Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:111–114

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:111–114

6:111Page 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.

صفحة ٥

﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿ولَوْ أنَّنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] بِاعْتِبارِ كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَتَكُونُ ثَلاثَتُها رَدًّا عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٩]) إلَخْ، وبَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩])

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ؛ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، والحارِثَ بْنَ حَنْظَلَةَ، مِن أهْلِ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: أرِنا المَلائِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ أوِ ابْعَثْ لَنا بَعْضَ مَوْتانا فَنَسْألْهم: أحَقٌّ ما تَقُولُ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتّى يُحْشَرَ قُصَيٌّ فَيُخْبِرُنا بِصِدْقِكَ أوِ ائْتِنا بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا؛ أيْ: كَفِيلًا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وحَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠]) إلى قَوْلِهِ: (﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]) في سُورَةِ الإسْراءِ.

وذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ مِن خَوارِقِ العاداتِ مُسايَرَةً لِمُقْتَرَحاتِهِمْ، لِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يُشِيرُ إلى مَجْمُوعِ ما سَألُوهُ وغَيْرِهِ.

صفحة ٦

والحَشْرُ: الجَمْعُ، ومِنهُ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٧] وضُمِّنَ مَعْنى البَعْثِ والإرْسالِ فَعُدِّيَ بِـ (عَلى) كَما قالَ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥] .

وكُلَّ شَيْءٍ يَعُمُّ المَوْجُوداتِ كُلَّها، لَكِنَّ المَقامَ يُخَصِّصُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا سَألُوهُ، أوْ مِن جِنْسِ خَوارِقِ العاداتِ والآياتِ، فَهَذا مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى في رِيحِ عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] والقَرِينَةُ هي ما ذَكَرَ قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾) .

وقَوْلُهُ: (قِبَلًا) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ - بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ - وهو بِمَعْنى المُقابَلَةِ والمُواجَهَةِ؛ أيْ: حَشَرْنا كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عِيانًا، وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ والباءِ وهو لُغَةٌ في (قِبَلَ) بِمَعْنى المُواجَهَةِ والمُعايَنَةِ؛ وتَأوَّلَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِتَأْوِيلاتٍ أُخْرى بَعِيدَةٍ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، وغَيْرِ مُناسِبَةٍ لِلْمَعْنى.

و﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ هو أشَدُّ مِن (لا يُؤْمِنُونَ) تَقْوِيَةً لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأنَّهم مُعانِدُونَ مُكابِرُونَ غَيْرُ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهم لَوْ طَلَبُوا الحَقَّ بِإنْصافٍ لَكَفَتْهم مُعْجِزَةُ القُرْآنِ، إنْ لَمْ يَكْفِهِمْ وُضُوحُ الحَقِّ فِيما يَدْعُو إلَيْهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمَعْنى: الإخْبارُ عَنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ في أجْدَرِ الأحْوالِ بِأنْ يُؤْمِنَ لَها مَن يُؤْمِنُ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ انْتِفاءُ إيمانِهِمْ أبَدًا.

ولَوْ هَذِهِ هي المُسَمّاةُ ”لَوْ“ الصُّهَيْبِيَّةُ، وسَنَشْرَحُ القَوْلَ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ الَّتِي تَضَمَّنَها عُمُومُ نَفْيِ إيمانِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ؛ أيْ: حالُ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَغْيِيرَ قُلُوبِهِمْ فَيُؤْمِنُوا طَوْعًا، أوْ أنْ يُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ بِأنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ

صفحة ٧

عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ بِفَتْحِ مَكَّةَ وما بَعْدَهُ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِوَعْدِ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، وحُذِفَتِ الباءُ مَعَ (أنْ) .

ووَقَعَ إظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ يُومِئُ إلى مَقامِ الإطْلاقِ وهو مَقامٌ (﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]) ويُومِئُ إلى أنَّ ذَلِكَ جَرى عَلى حَسَبِ الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ.

والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ المُقْتَضِي أنَّهم يُؤْمِنُونَ إذا شاءَ اللَّهُ إيمانَهم، ذَلِكَ أنَّهم ما سَألُوا الآياتِ إلّا لِتَوْجِيهِ بَقائِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا مُصَمِّمِينَ عَلى نَبْذِ دَعْوَةِ الإيمانِ، وإنَّما يَتَعَلَّلُونَ بِالعِلَلِ بِطَلَبِ الآياتِ اسْتِهْزاءً، فَكانَ إيمانُهم في نَظَرِهِمْ مِن قَبِيلِ المُحالِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّهُ إذا شاءَ إيمانَهم آمَنُوا، فالجَهْلُ عَلى هَذا المَعْنى: هو ضِدُّ العِلْمِ، وفي هَذا زِيادَةُ تَنْبِيهٍ إلى ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾) مِن أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وقَدْ حَصَلَ إيمانُ كَثِيرٍ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وإسْنادُ الجَهْلِ إلى أكْثَرِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهم عُقَلاءَ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِدْراكُ راجِعًا إلى ما تَضَمَّنَهُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ مِنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ مَعَ إظْهارِ الآياتِ لَهم؛ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ، ويَزِيدُهم ذَلِكَ جَهْلًا عَلى جَهْلِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالجَهْلِ ضِدَّ الحِلْمِ؛ لِأنَّهم مُسْتَهْزِئُونَ، وإسْنادُ الجَهْلِ إلى أكْثَرِهِمْ لِإخْراجِ قَلِيلٍ مِنهم وهم أهْلُ الرَّأْيِ والحِلْمِ فَإنَّهم يُرْجى إيمانُهم، لَوْ ظَهَرَتْ لَهُمُ الآياتُ، وبِهَذا التَّفْسِيرِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ.

فَضَمِيرُ يَجْهَلُونَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ لا مَحالَةَ كَبَقِيَّةِ الضَّمائِرِ الَّتِي قَبْلَهُ.

6:112Page 142

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

صفحة ٨

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

اعْتِراضٌ قُصِدَ مِنهُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ، والواوُ واوُ الِاعْتِراضِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ، وتَكُونُ لِلرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً بَعْدَ ذِكْرِ ما يُحْزِنُهُ مِن أحْوالِ كُفّارِ قَوْمِهِ، وتَصَلُّبِهم في نَبْذِ دَعْوَتِهِ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ: بِأنَّ هَؤُلاءِ أعْداؤُهُ، وأنَّ عَداوَةَ أمْثالِهِمْ لِمِثْلِهِ سُنَّةً مِن سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في ابْتِلاءِ أنْبِيائِهِ كُلِّهِمْ، فَما مِنهم أحَدٌ إلّا كانَ لَهُ أعْداءٌ، فَلَمْ تَكُنْ عَداوَةُ هَؤُلاءِ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِدْعًا مِن شَأْنِ الرُّسُلِ، فَمَعْنى الكَلامِ: ألَسْتَ نَبِيئًا وقَدْ جَعَلَنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا إلى آخِرِهِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ جَعَلْنا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِ ”جَعَلْناهُ“ .

وقَوْلُهُ: عَدُوًّا مَفْعُولُ (جَعَلْنا) الأوَّلُ، وقَوْلُهُ: (لِكُلِّ نَبِيءٍ) المَجْرُورُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (جَعَلْنا) وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ الغَرَضُ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ؛ إذِ المَقْصُودُ الإعْلامُ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في أنْبِيائِهِ كُلِّهِمْ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّأسِّي والقُدْوَةُ والتَّسْلِيَةُ؛ ولِأنَّ في تَقْدِيمِهِ تَنْبِيهًا مِن أوَّلِ السَّمْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: عَدُوًّا كَيْلا يَخالَ السّامِعُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ﴾ مَفْعُولٌ لِأنَّهُ يُحَوِّلُ الكَلامَ إلى قَصْدِ الإخْبارِ عَنْ أحْوالِ الشَّياطِينِ، أوْ عَنْ تَعْيِينِ العَدُوِّ لِلْأنْبِياءِ مَن هو، وذَلِكَ يُنافِي بَلاغَةَ الكَلامِ.

صفحة ٩

وشَياطِينَ بَدَلٌ مِن عَدُوًّا وإنَّما صِيغَ التَّرْكِيبُ هَكَذا: لِأنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ الإخْبارُ بِأنَّ المُشْرِكِينَ أعْداءٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، فَمَن أعْرَبَ شَياطِينَ مَفْعُولًا لِـ جَعَلَ و(﴿لِكُلِّ نَبِيءٍ﴾) ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ عَدُوًّا فَقَدْ أفْسَدَ المَعْنى.

”والعَدُوُّ“ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، قالَ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

والشَّيْطانُ أصْلُهُ نَوْعٌ مِنَ المَوْجُوداتِ المُجَرَّدَةِ الخَفِيَّةِ، وهو نَوْعٌ مِن جِنْسِ الجِنِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ويُطْلَقُ الشَّيْطانُ عَلى المُضَلِّلِ الَّذِي يَفْعَلُ الخَبائِثَ مِنَ النّاسِ عَلى وجْهِ المَجازِ، ومِنهُ شَياطِينُ العَرَبِ لِجَماعَةٍ مِن خَباثِهِمْ، مِنهم: ناشِبٌ الأعْوَرُ، وابْنُهُ سَعْدُ بْنُ ناشِبٍ الشّاعِرُ، وهَذا عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.

والإنْسُ: الإنْسانُ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّأنُّسِ والإلْفِ؛ لِأنَّ البَشَرَ يَأْلَفُ بِالبَشَرِ ويَأْنَسُ بِهِ، فَسَمّاهُ إنْسًا وإنْسانًا.

و(﴿شَياطِينَ الإنْسِ﴾) اسْتِعارَةٌ لِلنّاسِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ فِعْلَ الشَّياطِينِ مِن مَكْرٍ وخَدِيعَةٍ، وإضافَةُ شَياطِينَ إلى الإنْسِ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ مَجازًا، بِناءً عَلى الِاسْتِعارَةِ الَّتِي تَقْتَضِي كَوْنَ هَؤُلاءِ الإنْسِ شَياطِينَ، فَهم شَياطِينُ، وهم بَعْضُ الإنْسِ؛ أيْ: أنَّ الإنْسَ: لَهم أفْرادٌ مُتَعارَفَةٌ، وأفْرادٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ الشَّياطِينِ، فَهي بِهَذا الِاعْتِبارِ مِن إضافَةِ الأخَصِّ مِن وجْهٍ إلى الأعَمِّ مِن وجْهٍ، وشَياطِينُ الجِنِّ حَقِيقَةٌ، والإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجِنَّ مِنهم شَياطِينٌ، ومِنهم غَيْرُ شَياطِينٍ، ومِنهم صالِحُونَ، وعَداوَةُ شَياطِينِ الجِنِّ لِلْأنْبِياءِ ظاهِرَةٌ، وما جاءَتِ الأنْبِياءُ إلّا لِلتَّحْذِيرِ مِن فِعْلِ الشَّياطِينِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧] .

صفحة ١٠

وجُمْلَةُ يُوحِي في مَوْضِعِ الحالِ، يَتَقَيَّدُ بِها الجَعْلُ المَأْخُوذُ مِن جَعَلْنا فَهَذا الوَحْيُ مِن تَمامِ المَجْعُولِ.

والوَحْيُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، كالوَسْوَسَةِ، وأُرِيدُ بِهِ ما يَشْمَلُ إلْقاءَ الوَسْوَسَةِ في النَّفْسِ مِن حَدِيثٍ يُزَوَّرُ في صُورَةِ الكَلامِ.

والبَعْضُ المُوحِي: هو شَياطِينُ الجِنِّ، يُلْقُونَ خَواطِرَ المَقْدِرَةِ عَلى تَعْلِيمِ الشَّرِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، فَيَكُونُونَ زُعَماءَ لِأهْلِ الشَّرِّ والفَسادِ.

والزُّخْرُفُ: الزِّينَةُ، وسُمِّيَ الذَّهَبُ زُخْرُفًا؛ لِأنَّهُ يُتَزَيَّنُ بِهِ حُلِيًّا، وإضافَةُ الزُّخْرُفِ إلى القَوْلِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ؛ أيِ: القَوْلِ الزُّخْرُفِ؛ أيِ: المُزَخْرَفِ، وهو مِنَ الوَصْفِ بِالجامِدِ الَّذِي في مَعْنى المُشْتَقِّ، إذْ كانَ بِمَعْنى الزَّيْنِ، وأفْهَمَ وصْفُ القَوْلِ بِالزُّخْرُفِ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى التَّحْسِينِ والزَّخْرَفَةِ، وإنَّما يَحْتاجُ القَوْلُ إلى ذَلِكَ إذا كانَ غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلى ما يُكْسِبُهُ القَبُولَ في حَدِّ ذاتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُفْضِي إلى ضُرٍّ يَحْتاجُ قائِلُهُ إلى تَزْيِينِهِ وتَحْسِينِهِ لِإخْفاءِ ما فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، خَشْيَةَ أنْ يَنْفِرَ عَنْهُ مَن يُسَوِّلُهُ لَهم، فَذَلِكَ التَّزْيِينُ تَرْوِيجٌ يَسْتَهْوُونَ بِهِ النُّفُوسَ، كَما تُمَوِّهُ لِلصِّبْيانِ اللَّعِبَ بِالألْوانِ والتَّذْهِيبِ.

وانْتَصَبَ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ مِن فِعْلِ يُوحِي لِأنَّ إضافَةَ الزُّخْرُفِ إلى القَوْلِ الَّذِي هو مِن نَوْعِ الوَحْيِ تَجْعَلُ زُخْرُفَ نائِبًا عَنِ المَصْدَرِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الوَحْيِ.

والغُرُورُ: الخِداعُ والإطْماعُ بِالنَّفْعِ لِقَصْدِ الإضْرارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وانْتَصَبَ غُرُورًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلِ ( يُوحِي؛ أيْ: يُوحُونَ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرُّوهم.

صفحة ١١

والقَوْلُ في مَعْنى المَشِيئَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ كالقَوْلِ في ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ: فَعَلُوهُ عائِدٌ إلى الوَحْيِ المَأْخُوذِ مِن (يُوحِي) أوْ إلى الإشْراكِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] أوْ إلى العَداوَةِ المَأْخُوذَةِ مِن قَوْلِهِ: (لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا) .

والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ أوْ إلى المُشْرِكِينَ، أوْ إلى العَدُوِّ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَرْكِهِمْ وافْتِراءِهِمْ، وهو تَرْكُ إعْراضٍ عَنِ الِاهْتِمامِ بِغُرُورِهِمْ، والنَّكَدِ مِنهُ، لا إعْراضٌ عَنْ وعْظِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] والواوُ بِمَعْنى مَعَ.

﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ مَوْصُولٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، وما يَفْتَرُونَهُ هو أكاذِيبُهُمُ الباطِلَةُ مِن زَعْمِهِمْ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ.

6:113Page 142

وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾

عُطِفَ قَوْلُهُ: ولِتَصْغى عَلى (غُرُورًا) لِأنَّ (غُرُورًا) في مَعْنى لِيَغُرُّوهم، واللّامُ لامُ كَيْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ أيْ: ولَصَغْيِ؛ أيْ: مَيْلُ قُلُوبِهِمْ إلى وحْيِهِمْ، فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ.

صفحة ١٢

ومَعْنى تَصْغى تَمِيلُ، يُقالُ: صَغى يَصْغى صَغْيًا، ويَصْغُو صَغْوًا - بِالياءِ وبِالواوِ - ووَرَدَتِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِهِ - بِالياءِ - لِأنَّهُ رُسِمَ في المُصْحَفِ بِصُورَةِ الياءِ، وحَقِيقَتُهُ المَيْلُ الحِسِّيُّ؛ يُقالُ: صَغى؛ أيْ: مالَ، وأصْغى أمالَ. وفي حَدِيثِ الهِرَّةِ: أنَّهُ أصْغى إلَيْها الإناءَ، ومِنهُ أطْلَقَ: أصْغى بِمَعْنى اسْتَمَعَ؛ لِأنَّ أصْلَهُ أمالَ سَمْعَهُ أوْ أُذُنَهُ، ثُمَّ حَذَفُوا المَفْعُولَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهو هُنا مَجازٌ في الِاتِّباعِ وقَبُولِ القَوْلِ.

﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١٥٠] هُمُ المُشْرِكُونَ وخَصَّ مِن صِفاتِ المُشْرِكِينَ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ، فَعُرِّفُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِلْإيماءِ إلى بَعْضِ آثارِ وحْيِ الشَّياطِينِ لَهم، وهَذا الوَصْفُ أكْبَرُ ما أضَرَّ بِهِمْ، إذْ كانُوا بِسَبَبِهِ لا يَتَوَخَّوْنَ فِيما يَصْنَعُونَ خَشْيَةَ العاقِبَةِ وطَلَبِ الخَيْرِ، بَلْ يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم وما يُزَيَّنُ لَهم مِن شَهَواتِهِمْ، مُعْرِضِينَ عَمّا في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ والكُفْرِ؛ إذْ لا يَتَرَقَّبُونَ جَزاءً عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلِذَلِكَ تَصْغى عُقُولُهم إلى غُرُورِ الشَّياطِينِ، ولا تَصْغى إلى دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ والصّالِحِينَ.

وعُطِفُ ولْيَرَضَوْهُ عَلى ولِتَصْغى وإنْ كانَ الصَّغْيُ يَقْتَضِي الرِّضى ويُسَبِّبُهُ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ، وأنْ لا تُكَرَّرَ لامُ التَّعْلِيلِ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالتَّعْلِيلِ، فَعُطِفَ بِالواوِ وأُعِيدَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ صَغْيَ أفْئِدَتِهِمْ إلَيْهِ ما كانَ يَكْفِي لِعَمَلِهِمْ بِهِ إلّا لِأنَّهم رَضَوْهُ.

وعَطْفُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ عَلى ولِيَرْضَوْهُ كَعَطْفِ ولِيَرْضَوْهُ عَلى ( ولِتَصْغى.

والِاقْتِرافُ افْتِعالُ مِن قَرَفَ إذا كَسَبَ سَيِّئَةً، قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠] فَذَكَرَ هُنالِكَ لِيَكْسِبُونَ مَفْعُولًا؛ لِأنَّ الكَسْبَ يَعُمُّ الخَيْرَ والشَّرَّ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا

صفحة ١٣

لِـ (يَقْتَرِفُونَ) مَفْعُولًا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا اكْتِسابَ الشَّرِّ، ولَمْ يَقُلْ: سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ مَعْنى الإثْمِ.

يُقالُ: قَرِفَ واقْتَرَفَ وقارَفَ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ ذَمِيمٍ، وحَكَوْا أنَّهُ يُقالُ: قَرِفَ فُلانٌ لِعِيالِهِ؛ أيْ: كَسِبَ، ولا أحْسِبُهُ صَحِيحًا.

وجِيءَ في صِلَةِ المَوْصُولِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِمْ في ذَلِكَ الِاقْتِرافِ وثَباتِهِمْ فِيهِ.

6:114Page 142

أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤

[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهْوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنْزَلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ بِخِطابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى رَسُولِهِ ﷺ بِتَقْدِيرِ الأمْرِ بِالقَوْلِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] أيْ: يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ عَنْ تَصارِيفِ عِنادِ المُشْرِكِينَ، وتَكْذِيبِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ في طَلَبِ الآياتِ الخَوارِقِ؛ إذْ جَعَلُوها حَكَمًا بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صِدْقِ دَعْوَتِهِ، وبَعْدَ أنْ فَضَحَهُمُ اللَّهُ بِعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وافْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ، وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهم وتَرْكِهم وما يَفْتَرُونَ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ ما كَلَّفَهُ أنْ يَكُونَ وكِيلًا لِإيمانِهِمْ، وبِأنَّهم سَيَرْجِعُونَ إلى رَبِّهِمْ فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخاطِبَهم خِطابًا كالجَوابِ عَنْ أقْوالِهِمْ وتَوَرُّكاتِهِمْ، فَيُفَرَّعُ عَلَيْها أنَّهُ لا يَطْلُبُ حاكِمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم غَيْرَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي إلَيْهِ مَرْجِعُهم،

صفحة ١٤

وأنَّهم إنْ طَمِعُوا في غَيْرِ ذَلِكَ مِنهُ فَقَدْ طَمِعُوا مُنْكَرًا، فَتَقْدِيرُ القَوْلِ مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ لا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ

والفاءُ لِتَفْرِيعِ الجَوابِ عَنْ مَجْمُوعِ أقْوالِهِمْ ومُقْتَرَحاتِهِمْ، فَهو مِن عَطْفِ التَّلْقِينِ بِالفاءِ، كَما جاءَ بِالواوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] ومِنهُ بِالفاءِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] فَكَأنَّ المُشْرِكِينَ دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ إلى التَّحاكُمِ في شَأْنِ نُبُوءَتِهِ بِحُكْمِ ما اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ، فَأجابَهم بِأنَّهُ لا يَضَعُ دِينَ اللَّهِ لِلتَّحاكُمِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الإنْكارُ أنْ يُحَكِّمَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ ظاهِرٌ بِإنْزالِ الكِتابِ مُفَصَّلًا بِالحَقِّ، وبِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ في نُفُوسِهِمْ، ومِن مُوجِباتِ التَّقْدِيمِ كَوْنِ المُقَدَّمِ يَتَضَمَّنُ جَوابًا لِرَدِّ طَلِبٍ طَلَبَهُ المُخاطَبُ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ؛ أيْ: ظَنَنْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَنَنْتُمْ مُنْكَرًا.

وتَقْدِيمُ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ عَلى ”أبْتَغِي“ لِأنَّ المَفْعُولَ هو مَحَلُّ الإنْكارِ، فَهو الحَقِيقُ بِمُوالاةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والحَكَمُ: الحاكِمُ المُتَخَصِّصُ بِالحُكْمِ الَّذِي لا يُنْقَضُ حُكْمُهُ، فَهو أخَصُّ مِنَ الحاكِمِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الحَكَمُ، ولَمْ يَكُنْ مِنها: الحاكِمُ. وانْتَصَبَ حَكَمًا عَلى الحالِ.

والمَعْنى: لا أطْلُبُ حَكَمًا بَيْنِي وبَيْنَكم غَيْرَ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ حُكْمَهُ عَلَيْكم بِأنَّكم أعْداءٌ مُقْتَرِفُونَ.

صفحة ١٥

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الِابْتِغاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: لا أعْدِلُ عَنِ التَّحاكُمِ إلَيْهِ، وقَدْ فَصَّلَ حُكْمَهُ بِإنْزالِ القُرْآنِ إلَيْكم لِتَتَدَبَّرُوهُ فَتَعْلَمُوا مِنهُ صِدْقِي، وأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ صِيغَتْ جُمْلَةُ الحالِ عَلى الِاسْمِيَّةِ المَعْرِفَةِ الجُزْأيْنِ لِتُفِيدَ القَصْرَ مَعَ إفادَةِ أصْلِ الخَبَرِ، فالمَعْنى: والحالُ أنَّهُ أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ ولَمْ يُنْزِلْهُ غَيْرُهُ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ أنَّ في القُرْآنِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ، وبِأُمِّيَّةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبَعًا لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ كافَّةً، وفي تَضاعِيفِ حُجَجِ القُرْآنِ وأخْبارِهِ دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِهِ، فَحَصَلَ بِصَوْغِ جُمْلَةِ الحالِ عَلى صِيغَةِ القَصْرِ الدَّلالَةُ عَلى الأمْرَيْنِ: أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والحُكْمِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصِّدْقِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، والضَّمِيرُ في إلَيْكم خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ لِلِاهْتِداءِ بِهِ، فَكَما قالَ اللَّهُ: ﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] قالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وفي قَوْلِهِ: إلَيْكم هُنا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَجاهُلًا.

والمُفَصَّلُ المُبَيَّنُ: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّفْصِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَوْلِ المَحْذُوفِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا مِثْلَهُ، أوْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي﴾ أوْ عَلى

صفحة ١٦

جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ فَهو عَطْفُ تَلْقِينِ عُطِفَ بِهِ الكَلامُ المَنسُوبُ إلى اللَّهِ عَلى الكَلامِ المَنسُوبِ إلى النَّبِيءِ ﷺ تَعْضِيدًا لَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَلامُ المَنسُوبُ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِن كَوْنِ القُرْآنِ حَقًّا، وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ الكِتابَ: أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ المَعْرُوفُ عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ، وخاصَّةً أهْلُ مَكَّةَ، لِتَرَدُّدِ اليَهُودِ عَلَيْها في التِّجارَةِ، ولِتَرَدُّدِ أهْلِ مَكَّةَ عَلى مَنازِلِ اليَهُودِ بِيَثْرِبَ وقُراها؛ ولِكَوْنِ المَقْصُودِ بِهَذا الحُكْمِ أحْبارَ اليَهُودِ خاصَّةً قالَ: ﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أهْلَ الكِتابِ.

ومَعْنى عِلْمِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهم يَجِدُونَهُ مُصَدِّقًا لِما في كِتابِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَدْرُسْ كِتابَهم عَلى أحَدٍ مِنهم، إذْ لَوْ دَرَسَهُ لَشاعَ أمْرُهُ بَيْنَهم، ولَأعْلَنُوا ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ حِينَ ظُهُورِ دَعْوَتِهِ، وهم أحْرَصُ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَدَّعُوهُ، وعِلْمُهم بِذَلِكَ لا يَقْتَضِي إسْلامَهم؛ لِأنَّ العِنادَ والحَسَدَ يَصُدّانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ الكِتابَ مَن أسْلَمُوا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، مِثْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومُخَيْرِيقٌ، فَيَكُونُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ لِعَهْدٍ، وعَنْ عَطاءٍ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم رُؤَساءُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، فَيَكُونُ الكِتابُ هو القُرْآنُ.

وضَمِيرُ (أنَّهُ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ وهو القُرْآنُ.

والباءُ في قَوْلِهِ: بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: مُلابِسًا لِلْحَقِّ، وهي مُلابَسَةُ الدّالِّ لِلْمَدْلُولِ؛ لِأنَّ مَعانِيَهُ وأخْبارَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ وكُلَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَقٌّ.

صفحة ١٧

وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُنْزَلٌ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ أوْ مُتَّحِدٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ الخَبَرِ كَقَوْلِ القائِلِ بَعْدَ الخَبَرِ: هَذا ما لا شَكَّ فِيهِ، فالِامْتِراءُ المَنفِيُّ هو الِامْتِراءُ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ غَرِيبًا اجْتِماعُ عِلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، لِيَعُمَّ كُلَّ مَن يَحْتاجُ إلى مِثْلِ هَذا الخِطابِ؛ أيْ: فَلا تَكُونَنَّ أيُّها السّامِعُ مِنَ المُمْتَرِينَ؛ أيِ: الشّاكِّينَ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونُ التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: فَهَذا أمْرٌ قَدِ اتَّضَحَ، فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ فِيهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ المُشْرِكُونَ المُمْتَرُونَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، كَما يُقالُ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، والتَّفْرِيعُ فِيهِ كَما في الوَجْهِ الثّانِي.

وعَلى كُلِّ الوُجُوهِ كانَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ الِامْتِراءِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ، وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ غَيْرُ مُتَعارِضَةٍ، صَحَّ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها مَقْصُودًا مِنَ الآيَةِ، لِتَذْهَبَ أفْهامُ السّامِعِينَ إلى ما تَتَوَصَّلُ إلَيْهِ مِنها، وهَذا فِيما أرى مِن مَقاصِدِ إيجازِ القُرْآنِ وهو مَعْنى الكَلامِ الجامِعِ، ويَجِيءُ مِثْلُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وهو مِن خَصائِصِ القُرْآنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском