Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:5–7

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:5–7

6:5Page 128

فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ عَلى الأظْهَرِ أفْصَحَتْ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]، أيْ إذا تَقَرَّرَ هَذا الإعْراضُ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّ الإعْراضَ عَلامَةٌ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما قَدَّمْتُهُ آنِفًا، فَما بَعْدَ فاءِ الفَصِيحَةِ هو الجَزاءُ. ومَعْناهُ أنَّ مِنَ المَعْلُومِ لِلْأُمَمِ سُوءَ عَواقِبِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الآتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ آياتِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ الوارِدِ مِنَ اللَّهِ؛ ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَأْكِيدًا لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإظْهارِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وإنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ سَيَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم مِمَّنْ عَرَفُوا مِثْلِ عادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ.

وبِهَذا التَّقْدِيرِ لَمْ تَكُنْ حاجَةٌ إلى جَعْلِ الفاءِ تَفْرِيعًا مَحْضًا وجَعْلِ ما بَعْدَها عِلَّةً لِجَزاءٍ مَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِعِلَّتِهِ كَما هو ظاهِرُ الكَشّافِ، وهي مَضْمُونُ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِأنْ يُقَدَّرَ: فَلا تَعْجَبْ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، لِأنَّ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ أوْهَمَهُ أنَّ تَكْذِيبَهُمُ المُرادَ هو تَكْذِيبُهم بِالآياتِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها ما عَدا آيَةَ القُرْآنِ. وهَذا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] بِلا مُخَصِّصٍ، فَإنَّ القُرْآنَ مِن جُمْلَةِ الآياتِ بَلْ هو المَقْصُودُ أوَّلًا، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ هو الجَزاءُ وأنَّ لَهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا مِن بَلاغَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ يَقْتَضِي

صفحة ١٣٦

أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآياتِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] ما عَدا القُرْآنَ. وهو تَخْصِيصٌ لا يُناسِبُ مَقامَ كَوْنِ القُرْآنِ أعْظَمَها.

والفاءُ في قَوْلِهِ: فَسَوْفَ فاءُ التَّسَبُّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾، أيْ يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ إصابَتُهم بِما تَوَعَّدَهم بِهِ اللَّهُ.

وحَرْفُ التَّسْوِيفِ هُنا لِتَأْكِيدِ حُصُولِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. واسْتَعْمَلَ الإتْيانَ هُنا في الإصابَةِ والحُصُولِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. والأنْباءُ جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ أهَمِّيَّةٌ. وأطْلَقَ النَّبَأ هُنا عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، أيْ تَحَقُّقَ نَبَئِهِ، لِأنَّ النَّبَأ نَفْسَهُ قَدْ عُلِمَ مِن قَبْلُ.

و﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] هو القُرْآنُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا) فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى وعِيدِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وعَذابِ الآخِرَةِ. فَتِلْكَ أنْباءٌ أنْبَأهم بِها فَكَذَّبُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِهِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ تِلْكَ الأنْباءَ سَيُصِيبُهم مَضْمُونُها. فَلَمّا قالَ لَهم: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] عَلِمُوا أنَّها أنْباءُ القُرْآنِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ وعَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .

6:6Page 128

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلَنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلَنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مَن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] . جاءَ بَيانُها بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَةِ القُرُونِ الكَثِيرَةِ الَّذِينَ أهْلَكَتْهم حَوادِثُ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ يَدُلُّ حالُها عَلى أنَّها مُسَلَّطَةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ عِقابًا لَهم عَلى التَّكْذِيبِ.

صفحة ١٣٧

والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ القُرُونِ الَّذِينَ أهْلَكْناهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ: ألَمْ يَرَوْا آثارَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها كَدِيارِ عادٍ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَدْ رَآها كَثِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ في رِحْلاتِهِمْ، وحَدَّثُوا عَنْها النّاسَ حَتّى تَواتَرَتْ بَيْنَهم فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ وتَحَقَّقَتْها نُفُوسُهم.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَفِعْلُ يَرَوْا مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ أوِ المَفْعُولِ، بِاسْمِ الِاسْتِفْهامِ وهو كَمْ.

وكَمِ اسْمٌ لِلسُّؤالِ عَنْ عَدَدٍ مُبْهَمٍ فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِن تَفْسِيرٍ، وهو تَمْيِيزُهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَكُونُ خَبَرِيَّةً فَتَدُلُّ عَلى عَدَدٍ كَبِيرٍ مُبْهَمٍ ولا بُدَّ مِن مُفَسِّرٍ هو تَمْيِيزٌ لِلْإبْهامِ. فَأمّا الِاسْتِفْهامِيَّةُ فَمُفَسِّرُها مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً فَمُفَسِّرُها مَجْرُورٌ لا غَيْرَ، ولَمّا كانَ كَمِ اسْمًا في المَوْضِعَيْنِ كانَ لَهُ مَوْقِعُ الأسْماءِ بِحَسَبِ العَوامِلِ رَفْعٌ ونَصْبٌ وجَرٌّ، فَهي هُنا في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ أوْ مَفْعُولَيْنِ لِـ يَرَوْا. ومِن في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ القَبْلِيَّةِ. وأمّا مِن في قَوْلِهِ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ فَزائِدَةٌ جارَّةٌ لِمُمَيِّزِ كَمِ الخَبَرِيَّةِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ مُمَيِّزِها فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ جَرَّهُ بِـ (مِن)، كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والقَرْنُ أصْلُهُ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ، وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي دامَتْ طَوِيلًا. قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] . وفَسَّرَ القَرْنَ بِالأُمَّةِ البائِدَةِ. ويُطْلَقُ القَرْنُ عَلى الجِيلِ مِنَ الأُمَّةِ، ومِنهُ حَدِيثُ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» . ويُطْلَقُ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمَنِ قَدْرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ عَلى الأشْهَرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ مَكَّنّاهم صِفَةٌ لِـ قَرْنٍ. ورُوعِيَ في الضَّمِيرِ مَعْنى القَرْنِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى جَمْعٍ.

ومَعْنى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ ثَبَّتْناهم ومَلَّكْناهم، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَكانِ. فَمَعْنى مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ، وضَعَ لَهُ مَكانًا. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] . ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أرْضٌ لَهُ. ويُكَنّى بِالتَّمْكِينِ عَنِ الإقْدارِ وإطْلاقِ التَّصَرُّفِ، لِأنَّ صاحِبَ المَكانِ يَتَصَرَّفُ في مَكانِهِ وبَيْتِهِ

صفحة ١٣٨

ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى التَّثْبِيتِ والتَّقْوِيَةِ والِاسْتِقْلالِ بِالأمْرِ. ويُقالُ: هو مَكِينٌ بِمَعْنى مُمَكَّنٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] فَهو كِنايَةٌ أيْضًا بِمَرْتَبَةٍ ثانِيَةٍ، أوْ هو مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَتَّبٌ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ. والتَّمْكِينُ في الأرْضِ تَقْوِيَةُ التَّصَرُّفِ في مَنافِعِ الأرْضِ والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا، بِأنْ يَكُونَ في مَنَعَةٍ مِنَ العَدُوِّ وفي سِعَةٍ في الرِّزْقِ وفي حُسْنِ حالٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، وقالَ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج: ٤١] الآيَةَ. فَمَعْنى مَكَّنَهُ: جَعَلَهُ مُتَمَكِّنًا، ومَعْنى مَكَّنَ لَهُ: جَعَلَهُ مُتَمَكِّنًا لِأجْلِهِ، أيْ رَعْيًا لَهُ، مِثْلَ حَمِدَهُ وحَمِدَ لَهُ، فَلَمْ تَزِدْهُ اللّامُ ومَجْرُورُها إلّا إشارَةً إلى أنَّ الفاعِلَ فَعَلَ ذَلِكَ رَغْبَةً في نَفْعِ المَفْعُولِ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ أزالَ الفَرْقَ بَيْنَهُما وصَيَّرَ مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَكانَتِ اللّامُ زائِدَةً كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالفِعْلَيْنِ هُنا شَيْءٌ واحِدٌ لِتَعَيُّنِ أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ مُسْتَوِيًا، لِيَظْهَرَ وجْهُ فَوْتِ القُرُونِ الماضِيَةِ في التَّمْكِينِ عَلى تَمْكِينِ المُخاطَبِينَ، إذِ التَّفاوُتُ لا يَظْهَرُ إلّا في شَيْءٍ واحِدٍ، ولِأنَّ كَوْنَ القُرُونِ الماضِيَةِ أقْوى تَمَكُّنًا مِنَ المُخاطَبِينَ كانَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المُقْتَرِنُ بِلامِ الأجَلِ في جانِبِهِمْ لا في جانِبِ المُخاطَبِينَ، وقَدْ عُكِسَ هُنا. وبِهَذا البَيانِ نَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ الرّاغِبِ بِاسْتِواءِ فِعْلِ مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ، وقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ: مَكَّنَ لَهُ بِمَعْنى جَعَلَ لَهُ مَكانًا، ومَكَّنَهُ بِمَعْنى أثْبَتَهُ. وكَلامُ الرّاغِبِ أمْكَنُ عَرَبِيَّةً. وقَدْ أهْمَلَتِ التَّنْبِيهَ عَلى هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ كُتُبُ اللُّغَةِ. واسْتِعْمالُ التَّمْكِينِ في مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّقْوِيَةِ كِنايَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّقْوِيَةَ. وقَدْ شاعَ هَذا الِاسْتِعْمالُ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ أوْ كالحَقِيقَةِ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ مَعْناها التَّمْكِينُ، فَهي نائِبَةٌ عَنْ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، فَتَنْتَصِبُ ما عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُبَيِّنَةِ لِلنَّوْعِ. والمَقْصُودُ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، أيْ هو أشَدُّ مِن تَمْكِينِكم في الأرْضِ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: لَكُمُ - التِفاتٌ مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّهُمُ المُمَكَّنُونَ في الأرْضِ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ تَمْكِينٌ. والِالتِفاتُ هُنا عَكْسُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] . والمَعْنى أنَّ الأُمَمَ الخالِيَةَ مِنَ

صفحة ١٣٩

العَرَبِ البائِدَةِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا مِنَ العَرَبِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وأعْظَمَ مِنهم آثارَ حَضارَةٍ وسَطْوَةٍ. وحَسْبُكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَضْرِبُونَ الأمْثالَ لِلْأُمُورِ العَظِيمَةِ بِأنَّها عادِيَّةٌ أوْ ثَمُودِيَّةٌ أوْ سَبَئِيَّةٌ قالَ تَعالى: ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] أيْ عَمَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِ أهْلِ العَصْرِ الأرْضَ أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها أهْلُ العَصْرِ.

والسَّماءُ مِن أسْماءِ المَطَرِ، كَما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إثْرِ سَماءٍ» . أيْ عَقِبَ مَطَرٍ. وهو المُرادُ هُنا لِأنَّهُ المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: أرْسَلْنا بِخِلافِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون: ١٨] . والمِدْرارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، مِثْلَ مِنحارٍ لِكَثِيرِ النَّحْرِ لِلْأضْيافِ، ومِذْكارٍ لِمَن يُولَدُ لَهُ الذُّكُورُ، مِن دَرَّتِ النّاقَةُ ودَرَّ الضَّرْعُ إذا سَمَحَ ضَرْعُها بِاللَّبَنِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ اللَّبَنُ الدَّرَّ. ووَصْفُ المَطَرِ بِالمِدْرارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما المِدْرارُ سَحابَةٌ. وهَذِهِ الصِّيغَةُ يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

والمُرادُ إرْسالُ المَطَرِ في أوْقاتِ الحاجَةِ إلَيْهِ بِحَيْثُ كانَ لا يُخَلِّفُهم في مَواسِمِ نُزُولِهِ. ومِن لَوازِمِ ذَلِكَ كَثْرَةُ الأنْهارِ والأوْدِيَةِ بِكَثْرَةِ انْفِجارِ العُيُونِ مِن سِعَةِ رِيِّ طَبَقاتِ الأرْضِ. وقَدْ كانَتْ حالَةُ مُعْظَمِ بِلادِ العَرَبِ في هَذا الخِصْبِ والسِّعَةِ، كَما عَلِمَهُ اللَّهُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ آثارُ مَصانِعِهِمْ وسُدُودِهِمْ ونَسَلانُ الأُمَمِ إلَيْها، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الأحْوالُ بِحَوادِثَ سَماوِيَّةٍ كالجَدْبِ الَّذِي حَلَّ سِنِينَ بِبِلادِ عادٍ، أوْ أرْضِيَّةٍ، فَصارَ مُعْظَمُها قاحِلًا فَهَلَكَتْ أُمَمُها وتَفَرَّقُوا أيادِيَ سَبا.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الأنْهارِ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ في نَظِيرِهِ وهو أنَّ ﴿لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [التوبة: ٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: فَأهْلَكْناهم لِلتَّعْقِيبِ عَطْفٌ عَلى مَكَّنّاهم وما بَعْدَهُ. ولَمّا تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: فَأهْلَكْناهم قَوْلُهُ: بِذُنُوبِهِمْ دَلَّ عَلى أنَّ تَعْقِيبَ التَّمْكِينِ وما مَعَهُ بِالإهْلاكِ وقَعَ بَعْدَ أنْ أذْنَبُوا؛ فالتَّقْدِيرُ: فَأذْنَبُوا فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ، أوْ فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ فَأهْلَكْناهم، فَفِيهِ إيجازُ حَذْفٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] الآيَةَ. أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ إلَخْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِلتَّفْصِيلِ تَفْصِيلًا لِـ أهْلَكْنا الأوَّلِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

صفحة ١٤٠

والإهْلاكُ: الإفْناءُ، وهو عِقابٌ لِلْأُمَّةِ دالٌّ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْها، لِأنَّ فَناءَ الأُمَمِ لا يَكُونُ إلّا بِما تَجُرُّهُ إلى نَفْسِها مِن سُوءِ فِعْلِها، بِخِلافِ فَناءِ الأفْرادِ فَإنَّهُ نِهايَةٌ مُحَتَّمَةٌ ولَوِ اسْتَقامَ المَرْءُ طُولَ حَياتِهِ، لِأنَّ تَرْكِيبَ الحَيَوانِ مُقْتَضٍ لِلِانْتِهاءِ بِالفَناءِ عِنْدَ عَجْزِ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ عَنْ إمْدادِ البَدَنِ بِمَوادِّ الحَياةِ فَلا يَكُونُ عِقابًا إلّا فِيما يَحُفُّ بِهِ مِن أحْوالِ الخِزْيِ لِلْهالِكِ.

والذُّنُوبُ هُنا هي الكُفْرُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْظِيرُ بِحالِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ هُنا: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢]، ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥]، وما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾: الإنْشاءُ الإيجادُ المُبْتَكَرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] . والمُرادُ بِهِ إنْشاؤُهم بِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي كانَ عَلَيْها القَرْنُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ التَّمْكِينِ في الأرْضِ والإسْعافِ بِالخِصْبِ، فَخَلَّفُوا القَرْنَ المُنْقَرِضِينَ سَواءٌ كانَ إنْشاؤُهم في دِيارِ القَوْمِ الَّذِينَ هَلَكُوا، كَما أنْشَأ قُرَيْشًا في دِيارِ جُرْهُمٍ، أمْ في دِيارٍ أُخْرى كَما أنْشَأ اللَّهُ ثَمُودًا بَعْدَ عادٍ في مَنازِلَ أُخْرى. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم ومُنْشِئٌ مِن بَعْدِهِمْ قَرْنَ المُسْلِمِينَ في دِيارِهِمْ. فَفِيهِ نِذارَةٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ وسائِرِ بِلادِ العَرَبِ عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالإنْشاءِ الوِلادَةُ والخَلْقُ، لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في البَشَرِ لا يَنْتَهِي، ولَيْسَ فِيهِ عِظَةٌ ولا تَهْدِيدٌ لِلْجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ، وأفْرَدَ قَرْنًا مَعَ أنَّ الفِعْلَ النّاصِبَ لَهُ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِن بَعْدِ جَمْعِ القُرُونِ، عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ أنْشَأْنا مِن بَعْدِ كُلِّ قَرْنٍ مِنَ المُهْلِكِينَ قَرْنًا آخَرِينَ.

6:7Page 128

وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] إلَخْ، وما بَيْنَهُما جُمَلًا تَعَلَّقَتْ بِالجُمْلَةِ الأُولى عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ، فَلَمّا ذَكَرَ الآياتِ

صفحة ١٤١

فِي الجُمْلَةِ الأُولى عَلى وجْهِ العُمُومِ ذَكَرَ هُنا فَرْضَ آيَةٍ تَكُونُ أوْضَحَ الآياتِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهي أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كِتابًا مِنَ السَّماءِ عَلى صُورَةِ الكُتُبِ المُتَعارَفَةِ، فَرَأوْهُ بِأبْصارِهِمْ ولَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ - لَما آمَنُوا ولادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ الكِتابَ سِحْرٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ كَذَّبُوا في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] أيْ أنْكَرُوا كَوْنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَوْنَهُ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ في صُورَةِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقالُوا: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] مُشْتَمِلًا بِالإجْمالِ عَلى أقْوالِهِمْ فَصَحَّ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْضًا.

وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فالكِتابُ الشَّيْءُ المَكْتُوبُ سَواءً كانَ سِفْرًا أمْ رِسالَةً، وعَلى الثّانِي فالمُرادُ بِكِتابٍ سِفْرٌ أيْ مِثْلَ التَّوْراةِ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لا مَحالَةَ لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ، فانْتِقالُ الخِطابِ إلَيْهِ بَعْدَ الحَدِيثِ عَنْ ذَوِي ضَمائِرَ أُخْرى لا يَحْتاجُ إلى مُناسَبَةٍ في الِانْتِقالِ. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِتابًا فِيهِ تَصْدِيقُهُ بَلْ أعَمَّ مِن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ في: قِرْطاسٍ صِفَةٌ لِـ كِتابٍ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مِن ظَرْفِيَّةِ اسْمِ الشَّيْءِ في اسْمِ جُزْئِهِ. والقِرْطاسُ بِكَسْرِ القافِ عَلى الفَصِيحِ، ونُقِلَ ضَمُّ القافِ وهو ضَعِيفٌ. وهو اسْمٌ لِلصَّحِيفَةِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها ويَكُونُ مِن رِقٍّ ومِن بَرْدِيٍّ ومِن كاغِدٍ، ولا يَخْتَصُّ بِما كانَ مِن كاغِدٍ بَلْ يُسَمّى قِرْطاسًا ما كانَ مِن رِقٍّ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ لا يُقالُ قِرْطاسٌ إلّا لِما كانَ مَكْتُوبًا وإلّا سُمِّيَ طِرْسًا، ولَمْ يَصِحَّ. وسَمّى العَرَبُ الأدِيمَ الَّذِي يُجْعَلُ غَرَضًا لِمُتَعَلِّمِ الرَّمْيِ قِرْطاسًا فَقالُوا: سَدَّدَ القِرْطاسَ، أيْ سَدَّدَ رَمْيَهُ. قالَ الجَوالِيقِيُّ: القِرْطاسُ تَكَلَّمُوا بِهِ قَدِيمًا ويُقالُ: إنَّ أصْلَهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ. ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الرّاغِبُ ولا لِسانُ العَرَبِ ولا القامُوسُ، وأثْبَتَهُ الخَفاجِيُّ في شِفاءِ الغَلِيلِ. وقالَ: هو الفَرَسُ الأبْيَضُ. وقالَ الآلُوسِيُّ: أصْلُهُ كُرّاسَةٌ. ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنْ أيِّ لُغَةٍ، فَإنْ كانَ مُعَرَّبًا فَلَعَلَّهُ مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ اسْمُ الوَرَقَةِ في لُغَةِ بَعْضِهِمُ اليَوْمَ (كارْتا) .

صفحة ١٤٢

وقَوْلُهُ فَلَمَسُوهُ عَطْفٌ عَلى نَزَّلْنا. واللَّمْسُ وضْعُ اليَدِ عَلى الشَّيْءِ لِمَعْرِفَةِ وُجُودِهِ، أوْ لِمَعْرِفَةِ وصْفِ ظاهِرِهِ مِن لِينٍ أوْ خُشُونَةٍ، ومِن بُرُودَةٍ أوْ حَرارَةٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ بِأيْدِيهِمْ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى اللَّمْسِ لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ مَجازًا في التَّأمُّلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]، ولِلْإفْصاحِ عَنْ مُنْتَهى ما اعْتِيدَ مِن مُكابَرَتِهِمْ ووَقاحَتِهِمْ في الإنْكارِ والتَّكْذِيبِ، ولِلتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، لِأنَّ المَظاهِرَ السِّحْرِيَّةَ تَخَيُّلاتٌ لا تُلْمَسُ.

وجاءَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: لَقالُوا، كَما قالَ: فَلَمَسُوهُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ تَسْجِيلِ أنَّ دافِعَهم إلى هَذا التَّعَنُّتِ هو الكُفْرُ، لِأنَّ المَوْصُولَ يُؤْذِنُ بِالتَّعْلِيلِ.

ومَعْنى ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أنَّهم يُغالِطُونَ أنْفُسَهم ويُغالِطُونَ قَوْمَهم لِسَتْرِ مُكابَرَتِهِمْ ولِدَفْعِ ما ظَهَرَ مِنَ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ. وهَذا شَأْنُ المَغْلُوبِ المَحْجُوجِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ.

والمُبِينُ: البَيِّنُ الواضِحُ، مُشْتَقٌّ مِن (أبانَ) مُرادِفُ (بانَ) . وتَقَدَّمَ مَعْنى السِّحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском