Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:56–58
6:56Page 134
قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ الكَلامُ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ بِالتَّبَرُّؤِ مِن عِبادَةِ أصْنامِهِمْ فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أبْطَلَ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآيَةَ. جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقَةٍ أُخْرى لِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ وهي أنَّ اللَّهَ نَهى رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ عِبادَتِها وعَنِ اتِّباعِ أهْواءٍ عَبَدَتِها.
صفحة ٢٦٢
وبُنِيَ نُهِيتُ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ الفاعِلِ لِظُهُورِ المُرادِ، أيْ نَهانِي اللَّهُ. وهو يَتَعَدّى بِحَرْفِ (عَنْ) فَحُذِفَ الجَرُّ حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أنْ) .
وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ اسْمُ المَوْصُولِ المَوْضُوعُ لِلْعُقَلاءِ لِأنَّهم عامَلُوهم مُعامَلَةَ العُقَلاءِ فَأتى لَهم بِما يَحْكِي اعْتِقادَهم، أوْ لِأنَّهم عَبَدُوا الجِنَّ وبَعْضَ البَشَرِ فَغُلِّبَ العُقَلاءُ مِن مَعْبُوداتِهِمْ.
ومَعْنى تَدْعُونَ تَعْبُدُونَ وتَلْجَئُونَ إلَيْهِمْ في المُهِمّاتِ، أيْ تَدْعُونَهم. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، فَعامِلُهُ تَدْعُونَ. وهو حِكايَةٌ لِما غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ودُعائِهِمْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ودُعائِهِ، حَتّى كَأنَّهم عَبَدُوهم دُونَ اللَّهِ، وإنْ كانُوا إنَّما أشْرَكُوهم بِالعِبادَةِ مَعَ اللَّهِ ولَوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ. وفِيهِ نِداءٌ عَلَيْهِمْ بِاضْطِرابِ عَقِيدَتِهِمْ إذْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ في العِبادَةِ مَن لا يَسْتَحِقُّونَها مَعَ أنَّهم قائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو مالِكُ الأصْنامِ وجاعِلُها شُفَعاءَ لَكِنَّ ذَلِكَ كالعَدَمِ لِأنَّ كُلَّ عِبادَةٍ تَوَجَّهُوا بِها إلى الأصْنامِ قَدِ اعْتَدَوْا بِها عَلى حَقِّ اللَّهِ في أنْ يَصْرِفُوها إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ ابْتِدائِيٌّ، وقَدْ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ إلى الِاسْتِئْنافِ لِيَكُونَ غَرَضًا مُسْتَقِلًّا. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ زِيادَةً في الِاهْتِمامِ بِالِاسْتِئْنافِ واسْتِقْلالِهِ لِيَكُونَ هَذا النَّفْيُ شامِلًا لِلِاتِّباعِ في عِبادَةِ الأصْنامِ وفي غَيْرِها مِن ضَلالَتِهِمْ كَطَلَبِ طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مَجْلِسِهِ.
والأهْواءُ جَمْعُ هَوًى، وهو المَحَبَّةُ المُفْرِطَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما قالَ ﴿لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ دُونَ لا أتْبَعُكم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في دِينِهِمْ تابِعُونَ لِلْهَوى نابِذُونَ لِدَلِيلِ العَقْلِ. وفي هَذا تَجْهِيلٌ لَهم في إقامَةِ دِينِهِمْ عَلى غَيْرِ أصْلٍ مَتِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم إذًا قَدْ ضَلَلْتُ. وكَذَلِكَ مَوْقِعُ ”إذًا“ حِينَ تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ فَإنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ جَوابًا لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ مَشْرُوطٍ بِـ (إنَّ) أوْ (لَوْ) مُصَرَّحٍ بِهِ تارَةً، كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
صفحة ٢٦٣
لَئِنْ عادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِها وأمْكَنَنِي مِنها إذَنْ لا أُقِيلُهَـا
ومُقَدَّرٍ أُخْرى كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
وتَقْدِيمُ جَوابِ إذًا عَلى إذًا في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالجَوابِ. ولِذَلِكَ الِاهْتِمامُ أُكِّدَ بِـ ”قَدْ“ مَعَ كَوْنِهِ مَفْرُوضًا ولَيْسَ بِواقِعٍ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ وُقُوعَهُ مُحَقَّقٌ لَوْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ المُقَدَّرُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ إذا.
وقَوْلُهُ ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾، عُطِفَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءٌ آخَرُ لِلشَّرْطِ المُقَدَّرِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ حالِهِ الَّتِي هو عَلَيْها الآنَ مِن كَوْنِهِ في عِدادِ المُهْتَدِينَ إلى الكَوْنِ في حالَةِ الضَّلالِ، وأفادَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ لِأنَّهُ نَفى عَنْ نَفْسِهِ ضِدَّ الضَّلالِ فَتَقَرَّرَتْ حَقِيقَةُ الضَّلالِ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.
وتَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ قَدِ اهْتَدَيْتُ إلَيْها ونَبَّهْتُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .
وقَدْ أُتِيَ بِالخَبَرِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ فَقِيلَ ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما أنا مُهْتَدٍ، لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الجُمْلَةِ الَّتِي خَبَرُها ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، فَإنَّ التَّعْرِيفَ في المُهْتَدِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَإخْبارُ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ مِنَ المُهْتَدِينَ يُفِيدُ أنَّهُ واحِدٌ مِنَ الفِئَةِ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَ النّاسِ بِفِئَةِ المُهْتَدِينَ، فَيُفِيدُ أنَّهُ مُهْتَدٍ إفادَةً بِطَرِيقَةٍ تُشْبِهُ طَرِيقَةَ الِاسْتِدْلالِ. فَهو مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ الَّتِي هي إثْباتُ الشَّيْءِ بِإثْباتِ مَلْزُومِهِ. وهي أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ. قالَ في الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨]: قَوْلُكَ فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، لِأنَّكَ تَشْهَدُ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعْدُودًا في زُمْرَتِهِمْ ومَعْرُوفَةً مُساهَمَتُهُ لَهم في العِلْمِ. وقالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] في سُورَةِ الشُّعَراءِ: فَإنْ قُلْتَ لَوْ قِيلَ: أوَعَظْتَ أوْ لَمْ تَعِظْ، كانَ أخْصَرَ، والمَعْنى واحِدٌ. قُلْتُ:
صفحة ٢٦٤
لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ وبَيْنَهُما فَرْقٌ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِهِ: أمْ لَمْ تَعِظْ. وقالَ الخَفاجِيُّ إنَّ أصْلَ هَذا لِابْنِ جِنِّي.
ولِهَذا كانَ نَفْيُ هَذا الخَبَرِ مُفِيدًا نَفْيَ هَذِهِ النِّسْبَةَ الكِنائِيَّةَ فَكانَتْ أبْلَغِيَّتُهُ في النَّفْيِ كَأبْلَغِيَّتِهِ في الإثْباتِ، لِأنَّ المُفادَ الكِنائِيَّ هو هو. ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ في الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: ”وما أنا مِنَ الهُدى في شَيْءٍ“ . ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ بَعْضُ النّاظِرِينَ نَقَلَهُ عَنْهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: إنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُكَ: هو مِنَ المُهْتَدِينَ، مُفِيدًا في الإثْباتِ أنَّ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ حُظُوظًا عَظِيمَةً في الهُدى فَهو في النَّفْيِ يُوجِبُ أنْ تُنْفى عَنْهُ الحُظُوظُ الكَثِيرَةُ، وذَلِكَ يَصْدُقُ بِأنْ يَبْقى لَهُ حَظٌّ قَلِيلٌ. وهَذِهِ سَفْسَطَةٌ خَفِيَتْ عَنْ قائِلِها لِأنَّهُ إنَّما تَصِحُّ إفادَةُ النَّفْيِ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ دَلالَةُ المُثْبَتِ بِواسِطَةِ القُيُودِ اللَّفْظِيَّةِ، فَأمّا وهي بِطَرِيقِ التَّكْنِيَةِ فَهي مُلازِمَةٌ لِلَّفْظِ إثْباتًا ونَفْيًا لِأنَّها دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ لا لَفْظِيَّةٌ. ولِذا قالَ التَّفْتَزانِيُّ هو مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لا نَفْيِ التَّأْكِيدِ فَهو يُفِيدُ أنَّهُ قَدِ انْسَلَخَ عَنْ هَذِهِ الزُّمْرَةِ الَّتِي كانَ مَعْدُودًا مِنها وهو أشَدُّ مِن مُطْلَقِ الِاتِّصافِ بِعَدَمِ الهُدى لِأنَّ مُفارَقَةَ المَرْءِ فِئَتَهُ بَعْدَ أنْ كانَ مِنها أشَدُّ عَلَيْهِ مِنِ اتِّصافِهِ بِما يُخالِفُ صِفاتِهِمْ قَبْلَ الِاتِّصالِ بِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأحَلْنا بَسْطَهُ عَلى هَذا المَوْضِعِ.
6:57Page 134
قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧
Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."
﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ بِدَلِيلِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ المُؤَيِّدِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ إلى إثْباتِ صِدْقِ الرِّسالَةِ بِدَلِيلٍ مِنَ اللَّهِ مُؤَيِّدٍ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ أيْضًا، لِيَيْأسُوا مِن مُحاوَلَةِ إرْجاعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الإسْلامِ وتَشْكِيكِهِ في وحْيِهِ بِقَوْلِهِمْ: ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، شاعِرٌ، أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولِيَيْأسُوا
صفحة ٢٦٥
أيْضًا مِن إدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِ في صِدْقِ إيمانِ أصْحابِهِ، وإلْقاءِ الوَحْشَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِما حاوَلُوا مِن طَرْدِهِ أصْحابَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ حُضُورِ خُصُومِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِ رَبِّهِ لا يَتَزَعْزَعُ. وعُطِفَ عَلى ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى تَكْذِيبِ الوَعِيدِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ بِأنَّهُ لَوْ كانَ صِدْقًا لَعُجِّلَ لَهُمُ العَذابُ، فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ويَقُولُونَ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، فَقالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨]، وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ.
وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِتَكْرِيرِ الِاهْتِمامِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] .
والبَيِّنَةُ في الأصْلِ وصْفٌ مُؤَنَّثُ بَيِّنٍ، أيِ الواضِحَةُ، فَهي صِفَةٌ جَرَتْ عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ في الكَلامِ، أيْ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ أوْ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ فَصارَ اسْمًا لِلْحُجَّةِ المُثْبِتَةِ لِلْحَقِّ الَّتِي لا يَعْتَرِيها شَكٌّ، ولِلدَّلالَةِ الواضِحَةِ، ولِلْمُعْجِزَةِ أيْضًا، فَهي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الدَّلالَةِ البَيِّنَةِ، أيِ اليَقِينِ. وهو أنْسَبُ بِـ (عَلى) الدّالَّةِ عَلى التَّمَكُّنِ، كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ عَلى بَصِيرَةٍ، أيْ أنِّي مُتَمَكِّنٌ مِنَ اليَقِينِ في أمْرِ الوَحْيِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنَ، وتَكُونَ (عَلى) مُسْتَعْمَلَةً في المُلازَمَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاسْتِعْلاءَ يَسْتَلْزِمُ المُلازَمَةَ، أيْ أنِّي لا أُخالِفُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ.
ومِن رَبِّي صِفَةٌ لِـ بَيِّنَةٍ يُفِيدُ تَعْظِيمَها وكَمالَها. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ بَيِّنَةٍ جائِيَةٍ إلَيَّ مِن رَبِّي، وهي الأدِلَّةُ الَّتِي أوْحاها اللَّهُ إلَيْهِ وجاءَ بِها القُرْآنُ وغَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ اتِّصالِيَّةً، أيْ عَلى يَقِينٍ مُتَّصِلٍ بِرَبِّي، أيْ بِمَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدَهُ، أيْ فَلا أتَرَدَّدُ في ذَلِكَ فَلا تَطْمَعُوا في صَرْفِي عَنْ ذَلِكَ، أيْ أنِّي آمَنتُ بِإلَهٍ واحِدٍ دَلَّتْ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ دَلائِلُ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ، فَأنا مُوقِنٌ بِما آمَنتُ بِهِ لا يَتَطَرَّقُنِي شَكٌّ. وهَذا حِينَئِذٍ
صفحة ٢٦٦
مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ في أنَّهم عَلى اضْطِرابٍ مِن أمْرِ آلِهَتِهِمْ وعَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن بَيِّنَةٍ. وهي تُفِيدُ التَّعَجُّبَ مِنهم أنْ كَذَّبُوا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾، أيْ أنا عَلى بَيِّنَةٍ وأنْتُمْ كَذَّبْتُمْ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ البَيِّناتُ فَشَتّانَ بَيْنِي وبَيْنَكم.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِهِ يَعُودُ إلى البَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِها بِالبَيانِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ ما صَدَّقَها اليَقِينُ أوِ القُرْآنُ عَلى وجْهٍ جَعَلَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً، أيْ وكَذَّبْتُمْ بِاليَقِينِ مُكابَرَةً وعِنادًا، ويَعُودُ إلى رَبِّي عَلى وجْهٍ جَعَلَ مِنِ اتِّصالِيَّةً، أيْ كُنْتُ أنا عَلى يَقِينٍ في شَأْنِ رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ مَعَ أنَّ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ. ويَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، وهو القُرْآنُ لِشُهْرَةِ التَّداوُلِ بَيْنَهم في شَأْنِهِ فَإذا أُطْلِقَ ضَمِيرُ الغائِبِ انْصَرَفَ إلَيْهِ بِالقَرِينَةِ.
والباءُ الَّتِي عُدِّيَ بِها فِعْلُ كَذَّبْتُمْ هي لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ مَعْنى الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . فَلِذَلِكَ يَدُلُّ فِعْلُ التَّكْذِيبِ إذا عُدِّيَ بِالباءِ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيِ التَّكْذِيبِ القَوِيِّ. ولَعَلَّ الِاسْتِعْمالَ أنَّهم لا يُعَدُّونَ فِعْلَ التَّكْذِيبِ بِالباءِ إلّا إذا أُرِيدَ تَكْذِيبُ حُجَّةٍ أوْ بُرْهانٍ مِمّا يُحْسَبُ سَبَبَ تَصْدِيقٍ، فَلا يُقالُ: كَذَّبْتُ بِفُلانٍ، بَلْ يُقالُ: كَذَّبْتُ فُلانًا، قالَ تَعالى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان: ٣٧] وقالَ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] .
والمَعْنى التَّعْرِيضِيُّ بِهِمْ في شَأْنِ اعْتِقادِهِمْ في آلِهَتِهِمْ باقٍ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ حالَهم في الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ مِمّا يَزِيدُهم عِنادًا عِنْدَ سَماعِ تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَنَقُّصِ عَقائِدِهِمْ فَكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ قَوْلُكَ حَقًّا فَأيْنَ الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدْتَنا. فَإنَّهم قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقالُوا ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَأُمِرَ بِأنْ يُجِيبَ أنْ يَقُولَ ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ .
صفحة ٢٦٧
والِاسْتِعْجالُ طَلَبُ التَّعْجِيلِ بِشَيْءٍ، فَهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو المَطْلُوبُ مِنهُ تَعْجِيلُ شَيْءٍ. فَإذا أُرِيدَ ذِكْرُ الأمْرِ المُعَجَّلِ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ. والباءُ فِيهِ لِلتَّعَدِّيَةِ. والمَفْعُولُ هُنا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ما عِنْدِي﴾ . والتَّقْدِيرُ: تَسْتَعْجِلُونَنِي بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] فالأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ، وسَيَأْتِي في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ.
ومَعْنى ﴿ما عِنْدِي﴾ أنَّهُ لَيْسَ في مَقْدِرَتِي، كَما يُقالُ: ما بِيَدِي كَذا. فالعِنْدِيَّةُ مَجازٌ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالعِلْمِ والمَقْدِرَةِ. والمَعْنى: أنِّي لَسْتُ العَلِيمَ القَدِيرَ، أيْ لَسْتُ إلَهًا ولَكِنَّنِي عَبْدٌ مُرْسَلٌ أقِفُ عِنْدَ ما أُرْسِلْتُ بِهِ.
وحَقِيقَةُ (عِنْدَ) أنَّها ظَرْفُ المَكانِ القَرِيبِ. وتُسْتَعْمَلُ مَجازًا في اسْتِقْرارِ الشَّيْءِ لِشَيْءٍ ومِلْكِهِ إيّاهُ، كَقَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وتُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الِاحْتِفاظِ بِالشَّيْءِ، كَقَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ولا يَحْسُنُ في غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ بِـ ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ العَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ. عُبِّرَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِما تُنْبِئُ بِهِ الصِّلَةُ
صفحة ٢٦٨
مِن كَوْنِهِ مُؤَخَّرًا مُدَّخَرًا لَهم وأنَّهم يَسْتَعْجِلُونَهُ وأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، لِأنَّ التَّعْجِيلَ والتَّأْخِيرَ حالانِ لِلْأمْرِ الواقِعِ؛ فَكانَ قَوْلُهُ تَسْتَعْجِلُونَ في نَفْسِهِ وعِيدًا. وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُقَدِّرُ وقْتَهُ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ فِيهِ، لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ الظَّرْفِ أفادَ قَصْرَ القَلْبِ، لِأنَّهم تَوَهَّمُوا مِن تَوَعُّدِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِعِقابٍ في مَقْدِرَتِهِ. فَجَعَلُوا تَأخُّرَهُ إخْلافًا لِتَوَعُّدِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الوَعِيدَ بِيَدِ اللَّهِ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ . فَقَوْلُهُ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ القَصْرِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ. وعَلى وجْهِ كَوْنِ ضَمِيرِ (بِهِ) لِلْقُرْآنِ، فالمَعْنى كَذَّبْتُمْ بِالقُرْآنِ وهو بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ، وسَألْتُمْ تَعْجِيلَ العَذابِ تَعْجِيزًا لِي وذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي.
وجُمْلَةُ ﴿يَقُصُّ الحَقَّ﴾ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ، أيْ هو أعْلَمُ بِالحِكْمَةِ في التَّأْخِيرِ أوِ التَّعْجِيلِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ يَقُصُّ بِضَمِّ القافِ وبِالصّادِّ المُهْمَلَةِ فَهو مِنَ الِاقْتِصاصِ، وهو اتِّباعُ الأثَرِ، أيْ يُجْرِي قَدَرَهُ عَلى أثَرِ الحَقِّ، أيْ عَلى وفْقِهِ؛ أوْ هو مِنَ القَصَصِ، وهو الحِكايَةُ أيْ يَحْكِي بِالحَقِّ، أيْ أنَّ وعْدَهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ فَهو لا يُخْبِرُ إلّا بِالحَقِّ. والحَقُّ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ.
وقَرَأ الباقُونَ (يَقْضِ) بِسُكُونِ القافِ وبِضادٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (قَضى)، وهو في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ. فاعْتُذِرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ الياءَ حُذِفَتْ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ في حالِ الوَصْلِ، إذْ هو غَيْرُ مَحَلِّ وقْفٍ، وذَلِكَ مِمّا أُجْرِيَ فِيهِ الرَّسْمُ عَلى اعْتِبارِ الوَصْلِ عَلى النّادِرِ كَما كُتِبَ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] . قالَ مَكِّيٌّ قِراءَةُ الصّادِ أيِ المُهْمَلَةِ أحَبُّ إلَيَّ لِاتِّفاقِ الحَرَمِيَّيْنِ أيْ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلَيْها ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ القَضاءِ لَلَزِمَتِ الباءُ المُوَحَّدَةُ فِيهِ، يَعْنِي أنْ يُقالَ: يَقُصُّ بِالحَقِّ. وتَأْوِيلُهُ بِأنَّهُ نَصْبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ نادِرٌ. وأجابَ الزُّجاجُ بِأنَّ الحَقَّ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، أيِ القَضاءُ الحَقُّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ لِئَلّا يُضْطَرَّ الواقِفُ إلى إظْهارِ الياءِ فَيُخالِفُ الرَّسْمَ المُصْحَفِيَّ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيْ يَقُصُّ ويُخْبِرُ بِالحَقِّ، وهو خَيْرُ مَن يَفْصِلُ بَيْنَ النّاسِ، أوْ يَقْضِي بِالحَقِّ، وهو خَيْرُ مَن يَفْصِلُ القَضاءَ.
صفحة ٢٦٩
والفَصْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنى القَضاءِ. قالَ عُمَرُ في كِتابِهِ إلى أبِي مُوسى: فَإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُورِثُ الضَّغائِنَ. ويُطْلَقُ بِمَعْنى الكَلامِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّوابِ والخَطَأِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ [ص: ٢٠] وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] . فَمَعْنى ﴿خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ يَشْمَلُ القَوْلَ الحَقَّ والقَضاءَ العَدْلَ.
6:58Page 134
قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨
Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."
﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَلَوْ كانَ بِيَدِكَ إنْزالُ العَذابِ بِهِمْ ماذا تَصْنَعُ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. وإذْ قَدْ كانَ قَوْلُهُ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ إلخ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فالأمْرُ بِأنْ يَقُولَهُ في قُوَّةِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِأنَّ الكَلامَ لَمّا بُنِيَ كُلُّهُ عَلى تَلْقِينِ الرَّسُولِ ما يَقُولُهُ لَهم فالسّائِلُ يَتَطَلَّبُ مِنَ المُلَقِّنِ ماذا سَيُلَقَّنُ بِهِ رَسُولُهُ إلَيْهِمْ. ومَعْنى ﴿عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ لَوْ كانَ في عِلْمِي حِكْمَتُهُ وفي قُدْرَتِي فِعْلُهُ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ مَعْنى لَسْتُ إلَهًا ولَكِنَّنِي عَبْدٌ أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ.
وقَوْلُهُ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ جَوابُ (لَوْ) . فَمَعْنى قُضِيَ تَمَّ وانْتَهى. والأمْرُ مُرادٌ بِهِ النِّزاعُ والخِلافُ. فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وبُنِيَ قُضِيَ الأمْرُ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ قاضِيَهُ هو مَن بِيَدِهِ ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.
وتَرْكِيبُ قُضِيَ الأمْرُ شاعَ فَجَرى مَجْرى المَثَلِ، فَحُذِفَ الفاعِلُ لِيَصْلُحَ التَّمَثُّلُ بِهِ في كُلِّ مَقامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]؛ ولِذَلِكَ إذا جاءَ في غَيْرِ طَرِيقَةِ المَثَلِ يُصَرَّحُ بِفاعِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] .
وذَلِكَ القَضاءُ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: مِنها أنْ يَأْتِيَهم بِالآيَةِ المُقْتَرَحَةِ فَيُؤْمِنُوا، أوْ أنْ يَغْضَبَ فَيُهْلِكَهم، أوْ أنْ يَصْرِفَ قُلُوبَهم عَنْ طَلَبِ ما لا يُجِيبُهم إلَيْهِ فَيَتُوبُوا ويَرْجِعُوا.
صفحة ٢٧٠
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ مِنِّي ومِن كُلِّ أحَدٍ بِحِكْمَةِ تَأْخِيرِ العَذابِ وبِوَقْتِ نُزُولِهِ، لِأنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ الَّذِي عِنْدَهُ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. والتَّعْبِيرُ بِالظّالِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ ضَمِيرِ الخِطابِ لِإشْعارِهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في شِرْكِهِمْ إذِ اعْتَدَوْا عَلى حَقِّ اللَّهِ، وظالِمُونَ في تَكْذِيبِهِمْ إذِ اعْتَدَوْا عَلى حَقِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وظالِمُونَ في مُعامَلَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences