Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:14–18

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:14–18

6:14Page 129

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤

Say, "Is it other than Allāh I should take as a protector, Creator of the heavens and earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allāh] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.'"

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهْوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ آخَرُ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] .

وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ اهْتِمامًا بِهَذا المَقُولِ، لِأنَّهُ غَرَضٌ آخَرُ غَيْرُ الَّذِي أمَرَ فِيهِ بِالقَوْلِ قَبْلَهُ، فَإنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ بِالقَوْلِ السّابِقِ عُبُودِيَّةُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ وأنَّ مَصِيرَ كُلِّ ذَلِكَ إلَيْهِ انْتَقَلَ إلى تَقْرِيرِ وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةٌ لازَمَةٌ لِكَوْنِهِ مالِكًا لِجَمِيعِ ما احْتَوَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، فَكانَ هَذا التَّقْرِيرُ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ إذْ أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ. والمَقْصُودُ الإنْكارُ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ واتَّخَذُوهم أوْلِياءَ، كَما يَقُولُ القائِلُ بِمَحْضَرِ المُجادِلِ المُكابِرِ (لا أجْحَدُ الحَقَّ) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَصْدُرُ مِنهُ ذَلِكَ، كَيْفَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ دَعاهم إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ مِن أوَّلِ بَعْثَتِهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ ما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، كَما اسْتَخْلَصْناهُ مِمّا تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا القَوْلَ أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ لِيُجِيبَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، أيْ هو مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وهو لَعَمْرِي مِمّا يُشْعِرُ بِهِ أُسْلُوبُ الكَلامِ، وإنْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ كَيْفَ ولا بُدَّ لِلِاسْتِئْنافِ مِن نُكْتَةٍ.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. وقَدَّمَ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِـ أتَّخِذُ عَلى الفِعْلِ وفاعِلِهِ لِيَكُونَ مُوالِيًا لِلِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا مُطْلَقُ اتِّخاذِ الوَلِيِّ. وشَأْنُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ

صفحة ١٥٧

بِجَمِيعِ اسْتِعْمالاتِهِ أنْ يَلِيَها جُزْءُ الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ كالمُنْكَرِ هُنا، فالتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهو مِن جُزْئِيّاتِ العِنايَةِ الَّتِي قالَ فِيها عَبْدُ القاهِرِ أنْ لا بُدَّ مِن بَيانِ وجْهِ العِنايَةِ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ في مِثْلِ هَذا لِظُهُورِ أنَّ داعِيَ التَّقْدِيمِ هو تَعْيِينُ المُرادِ بِالِاسْتِفْهامِ فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ غَيْرِ ذَلِكَ. فَمَن جَعَلَ التَّقْدِيمَ هُنا مُفِيدًا لِلِاخْتِصاصِ، أيِ انْحِصارِ إنْكارِ اتِّخاذِ الوَلِيِّ في غَيْرِ اللَّهِ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ شُرّاحِ الكَشّافِ فَقَدْ تَكَلَّفَ ما يَشْهَدُ الِاسْتِعْمالُ والذَّوْقُ بِخِلافِهِ. وكَلامُ الكَشّافِ بَرِيءٌ مِنهُ بَلِ الحَقُّ أنَّ التَّقْدِيمَ هُنا لَيْسَ إلّا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ لِيَلِيَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ فَيُعْلَمُ أنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، وأمّا ما زادَ عَلى ذَلِكَ فَلا التِفاتَ إلَيْهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ. ولَعَلَّ الَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ المَفْعُولَ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها مِثْلَ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] هو كَلِمَةُ غَيْرَ المُضافَةُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، وهي عامَّةٌ في كُلِّ ما عَدا اللَّهَ، فَكانَ اللَّهُ مَلْحُوظًا مِن لَفْظِ المَفْعُولِ فَكانَ إنْكارُ اتِّخاذِ اللَّهِ ولِيًّا لِأنَّ إنْكارَ اتِّخاذِ غَيْرِهِ ولِيًّا مُسْتَلْزِمًا عَدَمَ إنْكارِ اتِّخاذِ اللَّهِ ولِيًّا، لِأنَّ إنْكارَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ لا يَبْقى مَعَهُ إلّا اتِّخاذُ اللَّهِ ولِيًّا؛ فَكانَ هَذا التَّرْكِيبُ مُسْتَلْزِمًا مَعْنى القَصْرِ وآئِلًا إلَيْهِ ولَيْسَ هو بِدالٍّ عَلى القَصْرِ مُطابَقَةً، ولا مُفِيدًا لِما يُفِيدُهُ القَصْرُ الإضافِيُّ مِن قَلْبِ اعْتِقادٍ أوْ إفْرادٍ أوْ تَعْيِينٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ المَفْعُولُ خِلافَ كَلِمَةِ (غَيْرَ) لَما صَحَّ اعْتِبارُ القَصْرِ، كَما لَوْ قُلْتَ: أزَيْدًا أتَتَّخِذُ صَدِيقًا، لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا إلّا إنْكارَ اتِّخاذِ زَيْدٍ صَدِيقًا مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى اتِّخاذِ غَيْرِهِ، وإنَّما ذَلِكَ لِأنَّكَ تَراهُ لَيْسَ أهْلًا لِلصَّداقَةِ فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِكَ: أتَتَّخِذُ زَيْدًا صَدِيقًا، إلّا أنَّكَ أرَدْتَ تَوَجُّهَ الإنْكارِ لِلْمُتَّخِذِ لا لِلِاتِّخاذِ اهْتِمامًا بِهِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما دَقِيقٌ فَأجِدَّ فِيهِ نَظَرَكَ.

ثُمَّ إنْ كانَ المُشْرِكُونَ قَدْ سَألُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَتَّخِذَ أصْنامَهم أوْلِياءَ كانَ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ نُكْتَةُ اهْتِمامٍ ثانِيَةٍ وهي كَوْنُهُ جَوابًا لِكَلامٍ هو المَقْصُودُ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٤٠] . وأشارَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤] الآتِي في آخِرِ السُّورَةِ إلى أنَّ تَقْدِيمَ ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٦] عَلى أبْغِي لِكَوْنِهِ جَوابًا عَنْ نِدائِهِمْ لَهُ إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. قالَ الطَّيْبِيُّ: لِأنَّ كُلَّ تَقْدِيمٍ إمّا لِلِاهْتِمامِ أوْ لِجَوابِ إنْكارٍ.

صفحة ١٥٨

والوَلِيُّ: النّاصِرُ المُدَبِّرُ، فَفِيهِ مَعْنى العِلْمِ والقُدْرَةِ. يُقالُ: تَوَلّى فَلانًا، أيِ اتَّخَذَهُ ناصِرًا. وسُمِّيَ الحَلِيفُ ولِيًّا لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحِلْفِ النُّصْرَةُ. ولَمّا كانَ الإلَهُ هو الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ عابِدُهُ سُمِّيَ ولِيًّا لِذَلِكَ. ومِن أسْمائِهِ تَعالى الوَلِيُّ.

والفاطِرُ: المُبْدِعُ والخالِقُ. وأصْلُهُ مِنَ الفَطْرِ وهو الشَّقُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عَرَفْتُ مَعْنى الفاطِرِ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها. وإجْراءُ هَذا الوَصْفِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ وصْفٍ آخَرَ اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ جَدارَةِ غَيْرِهِ لِأنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا، فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . ولَيْسَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] لِأنَّ ذَلِكَ اسْتِدْلالٌ عَلَيْهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وهَذا اسْتِدْلالٌ بِالِافْتِقارِ إلى اللَّهِ في أسْبابِ بَقائِهِمْ إلى أجَلٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يُعْطِي النّاسَ ما يَأْكُلُونَهُ مِمّا أخْرَجَ لَهم مِنَ الأرْضِ: مِن حُبُوبٍ وثِمارٍ وكَلَأٍ وصَيْدٍ. وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَهم، لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ وهو خالِقُ المَخْلُوقاتِ وإنَّما جَعَلُوا الآلِهَةَ الأُخْرى شُرَكاءَ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. وقَدْ كَثُرَ الِاحْتِجاجُ عَلى المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِمِثْلِ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] .

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ فَتَكْمِيلٌ دالٌّ عَلى الغِنى المُطْلَقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] . ولا أثَرَ لَهُ في الِاسْتِدْلالِ إذْ لَيْسَ في آلِهَةِ العَرَبِ ما كانُوا يُطْعِمُونَهُ الطَّعامَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ فِيما يُقَدِّمُونَهُ إلى أصْنامِهِمْ مِنَ القَرابِينِ وما يُهْرِقُونَ عَلَيْها مِنَ الدِّماءِ، إذْ لا يَخْلُو فِعْلُهم مِنِ اعْتِقادِ أنَّ الأصْنامَ تَنْعَمُ بِذَلِكَ.

* * *

﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مُكَرَّرٌ لِأُسْلُوبِ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي قَبْلَهُ. ومَثارُ الِاسْتِئْنافَيْنِ واحِدٌ ولَكِنَّ الغَرَضَ مِنهُما مُخْتَلِفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ يَحُومُ حَوْلَ الِاسْتِدْلالِ بِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى إبْطالِ الشِّرْكِ، وهَذا

صفحة ١٥٩

اسْتِدْلالٌ بِدَلالَةِ الوَحْيِ الَّذِي فِيهِ الأمْرُ بِاتِّباعِ دِينِ الإسْلامِ وما بُنِيَ عَلَيْهِ اسْمُ الإسْلامِ مِن صَرْفِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، فَهَذا إبْطالٌ لِطَعْنِهِمْ في الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ المُسَمّى بِالإسْلامِ، وشِعارُهُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ المُبْطِلَةُ لِلْإشْراكِ.

وبُنِيَ فِعْلُ أُمِرْتُ لِلْمَفْعُولِ، لِأنَّ فاعِلَ هَذا الأمْرِ مَعْلُومٌ بِما تَكَرَّرَ مِن إسْنادِ الوَحْيِ إلى اللَّهِ.

ومَعْنى ﴿أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أنَّهُ أوَّلُ مَن يَتَّصِفُ بِالإسْلامِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، فَهو الإسْلامُ الخاصُّ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، وهو زائِدٌ عَلى ما آمَنَ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلُ، بِما فِيهِ مِن وُضُوحِ البَيانِ والسَّماحَةِ، فَلا يُنافِي أنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ وُصِفُوا بِأنَّهم مُسْلِمُونَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِمَّنْ دُعُوا إلى الإسْلامِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ كِنايَةً عَنِ الأقْوى والأمْكَنِ في الإسْلامِ، لِأنَّ الأوَّلَ في كُلِّ عَمَلٍ هو الأحْرَصُ عَلَيْهِ والأعْلَقُ بِهِ، فالأوَّلِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الحِرْصَ والقُوَّةَ في العَمَلِ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى قَوْلَهُ ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . فَإنَّ كَوْنَهُ أوَّلَهم مَعْلُومٌ وإنَّما أرادَ: أنِّي الآنَ بَعْدَ الصَّعْقَةِ أقْوى النّاسِ إيمانًا. وفي الحَدِيثِ «نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» . وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ تَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِن عَوْدِهِ إلى دِينِهِمْ لِأنَّهم رُبَّما كانُوا إذا رَأوْا مِنهُ رَحْمَةً بِهِمْ ولِينًا في القَوْلِ طَمِعُوا في رُجُوعِهِ إلى دِينِهِمْ وقالُوا إنَّهُ دِينُ آبائِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ قُلْ، أيْ قُلْ لَهم ذَلِكَ لِيَيْأسُوا. والكَلامُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالإسْلامِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ

صفحة ١٦٠

يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، فَذِكْرُ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ بَعْدَ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لَهُ، وهَذا التَّأْكِيدُ لِتُقْطَعَ جُرْثُومَةُ الشِّرْكِ مِن هَذا الدِّينِ.

ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، فَمَعْنى مِنَ المُشْرِكِينَ أيْ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الِانْتِماءِ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ هو أمْرٌ بِالبَراءَةِ مِنهم فَتَكُونُ (مِن) اتِّصالِيَّةً ويَكُونُ المُشْرِكِينَ بِالمَعْنى اللَّقَبِيِّ، أيِ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِهَذا الِاسْمِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكَ شَيْءٌ فِيهِ صِلَةٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

والتَّأْيِيسُ عَلى هَذا الوَجْهِ أشَدُّ وأقْوى.

وقَدْ يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِدْلالٌ لِلْمَأْثُورِ عَنِ الأشْعَرِيِّ: أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ وحْدَهُ لَيْسَ مِمّا يَجِبُ بِدَلِيلِ العَقْلِ بَلْ تَتَوَقَّفُ المُؤاخَذَةُ بِهِ عَلى بَعْثَةِ الرَّسُولِ، لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُنْكِرَ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا لِأنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ ﴿إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ بِما يَدُلُّ عَلى المُؤاخَذَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الأنعام: ١٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦] .

6:15–16Page 129

قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ .

هَذا اسْتِئْنافٌ مُكَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو تَدَرُّجٌ في الغَرَضِ المُشْتَرَكِ بَيْنَها مِن أنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مُتَوَعَّدٌ صاحِبُهُ بِالعَذابِ ومَوْعُودٌ تارِكُهُ بِالرَّحْمَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ - رَفْضٌ لِلشِّرْكِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ، رَفْضٌ لِلشِّرْكِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ وجَلالِهِ.

وقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ﴾ الآيَةَ تَجَنُّبٌ لِلشِّرْكِ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ. وقَدْ جاءَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلى تَرْتِيبِها في نَفْسِ الأمْرِ.

صفحة ١٦١

وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أنَّ الآمِرَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ والنّاهِيَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هو اللَّهُ تَعالى.

وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى قَوْلِهِ رَبِّي إيماءً إلى أنَّ عِصْيانَهُ أمْرٌ قَبِيحٌ لِأنَّهُ رَبُّهُ فَكَيْفَ يَعْصِيهِ.

وأُضِيفُ العَذابُ إلى يَوْمٍ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا لَهُ لِأنَّ في مُعْتادِ العَرَبِ أنْ يُطْلَقَ اليَوْمُ عَلى يَوْمِ نَصْرِ فَرِيقٍ وانْهِزامِ فَرِيقٍ مِنَ المُحارِبِينَ، فَيَكُونَ اليَوْمُ نَكالًا عَلى المُنْهَزِمِينَ، إذْ يَكْثُرُ فِيهِمُ القَتْلُ والأسْرُ ويُسامُ المَغْلُوبُ سُوءَ العَذابِ، فَذِكْرُ يَوْمٍ يُثِيرُ مِنَ الخَيالِ مَخاوِفَ مَأْلُوفَةً، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ولَمْ يَقُلْ عَذابَ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابًا عَظِيمًا. وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] في سُورَةِ التَّغابُنِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَسُنَ جَعْلُ إضافَةِ العَذابِ إلى اليَوْمِ العَظِيمِ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ ذَلِكَ العَذابِ، لِأنَّ عَظَمَةَ اليَوْمِ العَظِيمِ تَسْتَلْزِمُ عِظَمَ ما يَقَعُ فِيهِ عُرْفًا.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ وقَعَتْ مَوْقِعَ الصِّفَةِ لِـ (عَذابَ) .

و﴿يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ، عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ العَذابِ أوْ لِضَمِيرِ (مَن) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (عَنْ) عائِدٌ إلى (مَن) أيْ يُصْرَفِ العَذابُ عَنْهُ، أوْ عائِدٌ إلى العَذابِ، أيْ مِن يُصْرَفْ هو عَنِ العَذابِ، وعَلى عَكْسِ هَذا العَوْدِ يَكُونُ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ يُصْرَفْ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ (يَصْرِفْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ رَبِّي عَلى الفاعِلِيَّةِ.

أمّا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في رَحِمَهُ فَهو عائِدٌ إلى رَبِّي، والمَنصُوبُ عائِدٌ إلى (مَن) عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.

ومَعْنى وصْفِ العَذابِ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِتَجَنُّبِ أسْبابِ ذَلِكَ العَذابِ فَهو قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ الرَّحْمَةَ ويَسَّرَ لَهُ أسْبابَها.

صفحة ١٦٢

والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إثْباتُ مُقابِلِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . كَأنَّهُ قالَ: أرْجُو إنْ أطَعْتُهُ أنْ يَرْحَمَنِي رَبِّي، لِأنَّ مَن صُرِفَ عَنْهُ العَذابُ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّحْمَةُ. فَجاءَ في إفادَةِ هَذا المَعْنى بِطَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ. وهو ذِكْرُ الدَّلِيلِ لِيُعْلَمَ المَدْلُولُ. وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الكِنايَةِ وأُسْلُوبٌ بَدِيعٌ بِحَيْثُ يَدْخُلُ المَحْكُومُ لَهُ في الحُكْمِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ العُمُومِ الَّذِينَ ثَبَتَ لَهُمُ الحُكْمُ.

ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ . والإشارَةُ مُوَجَّهَةٌ إلى الصَّرْفِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أوْ إلى المَذْكُورِ. وإنَّما كانَ الصَّرْفُ عَنِ العَذابِ فَوْزًا لِأنَّهُ إذا صُرِفَ عَنِ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ دَخَلَ في النَّعِيمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مَن أبانَ بِمَعْنى بانَ.

6:17Page 129

وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهْوَ عَلى شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾ .

عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِفِعْلِ (قُلْ) فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .

وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ خَوَّفُوا النَّبِيءَ ﷺ أوْ عَرَّضُوا لَهُ بِعَزْمِهِمْ عَلى إصابَتِهِ بِشَرٍّ وأذًى فَخاطَبَهُ اللَّهُ بِما يُثَبِّتُ نَفْسَهُ وما يُؤَيِّسُ أعْداءَهُ مِن أنْ يَسْتَزِلُّوهُ. وهَذا كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ [الأنعام: ٨١]، ومِن وراءِ ذَلِكَ إثْباتُ أنَّ المُتَصَرِّفَ المُطْلَقَ في أحْوالِ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أثْبَتَ بِالجُمَلِ السّابِقَةِ أنَّهُ مُحْدِثُ المَوْجُوداتِ كُلِّها في السَّماءِ والأرْضِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ تَثْبِيتٍ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى عَدَمِ الخَشْيَةِ مِن بَأْسِ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ، ووَعْدِهِ بِحُصُولِ الخَيْرِ لَهُ مِن أثَرِ رِضى رَبِّهِ وحْدَهُ عَنْهُ، وتَحَدِّي المُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ إضْرارَهُ ولا يَجْلِبُونَ نَفْعَهُ. ويَحْصُلُ مِنهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا إذا ذُكِّرُوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ أقَرُّوا بِذَلِكَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ وأنَّها تَجْلِبُ الخَيْرَ وتَدْفَعُ

صفحة ١٦٣

الشَّرَّ، فَلَمّا أبْطَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ اسْتِحْقاقَ الأصْنامِ الإلَهِيَّةَ لِأنَّها لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا، وأوْجَبَتْ عِبادَةَ المُسْتَحِقِّ الإلَهِيَّةَ بِحَقٍّ؛ أبْطَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِحْقاقَهُمُ العِبادَةَ لِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ لِلنّاسِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] وقالَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] .

وقَدْ هَيَّأتِ الجُمَلُ السّابِقَةُ مَوْقِعًا لَهاتِهِ الجُمْلَةِ، لِأنَّهُ إذا تَقَرَّرَ أنَّ خالِقَ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ وحْدَهُ لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ مُقَدِّرٌ أحْوالَهم وأعْمالَهم، لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ في دائِرَةِ قُدْرَتِهِ أوْلى وأحَقُّ بَعْدَ كَوْنِ مَعْرُوضاتِ تِلْكَ العَوارِضِ مَخْلُوقَةً لَهُ. فالمَعْرُوضاتُ العارِضَةُ لِلْمَوْجُوداتِ حاصِلَةٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى مُقَدِّرُ أسْبابِها، واضِعُ نِظامِ حُصُولِها وتَحْصِيلِها، وخالِقُ وسائِلِ الدَّواعِي النَّفْسانِيَّةِ إلَيْها أوِ الصَّوارِفِ عَنْها.

والمَسُّ حَقِيقَتُهُ وضْعُ اليَدِ عَلى شَيْءٍ. وقَدْ يَكُونُ مُباشَرَةً وقَدْ يَكُونُ بِآلَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في إيصالِ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ فَيُسْتَعارُ إلى مَعْنى الإيصالِ فَيَكْثُرُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما هو مُسْتَعارٌ لِلْآلَةِ. ويَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الآلَةِ وهو الباءُ كَما هُنا، فَتَكُونُ فِيهِ اسْتِعارَتانِ تَبَعِيَّتانِ إحْداهُما في الفِعْلِ والأُخْرى في مَعْنى الحَرْفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] . فالمَعْنى: وإنْ يُصِبْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ، أوْ وإنْ يَنَلْكَ مِنَ اللَّهِ ضُرٌّ.

والضُّرُّ بِضَمِّ الضّادِ هو الحالُ الَّذِي يُؤْلِمُ الإنْسانَ، وهو مِنَ الشَّرِّ، وهو المُنافِرُ لِلْإنْسانِ. ويُقابِلُهُ النَّفْعُ، وهو مِنَ الخَيْرِ، وهو المُلائِمُ. والمَعْنى إنْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَكَ الضُّرَّ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ كَشْفَهُ عَنْكَ إلّا هو إنْ شاءَ ذَلِكَ، لِأنَّ مُقَدَّراتِهِ مَرْبُوطَةٌ ومَحُوطَةٌ بِنَوامِيسَ ونُظُمٍ لا تَصِلُ إلى تَحْوِيلِها إلّا قُدْرَةُ خالِقِها.

وقابَلَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مُقابَلَةً بِالأعَمِّ، لِأنَّ الخَيْرَ يَشْمَلُ النَّفْعَ وهو المُلائِمُ ويَشْمَلُ السَّلامَةَ مِنَ المُنافِرِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الضُّرِّ ما هو أعَمُّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ يَمْسَسْكَ بِضُرٍّ وشَرٍّ وإنْ يَمْسَسْكَ بِنَفْعٍ وخَيْرٍ، فَفي الآيَةِ احْتِباكٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نابَ الضُّرُّ في هَذِهِ الآيَةِ مَنابَ الشَّرِّ والشَّرُّ أعَمُّ وهو مُقابِلُ الخَيْرِ. وهو مِنَ الفَصاحَةِ عُدُولٌ عَنْ قانُونِ التَّكَلُّفِ والصَّنْعَةِ، فَإنَّ مِن بابِ التَّكَلُّفِ

صفحة ١٦٤

أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ ونَظَرَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٨] . اهـ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جُعِلَ جَوابًا لِلشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ عِلَّةُ الجَوابِ المَحْذُوفِ والجَوابِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَلا مانِعَ لَهُ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ في الضُّرِّ والنَّفْعِ. وقَدْ جَعَلَ هَذا العُمُومَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] .

6:18Page 129

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2

﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧] الآيَةَ، والمُناسَبَةُ بَيْنَهُما أنَّ مَضْمُونَ كِلْتَيْهِما يُبْطِلُ اسْتِحْقاقَ الأصْنامِ العِبادَةَ. فالآيَةُ الأُولى أبْطَلَتْ ذَلِكَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لِلْأصْنامِ تَصَرُّفٌ في أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ أبْطَلَتْ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ قاهِرًا عَلى أحَدٍ أوْ خَبِيرًا أوْ عالِمًا بِإعْطاءِ كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يُناسِبُهُ، ولا جَرَمَ أنَّ الإلَهَ تَجِبُ لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ، وهُما جِماعُ صِفاتِ الكَمالِ، كَما تَجِبُ لَهُ صِفاتُ الأفْعالِ مِن نَفْعٍ وضُرٍّ وإحْياءٍ وإماتَةٍ، وهي تَعَلُّقاتٌ لِلْقُدْرَةِ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الصِّفاتِ عِنْدَ غَيْرِ الأشْعَرِيِّ نَظَرًا لِلْعُرْفِ، وأدْخَلَها الأشْعَرِيُّ في صِفَةِ القُدْرَةِ لِأنَّها تَعَلُّقاتٌ لَها، وهو التَّحْقِيقُ.

ولِذَلِكَ تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِأنَّ الَّتِي قَبْلَها ذَكَرَتْ كَمالَ تَصَرُّفِهِ في المَخْلُوقاتِ وجاءَتْ بِهِ في قالَبِ تَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ كَما قَدَّمْنا، وهَذِهِ الآيَةُ أوْعَتْ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وذَلِكَ أصْلُ جَمِيعِ الفِعْلِ والصُّنْعِ.

والقاهِرُ الغالِبُ المُكْرِهُ الَّذِي لا يَنْفَلِتُ مِن قُدْرَتِهِ مِن عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ القَهْرِ.

وقَدْ أفادَ تَعْرِيفُ الجُزْءَيْنِ القَصْرَ، أيْ لا قاهِرَ إلّا هو، لِأنَّ قَهْرَ اللَّهِ تَعالى هو القَهْرُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي لا يَجِدُ المَقْهُورُ مِنهُ مَلاذًا، لِأنَّهُ قَهْرٌ بِأسْبابٍ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ خَلْقَ ما يُدافِعُها. ومِمّا يُشاهَدُ مِنها دَوْمًا النَّوْمُ وكَذَلِكَ المَوْتُ. سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.

صفحة ١٦٥

و(فَوْقَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (القاهِرُ) وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِحالَةِ القاهِرِ بِأنَّهُ كالَّذِي يَأْخُذُ المَغْلُوبَ مِن أعْلاهُ فَلا يَجِدُ مُعالَجَةً ولا حَراكًا. وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .

ولا يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ جِهَةٌ هي في عُلُوٍّ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ، فَلا تُعَدُّ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ.

و(العِبادُ): هُمُ المَخْلُوقُونَ مِنَ العُقَلاءِ، فَلا يُقالُ لِلدَّوابِّ عِبادُ اللَّهِ، وهو في الأصْلِ جَمْعُ عَبْدٍ لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّهُ بِالمَخْلُوقاتِ، وخَصَّ العَبِيدَ بِجَمْعِ عَبْدٍ بِمَعْنى المَمْلُوكِ.

ومَعْنى القَهْرِ فَوْقَ العِبادِ أنَّهُ خالِقُ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدَرِهِمْ؛ بِحَيْثُ يُوجِدُ ما لا يُرِيدُونَ وُجُودَهُ كالمَوْتِ، ويَمْنَعُ ما يُرِيدُونَ تَحْصِيلَهُ كالوَلَدِ لِلْعَقِيمِ والجَهْلِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَجِدُ في نَفْسِهِ أُمُورًا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها وأُمُورًا لا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها وأُمُورًا يَفْعَلُها تارَةً ولا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها تارَةً، كالمَشْيِ لِمَن خَدِرَتْ رِجْلُهُ؛ فَيَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ القُدَرِ والِاسْتِطاعاتِ لِأنَّهُ قَدْ يَمْنَعُها، ولِأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَخْرُجُ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ، ثُمَّ يَقِيسُ العَقْلُ عَوالِمَ الغَيْبِ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ. وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ العَناصِرَ والقُوى وسَلَّطَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَلا تَسْتَطِيعُ المُدافَعَةَ إلّا ما خَوَّلَها اللَّهُ.

و(الحَكِيمُ): المُحْكِمُ المُتْقِنُ لِلْمَصْنُوعاتِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.

والخَبِيرُ: مُبالَغَةٌ في اسْمِ الفاعِلِ مِن (خَبَرَ) المُتَعَدِّي، بِمَعْنى (عَلِمَ)، يُقالُ: خَبَرَ الأمْرَ، إذا عَلِمَهُ وجَرَّبَهُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخَبَرِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عُلِمَ أمْكَنَ الإخْبارُ بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском