Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:121–122
6:121Page 143
وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١
And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1
﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] .
صفحة ٣٩
وما في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مَوْصُولَةٌ، وماصَدَقُ المَوْصُولِ هُنا: ذَكِيٌّ، بِقَرِينَةِ السّابِقِ الَّذِي ماصَدَقُهُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ المَقامِ. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ قَدْ أفادَتْ إباحَةَ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وأفْهَمَتِ النَّهْيَ عَمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو المَيْتَةُ، وتَمَّ الحُكْمُ في شَأْنِ أكْلِ المَيْتَةِ والتَّفْرِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما ذُكِّيَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ أُفِيدَ النَّهْيُ والتَّحْذِيرُ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَمَعْنى: ﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: أنَّهُ تُرِكَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ قَصْدًا وتَجَنُّبًا لِذِكْرِهِ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِقَصْدِ أنْ لا يَكُونَ الذَّبْحُ لِلَّهِ، وهو يُساوِي كَوْنَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، إذْ لا واسِطَةَ عِنْدَهم في الذَّكاةِ بَيْنَ أنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ أوْ يَذْكُرُوا اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] .
ومِمّا يُرَشِّحُ أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وقَوْلُهُ في الآيَةِ الآتِيَةِ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَعُلِمَ أنَّ المَوْصُوفَ بِالفِسْقِ هُنا هو الَّذِي وُصِفَ بِهِ هُنالِكَ، وقُيِّدَ هُنالِكَ بِأنَّهُ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وبِقَرِينَةِ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ لِأنَّ الشِّرْكَ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ أسْماءِ الأصْنامِ عَلى المُذَكّى، ولا يَكُونُ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ.
ورُبَّما كانَ المُشْرِكُونَ في تَحَيُّلِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ في أمْرِ الذَّكاةِ يَقْتَنِعُونَ بِأنْ يَسْألُوهم تَرْكَ التَّسْمِيَةِ، بِحَيْثُ لا يُسَمُّونَ اللَّهَ ولا يُسَمُّونَ لِلْأصْنامِ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَحْذِيرَ المُسْلِمِينَ مِن هَذا التَّرْكِ المَقْصُودِ بِهِ التَّمْوِيهُ، وأنْ يُسَمّى عَلى الذَّبائِحِ غَيْرَ أسْماءِ آلِهَتِهِمْ.
فَإنِ اعْتَدَدْنا بِالمَقْصِدِ والسِّياقِ، كانَ اسْمُ المَوْصُولِ مُرادًا بِهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكانَ حُكْمُها قاصِرًا عَلى ذَلِكَ المُعَيَّنِ، ولا تَتَعَلَّقُ بِها مَسْألَةُ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ في الذَّكاةِ، ولا كَوْنِها شَرْطًا أوْ غَيْرَ شَرْطٍ بَلْهَ حُكْمَ نِسْيانِها، وإنْ جَعْلَنا هَذا المَقْصِدَ بِمَنزِلَةِ سَبَبٍ لِلنُّزُولِ، واعْتَدَدْنا بِالمَوْصُولِ صادِقًا عَلى كُلِّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَتِ الآيَةُ مِنَ العامِّ
صفحة ٤٠
الوارِدِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَلا يُخَصُّ بِصُورَةِ السَّبَبِ، وإلى هَذا الِاعْتِبارِ مالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ المُخْتَلِفِينَ في حُكْمِ التَّسْمِيَةِ عَلى الذَّبِيحَةِ.
وهِيَ مَسْألَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ الفُقَهاءِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُسْلِمَ إنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلى الذَّبْحِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ اسْتِخْفافًا أوْ تَجَنُّبًا لَها لَمْ تُؤْكَلْ، وهَذا مِثْلُ ما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الزُّنُوجِ مِنَ المُسْلِمِينَ في تُونِسَ وبَعْضِ بِلادِ الإسْلامِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَمْتَلِكُهم، فَيَتَفادُونَ مِن أضْرارِها بِقَرابِينَ يَذْبَحُونَها لِلْجِنِّ ولا يُسَمُّونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها؛ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَنْفِرُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى خِيفَةً مِنهُ، وهَذا مُتَفَشٍّ بَيْنَهم في تُونِسَ ومِصْرَ فَهَذِهِ ذَبِيحَةٌ لا تُؤْكَلُ.
ومُسْتَنَدُ هَؤُلاءِ ظاهِرُ الآيَةِ مَعَ تَخْصِيصِها أوْ تَقْيِيدِها بِغَيْرِ النِّسْيانِ، إعْمالًا لِقاعِدَةِ رَفْعِ حُكْمِ النِّسْيانِ عَنِ النّاسِ، وإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لا لِقَصْدِ اسْتِخْفافٍ أوْ تَجَنُّبٍ ولَكِنَّهُ تَثاقَلَ عَنْها، فَقالَ مالِكٌ، في المَشْهُورِ، وأبُو حَنِيفَةَ، وجَماعَةٌ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ: لا تُؤَكَلُ، ولا شَكَّ أنَّ الجَهْلَ كالنِّسْيانِ، ولَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِالأخْذِ بِالأحْوَطِ في احْتِمالِ الآيَةِ اقْتِصارًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ دُونَ مَعُونَةِ السِّياقِ. الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ، وجَماعَةٌ، ومالِكٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ: تُؤْكَلُ، وعِنْدِي أنَّ دَلِيلَ هَذا القَوْلِ أنَّ التَّسْمِيَةَ تَكْمِلَةٌ لِلْقُرْبَةِ، والذَّكاةُ بَعْضُها قُرْبَةٌ وبَعْضُها لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ، ولا يَبْلُغُ حُكْمُ التَّسْمِيَةِ أنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِلْإباحَةِ.
وفِي الكَشّافِ أنَّهم تَأوَّلُوا ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المَيْتَةُ خاصَّةً، وبِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ العَرَبِيِّ، عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ: ذِكْرُ اللَّهِ إنَّما شُرِعَ في القُرَبِ، والذَّبْحِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وظاهِرٌ أنَّ العامِدَ آثِمٌ وأنَّ المُسْتَخِفَّ أشَدُّ إثْمًا، وأمّا تَعَمُّدُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ لِأجْلِ إرْضاءِ غَيْرِ اللَّهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَن سَمّى لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا يُكْرَهُ أكْلُها، قالَهُ أبُو الحَسَنِ بْنُ القَصّارِ، وأبُو بَكْرٍ الأبْهَرِيُّ مِنَ المالِكِيَّةِ، ولا يُعَدُّ هَذا خِلافًا، ولَكِنَّهُ بَيانٌ لِقَوْلِ مالِكٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، وقالَ أشْهَبُ،
صفحة ٤١
والطَّبَرِيُّ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، إذا لَمْ يَتْرُكْها مُسْتَخِفًّا.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ سِيرِينَ، ونافِعٌ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وداوُدُ: لا تُؤَكَلُ إذا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْها عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، أخْذًا بِظاهِرِ الآيَةِ، دُونَ تَأمُّلٍ في المَقْصِدِ والسِّياقِ. وأرْجَحُ الأقْوالِ: هو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ مالِكٍ، إنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ تُؤْكَلُ، وأنَّ الآيَةَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها إلّا تَحْرِيمُ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ بِالقَرائِنِ الكَثِيرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا، وقَدْ يَكُونُ تارِكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا آثِمًا، إلّا أنَّ إثْمَهُ لا يُبْطِلُ ذَكاتَهُ كالصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ عِنْدَ غَيْرِ أحْمَدَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ في جَوازِهِ، وهو الحَقُّ، لا سِيَّما إذا كانَ العَطْفُ بِالواوِ، وقَدْ أجازَ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ بِالواوِ بَعْضُ مَن مَنَعَهُ بِغَيْرِ الواوِ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما في مُغَنِي اللَّبِيبِ. وقَدْ جَعَلَها الرّازِيُّ وجَماعَةٌ: حالًا ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ بِناءً عَلى مَنعِ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ يَعُودُ عَلى ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . والإخْبارُ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ وهو فِسْقٌ مُبالَغَةٌ في وصْفِ الفِعْلِ، وهو ذِكْرُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ بِالفِسْقِ حَتّى تَجاوَزَ الفِسْقُ صِفَةَ الفِعْلِ أنْ صارَ صِفَةَ المَفْعُولِ، فَهو مِنَ المَصْدَرِ المُرادِ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهَذا نَظِيرُ جَعْلِهِ فِسْقًا في قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
والتَّأْكِيدُ بِإنَّ: لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ الضَّمِيرَ عائِدًا إلى الأكْلِ المَأْخُوذِ مِن لا تَأْكُلُوا أيْ: وإنَّ أكْلَهُ لَفِسْقٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أيْ: واحْذَرُوا جَدَلَ أوْلِياءِ الشَّياطِينِ في ذَلِكَ، والمُرادُ
صفحة ٤٢
بِأوْلِياءِ الشَّياطِينِ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ، فِيما مَرَّ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والمُجادَلَةُ المُنازَعَةُ بِالقَوْلِ لِلْإقْناعِ بِالرَّأْيِ، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ هُنا المُجادَلَةُ في إبْطالِ أحْكامِ الإسْلامِ وتَحْبِيبِ الكُفْرِ وشَعائِرِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ بِأيْدِينا ولا نَأْكُلُ ما قَتَلَهُ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ حُذِفَ مُتَعَلَّقُ (أطَعْتُمُوهم) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ أطَعْتُمُوهم فِيما يُجادِلُونَكم فِيهِ، وهو الطَّعْنُ في الإسْلامِ، والشَّكُّ في صِحَّةِ أحْكامِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنْ لِتَحْقِيقِ التِحاقِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ إذا أطاعُوا الشَّياطِينَ، وإنْ لَمْ يَدْعُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ لِأنَّ تَخْطِئَةَ أحْكامِ الإسْلامِ تُساوِي الشِّرْكَ، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إلى التَّأْكِيدِ، أوْ أرادَ: إنَّكم لَصائِرُونَ إلى الشِّرْكِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ تَسْتَدْرِجُكم بِالمُجادَلَةِ حَتّى يَبْلُغُوا بِكم إلى الشِّرْكِ، فَيَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ مُرادًا بِهِ الِاسْتِقْبالُ.
ولَيْسَ المَعْنى: إنْ أطَعْتُمُوهم في الإشْراكِ بِاللَّهِ فَأشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ سَبَبٌ، بَلْ ولا لِلْإخْبارِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ فائِدَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، ولَمْ يَقْتَرِنْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ مُضافًا يَحْسُنُ في جَوابِهِ التَّجْرِيدُ عَنِ الفاءِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ العُكْبَرِيُّ، وتَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الشَّرْطِ الماضِي في جَزائِهِ ضَعِيفٌ، فَكَما جازَ رَفْعُ الجَزاءِ وهو مُضارِعٌ، إذا كانَ شَرْطُهُ ماضِيًا، كَذَلِكَ جازَ كَوْنُهُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِالفاءِ، عَلى أنَّ كَثِيرًا مِن مُحَقِّقِي النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ حَذْفَ فاءِ الجَوابِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ، فَقَدْ أجازَهُ المُبَرِّدُ وابْنُ مالِكٍ
صفحة ٤٣
فِي شَرْحِهِ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّكَ إنْ تَدَعْ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً» عَلى رِوايَةِ (إنْ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ دُونَ رِوايَةِ فَتْحِ الهَمْزَةِ.
6:122Page 143
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢
And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.
﴿أوَمَن كانَ مَيِّتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافَرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيِّتًا﴾ عاطِفَةٌ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] لِتَضَمُّنِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] أنَّ المُجادَلَةَ المَذْكُورَةَ مِن قَبْلُ مُجادَلَةٌ في الدِّينِ بِتَحْسِينِ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ وتَقْبِيحِ أحْكامِ الإسْلامِ الَّتِي مِنها تَحْرِيمُ المَيْتَةِ، وتَحْرِيمُ ما ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَلَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن دَسائِسِ أوْلِياءِ الشَّياطِينِ ومُجادَلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْظِيعِ حالِ المُشْرِكِينَ، ووَصْفِ حُسْنِ حالَةِ المُسْلِمِينَ حِينَ فارَقُوا الشِّرْكَ، فَجاءَ بِتَمْثِيلَيْنِ لِلْحالَتَيْنِ، ونَفى مُساواةَ إحْداهُما لِلْأُخْرى؛ تَنْبِيهًا عَلى سُوءِ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ وحُسْنِ حالِ أهْلِ الإسْلامِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في إنْكارِ تَماثُلِ الحالَتَيْنِ: فالحالَةُ الأُولى حالَةُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ أنْ كانُوا مُشْرِكِينَ، وهي المُشَبَّهَةُ بِحالِ مَن كانَ مَيِّتًا مُودَعًا في ظُلُماتٍ فَصارَ حَيًّا في نُورٍ واضِحٍ، وسارَ في الطَّرِيقِ المُوَصِلَةِ لِلْمَطْلُوبِ بَيْنَ النّاسِ، والحالَةُ الثّانِيَةُ حالَةُ المُشْرِكِ وهي المُشَبَّهَةُ بِحالَةِ مَن هو في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها؛ لِأنَّهُ في ظُلُماتٍ، وفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ؛ اسْتِغْناءً بِالمَذْكُورِ عَنِ المَحْذُوفِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيِّتًا﴾ مَعْناهُ: أحالُ مَن كانَ مَيِّتًا، أوْ صِفَةُ مَن كانَ مَيِّتًا.
صفحة ٤٤
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ حالُ مَن كانَ مَيِّتًا في ظُلُماتٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَمَن مَثَلُهُ مِثْلُ مَيِّتٍ فَماصَدَقُ (مَن) مَيِّتٌ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِمَيِّتٍ في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ، فَيُعْلَمُ أنَّ جُزْءَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ هو المَيِّتُ لِأنَّ المُشَبَّهَ والمُشَبَّهَ بِهِ سَواءٌ في الحالَةِ الأصْلِيَّةِ، وهي حالَةُ كَوْنِ الفَرِيقَيْنِ مُشْرَكَيْنِ، ولَفْظُ مَثَلِ بِمَعْنى حالَةِ، ونَفْيُ المُشابَهَةِ هُنا مَعْناهُ نَفْيُ المُساواةِ، ونَفْيُ المُساواةِ كِنايَةٌ عَنْ تَفْضِيلِ إحْدى الحالَتَيْنِ عَلى الأُخْرى تَفْضِيلًا لا يَلْتَبِسُ، فَذَلِكَ مَعْنى نَفْيِ المُشابَهَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] ) وقَوْلِهِ: ( ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] .
والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ كافُ التَّشْبِيهِ، وهو تَشْبِيهٌ مَنفِيٌّ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
والكَلامُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ تَمْثِيلِ حالِ مَن أسْلَمَ وتَخَلَّصَ مِنَ الشِّرْكِ بِحالِ مَن كانَ مَيِّتًا فَأُحْيِيَ، وتَمْثِيلُ حالِ مَن هو باقٍ في الشِّرْكِ بِحالٍ مَيِّتٍ باقٍ في قَبْرِهِ.
فَتَضَمَّنَتْ جُمْلَةُ ﴿أوَمَن كانَ مَيِّتًا﴾ إلى آخِرِها تَمْثِيلُ الحالَةِ الأُولى، وجُمْلَةُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ إلَخْ تَمْثِيلُ الحالَةِ الثّانِيَةِ، فَهُما حالَتانِ مُشَبَّهَتانِ، وحالَتانِ مُشَبَّهٌ بِهِما، وحَصَلَ بِذِكْرِ كافِ التَّشْبِيهِ وهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أنَّ مَعْنى الكَلامِ نَفْيُ المُشابَهَةِ بَيْنَ مَن أسْلَمَ وبَيْنَ مَن بَقِيَ في الشِّرْكِ، كَما حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ في نَظْمِ الكَلامِ تَشْبِيهَيْنِ مُرَكَّبَيْنِ.
ولَكِنَّ وُجُودَ كافِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: كَمَن مَثَلُهُ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِ المُشَبَّهَيْنِ في التَّرْكِيبَيْنِ أثارا شُبْهَةً في اعْتِبارِ هَذَيْنِ التَّشْبِيهَيْنِ أهْوَ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، أمْ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ؛ فَنَحا
صفحة ٤٥
القُطْبُ الرّازِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ القَبِيلَ الأوَّلَ، ونَحا التَّفْتَزانِيُّ القَبِيلَ الثّانِي، والأظْهَرُ ما نَحاهُ التَّفْتَزانِيُّ أنَّهُما اسْتِعارَتانِ تَمْثِيلِيَّتانِ، وأمّا كافُ التَّشْبِيهِ فَهو مُتَوَجِّهٌ إلى المُشابَهَةِ المَنفِيَّةِ في مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ لا إلى مُشابَهَةِ الحالَيْنِ بِالحالَيْنِ، فَمَوْرِدُ كافِ التَّشْبِيهِ غَيْرُ مَوْرِدِ تَمْثِيلِ الحالَيْنِ. وبَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ بَوْنٌ خَفِيٌّ.
والمُرادُ بِـ الظُّلُماتِ ظُلْمَةُ القَبْرِ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمَيِّتِ، وبِقَرِينَةِ ظاهِرِ (في) مِن حَقِيقَةِ الظَّرْفِيَّةِ وظاهِرِ حَقِيقَةِ فِعْلِ الخُرُوجِ.
ولَقَدْ جاءَ التَّشْبِيهُ بَدِيعًا؛ إذْ جَعَلَ حالَ المُسْلِمِ، بَعْدَ أنْ صارَ إلى الإسْلامِ، بِحالِ مَن كانَ عَدِيمَ الخَيْرِ، عَدِيمَ الإفادَةِ كالمَيِّتِ، فَإنَّ الشِّرْكَ يَحُولُ دُونَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويَصْرِفُ صاحِبَهُ عَنِ السَّعْيِ إلى ما فِيهِ خَيْرُهُ ونَجاتُهُ، وهو في ظُلْمَةٍ لَوْ أفاقَ لَمْ يَعْرِفْ أيْنَ يَنْصَرِفُ، فَإذا هَداهُ اللَّهُ إلى الإسْلامِ تَغَيَّرَ حالَهُ، فَصارَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويَعْلَمُ الصّالِحَ مِنَ الفاسِدِ، فَصارَ كالحَيِّ وصارَ يَسْعى إلى ما فِيهِ الصَّلاحُ، ويَتَنَكَّبُ عَنْ سَبِيلِ الفَسادِ، فَصارَ في نُورٍ يَمْشِي بِهِ في النّاسِ.
وقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذا التَّمْثِيلِ تَفْضِيلُ أهْلِ اسْتِقامَةِ العُقُولِ عَلى أضْدادِهِمْ.
والباءُ في قَوْلِهِ: يَمْشِي بِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ، والنّاسُ المُصَرَّحُ بِهِ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها هُمُ الأحْياءُ الَّذِينَ لا يَخْلُو عَنْهُمُ المُجْتَمَعُ الإنْسانِيُّ.
والنّاسُ المُقَدَّرُ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ هم رُفَقاءُ المُسْلِمِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ جاءَ المُرَكَّبُ التَّمْثِيلِيُّ تامًّا صالِحًا لِاعْتِبارِ تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ بِالهَيْئَةِ، ولِاعْتِبارِ تَشْبِيهِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، كَما قَدْ عَلِمْتَهُ، وذَلِكَ أعْلى التَّمْثِيلِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِإضافَةِ (مَثَلُ) أيْ: ظُلُماتٌ لا يُرْجى لِلْواقِعِ فِيها تَنُّورٌ بِنُورٍ ما دامَ في حالَةِ الإشْراكِ.
صفحة ٤٦
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ التَّمْثِيلَ المَذْكُورَ قَبْلَها يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا، أنْ يَقُولَ: كَيْفَ رَضُوا لِأنْفُسِهِمُ البَقاءَ في هَذِهِ الضَّلالاتِ، وكَيْفَ لَمْ يَشْعُرُوا بِالبَوْنِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ الَّذِينَ أسْلَمُوا؛ فَإذا كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في غَفْلَةٍ عَنِ انْحِطاطِ حالِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَكَيْفَ لَمّا دَعاهُمُ الإسْلامُ إلى الحَقِّ ونَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ والبَراهِينَ بَقَوْا في ضَلالِهِمْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنْهُ وهم أهْلُ عُقُولٍ وفِطْنَةٍ فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُبَيِّنَ لَهُ السَّبَبَ في دَوامِهِمْ عَلى الضَّلالِ، وهو أنَّ ما عَمِلُوهُ كانَ تُزَيِّنُهُ لَهُمُ الشَّياطِينُ، هَذا التَّزْيِينَ العَجِيبَ، الَّذِي لَوْ أرادَ أحَدٌ تَقْرِيبَهُ لَمْ يَجِدْ ضَلالًا مُزَيَّنًا أوْضَحَ مِنهُ وأعْجَبَ فَلا يُشَبَّهُ ضَلالُهم إلّا بِنَفْسِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: والسَّفاهَةُ كاسْمِها.
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ﴾ مُشارٌ بِهِ إلى التَّزْيِينِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (زَيَّنَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ لِلْكافِرِينَ العَجِيبِ كَيْدًا ودِقَّةً زَيَّنَ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أعْمالَهم عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحُذِفَ فاعِلُ التَّزْيِينِ فَبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ وُقُوعُ التَّزْيِيِنِ لا مَعْرِفَةُ مَن أوْقَعَهُ. والمُزَيِّنُ شَياطِينُهم وأوْلِياؤُهم، كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ولِأنَّ الشَّياطِينَ مِنَ الإنْسِ هُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّزْيِينِ، وشَياطِينُ الجِنِّ هُمُ المَسْئُولُونَ المُزَيِّنُونَ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ في الآياتِ السّابِقَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences