Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:9–12
59:9Page 546
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩
And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ (الَّذِينَ) عَطْفٌ عَلى (المُهاجِرِينَ) أيْ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ.
صفحة ٩٠
والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ هُمُ الأنْصارُ.
والدّارُ تُطْلَقُ عَلى البِلادِ، وأصْلُها مَوْضِعُ القَبِيلَةِ مِنَ الأرْضِ. وأُطْلِقَتْ عَلى القَرْيَةِ قالَ تَعالى في ذِكْرِ ثَمُودَ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨]، أيْ في مَدِينَتِهِمْ وهي حِجْرُ ثَمُودَ. والتَّعْرِيفُ هُنا لِلْعَهْدِ لِأنَّ المُرادَ بِالدّارِ: يَثْرِبُ والمَعْنى الَّذِينَ هم أصْحابُ الدّارِ. هَذا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ .
والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ المَباءَةِ وهي البُقْعَةُ الَّتِي يَبُوءُ إلَيْها صاحِبُها، أيْ يَرْجِعُ إلَيْها بَعْدَ انْتِشارِهِ في أعْمالِهِ. وفي مَوْقِعِ قَوْلِهِ (والإيمانَ) غُمُوضٌ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولا لِفِعْلِ تَبَوَّءُوا، فَتَأوَّلَهُ المُفَسِّرُونَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الإيمانِ بِالمَنزِلِ وجَعْلِ إثْباتِ التَّبَوُّءِ تَخْيِيلًا فَيَكُونُ فِعْلُ تَبَوَّءُوا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا المَعْطُوفَ عامِلًا مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وتَقْدِيرُهُ: وأخْلَصُوا الإيمانَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الرّاجِزِ الَّذِي لا يُعْرَفُ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى:
يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أيْ ومُمْسِكًا رُمْحًا وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الكَشّافُ. وقِيلَ الواوُ لِلْمَعِيَّةِ.
والإيمانُ مَفْعُولٌ مَعَهُ.
صفحة ٩١
وعِنْدِي أنَّ هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وإنْ قَلَّ قائِلُوهُ. والجُمْهُورُ يَجْعَلُونَ النَّصْبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ سَماعِيًّا فَهو عِنْدَهم قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ فَتَجَنَّبُوا تَخَرِيجَ آياتِ القُرْآنِ عَلَيْهِ حَتّى ادَّعى ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ في القُرْآنِ بِيَقِينٍ. وتَأْوِيلُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، ذَلِكَ لِأنَّ البَصَرَيْنِ يَشْتَرِطُونَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في المَفْعُولِ مَعَهُ هو العامِلَ في الِاسْمِ الَّذِي صاحَبَهُ ولا يَرَوْنَ واوَ المَعِيَّةِ ناصِبَةَ المَفْعُولِ مَعَهُ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ فَإنَّ الواوَ عِنْدَهم بِمَعْنى مَعَ. وقالَ عَبْدُ القاهِرِ: مَنصُوبٌ بِالواوِ.
والحَقُّ عَدَمُ التِزامِ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ، ألا تَرى صِحَّةَ قَوْلِ القائِلِ: اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةُ. وقَوْلُهم: سِرْتُ والنِّيلُ، وهو يُفِيدُ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ دارَ الهِجْرَةِ دارُهم آوَوْا إلَيْها المُهاجِرِينَ لِأنَّها دارُ مُؤْمِنِينَ لا يُماثِلُها يَوْمَئِذٍ غَيْرُها.
وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أنَّ مُتَعَلِّقَ (مِن قَبْلِهِمْ) فِعْلُ تَبَوَّءُوا بِمُفْرَدِهِ، وأنَّ المَجْرُورَ المُتَعَلِّقَ بِهِ قُيِّدَ فِيهِ دُونَ ما ذِكْرٍ بَعْدَ الواوِ لِأنَّ الواوَ لَيْسَتْ واوَ عَطْفٍ فَلِذَلِكَ لا تَكُونُ قائِمَةً مَقامَ الفِعْلِ السّابِقِ لِأنَّ واوَ المَعِيَّةِ في مَعْنى ظَرْفٍ فَلا يُعَلَّقُ بِها مَجْرُورٌ.
وفِي ذِكْرِ الدّارِ وهي المَدِينَةِ مَعَ ذِكْرِ الإيمانِ إيماءٌ إلى فَضِيلَةِ المَدِينَةِ بِحَيْثُ جَعَلَ تَبَوُّءَهُمُ المَدِينَةَ قَرِينَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ ولَعَلَّ هَذا هو الَّذِي عَناهُ مالِكٌ رَحْمَهُ اللَّهُ فِيما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ قالَ: سَمِعْتُ مالِكًا يَذْكُرُ فَضْلَ المَدِينَةِ عَلى غَيْرِها مِنَ الآفاقِ. فَقالَ: إنَّ المَدِينَةَ تُبُوِّئَتْ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ وإنَّ غَيْرَها مِنَ القُرى افْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا، وهَذا ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِما تَقَرَّرَ في نُفُوسِهِمْ مِن أُخُوَّةِ الإسْلامِ إذْ أحَبُّوا المُهاجِرِينَ، وشَأْنُ القَبائِلِ أنْ يَتَحَرَّجُوا مِنَ الَّذِينَ يُهاجِرُونَ إلى دِيارِهِمْ لِمُضايَقَتِهِمْ.
ومِن آثارِ هَذِهِ المَحَبَّةِ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن خَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إذْ عَرَضَ سَعْدٌ عَلَيْهِ أنْ يُقاسِمَهُ مالَهُ وأنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْ إحْدى زَوْجَتَيْهِ، وقَدْ أسْكَنُوا المُهاجِرِينَ مَعَهم في بُيُوتِهِمْ ومَنَحُوهم مِن نَخِيلِهِمْ، وحَسْبُكَ الأُخُوَّةُ الَّتِي آخى النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.
صفحة ٩٢
وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ أُرِيدَ بِالوُجْدانِ الإدْراكُ العَقْلِيُّ، وكَنّى بِانْتِفاءِ وُجْدانِ الحاجَةِ مِنَ انْتِفاءِ وُجُودِها لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً لَأدْرَكُوها في نُفُوسِهِمْ وهَذا مِن بابِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
.
والحاجَةُ في الأصْلِ: اسْمُ مَصْدَرِ الحَوْجِ وهو الِاحْتِياجُ، أيْ الِافْتِقارُ إلى شَيْءٍ، وتُطْلَقُ عَلى الأمْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، وهي هُنا مَجازٌ في المَأْرَبِ والمُرادِ، وإطْلاقُ الحاجَةِ إلى المَأْرَبِ مَجازٌ مَشْهُورٌ ساوى الحَقِيقَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠]، أيْ لِتَبْلُغُوا في السَّفَرِ عَلَيْها المَأْرَبَ الَّذِي تُسافِرُونَ لِأجْلِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ [يوسف: ٦٨] أيْ مَأْرَبًا مُهِمًّا وقَوْلِ النّابِغَةِ:
أيّامَ تُخْبِرْنِي نُعْمُ وأُخْبِرُها ∗∗∗ ما أكْتُمُ النّاسَ مِن حاجِي وإسْرارِي
وعَلَيْهِ فَتَكُونُ (مِن) في قَوْلِهِ مِمّا أُوتُوا ابْتِدائِيَّةً، أيْ مَأْرَبًا أوْ رَغْبَةً ناشِئَةً مِن فَيْءٍ أُعْطِيَهُ المُهاجِرُونَ. والصُّدُورُ مُرادٌ بِها النُّفُوسُ جَمْعُ الصَّدْرِ وهو الباطِنُ الَّذِي فِيهِ الحَواسُّ الباطِنَةُ وذَلِكَ كَإطْلاقِ القَلْبِ عَلى ذَلِكَ.
وما أُوتُوا هو فَيْءُ بَنِي النَّضِيرِ.
وضَمِيرُ (صُدُورِهِمْ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ وضَمِيرُ أُوتُوا عائِدٌ إلى مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ، لِأنَّ مَن هاجَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ فَرُوعِيَ في ضَمِيرِ مَعْنى (مِن) بِدُونِ لَفْظِها. وهَذانَ الضَّمِيرانِ وإنْ كانا ضَمِيرَيْ غَيْبَةٍ وكانا مُقْتَرِبَيْنِ فالسّامِعُ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مُعادِهِ بِحَسَبِ السِّياقِ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] في سُورَةِ الرُّومِ. وقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ يَذْكُرُ انْتِصارَ المُسْلِمِينَ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي سُلَيْمٍ عَلى هَوازِنَ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَعُوا
أيْ أحْرَزَ جَيْشُ هَوازِنَ ما جَمَعَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُخامِرُ نُفُوسَهم تَشَوُّفٌ إلى أخْذِ شَيْءٍ مِمّا أُوتِيَهُ المُهاجِرُونَ مِن فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.
صفحة ٩٣
ويَجُوزُ وجْهٌ آخَرُ بِأنْ يُحْمَلَ لَفْظُ حاجَةٍ عَلى اسْتِعْمالِهِ الحَقِيقِيِّ (اسْمُ مَصْدَرِ الِاحْتِياجِ) فَإنَّ الحاجَّةَ بِهَذا المَعْنى يَصِحُّ وُقُوعُها في الصُّدُورِ لِأنَّها مِنَ الوِجْدانِيّاتِ والِانْفِعالاتِ. ومَعْنى نَفْيِ وُجْدانِ الِاحْتِياجِ في صُدُورِهِمْ أنَّهم لِفَرْطِ حُبِّهِمْ لِلْمُهاجِرِينَ صارُوا لا يُخامِرُ نُفُوسَهم أنَّهم مُفْتَقِرُونَ إلى شَيْءٍ ما يُؤْتاهُ المُهاجِرُونَ، أيْ فَهم أغْنِياءُ عَمّا يُؤْتاهُ المُهاجِرُونَ فَلا تَسْتَشْرِفُ نُفُوسُهم إلى شَيْءٍ مِمّا يُؤْتاهُ المُهاجِرُونَ بَلْهَ أنْ يَتَطَلَّبُوهُ.
وتَكُونُ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى مِمّا أُوتُوا لِلتَّعْلِيلِ، أيْ حاجَةٌ لِأجْلِ ما أُوتِيَهُ المُهاجِرُونَ، أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ حاجَةٌ ناشِئَةٌ عَمّا أُوتِيَهُ المُهاجِرُونَ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ وُجْدانِ الحاجَةِ في نُفُوسِهِمْ وانْتِفاءِ أسْبابِ ذَلِكَ الوُجْدانِ ومَناشِئِهِ المُعْتادَةِ في النّاسِ تَبَعًا لِلْمُنافَسَةِ والغِبْطَةِ، وقَدْ دَلَّ انْتِفاءُ أسْبابِ الحاجَةِ عَلى مُتَعَلِّقِ حاجَةِ المَحْذُوفِ إذِ التَّقْدِيرُ: ولا يَجِدُونَ في نُفُوسِهِمْ حاجَةً لِشَيْءٍ أُوتِيَهُ المُهاجِرُونَ.
والإيثارُ: تَرْجِيحُ شَيْءٍ عَلى غَيْرِهِ بِمَكْرَمَةٍ أوْ مَنفَعَةٍ.
والمَعْنى: يُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ اخْتِيارًا مِنهم وهَذا أعْلى دَرَجَةً مِمّا أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ يُؤْثِرُونَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ مِمّا أُوتُوا عَلَيْهِ.
ومِن إيثارِهِمُ المُهاجِرِينَ ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا الأنْصارَ لِيَقْطَعَ لَهم قَطائِعَ بِنَخْلِ البَحْرَيْنِ فَقالُوا: لا إلّا أنْ تَقْطَعَ لِإخْوانِنا مِنَ المُهاجِرِينَ مِثْلَها» .
وإمّا إيثارُ الواحِدِ مِنهم عَلى غَيْرِهِ مِنهم فَما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَنِيَ الجَهْدُ. فَأرْسَلَ في نِسائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: ألا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقامَ رَجُلٌ مَنِ الأنْصارِ هو أبُو طَلْحَةَ فَقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ إلى أهْلِهِ فَقالَ لِامْرَأتِهِ: هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ لا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، فَقالَتْ: واللَّهِ ما عِنْدِي إلّا قُوتُ الصِّبْيَةِ. قالَ: فَإذا أرادَ الصِّبْيَةُ العَشاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وتَعالَيْ فَأطْفِئِي السِّراجَ ونَطْوِي بُطُونَنا اللَّيْلَةَ. فَإذا دَخَلَ الضَّيْفُ فَإذا أهْوى لِيَأْكُلَ فَقَوْمِي إلى السِّراجِ تُرِي أنَّكِ تُصْلِحِينَهُ فَأطْفِئِيهِ وأرِيهِ أنّا نَأْكُلُ. فَقَعَدُوا وأكَلَ الضَّيْفُ» .
صفحة ٩٤
وذُكِرَتْ قَصَصٌ مِن هَذا القَبِيلِ في التَّفاسِيرِ، قِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ أبِي طَلْحَةَ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.
و(لَوْ) وصْلِيَةٌ وهي الَّتِي تَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ تَعْلِيقِ جَوابِها بِشَرْطٍ يُفِيدُ حالَةً لا يُظَنُّ حُصُولَ الجَوابِ عِنْدَ حُصُولِها. والتَّقْدِيرُ: لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ لَآثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَيُعْلَمُ أنَّ إيثارَهم في الأحْوالِ الَّتِي دُونَ ذَلِكَ بِالأحْرى دُونَ إفادَةِ الِامْتِناعِ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والخَصاصَةُ: شِدَّةُ الِاحْتِياجِ.
وتَذْكِيرُ فِعْلِ (كانَ) لِأجْلِ كَوْنِ تَأْنِيثِ الخَصاصَةِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا، ولِأنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ كانَ واسْمِها بِالمَجْرُورِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، فَإنَّ التَّذْيِيلَ مِن قَبِيلِ الِاعْتِراضِ في آخِرِ الكَلامِ عَلى الرَّأْيِ الصَّحِيحِ. وتَذْيِيلُ الكَلامِ بِذِكْرِ فَضْلِ مَن يُوقَوْنَ شُحَّ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ إيثارَهم عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى في حالَةِ الخَصاصَةِ هو سَلامَةٌ مِن شُحِّ الأنْفُسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِسَلامَتِهِمْ مِن شُحِّ الأنْفُسِ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
والشُّحُّ بِضَمِّ الشِّينِ وكَسْرِها: غَرِيزَةٌ في النَّفْسِ بِمَنعِ ما هو لَها، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى البُخْلِ. وقالَ الطِّيبِي: الفَرْقُ بَيْنَ الشُّحِّ والبُخْلِ عَسِيرٌ جِدًّا وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ إلى الفَرْقِ بَيْنَهُما بِما يَقْتَضِي أنَّ البُخْلَ أثَرُ الشُّحِّ وهو أنْ يَمْنَعَ أحَدٌ ما يُرادُ مِنهُ بَذْلُهُ وقَدْ قالَ تَعالى ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] أيْ جُعِلَ الشُّحُّ حاضِرًا مَعَها لا يُفارِقُها، وأُضِيفَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى النَّفْسِ لِذَلِكَ فَهو غَرِيزَةٌ لا تَسْلَمُ مِنها نَفْسٌ.
وفِي الحَدِيثِ في بَيانِ أفْضَلِ الصَّدَقَةِ «أنْ تَصَّدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى» . ولَكِنَّ النُّفُوسَ تَتَفاوَتُ في هَذا المِقْدارِ فَإذا غَلَبَ
صفحة ٩٥
عَلَيْها بِمَنعِ المَعْرُوفِ والخَيْرِ فَذَلِكَ مَذْمُومٌ ويَتَفاوَتُ ذَمُّهُ بِتَفاوُتِ ما يَمْنَعُهُ. قالَ وقَدْ أحْسَنَ وصْفَهُ مَن قالَ، لَمْ أقِفْ عَلى قايِلِهِ:
يُمارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ∗∗∗ إذا هَمَّ بِالمَعْرُوفِ قالَتْ لَهُ مَهْلا
فَمَن وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ، أيْ وُقِيَ مِن أنْ يَكُونَ الشُّحُّ المَذْمُومُ خُلُقًا لَهُ، لِأنَّهُ إذا وُقِيَ هَذا الخُلُقَ سَلِمَ مِن كُلِّ مَواقِعِ ذَمِّهِ. فَإنْ وُقِيَ مِن بَعْضِهِ كانَ لَهُ مِنَ الفَلاحِ بِمَقْدارِ ما وُقِيَهِ.
واسْمُ الإشارَةِ لِتَعْظِيمِ هَذا الصِّنْفِ مِنَ النّاسِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ المُؤَدّاةُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِلْمُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ الفَلاحِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلى وِقايَةِ شُحِّ النَّفْسِ حَتّى كَأنَّ جِنْسَ المُفْلِحِ مَقْصُورٌ عَلى ذَلِكَ المُوقى.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ ابْتِداءَ كَلامٍ لِلثَّناءِ عَلى الأنْصارِ بِمُناسَبَةِ الثَّناءِ عَلى المُهاجِرِينَ وهَؤُلاءِ لَمْ يَجْعَلُوا لِلْأنْصارِ حَظًّا في ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى وقَصَرُوا قَوْلَهُ ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] عَلى قُرًى خاصَّةٍ هي: قُرَيْظَةُ. وفَدَكُ، وخَيْبَرُ. والنَّفْعُ، وعُرَيْنَةُ، ووادِي القُرى، ورَوَوْا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيْئَها قالَ لِلْأنْصارِ: إنْ شِئْتُمْ قاسَمْتُمُ المُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ وإنَّ شِئْتُمْ أمْسَكْتُمْ أمْوالَكم وتَرَكْتُمْ لَهم هَذِهِ ؟ فَقالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهم مِن أمْوالِنا ونَتْرُكُ لَهم هَذِهِ الغَنِيمَةَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] الآيَةَ» .
ومِنهم مَن قَصَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ وكُلُّ ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ مَهْيَعِ انْتِظامِ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ وتَفْكِيكٌ لِنَظْمِ الكَلامِ وتَناسُبِهِ مَعَ وهْنِ الأخْبارِ الَّتِي رَوَوْها في ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ عَطْفُ ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، واسْمُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ.
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
صفحة ٩٦
عَطْفٌ عَلى ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ [الحشر: ٩] عَلى التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ فَأمّا عَلى رَأْيِ مَن جَعَلُوا ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ [الحشر: ٩] مَعْطُوفًا عَلى (لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ) جَعَلُوا ﴿الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَرِيقًا مِن أهْلِ القُرى، وهو غَيْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بَلْ هو مَن جاءَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَضَمِيرُ (مِن بَعْدِهِمْ) عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ.
والمَجِيءُ مُسْتَعْمَلٌ لِلطُّرُوِّ والمَصِيرِ إلى حالَةٍ تُماثِلُ حالَهم، وهي حالَةُ الإسْلامِ، فَكَأنَّهم أتَوْا إلى مَكانٍ لِإقامَتِهِمْ، وهَذا فَرِيقٌ ثالِثٌ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] أيِ اتَّبَعُوهم في الإيمانِ.
وإنَّما صِيغَ (جاءُوا) بِصِيغَةِ الماضِي تَغْلِيبًا لِأنَّ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مَن أسْلَمُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ مِثْلِ غِفارَةَ، ومُزَيْنَةَ، وأسْلَمَ، ومِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ جاءُوا ويَجِيئُونَ، بِدِلالَةِ لَحْنِ الخِطابِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا: زِيادَةُ دَفْعِ إيهامِ أنْ يَخْتَصَّ المُهاجِرُونَ بِما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِن أهْلِ القُرى كَما اخْتَصَّهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.
وقَدْ شَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ مَن يُوجَدُ مِنَ المُسْلِمِينَ أبَدَ الدَّهْرِ وعَلى هَذا جَرى فَهْمُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رَوى البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ مالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ عُمَرُ لَوْلا آخِرُ المُسْلِمِينَ ما فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إلّا قَسَّمْتُها بَيْنَ أهْلِها (أيِ الفاتِحِينَ) كَما قَسَّمَ النَّبِيءُ ﷺ خَيْبَرَ» .
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ عُمَرَ دَعا المُهاجِرِينَ والأنْصارَ واسْتَشارَهم فِيما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وقالَ لَهم: تَثَبَّتُوا الأمْرَ وتَدَبَّرُوهُ ثُمَّ اغْدُوا عَلَيَّ فَلَمّا غَدَوْا عَلَيْهِ قالَ: قَدْ مَرَرْتُ بِالآياتِ الَّتِي في سُورَةِ الحَشْرِ وتَلا ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] إلى قَوْلِهِ (أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ) . قالَ: ما هي لِهَؤُلاءِ فَقَطْ وتَلا ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ (رَؤُفٌ رَحِيمٌ) ثُمَّ قالَ: ما بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلّا وقَدْ دَخَلَ في ذَلِكَ اهـ.
وهَذا ظاهِرٌ في الفَيْءِ، وأمّا ما فُتِحَ عَنْوَةً فَمَسْألَةٌ أُخْرى ولِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في
صفحة ٩٧
عَدَمِ قِسْمَتِهِ سَوادَ العِراقِ بَيْنَ جَيْشِ الفاتِحِينَ لَهُ عَمَلٌ آخَرُ، وهو لَيْسَ غَرَضَنا. ومَحَلُّهُ كُتُبُ الفِقْهِ والحَدِيثِ.
والفَرِيقُ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩] كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وجَعَلَ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩] خَبَرًا عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ، جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفًا.
ومِنَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ (والَّذِينَ تَبَوَّءُوا) مَعْطُوفًا عَلى ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا. ونَسَبَهُ ابْنُ الفَرَسِ في أحْكامِ القُرْآنِ إلى الشّافِعِيِّ. ورَأى أنَّ الفَيْءَ إذا كانَ أرْضًا فَهو إلى تَخْيِيرِ الإمامِ ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ في فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ عَلى التَّفْسِيرِ المُخْتارِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ .
والغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ: الحَسَدُ والبُغْضُ، أيْ سَألُوا اللَّهَ أنْ يُطَهِّرَ نُفُوسَهم مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ لِلْمُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنِ عَلى ما أُعْطُوهُ مِن فَضِيلَةِ صُحْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ وما فُضِّلَ بِهِ بَعْضُهم مِنَ الهِجْرَةِ وبَعْضُهم مِنَ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لِلَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ما يُكْسِبُهم فَضِيلَةً لَيْسَتْ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهي فَضِيلَةُ الدُّعاءِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ وانْطِواءِ ضَمائِرِهِمْ عَلى مَحَبَّتِهِمْ وانْتِفاءِ البُغْضِ لَهم.
والمُرادُ أنَّهم يُضْمِرُونَ ما يَدْعُونَ اللَّهَ بِهِ لَهم في نُفُوسِهِمْ ويُرْضُونَ أنْفُسَهم عَلَيْهِ.
وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حَقًّا عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَذْكُرُوا سَلَفَهم بِخَيْرٍ، وأنَّ حَقًّا عَلَيْهِمْ مَحَبَّةُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وتَعْظِيمُهم، قالَ مالِكٌ: مَن كانَ يُبْغِضُ أحَدًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ كانَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ غِلٌّ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ.
فَلَعَلَّهُ أخَذَ بِمَفْهُومِ الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ الآيَةَ، فَإنَّ المَقْصِدَ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنْ يُضْمِرُوا مَضْمُونَهُ في نُفُوسِهِمْ فَإذا أضْمَرُوا خِلافَهُ وأعْلَنُوا بِما يُنافِي ذَلِكَ فَقَدْ تَخَلَّفَ فِيهِمْ هَذا الوَصْفُ، فَإنَّ الفَيْءَ عَطِيَّةٌ
صفحة ٩٨
أعْطاها اللَّهُ تِلْكَ الأصْنافَ ولَمْ يَكْتَسِبُوها بِحَقِّ قِتالٍ، فاشْتَرَطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِحْقاقِها أنْ يَكُونُوا مُحِبِّينَ لِسَلَفِهِمْ غَيْرَ حاسِدِينَ لَهم.
وهُوَ يَعْنِي إلّا ما كانَ مِن شَنَآنٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ لِأسْبابٍ عادِيَّةٍ أوْ شَرْعِيَّةٍ مِثْلِ ما كانَ بَيْنَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ حِينَ تَحاكَما إلى عُمَرَ، فَقالَ العَبّاسُ: اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَ هَذا الظّالِمِ الخائِنِ الغادِرِ. ومِثْلِ إقامَةِ عُمَرَ حَدَّ القَذْفِ عَلى أبِي بَكْرَةَ.
وأمّا ما جَرى بَيْنَ عائِشَةَ وعَلِيٍّ مِنَ النِّزاعِ والقِتالِ وبَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ مِنَ القِتالِ فَإنَّما كانَ انْتِصارًا لِلْحَقِّ في كِلا رَأْيَيِ الجانِبَيْنِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِغِلٍّ أوْ تَنَقُّصٍ، فَهو كَضَرْبِ القاضِي أحَدًا تَأْدِيبًا لَهُ فَوَجَبَ إمْساكُ غَيْرِهِمْ مِنَ التَّحَزُّبِ لَهم بَعْدَهم فَإنَّهُ وإنْ ساغَ ذَلِكَ لِآحادِهِمْ لِتَكافُئِ دَرَجاتِهِمْ أوْ تَقارُبِها. والظَّنُّ بِهِمْ زَوالُ الحَزازاتِ مِن قُلُوبِهِمْ بِانْقِضاءِ تِلْكَ الحَوادِثِ، لا يُسَوِّغُ ذَلِكَ لِلْأذْنابِ مِن بَعْدِهِمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنهم في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ، وإنَّما هي مَسْحَةٌ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ نَخَرَتْ عَضُدَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .
أعْقَبَ ذِكْرَ ما حَلَّ بِبَنِي النَّضِيرِ وما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أسْبابِهِ، ثُمَّ بَيانِ مَصارِفِ فَيْئِهِمْ وفَيْءِ ما يُفْتَحُ مِنَ القُرى بَعْدَ ذَلِكَ، بِذِكْرِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ وتَغْرِيرِهِمْ بِالوُعُودِ الكاذِبَةِ لِيَعْلَمَ المُسْلِمُونَ أنَّ النِّفاقَ سَجِيَّةٌ في أُولَئِكَ لا يَتَخَلَّوْنَ عَنْهُ ولَوْ في جانِبِ قَوْمٍ هُمُ الَّذِينَ يَوَدُّونَ أنْ يَظْهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُنافِقِينَ فَبُنِيَ عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِحالِهِمْ كِنايَةً عَنِ التَّحْرِيضِ عَلى إيقاعِ هَذا العِلْمِ كَأنَّهُ يَقُولُ تَأمَّلَ الَّذِينَ نافَقُوا في حالِ مَقالَتِهِمْ لِإخْوانِهِمْ ولا تَتْرُكِ النَّظَرَ في ذَلِكَ فَإنَّهُ حالٌ عَجِيبٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى كَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٩٩
وجُمْلَةُ (يَقُولُونَ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَهم قائِلِينَ. وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِقَصْدِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم، أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُؤَكِّدِينَهُ ومُكَرِّرِينَهُ لا عَلى سَبِيلِ البِداءِ أوِ الخاطِرِ المَعْدُولِ عَنْهُ.
و(الَّذِينَ نافَقُوا) المُخْبَرُ عَنْهم هُنا هم فَرِيقٌ مِن بَنِي عَوْفٍ مِنَ الخَزْرَجِ مِنَ المُنافِقِينَ سُمِّيَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ، ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، ورافِعَةُ بْنُ تابُوتٍ، وأوْسُ بْنُ قَيْضِي، ووَدِيعَةُ بْنُ أبِي قَوْتَلٍ، أوِ ابْنُ قَوْقَلٍ، وسُوَيْدٌ لَمْ يُنْسَبْ وداعِسٌ لَمْ يُنْسَبْ، بَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ حِينَ حاصَرَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بَنِي النَّضِيرِ يَقُولُونَ لَهم: اثْبُتُوا في مَعاقِلِكم فَإنّا مَعَكم.
والمُرادُ بِإخْوانِهِمْ بَنُو النَّضِيرِ وإنَّما وصَفَهم بِالإخُوَّةِ لَهم لِأنَّهُمَ كانُوا مُتَّحِدِينَ في الكُفْرِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَيْسَتْ هَذِهِ أُخُوَّةَ النَّسَبِ فَإنَّ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، والمُنافِقِينَ الَّذِينَ بَعَثُوا إلَيْهِمْ مِن بَنِي عَوْفٍ مِن عَرَبِ المَدِينَةِ وأصْلُهم مِنَ الأزْدِ.
وفِي وصْفِ إخْوانِهِمْ بِـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) إيماءٌ إلى أنْ جانِبَ الأُخُوَّةِ بَيْنَهم هو الكُفْرُ إلّا أنَّ كُفْرَ المُنافِقِينَ كُفْرُ الشِّرْكِ وكُفْرَ إخْوانِهِمْ كُفْرُ أهْلِ الكِتابِ وهو الكُفْرُ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ولامُ ”لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ“ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، أيْ قالُوا لَهم كَلامًا مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ.
وإنَّما وعَدُوهم بِالخُرُوجِ مَعَهم لِيَطْمَئِنُّوا لِنُصْرَتِهِمْ فَهو كِنايَةٌ عَنِ النَّصْرِ وإلّا فَإنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ يُفارِقُوا بِلادَهم.
وجُمْلَةُ ﴿ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ فَهي مِنَ المَقُولِ لا مِنَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وقَدْ أُعْرِيَتْ عَنِ المُؤَكَّدِ لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ يَعْلَمُونَ أنَّ المُنافِقِينَ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَكانَ المُنافِقُونَ في غُنْيَةٍ عَنْ تَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ.
ومَعْنى (فِيكم) في شَأْنِكم، ويُعْرَفُ هَذا بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ في ضُرِّكم إذْ لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّهم لا يُطِيعُونَ مَن يَدْعُوهم إلى مُوالاةِ إخْوانِهِمْ، ويُقَدَّرُ المُضافُ في مِثْلِ هَذا بِما يُناسِبُ المَقامَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢]،
صفحة ١٠٠
أيْ في المُوالاةِ لَهم. ومَعْنى لِنَنْصُرَنَّكم لَنُعِينَنَّكم في القِتالِ. والنَّصْرُ يُطْلَقُ عَلى الإعانَةِ عَلى المُعادِي. وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ بَعْدَ ما أعْلَمَهُ بِما أقْسَمُوا عَلَيْهِ تَطْمِينًا لِخاطِرِهِ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ إجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وقَبْلَ غَزْوِ قُرَيْظَةَ لِئَلا يَتَوَجَّسَ الرَّسُولُ ﷺ خِيفَةً مِن بَأْسِ المُنافِقِينَ، وسَمّى اللَّهُ الخَبَرَ شَهادَةً لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ يَقِينٍ بِمَنزِلَةِ الشَّهادَةِ الَّتِي لا يَتَجازَفُ المُخْبِرُ في شَأْنِها.
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ .
بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١] .
واللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ وهَذا تَأْكِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّهم لَنْ يَضُرُّوهُ شَيْئًا لِكَيْلا يَعْبَأ بِما بَلَغَهُ مِن مَقالَتِهِمْ.
وضَمِيرُ (أُخْرِجُوا) و(قُوتِلُوا) عائِدانِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، أيِ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا ولَمّا يُقاتِلُوا وهم قُرَيْظَةُ وخَيْبَرُ، أمّا بَنُو النَّضِيرِ فَقَدْ أُخْرِجُوا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَهم غَيْرُ مَعْنِيِّينَ بِهَذا الخَبَرِ المُسْتَقْبَلِ. والمَعْنى: لَئِنْ أُخْرِجَ بَقِيَّةُ اليَهُودِ في المُسْتَقْبَلِ لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا في المُسْتَقْبَلِ لا يَنْصُرُونَهم. وقَدْ سَلَكَ في هَذا البَيانِ طَرِيقَ الإطْنابِ. فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١] جَمَعَ ما في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فَجاءَ بَيانُهُ بِطَرِيقَةِ الإطْنابِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ كَذِبِهِمْ.
* * *
﴿ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .
ارْتِقاءٌ في تَكْذِيبِهِمْ عَلى ما وعَدُوا بِهِ إخْوانَهم، والواوُ واوُ الحالِ ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ.
وفِعْلُ نَصَرُوهم إرادَةُ وُقُوعَ الفِعْلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فَيَكُونُ إطْلاقُ الفِعْلِ عَلى إرادَتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]
صفحة ١٠١
الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] .
وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى ما امْتَنَعُوا مِنهُ بِالإيلاءِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّهم أرادُوا نَصْرَهم فَإنَّ أمْثالَهم لا يُتَرَقَّبُ مِنهُمُ الثَّباتُ في الوَغى فَلَوْ أرادُوا نَصْرَهم وتَجَهَّزُوا مَعَهم لَفَرُّوا عِنْدَ الكَرِيهَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ النَّصْرُ عَلى الإعانَةِ بِالرِّجالِ والعَتادِ وهو مِن مَعْنى النَّصْرِ.
و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِي كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ فَإنَّ انْتِفاءَ النَّصْرِ أعْظَمُ رُتْبَةً في تَأْيِيسِ أهْلِ الكِتابِ مِن الِانْتِفاعِ بِإعانَةِ المُنافِقِينَ فَهو أقْوى مِنَ انْهِزامِ المُنافِقِينَ إذا جاءُوا لِإعانَةِ أهْلِ الكِتابِ في القِتالِ.
والنَّصْرُ هُنا بِمَعْنى: الغَلَبُ.
وضَمِيرُ لا يُنْصَرُونَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ إذِ الكَلامُ جارٍ عَلى وعْدِ المُنافِقِينَ بِنَصْرِ أهْلِ الكِتابِ.
والمَقْصُودُ تَثْبِيتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ وتَأْمِينُهم مِن بَأْسِ أعْدائِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences