Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:5–6
59:5Page 546
مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥
Whatever you have cut down of [their] palm trees or left standing on their trunks - it was by permission of Allāh and so He would disgrace the defiantly disobedient.
﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أفْضى بِهِ إلى المَقْصِدِ عَنِ السُّورَةِ عَنْ أحْكامِ أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ وإشارَةُ الآيَةِ إلى ما حَدَثَ في حِصارِ بَنِي النَّضِيرِ وذَلِكَ أنَّهم قَبْلَ أنْ يَسْتَسْلِمُوا اعْتَصَمُوا بِحُصُونِهِمْ فَحاصَرَهُمُ المُسْلِمُونَ وكانَتْ حَوائِطُهم خارِجَ قَرْيَتِهِمْ وكانَتِ الحَوائِطُ تُسَمّى البُوَيْرَةُ - (بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ وفَتْحِ الواوِ - وهي تَصْغِيرُ بُؤْرٍ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ الباءِ فَخُفِّفَتْ واوًا) عَمَدَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ إلى قَطْعِ بَعْضِ نَخِيلِ النَّضِيرِ قِيلَ بِأمْرٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وقِيلَ بِدُونِ أمْرِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ كانَ ذَلِكَ لِيُوَسِّعُوا مَكانًا لِمُعَسْكَرِهِمْ، وقِيلَ لِتَخْوِيفِ بَنِي النَّضِيرِ ونِكايَتِهِمْ، وأمْسَكَ بَعْضُ الجَيْشِ عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ وقالُوا: لا تَقْطَعُوا مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْنا. وقَدْ ذُكِرَ أنَّ النَّخَلاتِ الَّتِي قُطِعَتْ سِتُّ نَخَلاتٍ أوْ نَخْلَتانِ. فَقالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ تُرِيدُ الصَّلاحَ أفَمِنَ الصَّلاحِ قَطْعُ النَّخْلِ وحَرْقُ الشَّجَرِ، وهَلْ وجَدَتَ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ إباحَةُ الفَسادِ في الأرْضِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
والمَعْنى: أنَّ ما قَطَعُوا مِنَ النَّخْلِ أُرِيدَ بِهِ مَصْلَحَةُ إلْجاءِ العَدُوِّ إلى الِاسْتِسْلامِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ وإذْلالِهِمْ بِأنْ يَرَوْا أكْرَمَ أمْوالِهِمْ عُرْضَةً لِلْإتْلافِ بِأيْدِي
صفحة ٧٦
المُسْلِمِينَ، وأنَّ ما أُبْقِيَ لَمْ يُقْطَعْ في بَقائِهِ مَصْلَحَةٌ لِأنَّهُ آيِلٌ إلى المُسْلِمِينَ فِيما أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكانَ في كِلا القَطْعِ والإبْقاءِ مَصْلَحَةٌ فَتَعارَضَ المَصْلَحَتانِ فَكانَ حُكْمُ اللَّهِ تَخْيِيرَ المُسْلِمِينَ. والتَّصَرُّفُ في وُجُوهِ المَصالِحِ يَكُونُ تابِعًا لِاخْتِلافِ الأحْوالِ، فَجَعَلَ اللَّهُ القَطْعَ والإبْقاءَ كِلَيْهِما بِإذْنِهِ، أيْ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ، فَأطْلَقَ الإذْنَ عَلى الرِّضى عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، أوْ أطْلَقَ إذَنَ اللَّهِ عَلى إذَنِ رَسُولِهِ ﷺ إنْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أذِنَ بِذَلِكَ ابْتِداءً، ثُمَّ أمَرَ بِالكَفِّ عَنْهُ.
وكَلامُ الأئِمَةِ غَيْرُ واضِحٍ في إذَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيهِ ابْتِداءً وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ قَوْلُ مُجاهِدُ: إنَّ القَطْعَ والِامْتِناعَ مِنهُ كانَ اخْتِلافًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِتَصْدِيقِ مَن نَهى عَنْ قَطْعِهِ، وتَحْلِيلِ مَن قَطَعَهُ مِنَ الإثْمِ. وفي ذَلِكَ قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ يَتَوَرَّكُ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ إذْ غَلَبَ المُسْلِمُونَ بَنِي النَّضِيرِ أحْلافَهم ويَتَوَرَّكُ عَلى بَنِي النَّضِيرِ إذْ لَمْ يَنْصُرْهم أحْلافُهُمُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ:
تَفاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا ولَيْسَ لَهم بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ
وهانَ عَلى سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ ∗∗∗ حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
يُرِيدُ سَراةَ أهْلِ مَكَّةَ وكُلُّهم مِن بَنِي لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وفِهْرٌ هو قُرَيْشٌ أيْ لَمْ يُنْقِذُوا أحْلافَهم لِهَوانِهِمْ عَلَيْهِمْ.
وأجابَهُ أبُو سُفْيانُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلَبْ وهو يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ:
أدامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن صَنِيعٍ ∗∗∗ وحَرَّقَ في نَواحِيها السَّعِيرُ
سَتَعْلَمُ أيَّنا مِنها بِنَزْهٍ ∗∗∗ وتَعْلَمُ أيَّ أرْضَيْنا تَضِيرُ
يُرِيدُ أنَّ التَّحْرِيقَ وقَعَ بِنَواحِيَ مَدِينَتِكم فَلا يَضِيرُ إلّا أرْضُكم ولا يَضِيرُ أرْضَنا، فَقَوْلُهُ: أدامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن صَنِيعٍ، تَهَكُّمٌ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ المُحَقِّقُونَ مِنَ الفُقَهاءِ أنَّ تَحْرِيقَ دارِ العَدُوِّ وتَخْرِيبَها وقَطْعَ ثِمارِها جائِزٌ إذا دَعَتْ إلَيْهِ المَصْلَحَةُ المُتَعَيَّنَةُ وهو قَوْلُ مالِكٍ. وإتْلافُ بَعْضِ المالِ لِإنْقاذِ باقِيهِ مَصْلَحَةٌ وقَوْلُهُ (مِن لِينَةٍ) بَيانٌ لِما في قَوْلِهِ (ما قَطَعْتُمْ) .
واللِّينَةُ: النَّخْلَةُ ذاتُ الثَّمَرِ الطَّيِّبِ تُطْلِقُ اسْمَ اللِّينَةِ عَلى كُلِّ نَخْلَةٍ غَيْرِ
صفحة ٧٧
العَجْوَةِ والبَرْمَنِيِّ في قَوْلِ جُمْهُورِ أهْلِ المَدِينَةِ وأيِمَّةِ اللُّغَةِ. وتَمْرُ اللِّينَةِ يُسَمّى اللَّوْنُ.
وإيثارُ (لِينَةٍ) عَلى نَخْلَةٍ لِأنَّهُ أخَفٌّ ولِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ نَخْلَةٍ مُفْرَدًا في القُرْآنِ، وإنَّما ورَدَ النَّخْلُ اسْمَ جَمْعٍ.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ ياءُ لِينَةٍ أصْلُها واوٌ انْقَلَبَتْ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ ولَمْ يَذْكُرُوا سَبَبَ كَسْرِ أوَّلِهِ ويُقالُ: لِوَنَةٌ وهو ظاهِرٌ.
وفِي كُتُبِ السِّيرَةِ يُذْكَرُ أنْ بَعْضَ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ أحْرَقَهُ المُسْلِمُونَ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ شِعْرُ حَسّانَ ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ الحَرْقَ فَلَعَلَّ خَبَرَ الحَرْقِ مِمّا أُرْجِفَ بِهِ فَتَناقَلَهُ بَعْضُ الرُّواةِ، وجَرى عَلَيْهِ شِعْرُ حَسّانَ وشِعْرُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ، أوْ أنَّ النَّخَلاتِ الَّتِي قُطِعَتْ أحْرَقَها الجَيْشُ لِلطَّبْخِ أوْ لِلدِّفْءِ.
وجِيءَ بِالحالِ في قَوْلِهِ ﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ لِتَصْوِيرِ هَيْئَتِها وحُسْنِها. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ تَرْكَ القَطْعِ أوْلى. وضَمِيرُ (أُصُولِها) عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ما قَطَعْتُمْ لِأنَّ مَدْلُولَ (ما) هُنا جَمْعٌ ولَيْسَ عائِدًا إلى (لِينَةٍ) لِأنَّ اللِّينَةَ لَيْسَ لَها عِدَّةُ أُصُولٍ بَلْ لِكُلِّ لِينَةٍ أصْلٌ واحِدٌ.
وتَعَلَّقَ عَلى أُصُولِها بِـ (قائِمَةً) . والمَقْصُودُ: زِيادَةُ تَصْوِيرِ حُسْنِها. والأُصُولُ: القَواعِدُ. والمُرادُ هُنا: سُوقُ النَّخْلِ قالَ تَعالى: ﴿أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ووَصْفُها بِأنَّها ﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ هو بِتَقْدِيرِ: قائِمَةٌ فُرُوعُها عَلى أُصُولِها لِظُهُورِ أنَّ أصْلَ النَّخْلَةِ بَعْضُها.
والفاءُ مِن قَوْلِهِ فَبِإذْنِ اللَّهِ مَزِيدَةٌ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ لِأنَّهُ اسْمٌ مَوْصُولٌ، واسْمُ المَوْصُولِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ كَثِيرًا إذا ضُمِنَ مَعْنى التَّسَبُّبِ، وقَدْ قُرِئَ بِالفاءِ وبِدُونِها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] في سُورَةِ الشُّورى.
وعَطْفُ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ مِن عَطْفِ العِلَّةِ عَلى السَّبَبِ وهو فَبِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ السَّبَبَ في مَعْنى العِلَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦] الآيَةُ في آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٧٨
والمَعْنى: فَقَطْعُ ما قَطَعْتُمْ مِنَ النَّخْلِ وتَرْكُ ما تَرَكْتُمْ لِأنَّ اللَّهَ أذِنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ لِصَلاحٍ لَهم فِيهِ، ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ، أيْ لِيُهِينَ بَنِي النَّضِيرِ فَيَرَوْا كَرائِمَ أمْوالَهِمْ بَعْضَها مَخْضُودًا وبَعْضَها بِأيْدِي أعْدائِهِمْ. فَذَلِكَ عَزَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وخِزْيٌ لِلْكافِرِينَ والمُرادُ بِـ (الفاسِقِينَ) هُنا: يَهُودُ النَّضِيرِ.
وعَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِمْ كَما أتَيَ بِضَمائِرِهِمُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ إلى التَّعْبِيرِ عَنْهم بِوَصْفِ الفاسِقِينَ لِأنَّ الوَصْفَ المُشْتَقَّ يُؤْذِنُ بِسَبَبِ ما اشْتُقَّ مِنهُ في ثُبُوتِ الحُكْمِ، أيْ لِيَجْزِيَهم لِأجْلِ الفِسْقِ.
والفِسْقُ: الكُفْرُ.
59:6Page 546
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦
And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.
﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الآيَةَ فَتَكُونُ امْتِنانًا وتَكْمِلَةً لِمَصارِفَ أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والغَرَضِ عَلى الغَرَضِ لِلِانْتِقالِ إلى التَّعْرِيفِ بِمَصِيرِ أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ لِئَلا يَخْتَلِفَ رِجالُ المُسْلِمِينَ في قِسْمَتِهِ. ولِبَيانِ أنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ في قِسْمَةِ أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ هو عَدْلٌ إنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ القِسْمَةِ وما صَدْقُ ما أفاءَ اللَّهُ هو ما تَرَكُوهُ مِنَ الأرْضِ والنَّخْلِ والنَّقْضِ والحَطَبِ.
والفَيْءُ مَعْرُوفٌ في اصْطِلاحِ الغُزاةِ فَفِعْلُ أفاءَ أعْطى الفَيْءَ، فالفَيْءُ في الحُرُوبِ والغاراتِ ما يَظْفَرُ بِهِ الجَيْشُ مِن مَتاعِ عَدُوِّهِمْ وهو أعَمُّ مِنَ الغَنِيمَةِ ولَمْ يَتَحَقَّقْ أيِمَّةُ اللُّغَةِ في أصْلِ اشْتِقاقِهِ فَيَكُونُ الفَيْءُ بِقِتالٍ ويَكُونُ بِدُونِ قِتالٍ وأمّا الغَنِيمَةُ فَهي ما أُخِذَ بِقِتالٍ.
وضَمِيرُ (مِنهم) عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ الواقِعِ في أوَّلِ السُّورَةِ وهم بَنُو النَّضِيرِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الكُفّارُ، وأنَّهُ نَزَلَ في فَيْءِ فَدَكَ فَهَذا بَعِيدٌ ومُخالِفٌ لِلْآثارِ.
صفحة ٧٩
وقَوْلُهُ ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ خَبَرٌ عَنْ (ما) المَوْصُولَةِ قُرِنَ بِالفاءِ لِأنَّ المَوْصُولَ كالشَّرْطِ لَتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّسَبُّبِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ فَبِإذْنِ اللَّهِ.
وهُوَ بِصَرِيحِهِ امْتِنانٌ عَلى المُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ ساقَ لَهم أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ دُونَ قِتالٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، ويُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ كِنايَةً بِأنْ يَقْصِدَ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهم لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ لازِمَ الخَبَرِ وهو أنَّهُ لَيْسَ لَهم سَبَبُ حَقٍّ فِيهِ. والمَعْنى: فَما هو مِن حَقِّكم، أوْ لا تَسْألُوا قِسْمَتَهُ لِأنَّكم لَمْ تَنالُوهُ بِقِتالِكم ولَكِنَّ اللَّهَ أعْطاهُ رَسُولَهُ ﷺ نِعْمَةً مِنهُ بِلا مَشَقَّةٍ ولا نَصَبٍ.
والإيجافُ: نَوْعٌ مِن سَيْرِ الخَيْلِ. وهو سَيْرٌ سَرِيعٌ بِإيقاعِ وأُرِيدَ بِهِ الرَّكْضُ لِلْإغارَةِ لِأنَّهُ يَكُونُ سَرِيعًا.
والرِّكابُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْإبِلِ الَّتِي تُرْكَبُ. والمَعْنى: ما أغَرْتُمْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا إبِلٍ.
وحَرْفُ (عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، ولَيْسَ لِتَعْدِيَةِ أوْجَفْتُمْ لَأنَّ مَعْنى الإيجافِ لا يَتَعَدّى إلى الفَيْءِ بِحَرْفِ الجَرِّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو مَصْدَرُ أوْجَفْتُمْ، أيْ إيجافًا لِأجْلِهِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن خَيْلٍ) زائِدَةٌ داخِلَةٌ عَلى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ومَدْخُولُ (مِن) في مَعْنى المَفْعُولِ بِهِ لِ (أوْجَفْتُمْ) أيْ ما سُقْتُمْ خَيْلًا ولا رِكابًا.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى النَّفْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهُ لا حَقَّ فِيهِ لِأحَدٍ. والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ . فالرَّسُولُ أحَقُّ بِهِ. وهَذا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ قَصْرًا مَعْنَوِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَما سَلَّطَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَكِنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ إيجازُ حَذْفٍ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ . واللَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ وكانَ هَذا بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِعِمُومِهِ وهو دالٌّ عَلى المُقَدَّرِ.
صفحة ٨٠
وعُمُومُ مَن يَشاءُ لِشِمُولِ أنَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مُقاتِلِينَ ويُسَلِّطُهم عَلى غَيْرِ المُقاتِلِينَ.
والمَعْنى: وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ إنَّما هو بِتَسْلِيطِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ. فَأغْنى التَّذْيِيلُ عَنِ المَحْذُوفِ، أيْ فَلا حَقَّ لَكم فِيهِ فَيَكُونُ مِن مالِ اللَّهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُلاةُ الأُمُورِ مِن بَعْدِهِ.
فَتَكُونُ الآيَةُ تَبْيِينًا لِما وقَعَ في قِسْمَةِ فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ. ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُقَسِّمْهُ عَلى جَمِيعِ الغُزاةِ ولَكِنْ قَسَمَهُ عَلى المُهاجِرِينَ سَواءٌ كانُوا مِمَّنْ غَزَوْا مَعَهُ أمْ لَمْ يَغْزُوا إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُهاجِرِينَ أمْوالٌ. فَأرادَ أنْ يَكْفِيَهم ويَكْفِيَ الأنْصارَ ما مَنَحُوهُ المُهاجِرِينَ مِنَ النَّخِيلِ. ولَمْ يُعْطِ مِنهُ الأنْصارَ إلّا ثَلاثَةً لِشِدَّةِ حاجَتِهِمْ وهم أبُو دُجانَةَ (سِماكُ بْنُ خُزَيْنَةَ)، وسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ. وأعْطى سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ سَيْفَ أبِي الحُقَيْقِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِاجْتِهادِ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ تِلْكَ الأمْوالَ لَهُ.
فَإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ قُسِّمَتْ أمْوالُ النَّضِيرِ كانَتْ بَيانًا بِأنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ حَقٌّ، أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، أوْ جَعَلَهُ إلَيْهِ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ القِسْمَةِ، إذْ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ الجَيْشَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَخْمِيسَ أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ مِثْلِ غَنائِمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَتِ الآيَةُ تَشْرِيعًا لِاسْتِحْقاقِ هَذِهِ الأمْوالِ.
قالَ أبُو بَكْرُ بْنُ العَرَبِيِّ لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ الآيَةَ الأُولى خاصَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ هَذِهِ الآيَةُ الأُولى مِنَ الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ خاصَّةٌ بِأمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ، وعَلى أنَّها خاصَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضَعُها حَيْثُ يَشاءُ. وبِذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِمَحْضِرِ عُثْمانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ، وهو قَوْلُ مالِكٍ فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ. قالَ: كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ صافِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُخَمِّسْها. واخْتُلِفَ في القِياسِ عَلَيْها كُلُّ مالٍ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
صفحة ٨١
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وكَذَلِكَ كُلُّ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلى الأيِمَّةِ مِمّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ فَهو لَهم خاصَّةً اهـ. وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences