Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:148–150

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:148–150

6:148Page 148

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨

Those who associated [others] with Allāh will say, "If Allāh had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but misjudging."

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾

صفحة ١٤٦

اسْتِئْنافٌ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ أنِ اعْتَرَضَ بَيْنَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَلَمّا قَطَعَ اللَّهُ حُجَّتَهم في شَأْنِ تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوهُ، وقِسْمَةِ ما قَسَّمُوهُ، اسْتَقْصى ما بَقِيَ لَهم مِن حُجَّةٍ وهي حُجَّةُ المَحْجُوجِ المَغْلُوبِ الَّذِي أعْيَتْهُ المُجادَلَةُ ولَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ؛ إذْ يَتَشَبَّثُ بِالمَعاذِيرِ الواهِيَةِ لِتَرْوِيجِ ضَلالِهِ، بِأنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ وقُدِّرَ.

فَإنْ كانَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ [الأنعام: ١٤٧] عائِدًا إلى المُشْرِكِينَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَفْظِيعِ أقْوالِهِمْ، فَإخْبارُ اللَّهِ عَنْهم بِأنَّهم سَيَقُولُونَ ذَلِكَ إنْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] هو الأرْجَحُ، فَإنَّ سُورَةَ النَّحْلِ مَعْدُودَةٌ في النُّزُولِ بَعْدَ سُورَةِ الأنْعامِ، كانَ الإخْبارُ بِأنَّهم سَيَقُولُونَهُ اطِّلاعًا عَلى ما تُكِنُّهُ نُفُوسُهم مِن تَزْوِيرِ هَذِهِ الحُجَّةِ، فَهو مُعْجِزَةٌ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ مِن نَوْعِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] وإنْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ فَإخْبارٌ بِأنَّهم سَيَقُولُونَهُ مَعْناهُ أنَّهم سَيُعِيدُونَ مَعْذِرَتَهُمُ المَأْلُوفَةَ.

وحاصِلُ هَذِهِ الحُجَّةِ أنَّهم يَحْتَجُّونَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِرِضى اللَّهِ تَعالى لَصَرَفَهم عَنْهُ ولَمّا يَسَّرَهُ لَهم، يَقُولُونَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ إفْحامِ الرَّسُولِ ﷺ وإبْطالِ حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالَةِ، وهَذِهِ شُبْهَةُ أهْلِ العُقُولِ الأفِنَةِ الَّذِينَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وحِفْظِ قَوانِينِ الوُجُودِ، وهو التَّرَفُ الَّذِي نُسَمِّيهِ نَحْنُ بِالمَشِيئَةِ وبِالإرادَةِ، وبَيْنَ تَصَرُّفِهِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ بِالرِّضى وبِالمَحَبَّةِ؛ فالأوَّلُ تَصَرُّفُ التَّكْوِينِ والثّانِي تَصَرُّفُ التَّكْلِيفِ، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ تَمَكُّنَهم مِن وضْعِ قَواعِدِ الشِّرْكِ ومِنَ التَّحْرِيمِ

صفحة ١٤٧

والتَّحْلِيلِ ما هو إلّا بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِمُ التَّمَكُّنَ مِن ذَلِكَ، فَيَحْسَبُونَ أنَّهُ حِينَ لَمْ يُمْسِكْ عِنانَ أفْعالِهِمْ كانَ قَدْ رَضِيَ بِما فَعَلُوهُ، وأنَّهُ لَوْ كانَ لا يَرْضى بِهِ لَما عَجَزَ عَنْ سَلْبِ تَمَكُّنِهِمْ، يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يُهِمُّه سُوءَ تَصَرُّفِهِمْ فِيما فَطَرَهم عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ كَما يَتَوَهَّمُونَ لَكانَ الباطِلُ والحَقُّ شَيْئًا واحِدًا، وهَذا ما لا يَفْهَمُهُ عَقْلٌ حَصِيفٌ.

فَإنَّ أهْلَ العُقُولِ السَّخِيفَةِ حِينَ يَتَوَهَّمُونَ ذَلِكَ كانُوا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلّا إلى جانِبِ نِحْلَتِهِمْ ومُعْرِضِينَ عَنْ جانِبِ مُخالِفِهِمْ، فَإنَّهم حِينَ يَقُولُونَ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ غافِلُونَ عَنْ أنْ يُقالَ لَهم - مِن جانِبِ الرَّسُولِ -: لَوْ شاءَ ما قُلْتُ لَكم أنَّ فِعْلَكم ضَلالٌ، فَيَكُونُ اللَّهُ عَلى حَسَبِ شُبْهَتِهِمْ قَدْ شاءَ الشَّيْءَ ونَقِيضَهُ، إذْ شاءَ أنَّهم يُشْرِكُونَ وشاءَ أنْ يَقُولَ لَهُمُ الرَّسُولُ: لا تُشْرِكُوا.

وسَبَبُ هَذِهِ الضَّلالَةِ العارِضَةِ لِأهْلِ الضَّلالِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَلُوحُ في عُقُولِ بَعْضِ عَوامِّ المُسْلِمِينَ في مَعاذِيرِهِمْ لِلْمَعاصِي والجَرائِمِ أنْ يَقُولُوا: أمْرُ اللَّهِ أوْ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، هو الجَهْلُ بِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في وضْعِ نِظامِ هَذا العالَمِ اقْتَضَتْ أنْ يَجْعَلَ حِجابًا بَيْنَ تَصَرُّفِهِ تَعالى في أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، وبَيْنَ تَصَرُّفِهِمْ في أحْوالِهِمْ بِمُقْتَضى إرادَتِهِمْ، وذَلِكَ الحِجابُ هو نامُوسُ ارْتِباطِ المُسَبَّباتِ بِأسْبابِها، وارْتِباطِ أحْوالِ المَوْجُوداتِ في هَذا العالَمِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ومِنهُ ما يُسَمّى بِالكَسْبِ والِاسْتِطاعَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الأشاعِرَةِ، ويُسَّمى بِالقُدْرَةِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ وبَعْضِ الأشاعِرَةِ، وذَلِكَ هو مَوْرِدُ التَّكْلِيفِ الدّالِّ عَلى ما يَرْضاهُ اللَّهُ وما لا يَرْضى بِهِ، وأنَّ اللَّهَ وضَعَ نِظامَ هَذا العالَمِ بِحِكْمَةٍ، فَجَعَلَ قِوامَهُ هو تَدْبِيرُ الأشْياءِ أُمُورَها مِن ذَواتِها بِحَسَبِ قُوًى أوْدَعَها في المَوْجُوداتِ لِتَسْعى لِما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، وزادَ الإنْسانَ مَزِيَّةً بِأنْ وضَعَ لَهُ عَقْلًا يُمَكِّنُهُ مِن تَغْيِيرِ أحْوالِهِ عَلى حَسَبِ احْتِياجِهِ، ووَضَعَ لَهُ في عَقْلِهِ وسائِلَ الِاهْتِداءِ إلى الخَيْرِ والشَّرِّ، كَما قَيَّضَ لَهُ دُعاةً إلى الخَيْرِ تُنَبِّهُهُ إلَيْهِ إنْ عَرَتْهُ غَفْلَةٌ، أوْ حَجَبَتْهُ شَهْوَةٌ، فَإنْ هو لَمْ يَرْعَوِ عَنْ غَيِّهِ فَقَدْ خانَ بِساطَ عَقْلِهِ بِطَيِّهِ.

صفحة ١٤٨

وبِهَذا ظَهَرَ تَخْلِيطُ أهْلِ الضَّلالَةِ بَيْنَ مَشِيئَةِ العِبادِ ومَشِيئَةِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنا قَوْلَهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ لِأنَّهم جَعَلُوا ما هو مَشِيئَةٌ لَهم مَشِيئَةً لِلَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ فَهو قَدْ أثْبَتَ مَشِيئَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] فَهي مَشِيئَةُ تَكْوِينِ العُقُولِ وتَكْوِينِ نِظامِ الجَماعَةِ.

فَهَذِهِ المَشِيئَةُ الَّتِي اعْتَلُّوا بِها مَشِيئَةٌ خَفِيَّةٌ لا تَتَوَصَّلُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِها عُقُولُ البَشَرِ، فَلِذَلِكَ نَعى اللَّهُ عَلَيْهِمِ اسْتِنادَهم إلَيْها عَلى جَهْلِهِمْ بِكُنْهِها، فَقالَ: (﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾) فَشَبَّهَ بِتَكْذِيبِهِمْ تَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَكَنّى بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ مَقْصِدِ المُشْرِكِينَ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ تَكْذِيبَ النَّبِيءِ ﷺ، وقَدْ سَبَقَ لَنا بَيانٌ في هَذا المَعْنى في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] .

ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَنْهَضُ حُجَّةً لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ، ولا لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَيْنا، وإنْ حاوَلَ كِلا الفَرِيقَيْنِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقانِ عَلى بُطْلانِ حُجَّةِ المُشْرِكِينَ.

وفِي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى الجَبْرِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أنْبِياءَهم كَمِثْلِ ما كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ تَكْذِيبَ النَّبِيءِ ﷺ إذا دَعاهم إلى الإقْلاعِ عَمّا يَعْتَقِدُونَ بِحُجَّةٍ أنَّ اللَّهَ رَضِيَهُ لَهم وشاءَهُ مِنهم مَشِيئَةَ رِضًى، فَكَذَلِكَ الأُمَمُ قَبْلَهم كَذَّبُوا رُسُلَهم مُسْتَنِدِينَ إلى هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَسَمّى اللَّهُ اسْتِدْلالَهم هَذا تَكْذِيبًا؛ لِأنَّهم ساقُوهُ مَساقَ التَّكْذِيبِ والإفْحامِ، لا لِأنَّ مُقْتَضاهُ لا يَقُولُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، فَإنّا نَقُولُ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] نُرِيدُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا فَكَلامُهم مِن بابِ كَلامِ الحَقِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ، ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّهُ قُرِئَ: كَذَلِكَ كَذَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ - بِتَخْفِيفِ ذالِ (كَذَّبَ) -

صفحة ١٤٩

وقالَ الطِّيبِيُّ: هي قِراءَةٌ مَوْضُوعَةٌ أوْ شاذَّةٌ يَعْنِي شاذَّةً شُذُوذًا شَدِيدًا ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ القِراءاتِ الشّاذَّةِ، ولَعَلَّها مِن وضْعِ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ في المُناظَرَةِ كَما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الفَخْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ غايَةٌ لِلتَّكْذِيبِ مَقْصُودٌ مِنها دَوامُهم عَلَيْهِ إلى آخِرِ أوْقاتِ وُجُودِهِمْ، فَلَمّا ذاقُوا بَأْسَ اللَّهِ هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، ولَيْسَتِ الغايَةُ هُنا لِلتَّنْهِيَةِ والرُّجُوعِ عَنِ الفِعْلِ؛ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الرُّجُوعُ بَعْدَ اسْتِئْصالِهِمْ.

والذَّوْقُ مَجازٌ في الإحْساسِ والشُّعُورِ، فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.

والبَأْسُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ.

وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالجَوابِ عَنْ مَقالِهِمُ الواقِعِ أوِ المُتَوَقَّعِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ فَفَصَّلَ جُمْلَةَ (قُلْ) لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى المَقُولَةِ والمُجاوَبَةِ كَما تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجاءَ بِالِاسْتِفْهامِ المَقْصُودِ مِنهُ الإفْحامُ والتَّهَكُّمُ بِما عُرِفَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِمِثْلِ هَذا الِاسْتِدْلالِ.

وجُعِلَ الِاسْتِفْهامُ بِـ (هَلْ) لِأنَّها تَدُلُّ عَلى طَلَبِ تَحْقِيقِ الإسْنادِ المَسْئُولِ عَنْهُ؛ لِأنَّ أصْلَ (هَلْ) أنَّها حَرْفٌ بِمَعْنى ”قَدْ“ لِاخْتِصاصِها بِالأفْعالِ، وكَثُرَ وُقُوعُها بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَغَلَبَ عَلَيْها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَكَثُرَ حَذْفُ الهَمْزَةِ مَعَها حَتّى تُنُوسِيَتِ الهَمْزَةُ في مَشْهُورِ الكَلامِ ولَمْ تَظْهَرْ مَعَها إلّا في النّادِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] في سُورَةِ العُقُودِ، فَدَلَّ بِـ (هَلْ) عَلى أنَّهُ سائِلٌ عَنْ أمْرٍ يُرِيدُ أنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا كَأنَّهُ يَرْغَبُ في حُصُولِهِ فَيُغْرِيهِمْ بِإظْهارِهِ حَتّى إذا عَجَزُوا كانَ قَطْعًا لِدَعْواهم.

صفحة ١٥٠

والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّهَكُّمُ بِهِمْ في قَوْلِهِمْ: (﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾) إلى ( ﴿ولا حَرَّمْنا﴾ فَأظْهَرَ لَهم مِنَ القَوْلِ ما يُظْهِرُهُ المُعْجَبُ بِكَلامِهِمْ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ بادِيَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ أنْ يَطْلُبُوا العِلْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، كَيْفَ وهو يُصارِحُهم بِالتَّجْهِيلِ والتَّضْلِيلِ صَباحَ مَساءٍ.

والعِلْمُ: ما قابَلَ الجَهْلَ، وإخْراجُهُ الإعْلامُ بِهِ، شُبِّهَتْ إفادَةُ المَعْلُومِ لِمَن يَجْهَلُهُ بِإخْراجِ الشَّيْءِ المَخْبُوءِ، وذَلِكَ مِثْلُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (وعِلْمٌ بَثَّهُ في صُدُورِ الرِّجالِ) ولِذَلِكَ كانَ لِلْإتْيانِ بِـ (عِنْدَكم) مَوْقِعٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ ”عِنْدَ“ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المَكانِ المُخْتَصِّ بِالَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ لَفْظُها، فَهي مِمّا يُناسِبُ الخَفاءَ، ولَوْلا شُيُوعُ اسْتِعْمالِها في المَعْنى المَجازِيِّ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ لَقُلْتُ: إنَّ ذِكْرَ ”عِنْدَ“ هُنا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ الإخْراجِ لِلْإعْلامِ.

وجُعِلَ إخْراجُ العِلْمِ مُرَتَّبًا بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ عَلى العِنْدِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ السُّؤالَ مَقْصُودٌ بِهِ ما يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ.

واللّامُ في ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ لِلْأجْلِ والِاخْتِصاصِ، فَتُؤْذِنُ بِحاجَةِ مَجْرُورِها لِمُتَعَلَّقِها؛ أيْ: فَتُخْرِجُوهُ لِأجْلِنا؛ أيْ: لِنَفْعِنا، والمَعْنى: لَقَدْ أبْدَعْتُمْ في هَذا العِلْمِ الَّذِي أبْدَيْتُمُوهُ في اسْتِفادَتِكم أنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِالشِّرْكِ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمْتُمُوهُ بِدَلالَةِ مَشِيئَةٍ عَلى ذَلِكَ؛ إذْ لَوْ شاءَ لَما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَزِيدُونا مِن هَذا العِلْمِ.

وهَذا الجَوابُ يُشْبِهُ المَنعَ في اصْطِلاحِ أهْلِ الجَدَلِ، ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ صُورِيًّا وكانَ المُتَكَلِّمُ جازِمًا بِانْتِفاءِ ما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ أعْقَبَهُ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ .

وجُمْلَةُ (﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها ابْتِداءُ كَلامٍ بِإضْرابٍ

صفحة ١٥١

عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَبَعْدَ أنْ تَهَكَّمَ بِهِمْ جَدَّ في جَوابِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ: لا عِلْمَ عِنْدَكم، وقُصارى ما عِنْدَكم هو الظَّنُّ الباطِلُ والخَرْصُ، وهَذا يُشْبِهُ سَنَدَ المَنعِ في عُرْفِ أهْلِ الجَدَلِ، والمُرادُ بِالظَّنِّ الظَّنُّ الكاذِبُ، وهو إطْلاقٌ لَهُ شائِعٌ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إن يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

6:149Page 148

قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩

Say, "With Allāh is the far-reaching [i.e., conclusive] argument. If He had willed, He would have guided you all."

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾

جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] تَكْمِلَةٌ لِلْجَوابِ السّابِقِ؛ لِأنَّهُ زِيادَةٌ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ، وهو يُشْبِهُ المُعارَضَةَ في اصْطِلاحِ أهْلِ الجَدَلِ.

وأُعِيدَ فِعْلُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ لِما سَيَرِدُ بَعْدَ فِعْلِ (قُلْ) وقَدْ كُرِّرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَعاقِبَةً بِدُونِ عَطْفٍ، والنُّكْتَةُ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ القَوْلِ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ.

والفاءُ فَصِيحَةٌ تُؤْذِنُ بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ هو شَرْطٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كانَ قَوْلُكم لِمُجَرَّدِ اتِّباعِ الظَّنِّ والخَرْصِ وسُوءِ التَّأْوِيلِ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: لِلَّهِ لا لَكم، فَفُهِمَ مِنهُ أنَّ حُجَّتَهم داحِضَةٌ.

والحُجَّةُ: الأمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ أحَدٍ في دَعْواهُ وعَلى مُصادَفَةِ المُسْتَدِلِّ وجْهَ الحَقِّ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والبالِغَةُ هي الواصِلَةُ؛ أيْ: الواصِلَةُ إلى ما قُصِدَتْ لِأجْلِهِ، وهو غَلَبُ الخَصْمِ، وإبْطالُ حُجَّتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] فالبُلُوغُ اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ لِحُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ الشَّيْءِ فَلا حاجَةَ إلى إجْراءِ اسْتِعارَةٍ

صفحة ١٥٢

مَكْنِيَّةٍ في الحُجَّةِ بِأنْ تُشَبَّهَ بِسائِرٍ إلى غايَةٍ، وقَرِينَتُها إثْباتُ البُلُوغِ، ولا حاجَةَ أيْضًا إلى جَعْلِ إسْنادِ البُلُوغِ إلى الحُجَّةِ مَجازًا عَقْلِيًّا؛ أيْ: بالِغًا صاحِبُها قَصْدَهُ؛ لِأنَّهُ لا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ في مَعْنى البُلُوغِ، فالتَّفْسِيرُ بِهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ أوْلى، والمَعْنى: لِلَّهِ الحُجَّةُ الغالِبَةُ لَكم؛ أيْ: ولَيْسَ اسْتِدْلالُكم بِحُجَّةٍ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ تَفَرَّعَ عَلى بُطْلانِ اسْتِدْلالِهِمْ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَهَداهم؛ أيْ: لَوْ شاءَ هِدايَتَهم بِأكْثَرَ مِن إرْسالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُغَيِّرَ عُقُولَهم فَتَأْتِي عَلى خِلافِ ما هُيِّئَتْ لَهُ لَكانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِوَجْهِ عِنايَةٍ خاصَّةٍ بِهِمْ أوْ خارِقِ عادَةٍ لِأجْلِهِمْ، إذْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولَكِنَّ حِكْمَتَهُ قَضَتْ أنْ لا يُعَمِّمَ عِنايَتَهُ بَلْ يَخْتَصَّ بِها بَعْضَ خاصَّتِهِ، وأنْ لا يَعْدِلَ عَنْ سُنَّتِهِ في الهِدايَةِ؛ بِوَضْعِ العُقُولِ وتَنْبِيهِها إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ والدُّعاءِ إلى سَبِيلِهِ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ، فالمَشِيئَةُ المَقْصُودَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ غَيْرُ المَشِيئَةِ المَقْصُودَةِ فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وإلّا لَكانَ ما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَدْ أثْبَتَ نَظِيرَهُ عَقِبَ الإنْكارِ فَتَتَناقَضَ المُحاجَّةُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ تُساوِي عَدَمَ الإشْراكِ وعَدَمَ التَّحْرِيمِ، فَلا يَصْدُقُ جَعْلُ كِلَيْهِما جَوابًا لِـ (لَوِ) الِامْتِناعِيَّةِ، فالمَشِيئَةُ المَقْصُودَةُ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ هي المَشِيئَةُ الخَفِيَّةُ المَحْجُوبَةُ، وهي مَشِيئَةُ التَّكْوِينِ، والمَشِيئَةُ المُنْكَرَةُ عَلَيْهِمْ هي ما أرادُوهُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالواقِعِ عَلى الرِّضى والمَحَبَّةِ.

هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي كَلَّلَها مِنَ الإيجازِ ما شَتَّتَ أفْهامًا كَثِيرَةً في وجْهِ تَفْسِيرِها لا يَخْفى بُعْدُها عَنْ مُطالِعِ التَّفاسِيرِ، والمُوازَنَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما هُنا.

6:150Page 148

قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١٥٠

Say, [O Muḥammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allāh has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

صفحة ١٥٣

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ: لِلِانْتِقالِ مِن طَرِيقَةِ الجَدَلِ والمُناظَرَةِ في إبْطالِ زَعْمِهِمْ إلى إبْطالِهِ بِطَرِيقَةِ التَّبْيِينِ؛ أيْ: أحْضِرُوا مَن يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا؛ تَقَصِّيًا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ مِن سائِرِ جِهاتِهِ.

ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما يُظْهِرُ كِذْبَ دَعْواهم.

وإعادَةُ فِعْلِ (قُلْ) بِدُونِ عَطْفٍ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ ولِوُقُوعِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما قَدَّمْنا آنِفًا.

و(هَلُمَّ) اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ لِلْحُضُورِ أوِ الإحْضارِ، فَهي تَكُونُ قاصِرَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨]) ومُتَعَدِّيَةً كَما هُنا، وهو في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ يَلْزَمُ حالَةً واحِدَةً فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتٌ مُناسِبَةٌ لِلْمُخاطَبِ، فَتَقُولُ: هَلُمَّ يا زَيْدُ، وهَلُمَّ يا هِنْدُ، وهَكَذا، وفي لُغَةِ أهْلِ العالِيَةِ أعْنِي بَنِي تَمِيمٍ تَلْحَقُهُ عَلاماتٌ مُناسِبَةٌ، يَقُولُونَ: هَلُمِّي يا هِنْدُ، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ، وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأفْصَحِ فَقالَ: ( ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ .

والشُّهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى شاهِدٍ، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ؛ إذْ لا يَلْقَوْنَ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ما نَسَبُوا إلَيْهِ مِن شُئُونِ دِينِهِمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها.

وأُضِيفَ الشُّهَداءَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِزِيادَةِ تَعْجِيزِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُحِقِّ أنْ يَكُونَ لَهُ شُهَداءُ يَعْلَمُهم فَيُحْضِرُهم إذا دُعِيَ إلى إحْقاقِ حَقِّهِ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: ارْكَبْ فَرَسَكَ والحَقْ فُلانًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذِي بَيْتٍ في العَرَبِ لا يَعْدَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ، فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ لَهُ فَرَسًا خاصًّا، ولَكِنَّ الشَّأْنَ أنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وقَدْ لا يَكُونُ لِإحْداهِنَّ جِلْبابٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ سُئِلَ: إذا لَمْ يَكُنْ لِإحْدانا جِلْبابٌ، قالَ: لِتُلْبِسْها أُخْتُها مِن جِلْبابِها» .

صفحة ١٥٤

وصَفَهم بِالمَوْصُولِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى إعْدادِ أمْثالِهِمْ لِلشَّهادَةِ، فالطّالِبُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّهم لا يَخْلَوْنَ عَنْ شُهَداءَ بِحَقِّهِمْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَشْهَدُوا لَهم وذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِتَعْجِيزِهِمُ البَيِّنِ إذا لَمْ يُحْضِرُوهم، كَما هو المَوْثُوقُ بِهِ مِنهم، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فَهو يَعْلَمُ أنْ لَيْسَ ثَمَّةَ شُهَداءُ.

وإشارَةُ (هَذا) تُشِيرُ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ، وهو ما كانَ الكَلامُ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الجِدالِ مِن قَوْلِهِ: (﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]) الآياتِ، وقَدْ سَبَقَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] .

ثُمَّ فَرَّعَ عَلى فَرْضِ أنْ يُحْضِرُوا شُهَداءَ يَشْهَدُونَ، وقَوْلُهُ: (﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ: إنْ فُرِضَ المُسْتَبْعَدُ فَأحْضَرُوا لَكَ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا الَّذِي زَعَمُوهُ، فَكَذِّبْهم واعْلَمْ بِأنَّهم شُهُودُ زُورٍ، فَقَوْلُهُ: ( ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾) كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصَدِّقُ أحَدًا يُوافِقُهُ في قَوْلِهِ، فاسْتُعْمِلَ النَّهْيُ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ في لازِمِهِ؛ وهو التَّكْذِيبُ، وإلّا فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّهادَةِ مَعَهم لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَشْهَدُ مَعَهم؛ لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ بِذَلِكَ فَضْلًا عَلى أنْ يَكُونَ شاهِدُهُ مِن قَبِيلِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَقَرِينَةُ الكِنايَةِ ظاهِرَةٌ.

وعُطِفَ عَلى النَّهْيِ عَنْ تَصْدِيقِهِمُ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ هَواهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ .

وأظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِأنَّ في هَذِهِ الصِّلَةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِ اللَّهِ، فَهم مِمَّنْ يُتَجَنَّبُ اتِّباعُهم، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا اليَهُودُ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمالِ أنْ يَكُونُوا المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧] وسَمّى دِينَهم هَوًى لِعَدَمِ اسْتِنادِهِ إلى مُسْتَنَدٍ ولَكِنَّهُ إرْضاءٌ لِلْهَوى، والهَوى غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى مَحَبَّةِ المُلائِمِ العاجِلِ الَّذِي عاقِبَتُهُ ضَرَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٥٥

وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والمَقْصُودُ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الصِّلَتَيْنِ مُتَّحِدُونَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ، فَهَذا كَعَطْفِ الصِّفاتِ في قَوْلِ القائِلِ، أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ

كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا يُعادَ اسْمُ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ حَرْفَ العَطْفِ مُغْنٍ عَنْهُ، ولَكِنْ أُجْرِيَ الكَلامُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِزِيادَةِ التَّشْهِيرِ بِهِمْ، كَما هو بَعْضُ نُكَتِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وقِيلَ أُرِيدُ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ والقُرْآنَ، وهم أهْلُ الكِتابَيْنِ، وبِالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ: المُشْرِكُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском