Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:22–26
6:22–24Page 130
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"
ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣
Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."
ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
صفحة ١٧٣
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ لَهُ مُناسَبَةٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] ومَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن آثارِ الظُّلْمِ وآثارِ عَدَمِ الفَلاحِ، ولِأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ جامِعٌ لِلتَّهْدِيدِ عَلى الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، ولِإثْباتِ الحَشْرِ ولِإبْطالِ الشِّرْكِ.
وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُقَدَّرُ مِمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفاتُ وهي: نَقُولُ، أوْ قالُوا، أوْ كَذَّبُوا، أوْ ضَلَّ، وكُلُّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأفْعالُ مُتَعَلِّقًا بِها الظَّرْفُ بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوِيلُ ما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ الفِتْنَةِ والِاضْطِرابِ النّاشِئَيْنِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾، وتَصْدِيرُ تِلْكَ الحالَةِ المَهُولَةِ.
وقُدِّرَ في الكَشّافِ الجَوابُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الحِكايَةِ. وتَقْدِيرُهُ: كانَ ما كانَ، وأنَّ حَذْفَهُ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامُ الَّذِي هو داخِلٌ في التَّخْوِيفِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا ما اعْتادَهُ أئِمَّةُ البَلاغَةِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفاتِ مِنَ الأجْوِبَةِ والمُتَعَلِّقاتِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ في الكَلامِ عَلى تَعْيِينِ المَحْذُوفِ وإلّا فَقَدْ يَكُونُ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ بِالتَّفْصِيلِ أشَدَّ مِنهُ بِالإبْهامِ إذا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ حاصِلًا بِهِ تَخْوِيفٌ. وقَدَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم. ولا نُكْتَةَ فِيهِ. وهُنالِكَ تَقْدِيراتٌ أُخْرى لِبَعْضِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَرَّجَ عَلَيْها.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في نَحْشُرُهم يَعُودُ إلى ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أوْ إلى (الظّالِمُونَ) إذِ المَقْصُودُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَيُؤْذِنُ بِمُشْرِكِينَ ومُشْرَكٍ بِهِمْ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ جِيءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِيَدُلَّ عَلى قَصْدِ الشُّمُولِ، فَإنَّ
صفحة ١٧٤
شُمُولَ الضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِاسْمِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ (جَمِيعًا) قُصِدَ مِنهُ التَّنْبِيهُ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ) . وانْتَصَبَ جَمِيعًا هُنا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ.
والمَقْصُودُ مِن حَشْرِ أصْنامِهِمْ مَعَهم أنْ تَظْهَرَ مَذَلَّةُ الأصْنامِ وعَدَمُ جَدْواها كَما يَحْشُرُ الغالِبُ أسْرى قَبِيلَةٍ ومَعَهم مَن كانُوا يَنْتَصِرُونَ بِهِ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا غائِبِينَ لَظَنُّوا أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَشَفَعُوا، أوْ أنَّهم شُغِلُوا عَنْهم بِما هم فِيهِ مِنَ الجَلالَةِ والنَّعِيمِ، فَإنَّ الأسْرى كانُوا قَدْ يَأْمَلُونَ حُضُورَ شُفَعائِهِمْ أوْ مَن يُفادِيهِمْ. قالَ النّابِغَةُ:
يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارِ
وعَطَفَ (نَقُولُ) بِـ (ثُمَّ) لِأنَّ القَوْلَ مُتَأخِّرٌ عَنْ زَمَنِ حَشْرِهِمْ بِمُهْلَةٍ لِأنَّ حِصَّةَ انْتِظارِ المُجْرِمِ ما سَيَحُلُّ بِهِ أشَدُّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ في إهْمالِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ تَحْقِيرًا لَهم. وتُفِيدُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الرُّتْبِيَّ.
وصَرَّحَ بِـ الَّذِينَ أشْرَكُوا لِأنَّهم بَعْضُ ما شَمِلَهُ الضَّمِيرُ، أيْ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مِن بَيْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ.
وأصْلُ السُّؤالِ بِـ (أيْنَ) أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ المُسْنَدُ إلَيْهِ، نَحْوَ: أيْنَ بَيْتُكَ، وأيْنَ تَذْهَبُونَ. وقَدْ يُسْألُ بِها عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا مَكانَ لَهُ، فَيُرادُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ عَدَمِهِ، كَقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ حِينَ خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ فَقَصَدَ المِنبَرَ قَبْلَ الصَّلاةِ: (أيْنَ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ) . وقَدْ يُسْألُ بِـ (أيْنَ) عَنْ عَمَلِ أحَدٍ كانَ مَرْجُوًّا مِنهُ، فَإذا حَضَرَ وقْتُهُ ولَمْ يَحْصُلْ مِنهُ يُسْألُ عَنْهُ بِـ (أيْنَ)، كَأنَّ السّائِلَ يَبْحَثُ عَنْ مَكانِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ الغائِبِ المَجْهُولِ مَكانَهُ؛ فالسُّؤالُ بِـ (أيْنَ) هُنا عَنِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومِينَ وهم حاضِرُونَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى. قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢]
صفحة ١٧٥
والِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ عَمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، أوْ أنَّها تَنْصُرُهم عِنْدَ الحاجَةِ، فَلَمّا رَأوْها لا غَناءَ لَها قِيلَ لَهم: أيْنَ شُرَكاؤُكم، أيْ أيْنَ عَمَلُهم فَكَأنَّهم غُيِّبَ عَنْهم.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إضافَةَ اخْتِصاصٍ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا لَهُمُ الشِّرْكَةَ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَلَمْ يَكُونُوا شُرَكاءَ إلّا في اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ شُرَكاؤُكم. وهَذا كَقَوْلِ أحَدِ أبْطالِ العَرَبِ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ لَمّا حَدَّثَ عَمْرٌو في جَمْعٍ أنَّهُ قَتَلَهُ، وكانَ هو حاضِرًا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَقالَ لَهُ (مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكَ يَسْمَعُ)، أيِ المَزْعُومُ أنَّهُ قَتِيلُكَ.
ووُصِفُوا بِـ (﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾) تَكْذِيبًا لَهم؛ وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (تَزْعُمُونَ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ أمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَحُذِفَ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ عائِدِ الصِّلَةِ المَنصُوبِ.
والزَّعْمُ: ظَنٌّ يَمِيلُ إلى الكَذِبِ أوِ الخَطَأِ أوْ لِغَرابَتِهِ يُتَّهَمُ صاحِبُهُ، فَيُقالُ: زَعَمَ، بِمَعْنى أنَّ عُهْدَةَ الخَبَرِ عَلَيْهِ لا عَلى النّاقِلِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةَ. في سُورَةِ النِّساءِ. وتَأْتِي زِيادَةُ بَيانٍ لِمَعْنى الزَّعْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] في سُورَةِ التَّغابُنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (ثُمَّ نَقُولُ) و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ وهو الِانْتِقالُ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ أعْظَمَ مِنهُ.
والفِتْنَةُ أصْلُها الِاخْتِبارُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ الذَّهَبَ إذا اخْتَبَرَ خُلُوصَهُ مِنَ الغَلَثِ. وتُطْلَقُ عَلى اضْطِرابِ الرَّأْيِ مِن حُصُولِ خَوْفٍ لا يُصْبَرُ عَلى مِثْلِهِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مِقْدارِ ثَباتِ مَن يَنالُهُ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في حالَةِ العَيْشِ؛ وقَدْ يَكُونُ في البُغْضِ والحُبِّ؛ وقَدْ يَكُونُ في الِاعْتِقادِ والتَّفْكِيرِ وارْتِباكِ الأُمُورِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(فِتْنَتُهم) هُنا اسْتُثْنِيَ مِنها ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فَذَلِكَ القَوْلُ إمّا أنْ
صفحة ١٧٦
يَكُونَ مِن نَوْعِ ما اسْتُثْنِيَ هو مِنهُ المَحْذُوفِ في تَفْرِيغِ الِاسْتِثْناءِ، فَيَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ مِنَ الأقْوالِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها فِتْنَةٌ. فالتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَوْلٌ هو فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ.
وإمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُسْتَثْنى دالًّا عَلى فِتْنَتِهِمْ، أيْ عَلى أنَّهم في فِتْنَةٍ حِينَ قالُوهُ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ مُتَضَمِّنٌ أنَّهم مَفْتُونُونَ حِينَئِذٍ.
وعَلى ذَلِكَ تَحْتَمِلُ الفِتْنَةُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى اضْطِرابِ الرَّأْيِ والحَيْرَةِ في الأمْرِ، ويَكُونُ في الكَلامِ إيجازٌ. والتَّقْدِيرُ: فافْتَتَنُوا في ماذا يُجِيبُونَ، فَكانَ جَوابُهم ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَعَدَلَ عَنِ المُقَدَّرِ إلى هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ جَوابَهم ذَلِكَ هو فِتْنَتُهم لِأنَّهُ أثَرُها ومَظْهَرُها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالفِتْنَةِ جَوابُهُمُ الكاذِبُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى فِتْنَةِ صاحِبِهِ، أيْ تَجْرِيبِ حالَةِ نَفْسِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُطْلِقَتْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وهو الِاخْتِبارُ. والمُرادُ بِهِ السُّؤالُ لِأنَّ السُّؤالَ اخْتِبارٌ عَمّا عِنْدَ المَسْئُولِ مِنَ العِلْمِ، أوْ مِنَ الصِّدْقِ وضِدِّهِ، ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُ فِتْنَتِهِمْ، أيْ سُؤالُهم عَنْ حالِ إشْراكِهِمْ إلّا ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمْ تَكُنْ بِتاءِ تَأْنِيثِ حَرْفِ المُضارَعَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِياءِ المُضارَعَةِ لِلْغائِبَةِ بِاعْتِبارِ (أنْ قالُوا) هو اسْمُ كانَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَنْتَهم) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، فَتَكُونُ كانَ ناقِصَةً واسْمُها ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وإنَّما أُخِّرَ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّهُ مَحْصُورٌ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ و(أنْ قالُوا) خَبَرُ كانَ، فَتُجْعَلُ كانَ تامَّةً. والمَعْنى: لَمْ تُوجَدْ فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، أيْ لَمْ تَقَعْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ نَفَوْا أنَّهم أشْرَكُوا.
ووَجْهُ اتِّصالِ الفِعْلِ بِعَلامَةٍ مُضارِعَةٍ لِلْمُؤَنَّثِ عَلى قِراءَةِ نَصْبِ (فِتْنَتَهم) هو أنَّ
صفحة ١٧٧
فاعِلَهُ مُؤَنَّثٌ تَقْدِيرًا، لِأنَّ القَوْلَ المُنْسَبِكَ مِن (أنْ) وصِلَتِها مِن جُمْلَةِ الفِتْنَةِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ نَظِيرُ التَّأْنِيثِ في اسْمِ العَدَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، لِأنَّ الأمْثالَ لَمّا كانَتْ في مَعْنى الحَسَناتِ أُنِّثَ اسْمُ عَدَدِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (رَبِّنا) بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِهِ.
وذِكْرُهُمُ الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مُبالَغَةٌ في التَّنَصُّلِ مِنَ الشِّرْكِ، أيْ لا رَبَّ لَنا غَيْرُهُ. وقَدْ كَذَبُوا وحَلَفُوا عَلى الكَذِبِ جَرْيًا عَلى سَنَنِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الحَياةِ، لِأنَّ المَرْءَ يُحْشَرُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الحَيْرَةَ والدَّهْشَ الَّذِي أصابَهم خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم يُمَوِّهُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيَتَخَلَّصُونَ مِنَ العِقابِ. ولا مانِعَ مِن صُدُورِ الكَذِبِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِيقَةِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ الحَقائِقَ تَظْهَرُ لَهم وهم يَحْسَبُونَ أنَّ غَيْرَهم لا تَظْهَرُ لَهُ، ولِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنهم عَنْ أمْرٍ غائِبٍ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهم أُخْبِرُوا عَنْ أُمُورِهِمْ في الدُّنْيا.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، فَذَكَرَ مِنها قَوْلَهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقَوْلَهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . فَقَدْ كَتَمُوا في هَذِهِ الآيَةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهم، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ تَعالَوْا نَقُلْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، فَيُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا.
وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ جَعَلَ حالَهُمُ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ، لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، فَلِذَلِكَ أمَرَ سامِعَهُ أوْ أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ حاضِرٌ.
والأظْهَرُ أنَّ (كَيْفَ) لِمُجَرَّدِ الحالِ غَيْرُ دالٍّ عَلى الِاسْتِفْهامِ. والنَّظَرُ إلى الحالَةِ هو النَّظَرُ إلى أصْحابِها حِينَ تَكَيُّفِهِمْ بِها. وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ. وجَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ النَّظَرَ هُنا نَظَرًا
صفحة ١٧٨
قَلْبِيًّا فَإنَّهُ يَجِيءُ كَما يَجِيءُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ، أيْ تَأمَّلْ جَوابَ قَوْلِ القائِلِ (﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]) تَجِدُهُ جَوابًا واضِحًا بَيِّنًا.
ولِأجْلِ هَذا التَّحَقُّقِ مِن خَبَرِ حَشْرِهِمْ عَبَّرَ عَنْ كَذِبِهِمُ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الحَشْرِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
وفِعْلُ كَذَبَ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) إلى مَن يُخْبِرُ عَنْهُ الكاذِبُ كَذِبًا مِثْلَ تَعْدِيَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُعْتَمِدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»، وأمّا تَعْدِيَتُهُ إلى مَن يُخْبِرُهُ الكاذِبُ خَبَرًا كَذِبًا فَبِنَفْسِهِ، يُقالُ: كَذَبَكَ، إذا أخْبَرَكَ بِكَذِبٍ.
وضَلَّ بِمَعْنى غابَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]، أيْ غُيِّبْنا فِيها بِالدَّفْنِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ و(يَفْتَرُونَ) صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَخْتَلِقُونَهُ وما صَدَّقَ ذَلِكَ هو (شُرَكاؤُهم) . والمُرادُ: غَيْبَةُ شَفاعَتِهِمْ ونَصْرِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَأْمُولُ مِنهم فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نَزَّلَ حُضُورَهم مَنزِلَةَ الغَيْبَةِ، كَما يُقالُ: أُخِذْتَ وغابَ نَصِيرُكَ، وهو حاضِرٌ.
6:25Page 130
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥
And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."
﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
عَطَفَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً عَلى الجُمَلِ الِابْتِدائِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] .
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الحَدِيثُ مَعَهم وعَنْهُمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، أيْ ومِنَ المُشْرِكِينَ مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ. وقَدِ انْتَقَلَ الكَلامُ إلى أحْوالِ خاصَّةِ عُقَلائِهِمُ الَّذِينَ يَرْبَئُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ أنْ يُقابِلُوا دَعْوَةَ
صفحة ١٧٩
الرَّسُولِ ﷺ بِمِثْلِ ما يُقابِلُهُ بِهِ سُفَهاؤُهم مِنَ الإعْراضِ التّامِّ، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] . ولَكِنَّ هَؤُلاءِ العُقَلاءَ يَتَظاهَرُونَ بِالحِلْمِ والأناةِ والإنْصافِ ويُخَيِّلُونَ لِلدَّهْماءِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى مُجادَلَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإبْطالِ حُجَجِهِ ثُمَّ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ. رَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَمّى مِن هَؤُلاءِ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا جَهْلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ، اجْتَمَعُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا لِلنَّضْرِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ (يَعْنِي الكَعْبَةَ) ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ فَما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ. يَعْنِي أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مُكابَرَةً مِنهُ لِلْحَقِّ وحَسَدًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنِ القُرُونِ الأوَّلِينَ. وكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا عَنْ أقاصِيصِ العَجَمِ، مِثْلَ قِصَّةِ (رُسْتُمَ) و(إسْفِنْدِيارَ) فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ، وكانَ صاحِبَ أسْفارٍ إلى بِلادِ الفُرْسِ، وكانَ النَّضْرُ شَدِيدَ البَغْضاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو الَّذِي أهْدَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَمَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لَهم: إنِّي لَأراهُ حَقًّا. فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: كَلّا. فَوَصَفَ اللَّهُ حالَهم بِهَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ نَفَعَ اللَّهُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِكَلِمَتِهِ هَذِهِ، فَأسْلَمَ هو دُونَهم لَيْلَةَ فَتْحِ مَكَّةَ وثَبَتَتْ لَهُ فَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ وصِهْرُ النَّبِيءِ ﷺ ولِزَوْجِهِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
و(الأكِنَّةُ) جَمْعُ كِنانٍ - بِكَسْرِ الكافِ - و(أفْعِلَةٌ) يَتَعَيَّنُ في (فِعالٍ) المَكْسُورِ الفاءِ إذا كانَ عَيْنُهُ ولامُهُ مِثْلَيْنِ. والكِنانُ: الغِطاءُ، لِأنَّهُ يَكُنُّ الشَّيْءَ، أيْ يَسْتُرُهُ. وهي هُنا تَخْيِيلٌ لِأنَّهُ شُبِّهَتْ قُلُوبُهم في عَدَمِ خُلُوصِ الحَقِّ إلَيْها بِأشْياءَ مَحْجُوبَةٍ عَنْ شَيْءٍ. وأُثْبِتَتْ لَها الأكِنَّةُ تَخْيِيلًا، ولَيْسَ في قَلْبِ أحَدِهِمْ شَيْءٌ يُشْبِهُ الكِنانَ.
وأُسْنِدَ جَعْلُ تِلْكَ الحالَةِ في قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ خَلَقَهم عَلى هَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ والتَّعَقُّلِ المُنْحَرِفُ، فَهم لَهم عُقُولٌ وإدْراكٌ لِأنَّهم كَسائِرِ البَشَرِ، ولَكِنَّ أهْواءَهم تَخَيَّرَ لَهُمُ المَنعَ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ، فَلِذَلِكَ كانُوا مُخاطَبِينَ بِالإيمانِ مَعَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهم
صفحة ١٨٠
لا يُؤْمِنُونَ إذْ كانُوا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، عَلى أنَّ خِطابَ التَّكْلِيفِ عامٌّ لا تَعْيِينَ فِيهِ لِأُناسٍ ولا اسْتِثْناءَ فِيهِ لِأُناسٍ. فالجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ ولَيْسَ لِلتَّحْوِيلِ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقَدْ ماتَ المُسَمَّوْنَ كُلُّهم عَلى الشِّرْكِ عَدا أبا سُفْيانَ فَإنَّهُ شَهِدَ حِينَئِذٍ بِأنَّ ما سَمِعَهُ حَقٌّ، فَدَلَّتْ شَهادَتُهُ عَلى سَلامَةِ قَلْبِهِ مِنَ الكِنانِ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أنْ يَفْقَهُوهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ. وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: مِن أنْ يَفْقَهُوهُ، ويَتَعَلَّقُ بِـ (أكِنَّةً) لِما فِيهِ مِن مَعْنى المَنعِ، أيْ أكِنَّةً تَمْنَعُ مِن أنْ يَفْهَمُوا القُرْآنَ.
والوَقْرُ بِفَتْحِ الواوِ: الصَّمَمُ الشَّدِيدُ وفِعْلُهُ كَوَعَدَ ووَجَدَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، ومُتَعَدِّيًا يُقالُ: وقَرَ اللَّهُ أُذُنَهُ فَوَقَرَتْ. والوَقْرُ مَصْدَرٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ لِـ (وقَرَتْ) أُذُنُهُ، لِأنَّ قِياسَ مَصْدَرِهِ تَحْرِيكُ القافِ، وهو قِياسِيٌّ لِـ (وقَرَ) المُتَعَدِّي، وهو مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ فَهْمِ المَسْمُوعاتِ. جَعَلَ عَدَمَ الفَهْمِ بِمَنزِلَةِ الصَّمَمِ ولَمْ يُذْكَرْ لِلْوَقْرِ مُتَعَلِّقٌ يَدُلُّ عَلى المَمْنُوعِ بِوَقْرِ آذانِهِمْ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن أنْ يَسْمَعُوهُ، لِأنَّ الوَقْرَ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ، ولِأنَّ المُرادَ السَّمْعُ المَجازِيُّ وهو العِلْمُ بِما تَضَمَّنَهُ المَسْمُوعُ.
وقَوْلُهُ: عَلى قُلُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: في آذانِهِمْ يَتَعَلَّقانِ بِـ (جَعَلْنا) . وقُدِّمَ كُلٌّ مِنهُما عَلى مَفْعُولِ (جَعَلْنا) لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.
فَإنْ قُلْتَ: هَلْ تَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ حُجَّةً لِلَّذِينَ قالُوا مِن عُلَمائِنا: إنَّ إعْجازَ القُرْآنِ بِالصِّرْفَةِ، أيْ أعْجَزَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِأنْ صَرَفَهم عَنْ مُحاوَلَةِ المُعارَضَةِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَتَكُونُ الصِّرْفَةُ مِن جُمْلَةِ الأكِنَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ. قُلْتُ: لَمْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أصْحابُ تِلْكَ المَقالَةِ لِأنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الأكِنَّةَ تَخْيِيلٌ وأنَّ الوَقْرَ اسْتِعارَةٌ وأنَّ قَوْلَ النَّضْرِ ما أدْرِي ما أقُولُ، بُهْتانٌ ومُكابَرَةٌ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ .
وكَلِمَةُ (كُلَّ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ مَجازًا لِتَعَذُّرِ الحَقِيقَةِ سَواءٌ كانَ التَّعَذُّرُ عَقْلًا - كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ تَنْحَصِرُ أفْرادُها
صفحة ١٨١
لِأنَّها أفْرادٌ مُقَدَّرَةٌ تَظْهَرُ عِنْدَ تَكْوِينِها إذْ هي مَن جِنْسٍ عامٍّ - أمْ كانَ التَعَذُّرُ عادَةً كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ
فَإنَّ العادَةَ تُحِيلُ اجْتِماعَ جَمِيعِ بَقَرِ الوَحْشِ في هَذا المَوْضِعِ.
فَيَتَعَذَّرُ أنْ يَرى القَوْمُ كُلَّ أفْرادِ ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ آيَةً، فَلِذَلِكَ كانَ المُرادُ بِـ (كُلِّ) مَعْنى الكَثْرَةِ الكَثِيرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(حَتّى) حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِإفادَةِ الغايَةِ، أيْ أنَّ ما بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها. وأصْلُ (حَتّى) أنْ يَكُونَ حَرْفَ جَرٍّ مِثْلَ (إلى) فَيَقَعَ بَعْدَهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ مَدْلُولُهُ غايَةٌ لِما قَبْلَ (حَتّى) . وقَدْ يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ ويَقَعُ بَعْدَ (حَتّى) جُمْلَةٌ، فَتَكُونُ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةً، أيْ تُؤْذِنُ بِابْتِداءِ كَلامٍ مَضْمُونُهُ غايَةٌ لِكَلامٍ قَبْلَ (حَتّى) . ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ الحاجِبِ في الكافِيَةِ: إنَّها تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ، فَلَيْسَ المَعْنى أنَّ اسْتِماعَهم يَمْتَدُّ إلى وقْتِ مَجِيئِهِمْ ولا أنَّ جَعْلَ الأكِنَّةِ عَلى قُلُوبِهِمْ والوَقْرِ في آذانِهِمْ يَمْتَدُّ إلى وقْتِ مَجِيئِهِمْ، بَلِ المَعْنى أنْ يَتَسَبَّبَ عَلى اسْتِماعِهِمْ بِدُونِ فَهْمٍ. وجَعَلَ الوَقْرَ عَلى آذانِهِمْ والأكِنَّةَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهم إذا جاءُوكَ جادَلُوكَ.
وسُمِّيَتْ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةً لِأنَّ ما بَعْدَها في حُكْمِ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. ويَأْتِي قَرِيبٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١] في هَذِهِ السُّورَةِ، وزِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِمَعْنى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ١٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ [الأعراف: ٣٧] إلَخْ في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(إذا) شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ. و(جاءُوكَ) شَرْطُها، وهو العامِلُ فِيها. وجُمْلَةُ (يُجادِلُونَكَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ (جاءُوكَ) أيْ جاءُوكَ مُجادِلِينَ، أيْ مُقَدِّرِينَ المُجادَلَةَ مَعَكَ يُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمْ أنَّهم أكْفاءٌ لِهَذِهِ المُجادَلَةِ.
وجُمْلَةُ (يَقُولُ) جَوابُ إذا، وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
صفحة ١٨٢
لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وأنَّهم ما جاءُوا طالِبِينَ الحَقَّ كَما يَدَّعُونَ ولَكِنَّهم قَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وخَرَجُوا بِهِ فَيَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، فَهم قَدْ عَدَلُوا عَنِ الجَدَلِ إلى المُباهَتَةِ والمُكابَرَةِ.
والأساطِيرُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ السِّينِ وهي القِصَّةُ والخَبَرُ عَنِ الماضِينَ. والأظْهَرُ أنَّ الأُسْطُورَةَ لَفْظٌ مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ: أصْلُهُ (إسْطُورْيا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو القِصَّةُ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ اخْتِلافُ العَرَبِ فِيهِ، فَقالُوا: أُسْطُورَةٌ وأُسْطِيرَةٌ وأُسْطُورٌ وأُسْطِيرٌ، كُلُّها بِضَمِّ الهَمْزَةِ وإسْطارَةٌ وإسْطارٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. والِاخْتِلافُ في حَرَكاتِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ مِن جُمْلَةِ أماراتِ التَّعْرِيبِ. ومِن أقْوالِهِمْ: أعْجَمِيٌّ فالعَبْ بِهِ ما شِئْتَ. وأحْسَنُ الألْفاظِ لَها أُسْطُورَةٌ لِأنَّها تُصادِفُ صِيغَةً تُفِيدُ مَعْنى المَفْعُولِ أيِ القِصَّةَ المَسْطُورَةَ. وتُفِيدُ الشُّهْرَةَ في مَدْلُولِ مادَّتِها مِثْلَ الأُعْجُوبَةِ والأُحْدُوثَةِ والأُكْرُومَةِ. وقِيلَ: الأساطِيرُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِثْلَ أبابِيلَ وعَبادِيدَ وشَماطِيطَ. وكانَ العَرَبُ يُطْلِقُونَهُ عَلى ما يَتَسامَرُ النّاسُ بِهِ مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها مِن صِدْقٍ وكَذِبٍ. وقَدْ كانُوا لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ التَّوارِيخِ والقِصَصِ والخُرافاتِ فَجَمِيعُ ذَلِكَ مَرْمِيٌّ بِالكَذِبِ والمُبالَغَةِ. فَقَوْلُهم ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . يَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا نِسْبَةَ أخْبارِ القُرْآنِ إلى الكَذِبِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنِ اعْتِقادِهِمْ في الأساطِيرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا أنَّ القُرْآنَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَجْمُوعَ قِصَصٍ وأساطِيرَ، يَعْنُونَ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأنَّهم لِقُصُورِ أفْهامِهِمْ أوْ لِتَجاهُلِهِمْ يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ المَقْصُودِ مِن تِلْكَ القِصَصِ ويَأْخُذُونَها بِمَنزِلَةِ الخُرافاتِ الَّتِي يَتَسامَرُ النّاسُ بِها لِتَقْصِيرِ الوَقْتِ. وسَيَأْتِي في سُورَةِ الأنْفالِ أنَّ مَن قالَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ كانَ يُمَثِّلُ القُرْآنَ بِأخْبارِ (رُسْتُمَ) و(إسْفِنْدِيارَ) .
6:26Page 130
وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.
﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ عائِدانِ إلى القُرْآنِ المُشارِ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . ومَعْنى النَّهْيُ عَنْهُ النَّهْيُ عَنِ اسْتِماعِهِ. فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ حالَةٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُها
صفحة ١٨٣
المَقامُ. وكَذَلِكَ النَّأْيُ عَنْهُ مَعْناهُ النَّأْيُ عَنِ اسْتِماعِهِ، أيْ هم يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ ويَتَباعَدُونَ عَنِ اسْتِماعِهِ. قالَ النّابِغَةُ:
لَقَدْ نَهَيْتُ بَنِي ذُبْيانَ عَنْ أُقُرٍ وعَنْ تَرَبُّعِهِمْ في كُلِّ أصْفارِ
يَعْنِي نَهَيْتُهم عَنِ الرَّعْيِ في ذِي أُقُرٍ، وهو حِمى المَلِكِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ. وبَيْنَ قَوْلِهِ (يَنْهَوْنَ) و(ويَنْأوْنَ) الجِناسُ القَرِيبُ مِنَ التَّمامِ.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفِيدُ قَلْبَ اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم يَظُنُّونَ بِالنَّهْيِ والنَّأْيِ عَنِ القُرْآنِ أنَّهم يَضُرُّونَ النَّبِيءَ ﷺ لِئَلّا يَتَّبِعُوهُ ولا يَتَّبِعَهُ النّاسُ، وهم إنَّما يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِدَوامِهِمْ عَلى الضَّلالِ وبِتَضْلِيلِ النّاسِ، فَيَحْمِلُونَ أوْزارَهم وأوْزارَ النّاسِ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ ما أرادُوا بِهِ نِكايَتَهُ إنَّما يَضُرُّونَ بِهِ أنْفُسَهم.
وأصْلُ الهَلاكِ المَوْتُ. ويُطْلَقُ عَلى المَضَرَّةِ الشَّدِيدَةِ لِأنَّ الشّائِعَ بَيْنَ النّاسِ أنَّ المَوْتَ أشَدُّ الضُّرِّ. فالمُرادُ بِالهَلاكِ هُنا ما يَلْقَوْنَهُ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والمَذَلَّةِ عِنْدَ نَصْرِ الإسْلامِ وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ.
والنَّأْيُ: البُعْدُ. وهو قاصِرٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ إلّا بِحَرْفِ جَرٍّ، وما ورَدَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ فَذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الحَذْفِ والإيصالِ في الضَّرُورَةِ.
وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ زِيادَةً في تَحْقِيقِ الخَطَأِ في اعْتِقادِهِمْ، وإظْهارًا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم قادَةً لِلنّاسِ، ولِذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ لِلْعَطْفِ لا لِلْحالِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ كَوْنَ ما بَعْدَها مَقْصُودًا بِهِ الإخْبارُ المُسْتَقِلُّ لِأنَّ النّاسَ يَعُدُّونَهم أعْظَمَ عُقَلائِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences