Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:103–105
6:103Page 141
لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣
Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3
﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ .
جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِإفادَةِ عَظَمَتِهِ تَعالى وسَعَةِ عِلْمِهِ، فَلِعَظَمَتِهِ جَلَّ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِن أبْصارِ المَخْلُوقِينَ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِانْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الأصْنامِ
صفحة ٤١٤
الَّتِي هي أجْسامٌ مَحْدُودَةٌ مَحْصُورَةٌ مُتَحَيِّزَةٌ، فَكَوْنُها مُدْرَكَةً بِالأبْصارِ مِن سِماتِ المُحْدَثاتِ لا يَلِيقُ بِالإلَهِيَّةِ ولَوْ كانَتْ آلِهَةً لَكانَتْ مُحْتَجِبَةً عَنِ الأبْصارِ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ الَّتِي عَبَدَها بَعْضُ العَرَبِ، وأمّا الجِنُّ والمَلائِكَةُ وقَدْ عَبَدُوهُما فَإنَّهُما وإنْ كانا غَيْرَ مُدْرَكَيْنِ بِالأبْصارِ في المُتَعارَفِ لِكُلِّ النّاسِ ولا في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا أنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَبْدُو لَهم تارّاتٍ في الفَيافِي وغَيْرِها. قالَ شَمِرُ بْنُ الحارِثِ الضَّبِّيُّ:
أتَوْا نارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنْتُمْ فَقالُوا الجِنُّ قُلْتُ عِمُوا ظَلاما
ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ يَظْهَرُونَ لِبَعْضِ النّاسِ، يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ.
والإدْراكُ حَقِيقَتُهُ الوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى شُعُورِ الحاسَّةِ بِالمَحْسُوسِ أوِ العَقْلِ بِالمَعْقُولِ يُقالُ: أدْرَكَ بَصَرِي وأدْرَكَ عَقْلِي تَشْبِيهًا لِآلَةِ العِلْمِ بِشَخْصٍ أوْ فَرَسٍ وصَلَ إلى مَطْلُوبِهِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، ويُقالُ: أدْرَكَ فُلانٌ بِبَصَرِهِ وأدْرَكَ بِعَقْلِهِ، ولا يُقالُ: أدْرَكَ فُلانٌ بِدُونِ تَقْيِيدٍ، واصْطَلَحَ المُتَأخِّرُونَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والحُكَماءِ عَلى تَسْمِيَةِ الشُّعُورِ العَقْلِيِّ إدْراكًا، وجَعَلُوا الإدْراكَ جِنْسًا في تَعْرِيفِ التَّصَوُّرِ والتَّصْدِيقِ، ووَصَفُوا صاحِبَ الفَهْمِ المُسْتَقِيمِ بِالدَّرّاكَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إسْنادُ الإدْراكِ إلى اسْمِ اللَّهِ مُشاكَلَةً لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإدْراكُ فِيهِ مُسْتَعارًا لِلتَّصَرُّفِ لِأنَّ الإدْراكَ مَعْناهُ النَّوالُ.
والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وهو اسْمٌ لِلْقُوَّةِ - الَّتِي بِها النَّظَرُ - المُنْتَشِرَةِ في إنْسانِ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ الحَدَقَةِ وبِهِ إدْراكُ المُبْصَراتِ. والمَعْنى: لا تُحِيطُ بِهِ أبْصارُ المُبْصِرِينَ لِأنَ المُدْرِكَ في الحَقِيقَةِ هو المُبْصِرُ لا الجارِحَةُ، وإنَّما الجارِحَةُ وسِيلَةٌ لِلْإدْراكِ؛ لِأنَّها تُوَصِّلُ الصُّورَةَ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ في الدِّماغِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا بَيانُ مُخالَفَةِ خُصُوصِيَّةِ الإلَهِ الحَقِّ عَنْ خُصُوصِيّاتِ آلِهَتِهِمْ في هَذا العالِمِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُرى، وأصْنامُهم تُرى، وتِلْكَ الخُصُوصِيَّةُ مُناسِبَةٌ
صفحة ٤١٥
لِعَظَمَتِهِ تَعالى، فَإنَّ عَدَمَ إحاطَةِ الأبْصارِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ مِن عَظَمَتِهِ فَلا تُطِيقُهُ الأبْصارُ، فَعُمُومُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ أنْ يُدْرِكَهُ شَيْءٌ مِن أبْصارِ المُبْصِرِينَ في الدُّنْيا كَما هو السِّياقُ.
ولا دَلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَرى في الآخِرَةِ، كَما تَمَسَّكَ بِهِ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ، وهُمُ المُعْتَزِلَةُ لِأنَّ لِلْأُمُورِ الآخِرَةِ أحْوالًا لا تَجْرِي عَلى مُتَعارِفِنا، وأحْرى أنْ لا دَلالَةَ فِيها عَلى جَوازِ رُؤْيَتِهِ تَعالى في الآخِرَةِ. ومَن حاوَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَكَلَّفَ ما لا يَتِمُّ كَما صَنَعَ الفَخْرُ في تَفْسِيرِهِ.
والخِلافُ في رُؤْيَةِ اللَّهِ في الآخِرَةِ شائِعٌ بَيْنَ طَوائِفِ المُتَكَلِّمِينَ؛ فَأثْبَتَهُ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ لِكَثْرَةِ ظَواهِرِ الأدِلَّةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها رُؤْيَةٌ تَخالُفِ الرُّؤْيَةِ المُتَعارَفَةِ. وعَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ لَمْ يَرَ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يُعَيَّرِ الكُفّارُ بِالحِجابِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] . وعَنْهُ أيْضًا لَمْ يُرَ اللَّهُ في الدُّنْيا لِأنَّهُ باقٍ، ولا يُرى الباقِي بِالفانِي، فَإذا كانَ في الآخِرَةِ ورُزِقُوا أبْصارًا باقِيَةً رَأوُا الباقِيَ بِالباقِي. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أحالُوا رُؤْيَةَ اللَّهِ في الآخِرَةِ لِاسْتِلْزامِها الِانْحِيازَ في الجِهَةِ. وقَدِ اتَّفَقْنا جَمِيعًا عَلى التَّنْزِيهِ عَنِ المُقابَلَةِ والجِهَةِ، كَما اتَّفَقْنا عَلى جَوازِ الِانْكِشافِ العِلْمِيِّ التّامِّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ لِحَقِيقَةِ الحَقِّ تَعالى، وعَلى امْتِناعِ ارْتِسامِ صُورَةِ المَرْئِيِّ في العَيْنِ أوِ اتِّصالِ الشُّعاعِ الخارِجِ مِنَ العَيْنِ بِالمَرْئِيِّ تَعالى لِأنَّ أحْوالَ الأبْصارِ في الآخِرَةِ غَيْرُ الأحْوالِ المُتَعارَفَةِ في الدُّنْيا. وقَدْ تَكَلَّمَ أصْحابُنا بِأدِلَّةِ الجَوازِ وبِأدِلَّةِ الوُقُوعِ، وهَذا مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مُجْمَلًا عَلى التَّحْقِيقِ. وأدِلَّةُ المُعْتَزِلَةِ وأجْوِبَتُنا عَلَيْها مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الكَلامِ ولَيْسَتْ مِن غَرَضِ التَّفْسِيرِ، ومَرْجِعُها جَمِيعًا إلى إعْمالِ الظّاهِرِ أوْ تَأْوِيلِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أئِمَّتُنا هَلْ حَصَلَتْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لِلنَّبِيءِ ﷺ فَنَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ
صفحة ٤١٦
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وتَمَسَّكُوا بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عائِشَةَ. وأثْبَتَها الجُمْهُورُ، ونُقِلَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعَلَيْهِ يَكُونُ العُمُومُ مَخْصُوصًا. وقَدْ تَعَرَّضُ لَها عِياضٌ في الشِّفاءِ. وقَدْ سُئِلَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأجابَ بِجَوابٍ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في لَفْظِهِ، فَحَجَبَ اللَّهُ بِذَلِكَ الِاخْتِلافِ حَقِيقَةَ الأمْرِ إتْمامًا لِمُرادِهِ ولُطْفًا بِعِبادِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ فَإسْنادُ الإدْراكِ إلى ضَمِيرِ اسْمِهِ تَعالى إمّا لِأنَّ فِعْلَ (يُدْرِكُ) اسْتُعِيرَ لِمَعْنى يَنالُ، أيْ لا تَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِهِ كَما يُقالُ: لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ، فالمَعْنى يَقْدِرُ عَلى الإبْصارِ، أيْ عَلى المُبْصِرِينَ، وإمّا لِاسْتِعارَةِ فِعْلِ (يُدْرِكُ) لِمَعْنى يَعْلَمُ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ أيْ لا تَعْلَمُهُ الأبْصارُ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ بِالخَفِيّاتِ لِأنَّ الأبْصارَ هي العَدَساتُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي هي واسِطَةُ إحْساسِ الرُّؤْيَةِ أوْ هي نَفْسُ الإحْساسِ وهو أخْفى. وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ المُدْرِكِينَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ فَهي صِفَةٌ أُخْرى. أوْ هي تَذْيِيلٌ لِلِاحْتِراسِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ مَن لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لا يَعْلَمُ أحْوالَ مَن لا يُدْرِكُونَهُ.
واللَّطِيفُ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّطْفِ أوْ مِنَ اللَّطافَةِ. يُقالُ: ”لَطَفَ“ بِفَتْحِ الطّاءِ بِمَعْنى رَفَقَ، وأكْرَمَ، واحْتَفى. ويَتَعَدّى بِالباءِ وبِاللّامِ بِاعْتِبارِ مُلاحَظَةِ مَعْنى رَفَقَ أوْ مَعْنى أحْسَنَ. ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الطُّرْفَةُ والتُّحْفَةُ الَّتِي يُكْرَمُ بِها المَرْءُ لَطَفًا (بِالتَّحْرِيكِ)، وجَمْعُها ألْطافٌ. فالوَصْفُ مِن هَذا لاطِفٌ ولَطِيفٌ؛ فَيَكُونُ اللَّطِيفُ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى المُبالَغَةِ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ فِعْلٍ مِن فاعِلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] . ويُقالُ لَطُفَ - بِضَمِّ الطّاءِ - أيْ دَقَّ وخَفَّ ضِدُّ ثَقُلَ وكَثُفَ.
صفحة ٤١٧
واللَّطِيفُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ. فَإنِ اعْتُبِرَتْ وصْفًا جارِيًا عَلى لَطُفَ - بِضَمِّ الطّاءِ - فَهي صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وهي صِفَةُ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ إحاطَةِ العُقُولِ بِماهِيَّتِهِ أوْ إحاطَةِ الحَواسِّ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، فَيَكُونُ اخْتِيارُها لِلتَّعْبِيرِ عَنْ هَذا الوَصْفِ في جانِبِ اللَّهِ تَعالى هو مُنْتَهى الصَّراحَةِ والرَّشاقَةِ في الكَلِمَةِ؛ لِأنَّها أقْرَبُ مادَّةٍ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ تُقَرِّبُ مَعْنى وصْفِهِ تَعالى بِحَسَبِ ما وُضِعَتْ لَهُ اللُّغَةُ مِن مُتَعارَفِ النّاسِ، فَيَقْرُبُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُتَشابِهِ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ أعَمَّ مِن مَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ . فَتَتَنَزَّلُ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ أوْ مَنزِلَةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الجُزْئِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ فَيَزِيدُ الوَصْفُ قَبْلَهُ تَمَكُّنًا. وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِهَذا المَقامِ وهو مِن مَعانِي الكَلِمَةِ المَشْهُورَةِ في كَلامِ العَرَبِ، واسْتَحْسَنَهُ الفَخْرُ وجَوَّزَهُ الرّاغِبُ والبَيْضاوِيُّ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي التَّفْسِيرُ بِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ اقْتَرَنَ فِيهِ وصْفُ اللَّطِيفِ بِوَصْفِ الخَبِيرِ كالَّذِي هُنا والَّذِي في سُورَةِ المُلْكِ.
وإنِ اعْتُبِرَ اللَّطِيفُ اسْمَ فاعِلٍ مِن لَطَفَ (بِفَتْحِ الطّاءِ) فَهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِ تَعالى بِالرِّفْقِ والإحْسانِ إلى مَخْلُوقاتِهِ وإتْقانِ صُنْعِهِ في ذَلِكَ وكَثْرَةِ فِعْلِهِ ذَلِكَ، فَيَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الأفْعالِ. وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَهُ سائِرُ المُفَسِّرِينَ والمُبَيِّنِينَ لِمَعْنى اسْمِهِ اللَّطِيفِ في عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى. وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ في كُلِّ مَوْضِعٍ جاءَ فِيهِ وصْفُهُ تَعالى بِهِ مُفْرَدًا مُعَدًّى بِاللّامِ أوْ بِالباءِ نَحْوِ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] . وبِهِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] فَلِلَّهِ دَرُّهُ، فَإذا حُمِلَ عَلى هَذا المَحْمَلِ هُنا كانَ وصْفًا مُسْتَقِلًّا عَمّا قَبْلَهُ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لِلْإفْرادِ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ.
و”خَبِيرٌ“ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن ”خَبُرَ“ بِضَمِّ الباءِ في الماضِي، ”خُبْرًا“ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ بِمَعْنى عَلِمَ وعَرَفَ، فالخَبِيرُ المَوْصُوفُ بِالعِلْمِ بِالأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ يُخْبِرَ عَنْها عِلْمًا مُوافِقًا لِلْواقِعِ.
صفحة ٤١٨
ووُقُوعُ الخَبِيرِ بَعْدَ اللَّطِيفِ عَلى المَحْمَلِ الأوَّلِ وُقُوعُ صِفَةٍ أُخْرى هي أعَمُّ مِن مَضْمُونِ ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، فَيَكْمُلُ التَّذْيِيلُ بِذَلِكَ، ويَكُونُ التَّذْيِيلُ مُشْتَمِلًا عَلى مُحَسِّنِ النَّشْرِ بَعْدَ اللَّفِّ؛ وعَلى المَحْمَلِ الثّانِي مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ الِاحْتِراسِ لِمَعْنى اللَّطِيفِ، أيْ هو الرَّفِيقُ المُحْسِنُ الخَبِيرُ بِمَواقِعِ الرِّفْقِ والإحْسانِ وبِمُسْتَحِقِّيهِ.
6:104Page 141
قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤
There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1
﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .
هَذا انْتِقالٌ مِن مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ، وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] . فاسْتُؤْنِفَ الكَلامُ بِتَوْجِيهِ خِطابٍ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَقُولٍ لِفِعْلِ أمْرٍ بِالقَوْلِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ، حُذِفَ عَلى الشّائِعِ مِن حَذْفِ القَوْلِ لِلْقَرِينَةِ في قَوْلِهِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ . ومُناسِبَةُ وُقُوعِ هَذا الِاسْتِئْنافِ عَقِبَ الكَلامِ المَسُوقِ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ كالتَّوْقِيفِ والشَّرْحِ والفَذْلَكَةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ فَيُقَدَّرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ
وبَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ؛ والبَصِيرَةُ: العَقْلُ الَّذِي تَظْهَرُ بِهِ المَعانِي والحَقائِقُ، كَما أنَّ البَصَرَ إدْراكُ العَيْنِ الَّذِي تَتَجَلّى بِهِ الأجْسامُ، وأُطْلِقَتِ البَصائِرُ عَلى ما هو سَبَبٌ فِيها.
وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَصائِرِ اسْتِعارَةٌ لِلْحُصُولِ في عُقُولِهِمْ، شُبِّهَ بِمَجِيءِ شَيْءٍ كانَ غائِبًا، تَنْوِيهًا بِشَأْنِ ما حَصَلَ عِنْدَهم بِأنَّهُ كالشَّيْءِ الغائِبِ المُتَوَقَّعِ مَجِيئُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] . وخُلُوُّ فِعْلِ ”جاءَ“ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ فاعِلَهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى جَمْعِ تَكْسِيرٍ مُطْلَقًا أوْ جَمْعِ مُؤَنَّثٍ يَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ وخُلُوُّهُ عَنْها.
و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِـ ”جاءَ“ أوْ صِفَةٌ لِـ ”بَصائِرُ“، وقَدْ جُعِلَ خِطابُ اللَّهِ بِها
صفحة ٤١٩
بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ السَّيْرِ مِن جانِبِهِ تَعالى، وهو مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والزَّمانِ، فالِابْتِداءُ مَجازٌ لُغَوِيٌّ، أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ بِتَقْدِيرِ: مِن إرادَةِ رَبِّكم. والمَقْصُودُ التَّنْوِيهُ بِهَذِهِ التَّعالِيمِ والذِّكْرَياتِ الَّتِي بِها البَصائِرُ، والحَثُّ عَلى العَمَلِ بِها، لِأنَّها مُسْداةٌ إلَيْهِمْ مِمَّنْ لا يَقَعُ في هَدْيِهِ خَلَلٌ ولا خَطَأٌ، مَعَ ما في ذِكْرِ الرَّبِّ وإضافَتِهِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَقْوِيَةِ داعِي العَمَلِ بِهَذِهِ البَصائِرِ.
ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾، أيْ فَلا عُذْرَ لَكم في الِاسْتِمْرارِ عَلى الضَّلالِ بَعْدَ هَذِهِ البَصائِرِ، ولا فائِدَةَ لِغَيْرِكم فِيها (﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾) أبْصَرَ أيْ مَن عَلِمَ الحَقَّ فَقَدْ عَلِمَ عِلْمًا يَنْفَعُ نَفْسَهُ، ومَن عَمِيَ أيْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا وِزْرُهُ عَلى نَفْسِهِ.
فاسْتُعِيرَ الإبْصارُ في قَوْلِهِ ”أبْصَرَ“ لِلْعِلْمِ بِالحَقِّ والعَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّ المُهْتَدِيَ بِهَذا الهَدْيِ الوارِدِ مِنَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ الَّذِي نُوِّرَ لَهُ الطَّرِيقُ بِالبَدْرِ أوْ غَيْرِهِ، فَأبْصَرَهُ وسارَ فِيهِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أبْصَرَ تَمْثِيلًا مُوجَزًا ضُمِّنَ فِيهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ المُرْشِدِ إلى الحَقِّ إذا عَمِلَ بِما أرْشَدَ بِهِ، بِهَيْئَةِ المُبْصِرِ إذا انْتَفَعَ بِبَصَرِهِ.
واسْتُعِيرَ العَمى في قَوْلِهِ عَمِيَ لِلْمُكابَرَةِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الضَّلالِ بَعْدَ حُصُولِ ما شَأْنُهُ أنْ يُقْلِعَهُ لِأنَّ المُكابِرَ بَعْدَ ذَلِكَ كالأعْمى لا يَنْتَفِعُ بِإنارَةِ طَرِيقٍ ولا بِهَدْيِ هادٍ خِرِّيتٍ. ويَجُوزُ اعْتِبارُ التَّمْثِيلِيَّةِ فِيهِ أيْضًا كاعْتِبارِها في ضِدِّهِ السّابِقِ.
واسْتَعْمَلَ ”اللّامَ“ في الأوَّلِ اسْتِعارَةً لِلنَّفْعِ لِدَلالَتِها عَلى المِلْكِ وإنَّما يُمْلَكُ الشَّيْءُ النّافِعُ المُدَّخَرُ لِلنَّوائِبِ، واسْتُعِيرَتْ (عَلى) في الثّانِي لِلضُّرِّ والتَّبِعَةِ، لِأنَّ الشَّيْءَ الضّارَّ ثَقِيلٌ عَلى صاحِبِهِ يُكَلِّفُهُ تَعَبًا وهو كالحِمْلِ المَوْضُوعِ عَلى ظَهْرِهِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء: ١٥]،
صفحة ٤٢٠
وقالَ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ولِأجْلِ ذَلِكَ سُمِّي الإثْمُ وِزْرًا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]، وقَدْ جاءَ اللّامُ في مَوْضِعِ (عَلى) في بَعْضِ الآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] .
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ جِناسِ الِاشْتِقاقِ بَيْنَ البَصائِرِ وأبْصَرَ، ومُلاحَظَةِ مُناسِبَةِ في الإبْصارِ والبَصائِر. وفِيها مُحَسِّنُ المُطابَقَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ أبْصَرَ وعَمِيَ، وبَيْنَ (اللّامِ) و(عَلى) .
ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الشَّرْطِ. وتَقْدِيرُهُ: فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ. واقْتَرَنَ الجَوابُ بِالفاءِ نَظَرًا لِصَدْرِهِ إذْ كانَ اسْمًا مَجْرُورًا وهو غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يَلِيَ أداةَ الشَّرْطِ.
وإنَّما نُسِجَ نَظْمُ الآيَةِ عَلى هَذا النَّسْجِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ”لِنَفْسِهِ“ مُقَدَّمٌ في التَّقْدِيرِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ المَحْذُوفِ. والتَّقْدِيرُ: فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ، ولَوْلا قَصْدُ الإيذانِ بِهَذا التَّقْدِيمِ لَقالَ: فَمَن أبْصَرَ أبْصَرَ لِنَفْسِهِ، كَما قالَ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] والمَقامُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ المَعْمُولِ هُنا لِيُفِيدَ القَصْرَ، أيْ فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ لا لِفائِدَةِ غَيْرِهِ، لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يَغِيظُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِإعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ إيّاهم إلى الهُدى، وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّ هَذا الكَلامَ مَقُولٌ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، بِخِلافِ آيَةِ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، فَإنَّها حَكَتْ كَلامًا خُوطِبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى وهم لا يَتَوَهَّمُونَ أنَّ إحْسانَهم يَنْفَعُ اللَّهَ أوْ إساءَتَهم تَضُرُّ اللَّهَ.
والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها نَظِيرُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ . وعُدِّيَ فِعْلُ ”عَمِيَ“ بِحَرْفِ (عَلى) لِأنَّ العَمى لَمّا كانَ مَجازًا كانَ ضُرًّا يَقَعُ عَلى صاحِبِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ تَكْمِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾، أيْ فَلا يَنالُنِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَلا يَرْجِعُ لِي نَفْعُكم ولا يَعُودُ عَلَيَّ ضُرُّكم ولا أنا وكِيلٌ عَلى نَفْعِكم وتَجَنُّبِ ضُرِّكم فَلا تَحْسَبُوا أنَّكم حَتّى تَمْكُرُونَ بِي بِالإعْراضِ عَنِ الهُدى والِاسْتِمْرارِ في الضَّلالِ.
صفحة ٤٢١
والحَفِيظُ: الحارِسُ ومَن يُجْعَلُ إلَيْهِ نَظَرُ غَيْرِهِ وحِفْظُهُ، وهو بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ إلّا أنَّ الوَكِيلَ يَكُونُ مَجْعُولًا لَهُ الحِفْظُ مِن جانِبِ الشَّيْءِ المَحْفُوظِ، والحَفِيظُ أعَمُّ لِأنَّهُ يَكُونُ مِن جانِبِهِ ومِن جانِبِ مُوالِيهِ. وهَذا قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] .
والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ هُنا دَقِيقٌ؛ لِأنَّ الحَفِيظَ وصْفٌ لا يُفِيدُ غَيْرَهُ مُفادَهُ، فَلا يَقُومُ مَقامَهُ فِعْلُ حَفِظَ، فالحَفِيظُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ يُقَدَّرُ لَها فِعْلٌ مَنقُولٌ إلى ”فَعُلَ“ بِضَمِّ العَيْنِ لَمْ يُنْطَقْ بِهِ مِثْلُ الرَّحِيمِ.
ولا يُفِيدُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ اخْتِصاصًا خِلافًا لِما يُوهِمُهُ ظاهِرُ تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ وإنْ كانَ العَلّامَةُ التَّفْتَزانِيُّ مالَ إلَيْهِ، وسَكَتَ عَنْهُ السَّيِّدُ الجُرْجانِيُّ وهو وُقُوفٌ مَعَ الظّاهِرِ. وتَقْدِيمُ ”عَلَيْكم“ عَلى ”بِحَفِيظٍ“ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.
6:105Page 141
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥
And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.
﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ فَهو مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةِ ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] الَّتِي هي مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِتَقْدِيرِ (قُلْ) كَما تَقَدَّمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ وكَذَلِكَ إلى التَّصْرِيفِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ نُصَرِّفُ الآياتِ. أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وأوَّلُها قَوْلُهُ ”﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والقَوْلُ في تَصْرِيفِ الآياتِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٤٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وكَذَلِكَ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ . وقَدْ
صفحة ٤٢٢
تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذا العَطْفِ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] مِن هَذِهِ السُّورَةِ. ولَكِنْ ما هُنا يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ مُخالَفَةً ما؛ فَإنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَرَسْتَ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِتَصْرِيفِ الآياتِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُسْتَعارَةً لِمَعْنى العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . المَعْنى فَكانَ لَهم عَدُوًّا. وكَذَلِكَ هُنا، أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ مِثْلَ هَذا التَّصْرِيفِ السّاطِعِ فَيَحْسَبُونَكَ اقْتَبَسْتَهُ بِالدِّراسَةِ والتَّعْلِيمِ فَيَقُولُوا: دَرَسْتَ. والمَعْنى: أنا نُصَرِّفُ الآياتِ ونُبَيِّنُها تَبْيِينًا مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْدُرَ مِنَ العالِمِ الَّذِي دَرَسَ العِلْمَ فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ دَرَسْتَ هَذا وتَلَقَّيْتَهُ مِنَ العُلَماءِ والكُتُبِ، لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُوصِلِ إلى أنَّ صُدُورَ مِثْلِ هَذا التَّبْيِينِ مِن رَجُلٍ يَعْلَمُونَهُ أُمِّيًّا لا يَكُونُ إلّا مِن قِبَلِ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ”ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعْلِمُهُ بَشَرٌ“ وهم قَدْ قالُوا ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ويَقُولُونَهُ ويَزِيدُونَ بِمِقْدارِ زِيادَةِ تَصْرِيفِ الآياتِ، فَشَبَّهَ تَرَتُّبَ قَوْلِهِمْ عَلى التَّصْرِيفِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ، واسْتُعِيرَ لِهَذا المَعْنى الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِلْعِلَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ولِذَلِكَ سَمّى بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ مِثْلَ هَذِهِ اللّامِ لامَ الصَّيْرُورَةِ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ الصَّيْرُورَةَ مَعْنًى مِن مَعانِي اللّامِ ولَكِنَّهُ إفْصاحٌ عَنْ حاصِلِ المَعْنى.
والدِّراسَةُ: القِراءَةُ بِتَمَهُّلٍ لِلْحِفْظِ أوْ لِلْفَهْمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وفِعْلُهُ مِن بابِ ”نَصَرَ“ . يُقالُ: دَرَسَ الكِتابَ، أيْ تَعَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقالَ ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩] . وسُمِّيَ بَيْتُ تَعَلُّمِ اليَهُودِ المِدْراسَ، وسُمِّيَ البَيْتُ الَّذِي يُسْكِنُهُ التَّلامِذَةُ ويَتَعَلَّمُونَ فِيهِ المَدْرَسَةَ. والمَعْنى يَقُولُونَ: تَعَلَّمْتَ، طَعْنًا في أُمَيَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِئَلّا يَلْزَمَهم أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الِعِلْمِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”دَرَسْتَ“ بِدُونِ ألْفٍ وبِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (دارَسْتَ) عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ وبِفَتْحِ التّاءِ أيْ يَقُولُونَ: قَرَأْتَ وقُرِئَ
صفحة ٤٢٣
عَلَيْكَ، أيْ دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ وذاكَرْتَهم في عَمَلِهِمْ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”دَرَسْتَ“ بِصِيغَةِ الماضِي وتاءِ التَّأْنِيثِ أيِ الآياتِ، أيْ تَكَرَّرْتَ.
وأمّا اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَهي لامُ التَّعْلِيلِ الحَقِيقِيَّةُ.
وضَمِيرُ نُبَيِّنُهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ ماصَدَقُ الآياتِ، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ.
والقَوْمُ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وآمَنُوا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧]، والكَلامُ تَعْرِيضٌ كَما تَقَدَّمَ.
والمَعْنى أنَّ هَذا التَّصْرِيفَ حَصَلَ مِنهُ هُدًى لِلْمُوَفَّقِينَ ومُكابَرَةٌ لِلْمَخاذِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences