاعِ هَذا النِّسْيانِ فَعَلَّقَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِينَ خَلَقَهم وأرْشَدَهم.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِمْ بِشِدَّةِ الفِسْقِ حَتّى كَأنَّ فِسْقَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ بِفِسْقٍ في جانِبِ فِسْقِهِمْ.

واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّشْهِيرِ بِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ.

والفِسْقُ: الخُرُوجُ مِنَ المَكانِ المَوْضُوعِ لِلشَّيْءِ فَهو صِفَةُ ذَمٍّ غالِبًا لِأنَّهُ مُفارَقَةٌ لِلْمَكانِ اللّائِقِ بِالشَّيْءِ، ومِنهُ قِيلَ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، فالفاسِقُونَ هُمُ الآتُونَ بِفَواحِشِ السَّيِّئاتِ ومُساوِيِ الأعْمالِ وأعْظَمُها الإشْراكُ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ الإبْهامِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ فَأنْساهم أنْفُسَهم كَأنَّ السّامِعَ سَألَ: ماذا كانَ إثْرَ إنْساءِ اللَّهِ إيّاهم أنْفُسَهم ؟ فَأُجِيبُ بِأنَّهم بَلَغُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ مُنْتَهى الفِسْقِ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ حَتّى حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا فِسْقَ بَعْدَ فِسْقِهِمْ.

59:20Page 548

لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].

﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ .

تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] إلَخْ. لِأنَّهُ جامِعٌ لِخُلاصَةِ عاقِبَةِ الحالَيْنِ: حالِ التَّقْوى والِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ، وحالِ نِسْيانِ ذَلِكَ وإهْمالِهِ، ولِكِلا الفَرِيقَيْنِ عاقِبَةُ عَمَلِهِ. ويَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ وأمْثالَهم.

والجُمْلَةُ أيْضًا فَذْلَكَةٌ لِما قَبْلَها مِن حالِ المُتَّقِينَ والَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ ونُسُّوا أنْفُسَهم لِأنَّ ذِكْرَ مِثْلِ هَذا الكَلامِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ يَكُونُ في الغالِبِ لِلتَّعْرِيضِ بِذَلِكَ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ كَقَوْلِكَ عِنْدَما تَرى أحَدًا يُؤْذِي النّاسَ «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ»، فَمَعْنى الآيَةِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ، وكَوْنِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هم أهْلُ النّارِ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ وعْدًا لِلْمُتُّقِينَ ووَعِيدًا لِلْفاسِقِينَ.

صفحة ١١٥

والمُرادُ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ في مِثْلِ هَذا الكِنايَةُ عَنِ البَوْنِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ.

وتَعْيِينُ المُفَضَّلِ مِنَ الشَّيْئَيْنِ مَوْكُولٌ إلى فَهْمِ السّامِعِ مِن قَرِينَةِ المَقامِ كَما في قَوْلِ السَّمَوْألِ:

فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ

وقَوْلُ أبِي حِزامٍ غالِبِ بْنِ الحارِثِ العُكْلِي:

وأعْلَمُ أنَّ تَسْلِيمًا وتَرْكًا ∗∗∗ لَلا مُتَشابِهانِ ولا سَواءُ

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآيَةَ. وقِيلَ قَوْلُهُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] . وقَدْ يُرْدِفُ بِما يَدُلُّ عَلى جِهَةِ التَّفْضِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] . وقَوْلُهُ هُنا ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] الآيَةُ في سُورَةِ النِّساءِ.

وأمّا مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ الأُصُولِ إلى تَعْمِيمِ نَحْوِ (لا يَسْتَوُونَ) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَلِي وِلايَةَ النِّكاحِ، وهو اسْتِدْلالُ الشّافِعِيَّةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَرْضِيٍّ، وقَدْ أباهُ الحَنَفِيَّةُ ووافَقَهم تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيِّ في غَيْرِ جَمْعِ الجَوامِعِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ فَوْزَهم أبَدِيٌّ فاعْتَبَرَ فَوْزَ غَيْرِهِمْ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيا كالعَدَمِ.

59:21Page 548

لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.

﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

لَمّا حَذَّرَ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في مَهْواةِ نِسْيانِ اللَّهِ الَّتِي وقَعَ فِيها الفاسِقُونَ وتَوَعَّدَ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ بِالنّارِ، وبَيَّنَ حالَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ سَوَّلَ لَهُمُ الكُفْرَ. وكانَ القُرْآنُ

صفحة ١١٦

دالًّا عَلى مَسالِكِ الخَيْرِ ومُحَذِّرًا مِن مَسالِكِ الشَّرِّ، وما وقَعَ الفاسِقُونَ في الهَلَكَةِ إلّا مِن جَرّاءِ إهْمالِهِمُ التَّدَبُّرَ فِيهِ، وذَلِكَ مِن نِسْيانِهِمُ اللَّهَ تَعالى انْتَقَلَ الكَلامُ إلى التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وهَدْيِهِ البَيِّنِ الَّذِي لا يَصْرِفُ النّاسَ عَنْهُ إلّا أهْواءُهم ومُكابَرَتُهم، وكانَ إعْراضُهم عَنْهُ أصْلَ اسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَعْجِيبًا مِن تَصَلُّبِهِمْ في الضَّلالِ.

وفِي هَذا الِانْتِقالِ إيذانٌ بِانْتِهاِءِ السُّورَةِ لِأنَّهُ انْتِقالٌ بَعْدَ طُولِ الكَلامِ في غَرَضِ فَتْحِ قُرى اليَهُودِ وما يَنالُ المُنافِقِينَ مِن جَرّائِهِ مِن خُسْرانٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وهَذا القُرْآنُ إشارَةٌ إلى المِقْدارِ الَّذِي نَزَلَ مِنهُ، وهو ما عَرِفُوهُ وتَلَوْهُ وسَمِعُوا تِلاوَتَهُ.

وفائِدَةُ الإتْيانِ بِاسْمِ إشارَةِ القَرِيبِ التَّعْرِيضُ لَهم بِأنَّ القُرْآنَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْهم. وأنَّهُ في مُتَناوُلِهِمْ ولا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في تَدَبُّرِهِ ولَكِنَّهم قَصَدُوا الإعْراضَ عَنْهُ.

وهَذا مَثَلٌ ساقَهُ اللَّهُ تَعالى كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلَخْ. وقَدْ ضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِقَسْوَةِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وانْتِفاءِ تَأثُّرِهِمْ بِقَوارِعِ القُرْآنِ.

والمُرادُ بِالجَبَلِ: حَقِيقَتُهُ، لِأنَّ الكَلامَ فَرْضٌ وتَقْدِيرٌ كَما هو مُقْتَضى (لَوْ) أنْ تَجِيءَ في الشُّرُوطِ المَفْرُوضَةِ.

فالجَبَلُ: مِثالٌ لِأشَدِّ الأشْياءِ صَلابَةً وقِلَّةَ تَأثُّرٍ بِما يَقْرَعُهُ. وإنْزالُ القُرْآنِ مُسْتَعارٌ لِلْخِطابِ بِهِ. عَبَّرَ عَنْهُ بِالإنْزالِ عَلى طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ تَشْبِيهًا لِشَرَفِ الشَّيْءِ بِعُلُوِّ المَكانِ، ولِإبْلاغِهِ لِلْغَيْرِ بِإنْزالِ الشَّيْءِ مِن عُلُوٍّ.

والمَعْنى: لَوْ كانَ المُخاطَبُ بِالقُرْآنِ جَبَلًا، وكانَ الجَبَلُ يَفْهَمُ الخِطابَ لَتَأثَّرَ بِخِطابِ القُرْآنِ تَأثُّرًا ناشِئًا مِن خَشْيَةٍ لِلَّهِ خَشْيَةٍ تُؤَثِّرُها فِيهِ مَعانِيَ القُرْآنِ.

والمَعْنى: لَوْ كانَ الجَبَلُ في مَوْضِعِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وأعْرَضُوا عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِمَواعِظِهِ لاتَّعَظَ الجَبَلُ وتَصَدَّعَ صَخْرُهُ وتُرْبُهُ مِن شِدَّةِ تَأثُّرِهِ بِخَشْيَةِ اللَّهِ.

وضَرَبَ التَّصَدُّعَ مَثَلًا لِشِدَّةِ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ لِأنَّ مُنْتَهى تَأثُّرِ الأجْسامِ الصُّلْبَةِ أنْ تَنْشَقَّ وتَتَصَدَّعَ إذْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ لَها بِسُهُولَةٍ.

صفحة ١١٧

والخُشُوعُ: التَّطَأْطُؤُ والرُّكُوعُ، أيْ لَرَأيْتَهُ يَنْزِلُ أعْلاهُ إلى الأرْضِ.

والتَّصَدُّعُ: التَّشَقُّقُ، أيْ لَتَزَلْزَلَ وتَشَقَّقَ مِن خَوْفِهِ اللَّهَ تَعالى.

والخِطابُ في لَرَأيْتَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وهي مَنفِيَّةٌ لِوِقُوعِها جَوابًا لِحَرْفِ (لَوِ) الِامْتِناعَيَّةِ.

والمَعْنى: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَرَأيْتَ الجَبَلَ في حالَةِ الخُشُوعِ والتَّصَدُّعِ.

وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ تَذْيِيلٌ لِأنَّ ما قَبْلَها سِيقَ مَساقَ المَثَلِ فَذُيِّلَ بِأنَّ الأمْثالَ الَّتِي يَضْرِبُها اللَّهُ في كَلامِهِ مِثْلُ المَثَلِ أرادَ مِنها أنْ يَتَفَكَّرُوا فَإنْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا بِها فَقَدْ سُجِّلَ عَلَيْهِمْ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم، فالإشارَةُ بِتِلْكَ إلى مَجْمُوعِ ما مَرَّ عَلى أسْماعِهِمْ مِنَ الأمْثالِ الكَثِيرَةِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ضَرَبْنا هَذا مَثَلًا، وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ.

وضَرْبُ المَثَلِ سَوْقُهُ، أطْلَقَ عَلَيْهِ الضَّرْبَ بِمَعْنى الوَضْعِ كَما يُقالُ: ضَرَبَ بَيْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

59:22Page 548

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢

He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

﴿هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .

لَمّا تَكَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وضَمائِرِهِ وصِفاتِهِ أرْبَعِينَ مَرَّةً مِنها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ بِذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ وسِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً بِذِكْرِ ضَمِيرِهِ الظّاهِرِ، أوْ صِفاتِهِ العَلِيَّةِ. وكانَ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ دَلائِلُ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ تَصَرُّفِهِ وحِكْمَتِهِ.وكانَ ما حَوَتْهُ السُّورَةُ الِاعْتِبارُ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ إذْ أيَّدَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ ونَصَرَهم عَلى بَنِي النَّضِيرِ ذَلِكَ النَّصْرَ الخارِقَ لِلْعادَةِ، وذَكَرَ ما حَلَّ بِالمُنافِقِينَ أنْصارِهِمْ وأنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وقُوبِلَ ذَلِكَ بِالثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ الَّذِينَ نَصَرُوا الدِّينَ، ثُمَّ الأمْرُ بِطاعَةِ اللَّهِ والِاسْتِعْدادِ لِيَوْمِ الجَزاءِ، والتَّحْذِيرُ مِنَ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ كِتابِ اللَّهِ ومِن سُوءِ عاقِبَتِهِمْ، وخَتْمُ ذَلِكَ

صفحة ١١٨

بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ الدّالِّ عَلى الخَيْرِ، والمُعَرَّفِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ المُقْتَضِيَةِ شِدَّةَ خَشْيَتِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طائِفَةٍ مِن عَظِيمِ صِفاتِ اللَّهِ ذاتِ الآثارِ العَدِيدَةِ في تَصَرُّفاتِهِ المُناسِبَةِ لِغَرَضِ السُّورَةِ زِيادَةً في تَعْرِيفِ المُؤْمِنِينَ بِعَظَمَتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلْمَزِيدِ مِن خَشْيَتِهِ. وبِالصِّفاتِ الحُسْنى المُوجِبَةِ لِمَحَبَّتِهِ، وزِيادَةً في إرْهابِ المُعانِدِينَ المَعْرَضِينَ مِن صِفاتِ بَطْشِهِ وجَبَرُوتِهِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ الخَواتِمِ لِلسُّورَةِ مِن صِفاتِهِ تَعالى ما هو مُخْتَلِفُ التَّعَلُّقِ والآثارِ لِلْفَرِيقَيْنِ حَظُّ ما يَلِيقُ بِهِ مِنها.

وفِي غُضُونِ ذَلِكَ كُلِّهِ دَلائِلُ عَلى بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِهِ أصْنامَهم. وسَنَذْكُرُ مَراجِعَ هَذِهِ الأسْماءِ إلى ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ فِيما يَأْتِي.

فَضَمِيرُ الغَيْبَةِ الواقِعُ في أوَّلِ الجُمْلَةِ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ)، و(هو) مُبْتَدَأٌ واسْمُ الجَلالَةِ خَبَرٌ عَنْهُ و(الَّذِي) صِفَةٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الِاقْتِصارَ عَلى الضَّمِيرِ دُونَ ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنِ الضَّمِيرِ بِـ (الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو) وبِما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ العُلْيا، فالجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرِ وما يُساوِي مُعادَةَ اعْتِبارٍ بِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ يَجْمَعُ صِفاتَ الكَمالِ لِأنَّ أصْلُهُ الإلَهَ ومَدْلُولُ الإلَهِ يَقْتَضِي جَمْعَ صِفاتِ الكَمالِ.

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ويَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا قُصِدَ مِنهُ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِيَتَبَصَّرُوا فِيها ولِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إشْراكِهِمْ بِصاحِبِ هَذِهِ الصِّفاتِ مَعَهُ أصْنافًا لَيْسَ لِواحِدٍ مِنها شَيْءٌ مِن مِثْلِ هَذِهِ الصِّفاتِ، ولِذَلِكَ خُتِمَتْ طائِفَةٌ مِنها بِجُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]، لِتَكُونَ خاتَمًا لِهَذِهِ السُّورَةِ الجَلِيلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ مِنَّةً عَظِيمَةً، وهي مِنَّةُ الفَتْحِ الواقِعِ والفَتْحِ المُيَسَّرِ في المُسْتَقْبَلِ، لا جَرَمَ أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَعْرِفُوا جَلائِلَ صِفاتِهِ الَّتِي لِتَعَلُّقاتِها آثارٌ في الأحْوالِ الحاصِلَةِ والَّتِي سَتَحْصُلُ مِن هَذِهِ الفُتُوحِ ولِيَعْلَمَ المُشْرِكُونَ والكافِرُونَ مِنَ اليَهُودِ أنَّهم ما تَعاقَبَتْ هَزائِمُهم إلّا مِن جَرّاءَ كُفْرِهِمْ. ولَمّا كانَ شَأْنُ هَذِهِ الصِّفاتِ عَظِيمًا ناسَبَ أنْ تُفْتَتَحَ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ، فَيَكُونُ اسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً و”الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو“ خَبَرًا. والجُمْلَةُ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.

صفحة ١١٩

وابْتُدِئَ في هَذِهِ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ بِصِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ وهي مَدْلُولُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وهي الأصْلُ فِيما يَتْبَعُها مِنَ الصِّفاتِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ ذِكْرُها عَقِبَ اسْمِ الجَلالَةِ كَما في آيَةِ الكُرْسِيِّ. وفاتِحَةِ آلِ عِمْرانَ.

وثُنِّيَ بِصِفَةِ عالَمِ الغَيْبِ لِأنَّها الَّتِي تَقْتَضِيها صِفَةُ الإلَهِيَّةِ إذْ عِلْمُ اللَّهِ هو العِلْمُ الواجِبُ وهي تَقْتَضِي جَمِيعَ الصِّفاتِ إذْ لا تَتَقَوَّمُ حَقِيقَةُ العِلْمِ الواجِبِ إلّا بِالصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وإذْ هو يَقْتَضِي الصِّفاتِ المَعْنَوِيَّةَ، وإنَّما مِن مُتَعَلِّقاتِ عِلْمِهِ أُمُورُ الغَيْبِ لِأنَّهُ الَّذِي فارَقَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى عِلْمَ غَيْرِهِ، وذَكَرَ مَعَهُ عِلْمَ الشَّهادَةِ لِلِاحْتِراسِ تَوَهُّمَ أنَّهُ يَعْلَمُ الحَقائِقَ العالِيَةَ الكُلِّيَّةَ فَقَطْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِيقٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ الأقْدَمِينَ ولِأنَّ التَّعْرِيفَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْراقِ. أيْ كُلُّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وهو عِلْمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أيِ الغائِبِ عَنْ إحْساسِ النّاسِ والمُشاهَدِ لَهم. فالمَقْصُودُ فِيها بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيْ عالِمٍ ما ظَهَرَ وما غابَ عَنْهم مِن كُلِّ غائِبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ عَلى ما هو عَلَيْهِ.

والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْراِقِ الحَقِيقِيِّ.

وفِي ذِكْرِ الغَيْبِ إيماءٌ إلى ضَلالِ الَّذِينَ قَصَرُوا أنْفُسَهم عَلى المُشاهَداتِ وكَفَرُوا بِالمُغَيَّباتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، أمّا ذِكْرُ عِلْمِ الشَّهادَةِ فَتَتْمِيمٌ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ يَتَوَهَّمُونَ اللَّهَ لا يَطَّلِعُ عَلى ما يُخْفُونَهُ. قالَ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ”مِنَ الخاسِرِينَ“ .

وضَمِيرُ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفِيدُ قَصْرَ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ تَعالى لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِرَحْمَةِ غَيْرِهِ لِقُصُورِها قالَ تَعالى ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ في مِائَةِ جُزْءٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ جُزْءًا وأنْزَلَ في الأرْضِ جُزْءًا واحِدًا. فَمِن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَراحَمُ الخَلْقُ حَتّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عَنْ ولَدِها خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَهُ» . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

ووَجْهُ تَعْقِيبِ صِفَةِ عُمُومِ العِلْمِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ أنَّ عُمُومَ العِلْمِ يَقْتَضِي أنْ لا يَغِيبَ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ خَلْقِهِ وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ، فَهو يَرْحَمُ المُحْتاجِينَ إلى

صفحة ١٢٠

رَحْمَتِهِ ويُمْهِلُ المُعانِدِينَ إلى عِقابِ الآخِرَةِ، فَهو رَحْمانٌ بِهِمْ في الدُّنْيا، وقَدْ كَثُرَ إتْباعُ اسْمِ الجَلالَةِ بِصِفَتَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في القُرْآنِ كَما في الفاتِحَةِ.

59:23Page 548

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣

He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

﴿هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ .

القَوْلُ في ضَمِيرِ هو كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ في الجُمْلَةِ الأُولى. وهَذا تَكْرِيرٌ لِلِاسْتِئْنافِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْظِيمٍ وهو مِن مَقاماتِ التَّكْرِيرِ، وفِيهِ اهْتِمامٌ بِصِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ.

والمَلِكُ: الحاكِمُ في النّاسِ، ولا مَلِكَ عَلى الإطْلاقِ إلّا اللَّهُ تَعالى وأمّا وصْفُ غَيْرِهِ بِالمَلِكِ فَهو بِالإضافَةِ إلى طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ. وعُقِّبَ وصْفا الرَّحْمَةِ بِوَصْفِ المُلْكِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ رَحْمَتَهُ فَضْلٌ وأنَّهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَما وقَعَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

و(القُدُّوسُ) بِضَمِّ القافِ في الأفْصَحِ، وقَدْ تُفْتَحُ القافُ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: فَعُّولٌ في الصِّفَةِ قَلِيلٌ، وإنَّما هو في الأسْماءِ مِثْلِ تَنُّورٍ وسَفُّودٍ وعَبُّودٍ. وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ السَّبُوحَ بِالفَتْحِ، وقالَ ثَعْلَبٌ لَمْ يَرِدْ فُعُّولٌ بِضَمِّ أوَّلِهِ إلّا القُدُّوسُ والسُّبُوحُ. وزادُ غَيْرُهُ الذُّرُّوحُ، وهو ذُبابٌ أحْمَرُ مُتَقَطِّعُ الحُمْرَةِ بِسَوادٍ يُشْبِهُ الزُّنْبُورَ. ويُسَمّى في اصْطِلاحِ الأطِبّاءِ ذُبابَ الهِنْدِ. وما عَداهُما مَفْتُوحٌ مِثْلَ سَفُّودٍ وكَلُّوبٍ. وتَنُّورٍ وسَمُّورٍ وشَبُّوطٍ صِنْفٌ مِنَ الحُوتِ وكَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ (سُبُّوحٌ) (وقُدُّوسٌ) صارا اسْمَيْنِ.

وعَقَّبَ بِـ (القُدُّوسِ) وصْفِ (المَلِكِ) لِلِاحْتِراسِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ نَقائِصِ المُلُوكِ المَعْرُوفَةِ مِنَ الغُرُورِ، والِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن نَقائِصِ النُّفُوسِ.

و(السَّلامُ) مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُسالَمَةِ وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، أيْ ذُو السَّلامِ، أيِ السَّلامَةِ، وهي أنَّهُ تَعالى سالَمَ الخَلْقَ مِنَ الظُّلْمِ والجَوْرِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ ومِنهُ

صفحة ١٢١

السَّلامُ» . وبِهَذا ظَهَرَ تَعْقِيبُ وصْفِ (المَلِكِ) بِوَصْفِ (السَّلامِ) فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ عَقَّبَ بِـ (القُدُّوسِ) لِلدِّلالَةِ عَلى نَزاهَةِ ذاتِهِ، عَقَّبَ بِـ (السَّلامِ) لِلدَّلالَةِ عَلى العَدْلِ في مُعامَلَتِهِ الخَلْقَ، وهَذا احْتِراسٌ أيْضًا. و(المُؤْمِنُ) اسْمُ فاعِلٍ مِن آمَنَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَ غَيْرَهُ آمِنًا.

فاللَّهُ هو الَّذِي جَعَلَ الأمانَ في غالِبِ أحْوالِ المَوْجُوداتِ، إذْ خَلَقَ نِظامَ المَخْلُوقاتِ بَعِيدًا عَنِ الأخْطارِ والمَصائِبِ، وإنَّما تَعْرِضُ لِلْمَخْلُوقاتِ المَصائِبُ بِعَوارِضَ تَتَرَكَّبُ مِن تَقارُنٍ أوْ تَضادٍّ أوْ تَعارُضِ مَصالِحٍ، فَيُرَجَّحُ أقْواها ويُدْحَضُ أدْناها، وقَدْ تَأْتِي مِن جَرّاءِ أفْعالِ النّاسِ.

وذِكْرُ وصْفِ (المُؤْمِنِ) عَقِبَ الأوْصافِ الَّتِي قَبْلَهُ إتْمامٌ لِلِاحْتِراسِ مِن تَوَهُّمِ وصْفِهِ تَعالى بِـ (المَلِكِ) أنَّهُ كالمُلُوكِ المَعْرُوفِينَ بِالنَّقائِصِ. فَأُفِيدَ أوَّلًا نَزاهَةُ ذاتِهِ بِوَصْفِ القُدُّوسِ، ونَزاهَةُ تَصَرُّفاتِهِ المُغَيَّبَةِ عَنِ الغَدْرِ والكَيْدِ بِوَصْفِ (المُؤْمِنِ)، ونَزاهَةُ تَصَرُّفاتِهِ الظّاهِرَةِ عَنِ الجَوْرِ والظُّلْمِ بِوَصْفِ (السَّلامِ) .

و(المُهَيْمِنُ): الرَّقِيبُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، والحافِظُ في لُغَةِ بَقِيَّةِ العَرَبِ.

واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ فَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِن ”أمِنَ“ الدّاخِلِ عَلَيْهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ فَصارَ ءامَنَ وأنَّ وزْنَ الوَصْفِ مُؤَيْمِنٌ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هاءً، ولَعَلَّ مُوجِبَ القَلْبِ إرادَةُ نَقْلِهِ مِنَ الوَصْفِ إلى الِاسْمِيَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْنى الأمْنِ، بِحَيْثُ صارَ كالِاسْمِ الجامِدِ. وصارَ مَعْناهُ: رَقَبَ: ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعْنًى إلّا مِنَ الَّذِي في المُؤْمِنِ لَمّا صارَ اسْمًا لِلرَّقِيبِ والشّاهِدِ، وهو قَلْبٌ نادِرٌ مِثْلُ قَلْبِ هَمْزَةِ: أراقَ إلى الهاءِ فَقالُوا: هَراقَ، وقَدْ وضَعَهُ الجَوْهَرِيُّ في فَصْلِ الهَمْزَةِ مِن بابِ النُّونِ ووَزْنُهُ مُفَعْلِلٌ اسْمُ فاعِلٍ مِن آمَنَ مِثْلِ مُدَحْرِجٍ، فَتَصْرِيفُهُ مُؤَأْمِنٌ بِهَمْزَتَيْنِ بَعْدَ المِيمِ الأُولى المَزِيدَةِ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً كَما أُبْدِلَتْ هَمْزَةُ أراقَ فَقالُوا: هَراقَ.

وقِيلَ: أصْلُهُ هَيْمَنَ بِمَعْنى: رَقَبَ، كَذا في لِسانِ العَرَبِ وعَلَيْهِ فالهاءُ أصْلِيَّةٌ ووَزْنُهُ مُفَيْعِلٌ. وذَكَرَهُ صاحِبُ القامُوسِ في فَصْلِ الهاءِ مِن بابِ النُّونِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في فَصْلِ الهَمْزَةِ مِنهُ. وذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ في فَصْلِ الهَمْزَةِ وفَصْلِ الهاءِ مِن بابِ النُّونِ مُصَرِّحًا بِأنَّ هاءَهُ أصْلُها هَمْزَةٌ. وعَدَلَ الرّاغِبُ وصاحِبُ الأساسِ عَنْ ذِكْرِهِ.

صفحة ١٢٢

وذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّهُما يَرَيانِ هاءَهُ مُبْدَلَةً مِنَ الهَمْزَةِ وأنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَعانِي الأمْنِ وفي المَقْصِدِ الأسْنى في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى لِلْغَزالِيِّ المُهَيْمِنُ في حَقِّ اللَّهِ: القائِمُ عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ وأرْزاقِهِمْ، وإنَّما قِيامُهُ عَلَيْهِمْ بِاطِّلاعِهِ واسْتِيلائِهِ وحِفْظِهِ. والإشْرافُ (أيِ الَّذِي هو الِاطِّلاعُ) يَرْجِعُ إلى العِلْمِ، والِاسْتِيلاءُ يَرْجِعُ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والحِفْظُ يَرْجِعُ إلى الفِعْلِ. والجامِعُ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي اسْمُهُ المُهَيْمِنُ ولَنْ يَجْتَمِعَ عَلى ذَلِكَ الكَمالِ والإطْلاقِ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى في الكُتُبِ القَدِيمَةِ اهـ. وفي هَذا التَّعْرِيفِ بِهَذا التَّفْصِيلِ نَظَرٌ ولَعَلَّهُ جَرى مِن حُجَّةِ الإسْلامِ مَجْرى الِاعْتِبارِ بِالصِّفَةِ لا تَفْسِيرِ مَدْلُولِها.

وتَعْقِيبُ (المُؤْمِنِ) بِـ (المُهَيْمِنِ) لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ تَأْمِينَهُ عَنْ ضَعْفٍ أوْ عَنْ مَخافَةِ غَيْرِهِ، فاعْلَمُوا أنَّ تَأْمِينَهُ لِحِكْمَتِهِ مَعَ أنَّهُ رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِ خَلْقِهِ فَتَأْمِينُهُ إيّاهم رَحْمَةٌ بِهِمْ.

والعَزِيزُ الَّذِي لا يُغْلَبُ ولا يُذِلُّهُ أحَدٌ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِالغالِبِ.

والجَبّارُ: القاهِرُ المُكْرِهُ غَيْرَهُ عَلى الِانْفِعالِ بِفِعْلِهِ، فاللَّهُ جَبّارُ كُلِّ مَخْلُوقٍ عَلى الأفْعالِ لِما كَوَّنَهُ عَلَيْهِ لا يَسْتَطِيعُ مَخْلُوقٌ اجْتِيازَ ما حَدَّهُ لَهُ في خِلْقَتِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ الإنْسانُ الطَّيَرانَ ولا يَسْتَطِيعُ ذَواتُ الأرْبَعِ المَشْيَ عَلى رَجْلَيْنِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ هو جَبّارٌ لِلْمَوْجُوداتِ عَلى قَبُولِ ما أرادَهُ بِها وما تَعَلَّقَتْ بِهِ قُدْرَتُهُ عَلَيْها.

وإذا وُصِفَ الإنْسانُ بِالجَبّارِ كانَ وصْفَ ذَمٍّ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ يَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلى هَواهُ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] . فالجَبّارُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مَن أجْبَرَهُ، وأمْثِلَةُ المُبالَغَةِ تُشْتَقُّ مِنَ المَزِيدِ بِقِلَّةٍ مِثْلِ الحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكِمِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا في أفْعَلَ إلّا جَبّارًا ودَرّاكًا. وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: المُجْبِرُ والمُدْرِكُ، وقِيلَ: الجَبّارُ مَعْناهُ المُصْلِحُ مِن جَبَرَ الكَسْرَ، إذْا أصْلَحَهُ، فاشْتِقاقُهُ لا نُذْرَةُ فِيهِ.

والمُتَكَبِّرُ: الشَّدِيدُ الكِبْرِياءِ، أيِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ. وأصْلُ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ

صفحة ١٢٣

أنْ تَدُلَّ عَلى التَّكَلُّفِ لَكِنَّها اسْتُعْمِلَتْ هُنا في لازِمِ التَّكَلُّفِ وهو القُوَّةُ لِأنَّ الفِعْلَ الصّادِرَ عَنْ تَأنُّقٍ وتَكَلُّفٍ يَكُونُ أتْقَنَ.

ويُقالُ: فُلانُ يَتَظَلَّمُ عَلى النّاسِ، أيْ يُكْثِرُ ظُلْمَهم.

ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَقِبَ صِفَةِ المُهَيْمِنِ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ آنِفًا مِنَ الصِّفاتِ لا يُؤْذِنُ إلّا بِاطْمِئْنانِ العِبادِ لِعِنايَةِ رَبِّهِمْ بِهِمْ وإصْلاحِ أُمُورِهِمْ وأنَّ صِفَةَ المُهَيْمِنِ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ مُشْتَرَكٍ فَعُقِّبَتْ بِصِفَةِ (العَزِيزِ) لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ اللَّهَ غالِبٌ لا يُعْجِزْهُ شَيْءٌ. واتُّبِعَتْ بِصِفَةِ (الجَبّارِ) الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ مُسَخِّرُ المَخْلُوقاتِ لِإرادَتِهِ ثُمَّ صِفَةِ المُتَكَبِّرِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ ذُو الكِبْرِياءِ يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ دُونَ كِبْرِيائِهِ فَكانَتْ هَذِهِ الصِّفاتِ في جانِبِ التَّخْوِيفِ كَما كانَتْ قَبْلَها في جانِبِ الإطْماعِ.

* * *

﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ذُيِّلَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ بِتَنْزِيِهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ بِأنْ أشْرَكَ بِهِ المُشْرِكُونَ. فَضَمِيرُ (يُشْرِكُونَ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يَزَلِ القُرْآنُ يُقَرِّعُهم بِالمَواعِظِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском