Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:164–165

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:164–165

6:164Page 150

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ١٦٤

Say, "Is it other than Allāh I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهْوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾

اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ، مُفْتَتَحٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمّا عُلِمَ أنَّ اللَّهَ هَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنْقَذَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وأمَرَهُ بِأنْ يُمَحِّضَ عِبادَتَهُ وطاعَتَهُ لِرَبِّهِ تَعالى، شُكْرًا عَلى الهِدايَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ يُنْكِرَ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ واهِبَ النِّعَمِ هو مُسْتَحِقُّ الشُّكْرِ، والعِبادَةُ جِماعُ مَراتِبِ الشُّكْرِ، وفي هَذا رُجُوعٌ إلى بَيانِ ضَلالِهِمْ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ. وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِهِ.

صفحة ٢٠٦

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم يَرْغَبُونَ أنْ يَعْتَرِفَ بِرُبُوبِيَّةِ أصْنامِهِمْ، وقَدْ حاوَلُوا مِن ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ سَواءٌ كانُوا حاوَلُوا ذَلِكَ مِنهُ بِقُرْبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أمْ لَمْ يُحاوِلُوهُ، فَهم دائِمُونَ عَلى الرَّغْبَةِ في مُوافَقَتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ النَّقاشِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: ارْجِعْ إلى دِينِنا واعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ وآخِرَتِكَ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ.

وقُدِّمَ المَفْعُولُ عَلى فِعْلِهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، لِأنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ يُبْتَغى لَهُ رَبًّا، ولِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الجَوابِ إذا صَحَّ أنَّ المُشْرِكِينَ دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ لِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ فَيَكُونَ تَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ لِمُوجِبٍ أوْ لِمُوجِبَيْنِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو الحالُ مُعَلَّلٌ لِلْإنْكارِ، أيْ أنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وذَلِكَ بِاعْتِرافِهِمْ، لِأنَّهم لا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ خالِقَةٌ لِشَيْءٍ،، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فَلَمّا كانَ اللَّهُ خالِقَ كُلِّ شَيْءٍ ورَبَّهُ فَلا حَقَّ لِغَيْرِهِ في أنْ يَعْبُدَهُ الخَلائِقُ وعِبادَةُ غَيْرِهِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وكُفْرٌ بِنِعَمِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ إيجادٌ والوُجُودُ أفْضَلُ مِنَ العَدَمِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَلْقِ مُوجِبٌ لِلْعِبادَةِ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ.

وإنَّما قِيلَ ”﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾“، ولَمْ يَقُلْ: وهو رَبِّي، لِإثْباتِ أنَّهُ رَبُّهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِهِ إَثْباتَ حُكْمٍ عامٍّ يَشْمَلُ حُكْمَ المَقْصُودِ الخاصِّ، ولِإفادَةِ أنَّ أرْبابَهم غَيْرُ حَقِيقَةٍ بِالرُّبُوبِيَّةِ أيْضًا لِلَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ”﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾“ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، مُفِيدٌ مُتارَكَةً لِلْمُشْرِكِينَ ومَقْتًا لَهم بِأنَّ عِنادَهم لا يَضُرُّهُ، فَإنَّ ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ

صفحة ٢٠٧

الشِّرْكِ لا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ فَإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ عَلَيْها، وهم مِن جُمْلَةِ الأنْفُسِ فَكَسْبُهم عَلَيْهِمْ لا يَتَجاوَزُهم إلى غَيْرِهِمْ. فالتَّعْلِيمُ في الحُكْمِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ”كُلُّ نَفْسٍ“ فائِدَتُهُ مِثْلُ فائِدَةِ التَّعْمِيمِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .

ودَلَّتْ كَلِمَةُ ”عَلى“ عَلى أنَّ مَفْعُولَ الكَسْبِ المَحْذُوفَ تَقْدِيرُهُ: شَرًّا، أوْ إثْمًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَأْنَ المُخاطَبِينَ هو اكْتِسابُ الشَّرِّ والإثْمِ كَقَوْلِهِ: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ في الكَلامِ احْتِباكًا لِدَلالَةِ الثّانِي وبِالعَكْسِ إذا جَرَيْتَ عَلى أنَّ ”كَسَبَ“ يَغْلِبُ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ، وأنَّ اكْتَسَبَ يَغْلِبُ في تَحْصِيلِ الشَّرِّ، سَواءٌ اجْتَمَعَ الفِعْلانِ أمْ لَمْ يَجْتَمِعا. ولا أحْسَبُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ فَرْقًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . والمَعْنى: أنَّ ما يَكْتَسِبُهُ المَرْءُ أوْ يَكْسِبُهُ لا يَتَعَدّى مِنهُ شَيْءٌ إلى غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ تَكْمِلَةٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ”﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾“ فَكَما أنَّ ما تَكْسِبُهُ نَفْسٌ لا يَتَعَدّى مِنهُ شَيْءٌ إلى غَيْرِها، كَذَلِكَ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، والمَعْنى: ولا أحْمِلُ أوْزارَكم.

فَقَوْلُهُ: ”وازِرَةٌ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: نَفْسٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾، أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً حِمْلَ أُخْرى.

والوِزْرُ: الحِمْلُ، وهو ما يَحْمِلُهُ المَرْءُ عَلى ظَهْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ٢٠٨

﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمُ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] . وأمّا تَسْمِيَةُ الإثْمِ وِزْرًا فَلِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ ثَقِيلًا عَلى نَفْسِ المُؤْمِنِ. فَمَعْنى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ لا تَحْمِلُ حامِلَةٌ، أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِينَ تَحْمِلُ حِمْلَ أيِّ نَفْسٍ أُخْرى غَيْرَها، فالمَعْنى لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا تَحْمِلُهُ عَنْها. أيْ كُلُّ نَفْسٍ تَزِرُ وِزْرَ نَفْسِها، فَيُفِيدُ أنَّ وِزْرَ كُلِّ أحَدٍ عَلَيْهِ وأنَّهُ لا يَحْمِلُ غَيْرُهُ عَنْهُ شَيْئًا مِن وِزْرِهِ الَّذِي وزَرَهُ، وأنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى أحَدٍ مِن وِزْرِ غَيْرِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ صَدِيقٍ، فَلا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، ولا تُتَّبَعُ نَفْسٌ بِإثْمِ غَيْرِها، فَهي إنْ حَمَلَتْ لا تَحْمِلُ حِمْلَ غَيْرِها. وهَذا إتْمامٌ لِمَعْنى المُشارَكَةِ.

* * *

﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ. وهَذا الكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ تَعْقِيبًا لِلْمُشارَكَةِ بِما فِيهِ تَهْدِيدُهم ووَعِيدُهم، فَكانَ مَوْقِعُ ثُمَّ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أهَمُّ. فالخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ والمَعْنى: بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ مَعَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ الِاخْتِلافَ واقِعٌ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في أنْفُسِهِمِ اخْتِلافٌ، فَأُدْمِجَ الوَعِيدُ بِالوَعِيدِ. وقَدْ جَعَلُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعَ الَّتِي قَبْلَها آيَةً واحِدَةً في المَصاحِفِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقُولُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: وِزْرَ أُخْرى فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُعانِدِينَ لَهُ، و”ثُمَّ“ صالِحَةٌ لِلِاسْتِئْنافِ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ مُلائِمٌ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، والكَلامُ وعِيدٌ ووَعْدٌ أيْضًا. ولا يُنافِي ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مَعَ الَّتِي قَبْلَها آيَةً واحِدَةً.

صفحة ٢٠٩

والتَّنْبِئَةُ: الإخْبارُ، والمُرادُ بِها إظْهارُ آثارِ الإيمانِ والكُفْرِ واضِحَةً يَوْمَ الحِسابِ، فَيَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا ضالِّينَ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ العِلْمَ بِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهم بِذَلِكَ يَوْمَئِذٍ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ نَبَّأهم بِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن زَمَنِ الحَياةِ الدُّنْيا، أوِ المُرادُ يُنْبِئُكم مُباشَرَةً بِدُونِ واسِطَةِ الرُّسُلِ إنْباءً لا يَسْتَطِيعُ الكافِرُ أنْ يَقُولَ: هَذا كَذِبٌ عَلى اللَّهِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الحَشْرِ: «فَيُسْمِعُهُمُ الدّاعِي لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ» .

6:165Page 150

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ ١٦٥

And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

يَظْهَرُ أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، وعَلى وُقُوعِهِ، لِأنَّ الَّذِي جَعَلَ بَعْضَ الأجْيالِ خَلائِفَ لِما سَبَقَها، فَعَمَرُوا الأرْضَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، لا يُعْجِزُهُ أنْ يَحْشُرَها جَمِيعًا بَعْدَ انْقِضاءِ عالَمِ حَياتِهِمُ الأُولى، ثُمَّ إنَّ الَّذِي دَبَّرَ ذَلِكَ وأتْقَنَهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ لا يُقِيمَ بَيْنَهم مِيزانَ الجَزاءِ عَلى ما صَنَعُوا في الحَياةِ الأُولى لِئَلّا يَذْهَبَ المُعْتَدُونَ والظّالِمُونَ فائِزِينَ بِما جَنَوْا، وإذا كانَ يُقِيمُ مِيزانَ الجَزاءِ عَلى الظّالِمِينَ فَكَيْفَ يَتْرُكُ إثابَةَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ أشارَ إلى الشِّقِّ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾، وأشارَ إلى الشَّقِّ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِتَذْيِيلِهِ: إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.

فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ وذَلِكَ يُذَكِّرُ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ إلى ما صارَ إلَيْهِ أُولَئِكَ.

صفحة ٢١٠

فَمَوْقِعُ هَذِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم“ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بَعْدَ الإنْذارِ بِسَلْبِها، وتَحْرِيضٌ عَلى تَدارُكِ ما فاتَ، وهو يَفْتَحُ أعْيُنَهم لِلنَّظَرِ في عَواقِبِ الأُمَمِ وانْقِراضِها وبَقائِها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وتَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيْ جَعَلَكم خَلائِفَ الأُمَمِ الَّتِي مَلَكَتِ الأرْضَ فَأنْتُمْ خَلائِفُ لِلْأرْضِ، فَتَكُونُ بِشارَةُ الأُمَّةِ بِأنَّها آخِرُ الأُمَمِ المَجْعُولَةِ مِنَ اللَّهِ لِتَعْمِيرِ الأرْضِ. والمُرادُ: الأُمَمُ ذَواتُ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ وأيًّا ما كانَ فَهو تَذْكِيرٌ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ ومِنَّتِهِ لِاسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ.

والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، والخَلِيفَةُ: اسْمٌ لِما يُخْلَفُ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ يُجْعَلُ خَلَفًا عَنْهُ، أيْ عِوَضَهُ، يُقالُ: خَلِيفَةٌ وخِلْفَةٌ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وظَهَرَتْ فِيهِ التّاءُ لِأنَّهم لَمّا صَيَّرُوهُ اسْمًا قَطَعُوهُ عَنْ مَوْصُوفِهِ.

وإضافَتُهُ إلى الأرْضِ عَلى مَعْنى ”في“ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ خَلائِفَ فِيها، أيْ خَلَفَ بِكم أُمَمًا مَضَتْ قَبْلَكم كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُّسُلِ في مُخاطَبَةِ أقْوامِهِمْ: ”﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]“، ”﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]“، ”﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]“ . والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ.

وفِي هَذا أيْضًا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ تَتَضَمَّنُ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جَعَلَهم خَلائِفَ غَيْرِهِمْ فَقَدْ أنْشَأهم وأوْجَدَهم عَلى حِينِ أعْدَمَ غَيْرَهم، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ قَدَّرَ بَقاءَ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَهم لَما وُجِدَ هَؤُلاءِ.

صفحة ٢١١

وعَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ فَهو أيْضًا عِبْرَةً وعِظَةً، لِعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ والرِّفْعَةِ، ولِجَعْلِ ذَلِكَ وسِيلَةً لِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ والسَّعْيِ في زِيادَةِ الفَضْلِ لِمَن قَصَّرَ عَنْها والرِّفْقِ بِالضَّعِيفِ وإنْصافِ المَظْلُومِ.

ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ أيْ لِيُخْبِرَكم فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن دَرَجاتِ النِّعَمِ حَتّى يَظْهَرَ لِلنّاسِ كَيْفَ يَضَعُ أهْلَ النِّعْمَةِ أنْفُسَهم في مَواضِعِها اللّائِقَةِ بِها وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِالدَّرَجاتِ.

والدَّرَجاتُ مُسْتَعارَةٌ لِتَفاوُتِ النِّعَمِ. وهي اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ لِتَقْرِيبِهِ.

والإيتاءُ مُسْتَعارٌ لِتَكْوِينِ الرِّفْعَةِ في أرْبابِها تَشْبِيهًا لِلتَّكْوِينِ بِإعْطاءِ المُعْطِي شَيْئًا لِغَيْرِهِ.

والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] . والمُرادُ بِهِ ظُهُورُ مَوازِينِ العُقُولِ في الِانْتِفاعِ والنَّفْعِ بِمَواهِبِ اللَّهِ وما يَسَّرَهُ لَها مِنَ المُلائَماتِ والمُساعَداتِ، فاللَّهُ يَعْلَمُ مَراتِبَ النّاسِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ بَلْوى لِأنَّها لا تَظْهَرُ لِلْعِيانِ إلّا بَعْدَ العَمَلِ، أيْ لِيَعْلَمَهُ اللَّهُ عِلْمَ الواقِعاتِ بَعْدَ أنْ كانَ يَعْلَمُهُ عِلْمَ المُقَدَّراتِ، فَهَذا مَوْقِعُ لامِ التَّعْلِيلِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها

وجُمْلَةُ: إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وإيذانٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ العَمَلُ والِامْتِثالُ فَلِذَلِكَ جَمَعَ هُنا بَيْنَ صِفَةِ سَرِيعِ العِقابِ وصِفَةِ الغَفُورِ لِيُناسِبَ جَمِيعَ ما حَوَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ.

صفحة ٢١٢

واسْتُعِيرَتِ السُّرْعَةُ لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ ولِتَمامِ المَقْدِرَةِ عَلى العِقابِ، لِأنَّ شَأْنَ المُتَرَدِّدِ أوِ العاجِزِ أنْ يَتَرَيَّثَ وأنْ يَخْشى غائِلَةَ المُعاقَبِ، فالمُرادُ سَرِيعُ العِقابِ في يَوْمِ العِقابِ، ولَيْسَ المُرادُ سَرِيعَهُ مِنَ الآنِ حَتّى يُؤَوَّلَ بِمَعْنى: كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، إذْ لا مَوْقِعَ لَهُ هُنا.

ومِن لَطائِفِ القُرْآنِ الِاقْتِصارُ في وصْفِ سَرِيعِ العِقابِ عَلى مُؤَكَّدٍ واحِدٍ، وتَعْزِيزِ وصْفِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ بِمُؤَكِّداتٍ ثَلاثَةٍ وهي إنَّ، ولامُ الِابْتِداءِ، والتَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ؛ لِأنَّ الرَّحِيمَ يُؤَكِّدُ مَعْنى الغَفُورِ: لِيُطَمْئِنَ أهْلَ العَمَلِ الصّالِحِ إلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، ولِيَسْتَدْعِيَ أهْلَ الإعْراضِ والصُّدُوفِ، إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ.

* * *

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الأعْرافِ

هَذا هو الِاسْمُ الَّذِي عُرِفَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ، مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . أخْرَجَ النَّسائِيُّ، مِن حَدِيثِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ قالَ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: ”«ما لِي أراكَ تَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِقِصارِ السُّوَرِ وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيها بِأطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ.“ قالَ مَرْوانُ قُلْتُ: ”يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ما أطُولُ الطُّولَيَيْنِ“، قالَ: ”الأعْرافُ» “ . وكَذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِطُولى الطُّولَيَيْنِ» . والمُرادُ بِالطُّولَيَيْنِ سُورَةُ الأعْرافِ وسُورَةُ الأنْعامِ فَإنَّ سُورَةَ الأعْرافِ أطْوَلُ مِن سُورَةِ الأنْعامِ، بِاعْتِبارِ عَدَدِ الآياتِ. ويُفَسِّرُ ذَلِكَ حَدِيثُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في صَلاةِ المَغْرِبِ بِسُورَةِ الأعْرافِ فَرَّقَها في رَكْعَتَيْنِ» .

ووَجْهُ تَسْمِيَتِها أنَّها ذُكِرَ في لَفْظِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] الآيَةَ. ولَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ، ولِأنَّها ذُكِرَ فِيها شَأْنُ أهْلِ الأعْرافِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ بِهَذا اللَّفْظِ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظِ سُورٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ [الحديد: ١٣] في سُورَةِ الحَدِيدِ.

ورُبَّما تُدْعى بِأسْماءِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوَّلِها وهي: ”ألِفْ - لامْ - مِيمْ - صادْ“ أخْرَجَ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي الأسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ قالَ لِمَرْوانَ: «لَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِأطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ: ”ألِفْ - لامْ - مِيمْ - صادْ» “ . وهو يَجِيءُ

صفحة ٦

عَلى القَوْلِ بِأنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ الَّتِي في أوائِلِ بَعْضِ السُّورِ هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ فِيها، وهو ضَعِيفٌ، فَلا يَكُونُ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] اسْمًا لِلسُّورَةِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْها إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ إلى السُّورَةِ ذاتِ (المص)، وكَذَلِكَ سَمّاها الشَّيْخُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ في بابِ سُجُودِ القُرْآنِ ولَمْ يَعُدُّوا هَذِهِ السُّورَةَ في السُّوَرِ ذاتِ (﴿المص﴾ [الأعراف: ١]) في الأسْماءِ المُتَعَدِّدَةِ. وأمّا ما في حَدِيثِ زَيْدٍ مِن أنَّها طُولى الطُّولَيَيْنِ فَعَلى إرادَةِ الوَصْفِ دُونَ التَّلْقِيبِ. وذَكَرَ الفَيْرُوزْأبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ المِيقاتِ لِاشْتِمالِها عَلى ذِكْرِ مِيقاتِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وأنَّها تُسَمّى سُورَةَ المِيثاقِ لِاشْتِمالِها عَلى حَدِيثِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . ولَمْ أقِفْ عَلى هاتَيْنِ التَّسْمِيَتَيْنِ في كَلامِ غَيْرِهِ

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. ثُمَّ قِيلَ جَمِيعُها مَكِّيٌّ، وهو ظاهِرُ رِوايَةِ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ نُقِلَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وقِيلَ نَزَلَ بَعْضُها في المَدِينَةِ، قالَ قَتادَةُ آيَةُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، فَإذا صَحَّ هَذا احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُلْحِقَ بِها الآيَتانِ المَذْكُورَتانِ، واحْتَمَلَ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وأكْمَلَ مِنها بَقِيَّتَها تانِكَ الآيَتانِ.

ولَمْ أقِفْ عَلى ما يُضْبَطُ بِهِ تارِيخُ نُزُولِها، وعَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ”ص“ قَبْلَ سُورَةِ قُلْ أُوحِيَ، وظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ سُورَةَ ”﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: ١]“ أُنْزِلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ حِينَ

صفحة ٧

ظُهُورِ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ في أيّامِ الحَجِّ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَجِّهٌ بِأصْحابِهِ إلى سُوقِعُكاظٍ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البَعْثَةِ، ولا أحْسَبُ أنَّ سُورَةَ الأعْرافِ قَدْ نَزَلَتْ في تِلْكَ المُدَّةِ لِأنَّ السُّورَ الطِّوالَ يَظْهَرُ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ في أوَّلِ البَعْثَةِ.

وهِيَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوالِ الَّتِي جُعِلَتْ في أوَّلِ القُرْآنِ لِطُولِها وهي سُوَرُ: البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ والمائِدَةِ، والأنْعامِ والأعْرافِ، وبَراءَةٍ، وقُدِّمَ المَدَنِيُّ مِنها وهي سُوَرُ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ، والمائِدَةِ؛ ثُمَّ ذُكِرَ المَكِّيُّ وهو: الأنْعامُ والأعْرافُ عَلى تَرْتِيبِ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ اعْتِبارًا بِأنَّ سُورَةَ الأنْعامِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ بَعْدَ سُورَةِ الأعْرافِ فَهي أقْرَبُ إلى المَدَنِيِّ مِنَ السُّوَرِ الطِّوالِ.

وهِيَ مَعْدُودَةٌ التّاسِعَةُ والثَّلاثِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ”ص“ وقَبْلَ سُورَةِ الجِنِّ، كَما تَقَدَّمَ، قالُوا جَعَلَها ابْنُ مَسْعُودٍ في مُصْحَفِهِ عَقِبَ سُورَةِ البَقَرَةِ وجَعَلَ بَعْدَها سُورَةَ النِّساءِ، ثُمَّ آلِ عِمْرانَ، ووَقَعَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ بَعْدَ آلِ عِمْرانَ الأنْعامُ ثُمَّ الأعْرافُ. وسُورَةُ النِّساءِ هي الَّتِي تَلِي سُورَةَ البَقَرَةِ في الطُّولِ وسُورَةُ الأعْرافِ تَلِي سُورَةَ النِّساءِ في الطُّولِ.

وعَدُّ آيِ سُورَةِ الأعْرافِ مِائَتانِ وسِتُّ آياتٍ في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ والكُوفَةِ، ومِائَتانِ وخَمْسٌ في عَدِّ أهْلِ الشّامِ والبَصْرَةِ، قالَ في الإتْقانِ قِيلَ مِائَتانِ وسَبْعٌ.

* * *

افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ والوَعْدِ بِتَيْسِيرِهِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِيَبْلُغَهُ وكانَ افْتِتاحُها كَلامًا جامِعًا وهو مُناسِبٌ

صفحة ٨

لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ المَقاصِدِ فَهو افْتِتاحٌ وارِدٌ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ البَيانِ وأكْمَلِها شَأْنَ سُوَرِ القُرْآنِ.

وتَدُورُ مَقاصِدُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى مِحْوَرِ مَقاصِدٍ؛ مِنها: النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الشُّرَكاءِ مِن دُونِ اللَّهِ.

وإنْذارُ المُشْرِكِينَ عَنْ سُوءِ عاقِبَةِ الشِّرْكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ووَصْفُ ما حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ والَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ: مِن سُوءِ العَذابِ في الدُّنْيا، وما سَيَحُلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ.

تَذْكِيرُ النّاسِ بِنِعْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ، وتَمْكِينُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ مِن خَيْراتِ الأرْضِ، وبِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى هَذا النَّوْعِ بِخَلْقِ أصْلِهِ وتَفْضِيلِهِ.

وما نَشَأ مِن عَداوَةِ جِنْسِ الشَّيْطانِ لِنَوْعِ الإنْسانِ.

وتَحْذِيرُ النّاسِ مِنَ التَّلَبُّسِ بِبَقايا مَكْرِ الشَّيْطانِ مِن تَسْوِيلِهِ إيّاهم حِرْمانَ أنْفُسِهِمُ الطَّيِّباتِ، ومِنَ الوُقُوعِ فِيما يَزُجُّ بِهِمْ في العَذابِ في الآخِرَةِ.

ووَصْفُ أهْوالِ يَوْمَ الجَزاءِ لِلْمُجْرِمِينَ وكَراماتِهِ لِلْمُتَّقِينَ.

والتَّذْكِيرُ بِالبَعْثِ وتَقْرِيبُ دَلِيلِهِ.

والنَّهْيُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّتِي أصْلَحَها اللَّهُ لِفائِدَةِ الإنْسانِ.

والتَّذْكِيرُ بِبَدِيعِ ما أوْجَدَهُ اللَّهُ لِإصْلاحِها وإحْيائِها.

والتَّذْكِيرُ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في فِطْرَةِ الإنْسانِ مِن وقْتِ تَكْوِينِ أصْلِهِ أنْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ رُسُلِ اللَّهِ إلى التَّقْوى والإصْلاحِ.

وأفاضَ في أحْوالِ الرُّسُلِ مَعَ أقْوامِهِمُ المُشْرِكِينَ، ومِمّا لاقَوْهُ مِن عِنادِهِمْ وأذاهم، وأنْذَرَ بِعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِإمْهالِ اللَّهِ النّاسَ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ بِهِمُ العَذابَ، وإعْذارًا لَهم أنْ يُقْلِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، فَإنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً بَعْدَ ذَلِكَ الإمْهالِ.

صفحة ٩

وأطالَ القَوْلَ في قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ، وفي تَصَرُّفاتِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.

وتَخَلَّلَ قِصَّتَهُ بِشارَةُ اللَّهِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَةِ أُمَّتِهِ وفَضْلِ دِينِهِ.

ثُمَّ تَخَلَّصَ إلى مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ بَدَّلُوا الحَنِيفِيَّةَ وتَقَلَّدُوا الشِّرْكَ، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِمَن آتاهُ اللَّهُ الآياتِ فَوَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطانُ فانْسَلَخَ عَنِ الهُدى.

ووَصَفَ حالَ أهْلِ الضَّلالَةِ ووَصَفَ تَكْذِيبَهم بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ووَصَفَ آلِهَتَهم بِما يُنافِي الإلَهِيَّةَ وأنَّ لِلَّهِ الصِّفاتِ الحُسْنى صِفاتِ الكَمالِ.

ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ بِسَعَةِ الصَّدْرِ والمُداوَمَةِ عَلى الدَّعْوَةِ وحَذَّرَهم مِن مَداخِلِ الشَّيْطانِ بِمُراقَبَةِ اللَّهِ بِذِكْرِهِ سِرًّا وجَهْرًا والإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском