Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:125–127

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:125–127

6:125Page 144

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥

So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.

صفحة ٥٧

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرِجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤَمِنُونَ﴾

الفاءُ مُرَتِّبَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيِّتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّفارِيعِ والِاعْتِراضِ، وهَذا التَّفْرِيعُ إبْطالٌ لِتَعَلُّلاتِهِمْ بِعِلَّةِ ﴿حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وأنَّ اللَّهَ مَنَعَهم ما عَلَّقُوا إيمانَهم عَلى حُصُولِهِ، فَتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ بَيانُ السَّبَبِ المُؤَثِّرِ بِالحَقِيقَةِ إيمانُ المُؤْمِنِ وكُفْرُ الكافِرِ، وهو هِدايَةُ اللَّهِ المُؤْمِنَ، وإضْلالُهُ الكافِرَ، فَذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّأْثِيرِ، دُونَ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، فَيُعْرَفُ مِن ذَلِكَ أنَّ أكابِرَ المُجْرِمِينَ لَوْ أُوتُوا ما سَألُوا لَما آمَنُوا، حَتّى يُرِيدَ اللَّهُ هِدايَتَهم إلى الإسْلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦] )، وكَما قالَ: ( ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] .

والهُدى إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ النّافِعَةِ: لِأنَّ حَقِيقَتَهُ إصابَةُ الطَّرِيقِ المُوصِلِ لِلْمَكانِ المَقْصُودِ، ومَجازُهُ رَشادُ العَقْلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ مُتَعَلَّقِهِ هُنا؛ لِظُهُورِ أنَّهُ الهُدى لِلْإسْلامِ، مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] فَهو تَهَكُّمٌ، والضَّلالُ إنَّما يَكُونُ في أحْوالٍ مُضِرَّةٍ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ خَطَأُ الطَّرِيقِ المَطْلُوبِ، فَلِذَلِكَ كانَ مُشْعِرًا بِالضُّرِّ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلَّقُهُ، فَهو هُنا الِاتِّصافُ بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ فِيهِ إضاعَةَ خَيْرِ الإسْلامِ، فَهو كالضَّلالِ عَنِ المَطْلُوبِ، وإنْ كانَ الضّالُّ غَيْرَ طالِبٍ لِلْإسْلامِ، لَكِنَّهُ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَقْبَلَ مِن أمْرِهِ ما اسْتَدْبَرَ لَطَلَبَهُ.

صفحة ٥٨

والشَّرْحُ حَقِيقَتُهُ شَقُّ اللَّحْمِ، والشَّرِيحَةُ القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ تُشَقُّ حَتّى تُرَقَّقَ لِيَقَعَ شَيُّها. واسْتُعْمِلَ الشَّرْحُ في كَلامِهِمْ مَجازًا في البَيانِ والكَشْفِ، واسْتُعْمِلَ أيْضًا مَجازًا في انْجِلاءِ الأمْرِ، ويَقِينِ النَّفْسِ بِهِ، وسُكُونِ البالِ لِلْأمْرِ، بِحَيْثُ لا يُتَرَدَّدُ فِيهِ ولا يُغْتَمُّ مِنهُ، وهو أظْهَرُ التَّفْسِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .

والصَّدْرُ مُرادٌ بِهِ الباطِنُ مَجازًا في الفَهْمِ والعَقْلِ بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، فَمَعْنى ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ وعَقْلِهِ اسْتِعْدادًا وقَبُولًا لِتَحْصِيلِ الإسْلامِ، ويُوَطِّنُهُ لِذَلِكَ حَتّى يَسْكُنَ إلَيْهِ ويَرْضى بِهِ، فَلِذَلِكَ يُشَبَّهُ بِالشَّرْحِ، والحاصِلُ لِلنَّفْسِ يُسَمّى انْشِراحًا، يُقالُ: لَمْ تَنْشَرِحْ نَفْسِي لِكَذا، وانْشَرَحَتْ لِكَذا، وإذا حَلَّ نُورُ التَّوْفِيقِ في القَلْبِ كانَ القَلْبُ كالمُتَّسِعِ؛ لِأنَّ الأنْوارَ تُوَسِّعُ مَناظِرَ الأشْياءِ، رَوى الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ ناسًا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُدْخِلُ فِيهِ النُّورَ فَيَنْفَسِحُ. قالُوا: وهَلْ لِذَلِكَ مِن عَلامَةٍ يُعْرَفُ بِها. قالَ: إنابَةٌ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّنَحِّي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ» .

ومَعْنى: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾ مَن يُرِدْ دَوامَ ضَلالِهِ بِالكُفْرِ، أوْ مَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ عَنِ الِاهْتِداءِ إلى الإسْلامِ، فالمُرادُ ضَلالٌ مُسْتَقْبَلٌ، إمّا بِمَعْنى دَوامِ الضَّلالِ الماضِي، وإمّا بِمَعْنى ضَلالٍ عَنْ قَبُولِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المُرادُ أنْ يُضِلَّهُ بِكُفْرِهِ القَدِيمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ مَضى وتَقَرَّرَ.

والضَّيِّقُ - بِتَشْدِيدِ الياءِ بِوَزْنِ فَيْعِلَ - مُبالَغَةٌ في وصْفِ الشَّيْءِ بِالضِّيقِ، يُقالُ ضاقَ ضِيقًا - بِكَسْرِ الضّادِ - وضَيْقًا - بِفَتْحِها - والأشْهَرُ كَسْرُ الضّادِ في المَصْدَرِ والأقْيَسُ الفَتْحُ، ويُقالُ بِتَخْفِيفِ الياءِ بِوَزْنِ فَعْلٍ، وذَلِكَ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ، وهُما وإنِ اخْتَلَفَتْ زِنَتُهُما، وكانَتْ زِنَةُ فَيْعِلٍ في الأصْلِ تُفِيدُ مِنَ المُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ ما لا تُفِيدُهُ زِنَةُ فَعْلٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ سَوّى

صفحة ٥٩

بَيْنَهُما عَلى الأصَحِّ. والأظْهَرُ أنَّ أصْلَ ضَيْقٍ - بِالتَّخْفِيفِ - وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوَيا في إفادَةِ المُبالَغَةِ بِالوَصْفِ، وقُرِئَ بِهِما في هَذِهِ الآيَةِ، فَقَرَأها الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِتَخْفِيفِها، وقَدِ اسْتُعِيرَ الضَّيِّقُ لِضِدِّ ما اسْتُعِيرَ لَهُ الشَّرْحُ، فَأُرِيدَ بِهِ الَّذِي لا يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الإيمانِ ولا تَسْكُنُ نَفْسُهُ إلَيْهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مُضْطَرِبَ البالِ إذا عُرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.

والحَرِجُ - بِكَسْرِ الرّاءِ - صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: حَرِجَ الشَّيْءُ حَرَجًا، مِن بابِ فَرِحَ، بِمَعْنى ضاقَ ضَيْقًا شَدِيدًا، فَهو كَقَوْلِهِمْ: دَنِفَ، وقَمِنَ، وفَرِقَ، وحَذِرَ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ نافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأمّا الباقُونَ فَقَرَأُوهُ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ المَصْدَرِ، فَهو مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ دَنَفٌ - بِفَتْحِ النُّونِ - وفَرَدٌ - بِفَتْحِ الرّاءِ - .

وإتْباعُ الضَّيِّقِ بِالحَرَجِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الضِّيقِ؛ لِأنَّ في الحَرَجِ مِن مَعْنى شِدَّةِ الضِّيقِ ما لَيْسَ في ضَيِّقٍ.

والمَعْنى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ غَيْرَ مُتَّسِعٍ لِقَبُولِ الإسْلامِ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ .

وزادَ حالَةَ المُضَلَّلِ عَنِ الإسْلامِ تَبْيِينًا بِالتَّمْثِيلِ، فَقالَ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ .

قَرَأهُ الجُمْهُورُ: (يَصَّعَّدُ) بِتَشْدِيدِ الصّادِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الصُّعُودِ؛ أيْ: بِتَكَلُّفِ الصُّعُودِ، فَقُلِبَتْ تاءُ التَّفَعُّلِ صادًّا؛ لِأنَّ التّاءَ شَبِيهَةٌ بِحُرُوفِ الإطْباقِ، فَلِذَلِكَ تُقْلَبُ طاءً بَعْدَ حُرُوفِ الإطْباقِ في الِافْتِعالِ قَلْبًا مُطَّرِدًا، ثُمَّ تُدْغَمُ تارَةً في مُماثِلِها أوْ مُقارِبِها، وقَدْ تُقْلَبَ فِيما يُشابِهُ الِافْتِعالَ إذا أُرِيدَ التَّخْفِيفُ بِالإدْغامِ، فَتُدْغَمُ في أحَدِ أحْرُفِ

صفحة ٦٠

الإطْباقِ كَما هُنا، فَإنَّهُ أُرِيدَ تَخْفِيفُ أحَدِ الحُرُوفِ الثَّلاثَةِ المُتَحَرِّكَةِ المُتَوالِيَةِ مِن ”يَتَصَعَّدُ“ فَسُكِّنَتِ التّاءُ ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الصّادِ إدْغامَ المُقارِبِ لِلتَّخْفِيفِ.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ: (يَصْعَدُ) بِسُكُونِ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ، مُخَفَّفًا. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ”يَصّاعَدُ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ بَعْدَها ألِفٌ وأصْلُهُ يَتَصاعَدُ.

وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (صَدْرَهُ) أوْ مِن صَدْرِهِ، مُثِّلَ حالُ المُشْرِكِ حِينَ يُدْعى إلى الإسْلامِ أوْ حِينَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ، فَيَتَأمَّلُ في دَعْوَةِ الإسْلامِ، بِحالِ الصّاعِدِ، فَإنَّ الصّاعِدَ يَضِيقُ تَنَفُّسُهُ في الصُّعُودِ، وهَذا تَمْثِيلُ هَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ بِهَيْئَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ لِأنَّ الصُّعُودَ في السَّماءِ غَيْرُ واقِعٍ.

والسَّماءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ المُتَعارَفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّماءُ أُطْلِقَ عَلى الجَوِّ الَّذِي يَعْلُو الأرْضَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَكُونُ السَّماءُ المُظِلَّةَ لِلْأرْضِ، ولَكِنْ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: القَيْدُودُ الطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ أيْ في غَيْرِ ارْتِفاعٍ صَعَدًا، أرادَ أبُو عَلِيٍّ الِاسْتِظْهارَ بِكَلامِ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ السَّماءِ يُقالُ لِلْفَضاءِ الذّاهِبِ في ارْتِفاعٍ، ولَيْسَتْ عِبارَةُ سِيبَوَيْهِ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ.

وحَرْفُ (في) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (إلى) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ: إمّا بِمَعْنى كَأنَّهُ بَلَغَ السَّماءَ وأخَذَ يَصَّعَّدُ في مَنازِلِها، فَتَكُونُ هَيْئَةً تَخْيِيلِيَّةً، وإمّا عَلى تَأْوِيلِ السَّماءِ بِمَعْنى الجَوِّ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلَّتِي قَبْلَها، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.

صفحة ٦١

والرِّجْسُ: الخُبْثُ والفَسادُ، ويُطْلَقُ عَلى الخُبْثِ المَعْنَوِيِّ والنَّفْسِيِّ، والمُرادُ هُنا خُبْثُ النَّفْسِ وهو رِجْسُ الشِّرْكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] أيْ: مَرَضًا في قُلُوبِهِمْ زائِدًا عَلى مَرَضِ قُلُوبِهِمُ السّابِقِ؛ أيْ: أرْسَخَتِ المَرَضَ في قُلُوبِهِمْ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠] فالرِّجْسُ يَعُمُّ سائِرَ الخَباثاتِ النَّفْسِيَّةِ الشّامِلَةِ لِضِيقِ الصَّدْرِ وحَرَجِهِ، وبِهَذا العُمُومِ كانَ تَذْيِيلًا، فَلَيْسَ خاصًّا بِضِيقِ الصَّدْرِ حَتّى يَكُونَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ.

وقَوْلُهُ: كَذَلِكَ نائِبٌ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، والمَعْنى: يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ جَعْلًا كَهَذا الضِّيقِ والحَرَجِ الشَّدِيدِ الَّذِي جَعَلَهُ في صُدُورِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.

و(عَلى) في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ تُفِيدُ تَمَكُّنَ الرِّجْسِ مِنَ الكافِرِينَ، فالعِلاوَةُ مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، مِثْلُ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] والمُرادُ تَمَكُّنُهُ مِن قُلُوبِهِمْ وظُهُورُ آثارِهِ عَلَيْهِمْ.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ في (يَجْعَلْ) لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ في المُسْتَقْبَلِ؛ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في كُلِّ مَن يَنْصَرِفُ عَنِ الإيمانِ، ويُعْرِضُ عَنْهُ.

﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] مَوْصُولٌ يُومِئُ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ؛ أيْ: يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ مُتَمَكِّنًا مِنهم؛ لِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ تَلَقِّيهِ بِإنْصافٍ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ قُلُوبَهم مُتَزائِدَةً بِالقَساوَةِ، والمَوْصُولُ يَعُمُّ كُلَّ مَن يُعْرِضُ عَنِ الإيمانِ، فَيَشْمَلُ المُشْرِكِينَ المُخْبَرَ عَنْهم، ويَشْمَلُ غَيْرَهم مِن كُلِّ مَن يُدْعى إلى الإسْلامِ فَيُعْرِضُ عَنْهُ، مِثْلُ يَهُودِ المَدِينَةِ والمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ.

وبِهَذا العُمُومِ صارَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا، وصارَ الإتْيانُ بِالمَوْصُولِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، ولَيْسَ هو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ.

6:126Page 144

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

صفحة ٦٢

﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرِجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] إلى آخِرِها؛ لِأنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ هَدْيِ القُرْآنِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي لا يُجْهِدُ مُتَّبِعَهُ، فَهَذا ضِدٌّ لِحالِ التَّمْثِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وتَمْثِيلُ الإسْلامِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ يَتَضَمَّنُ تَمْثِيلَ المُسْلِمِ بِالسّالِكِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، فَيُفِيدُ تَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ أنَّها بِمَنزِلَةِ بَيانِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لِتَكُونَ بِالعَطْفِ مَقْصُودَةً بِالإخْبارِ، وهو إقْبالٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالخِطابِ.

والإشارَةُ بِـ (هَذا) إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ وهو دِينُ الإسْلامِ، والمُناسَبَةُ قَوْلُهُ: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] والصِّراطُ حَقِيقَتُهُ الطَّرِيقُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ المُوصِلِ إلى رِضى اللَّهِ تَعالى. وإضافَتُهُ إلى الرَّبِّ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُضافِ، فَيُعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُ صِراطٍ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ تَشْرِيفٌ لِلْمُضافِ إلَيْهِ، وتَرْضِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِما في هَذا السَّنَنِ مِن بَقاءِ بَعْضِ النّاسِ غَيْرَ مُتَّبَعِينَ دِينَهُ.

والمُسْتَقِيمُ حَقِيقَتُهُ السّالِمُ مِنَ العِوَجِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلصَّوابِ لِسَلامَتِهِ مِنَ الخَطَأِ؛ أيْ: سَنَنُ اللَّهِ المُوافِقُ لِلْحِكْمَةِ، والَّذِي لا يَتَخَلَّفُ ولا يُعَطِّلُهُ شَيْءٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الحِسِّ وهو القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ مَسْمُوعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] فَيَكُونُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مُسْتَعارًا لِما يَبْلُغُ إلى المَقْصُودِ النّافِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] و(مُسْتَقِيمًا) حالٌ مِن (صِراطٌ) مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى إضافَتِهِ إلى اللَّهِ.

صفحة ٦٣

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ اسْتِئْنافٌ وفَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ، ومِن رَشاقَةِ لَفْظِ الآياتِ هُنا أنَّ فِيهِ تَوْرِيَةً بِآياتِ الطَّرِيقِ الَّتِي يَهْتَدِي بِها السّائِرُ.

واللّامُ في: ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ لِلْعِلَّةِ؛ أيْ: فَصَّلْنا الآياتِ لِأجْلِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِها.

والمُرادُ بِالقَوْمِ المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أفادَتْهُمُ الآياتُ وتَذَكَّرُوا بِها.

6:127Page 144

۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧

For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهْوَ ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

الضَّمِيرُ في ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ عائِدٌ إلى قَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ.

والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم فُصِّلَتْ لَهُمُ الآياتُ، ويَتَذَكَّرُونَ بِها يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ أثَرِ تَبْيِينِ الآياتِ لَهم وتَذَكُّرِهم بِها، فَقِيلَ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ .

وإمّا صِفَةٌ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦] .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَذَّكَّرُونَ لا لِغَيْرِهِمْ.

والدّارُ: مَكانُ الحُلُولِ والإقامَةِ، تُرادِفُ أوْ تُقارِبُ المَحَلَّ مِنَ الحُلُولِ، وهو مُؤَنَّثٌ تَقْدِيرًا فَيُصَغَّرُ عَلى دُوَيْرَةٍ، والدّارُ مُشْتَقَّةٌ مِن فِعْلِ دارَ يَدُورُ؛ لِكَثْرَةِ دَوَرانِ أهْلِها، ويُقالُ لَها: دارَةٌ، ولَكِنَّ المَشْهُورَ في الدّارَةِ أنَّها الأرْضُ الواسِعَةُ بَيْنَ جِبالٍ.

والسَّلامُ: الأمانُ، والمُرادُ بِهِ هُنا الأمانُ الكامِلُ الَّذِي لا يَعْتَرِي صاحِبَهُ شَيْءٌ مِمّا يَخافُ مِنَ المَوْجُوداتِ؛ جَواهِرُها وأعْراضُها، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ

صفحة ٦٤

بِـ (دارِ السَّلامِ) الجَنَّةُ، سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ السَّلامَةَ الحَقَّ فِيها، لِأنَّها قَرارُ أمْنٍ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ لِلنَّفْسِ، فَتَمَحَّضَتْ لِلنَّعِيمِ المُلائِمِ، وقِيلَ السَّلامُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: دارُ اللَّهِ؛ تَعْظِيمًا لَها، كَما يُقالُ لِلْكَعْبَةِ: بَيْتُ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَكانَةُ الأمانِ عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: حالَةُ الأمانِ مِن غَضَبِهِ وعَذابِهِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

كَمْ قَدْ أحَلَّ بِدارٍ الفَقْرَ بَعْدَ غِنَـى عَمْرٌو وكَمْ راشَ عَمْرٌو بَعْدَ إقْتارِ

و(عِنْدَ) مُسْتَعارَةٌ لِلْقُرْبِ الِاعْتِبارِيِّ، أُرِيدَ بِهِ تَشْرِيفُ الرُّتْبَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعارَةً لِلْحِفْظِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ النَّفِيسَ يُجْعَلُ في مَكانٍ قَرِيبٍ مِن صاحِبِهِ لِيَحْفَظَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى تَحْقِيقَ ذَلِكَ لَهم، وأنَّهُ وعْدٌ كالشَّيْءِ المَحْفُوظِ المُدَّخَرِ، كَما يُقالُ: إنْ فَعَلْتَ كَذا فَلَكَ عِنْدِي كَذا تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ.

والعُدُولُ عَنْ إضافَةِ (عِنْدَ) لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى إضافَتِهِ لِلِاسْمِ الظّاهِرِ: لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ بِأنَّ هَذِهِ عَطِيَّةُ مَن هو مَوْلاهم، فَهي مُناسِبَةٌ لِفَضْلِهِ وبِرِّهِ بِهِمْ ورِضاهُ عَنْهم كَعَكْسِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]

وعُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ جُمْلَةُ ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ تَعْمِيمًا لِوِلايَةِ اللَّهِ إيّاهم في جَمِيعٍ شُئُونِهِمْ؛ لِأنَّها مِن تَمامِ المِنَّةِ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى النّاصِرِ وبِمَعْنى المُوالِي.

وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما في مَعْنى الخَبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ مِن مَفْهُومِ الفِعْلِ؛ أيْ: ثَبَتَ لَهم ذَلِكَ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَتَكُونُ الباءُ سَبَبِيَّةً؛ أيْ: بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الحاصِلَةِ بِالإسْلامِ، أوِ الباءِ لِلْعِوَضِ، أيْ: لَهم ذَلِكَ جَزاءٌ بِأعْمالِهِمْ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الخَبَرِ ومُتَعَلَّقِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (ولِيُّهم) أيْ: وهو ناصِرُهم، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ

صفحة ٦٥

تَوَلّاهم، أوِ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَكُونُ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مُرادًا بِهِ جَزاءُ أعْمالِهِمْ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: (ولِيُّهم) أفادَ الإعْلامَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ القَوْمِ المُتَذَكِّرِينَ، لِيَعْلَمُوا عِظَمَ هَذِهِ المِنَّةِ فَيَشْكُرُوها، ولِيَعْلَمَ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ فَيَغِيظُهم، وذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ بِالإضافَةِ يُخالِفُ طَرِيقَةَ تَعْرِيفِهِ بِغَيْرِ الإضافَةِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالإضافَةِ أضْعَفُ مَراتِبِ التَّعْرِيفِ، حَتّى أنَّهُ قَدْ يَقْرُبُ مِنَ التَّنْكِيرِ عَلى ما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أنَّ أصْلَ وضْعِ الإضافَةِ عَلى اعْتِبارِ تَعْرِيفِ العَهْدِ، فَلا يُقالُ: غُلامُ زَيْدٍ، إلّا لِغُلامٍ مَعْهُودٍ بَيْنَ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، ولَكِنَّ الإضافَةَ قَدْ تَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ في الِاسْتِعْمالِ فَتَجِيءُ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ المَخْصُوصَةِ بِالوَصْفِ، فَتَقُولُ: أتانِي غُلامُ زَيْدٍ بِكِتابٍ مِنهُ، وأنْتَ تُرِيدُ غُلامًا لَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ عِنْدَ المُخاطَبِ، فَيَصِيرُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ حِينَئِذٍ كالمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ؛ أيْ: يُفِيدُ تَعْرِيفًا يُمَيِّزُ الجِنْسَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأجْناسِ، فالتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ يَأْتِي لِما يَأْتِي لَهُ التَّعْرِيفُ بِاللّامِ.

ولِهَذا لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ قَصْرٌ ولا إفادَةُ حُكْمٍ مَعْلُومٍ عَلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ.

ومِمّا يَزِيدُكَ يَقِينًا بِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فَإنَّ عَطْفَ ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] أفادَ أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ إفادَةُ وِلايَةِ اللَّهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا لا الإعْلامُ بِأنَّ مَن عُرِفَ بِأنَّهُ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا هو اللَّهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском