Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:63–67

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:63–67

6:63–64Page 135

قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤

Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ تَهْدِيدًا وافْتُتِحَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ تَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ بِضَمائِرِ الخِطابِ المُشْرِكُونَ دُونَ المُسْلِمِينَ. وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .

وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والإلْجاءِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ لا يُنازَعُونَ فِيهِ بِحَسْبِ عَقائِدِ الشِّرْكِ.

والظُّلُماتُ قِيلَ عَلى حَقِيقَتِها، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ مِن إضْرارِ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فَظُلُماتُ البَرِّ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الَّتِي يَلْتَبِسُ فِيها الطَّرِيقُ لِلسّائِرِ والَّتِي يُخْشى فِيها العَدُوُّ

صفحة ٢٨١

لِلسّائِرِ ولِلْقاطِنِ، أيْ ما يَحْصُلُ في ظُلُماتِ البَرِّ مِنَ الآفاتِ. وظُلُماتُ البَحْرِ يُخْشى فِيها الغَرَقُ والضَّلالَ والعَدُوُّ. وقِيلَ: أُطْلِقَتِ الظُّلُماتُ مَجازًا عَلى المَخاوِفِ الحاصِلَةِ في البَرِّ والبَحْرِ، كَما يُقالُ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ شَدائِدُ. ومِن أمْثالِ العَرَبِ (رَأى الكَواكِبَ مُظْهِرًا)، أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ إظْلامًا في عَيْنَيْهِ لِما لاقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ لَيْلٌ يُرى فِيهِ الكَواكِبُ. والجَمْعُ عَلى الوَجْهَيْنِ رُوعِيَ فِيهِ تَعَدُّدُ أنْواعِ ما يَعْرِضُ مِنَ الظُّلُماتِ، عَلى أنَّنا قَدَّمْنا في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الجَمْعَ في لَفْظِ الظُّلُماتِ جَرى عَلى قانُونِ الفَصاحَةِ.

وجُمْلَةُ تَدْعُونَهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يُنَجِّيكم.

وقُرِئَ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِنافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، وخَلَفٍ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.

والتَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ. والخُفْيَةُ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها ضِدُّ الجَهْرِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ مِثْلُ أُسْوَةٍ وإسْوَةٍ. وعَطَفَ خُفْيَةً عَلى تَضَرُّعًا إمّا عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ كَما تُعْطَفُ الأوْصافُ فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَطْفَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الدُّعاءِ، أيْ تَدْعُونَهُ في الظُّلُماتِ مُخْفِينَ أصْواتَكم خَشْيَةَ انْتِباهِ العَدُوِّ مِنَ النّاسِ أوِ الوُحُوشِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ [يونس: ٢٢] في مَحَلٍّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ. وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الكَلامِ. واللّامُ في لَئِنِ المُوَطِّئَةِ لِلْقِسْمِ، واللّامُ في لَتَكُونَنَّ لامُ جَوابِ القِسْمِ. وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّ المَقْصُودَ حِكايَةُ اجْتِماعِهِمْ عَلى الدُّعاءِ بِحَيْثُ يَدْعُو كُلُّ واحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ رِفاقِهِ. وإمّا أُرِيدَ التَّعْبِيرُ عَنِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ مِثْلَ: رَكِبَ القَوْمُ خَيْلَهم، وإنَّما رَكِبَ كُلُّ واحِدٍ فَرَسًا.

صفحة ٢٨٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْجَيْتَنا بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الجِيمِ ومُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (أنْجانا) بِألْفٍ بَعْدَ الجِيمِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَن في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ .

والإشارَةُ بِـ هَذِهِ إلى الظُّلْمَةِ المُشاهَدَةِ لِلْمُتَكَلِّمِ بِاعْتِبارِ ما يَنْشَأُ عَنْها، أوْ بِاعْتِبارِ المَعْنى المَجازِيِّ وهو الشِّدَّةُ، أوْ إلى حالَةٍ يُعَبَّرُ عَنْها بِلَفْظٍ مُؤَنَّثٍ مِثْلَ الشِّدَّةِ أوِ الوَرْطَةِ أوِ الرِّبْقَةِ.

والشّاكِرُ هو الَّذِي يُراعِي نِعْمَةَ المُنْعِمِ فَيُحْسِنُ مُعامَلَتَهُ كُلَّما وجَدَ لِذَلِكَ سَبِيلًا. وقَدْ كانَ العَرَبُ يَرَوْنَ الشُّكْرَ حَقًّا عَظِيمًا ويُعَيِّرُونَ مَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ.

وقَوْلُهم مِنَ الشّاكِرِينَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لِنَكُونَنَّ شاكِرِينَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] .

وجُمْلَةُ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها﴾ تَلْقِينٌ لِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ مِن قَوْلِهِ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ أنْ يُجِيبَ عَنِ المَسْئُولِينَ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قُلْ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى القَوْلِ في المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَوَلّى الجَوابَ عَنْهم لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ.

وقَدَّمَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ يُنَجِّيكم لا غَيْرُهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ صَرَّحَ بِالفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. ولَوْلا هَذا لاقْتَصَرَ عَلى قُلِ اللَّهُ. والضَّمِيرُ في مِنها لِلظُّلُماتِ أوْ لِلْحادِثَةِ.

وزادَ ﴿ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ، وأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ بِالمَعْنَيَيْنِ لِمُجَرَّدِ المِثالِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبَ يُنْجِيكم بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مِن أنْجاهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ جَمَعَتْ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ. وهَذا مِنَ التَّفَنُّنِ لِتَجَنُّبِ الإعادَةِ. ونَظِيرُهُ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] .

صفحة ٢٨٣

وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (يُنَجِّيكم) بِالتَّشْدِيدِ مِثْلَ الأُولى.

وثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ إشْراكَهم مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم لا يَلْجَأُونَ إلّا إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ أمْرٌ عَجِيبٌ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ المُهْلَةَ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِخَبَرِ إسْنادِ الشِّرْكِ إلَيْهِمْ، أيْ أنْتُمُ الَّذِينَ تَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِاعْتِرافِكم تُشْرِكُونَ بِهِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، مِن بابِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ومِن بابِ: لَوْ غَيْرُكَ قالَها، ولَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ تَجَدُّدِ شِرْكِهِمْ وأنَّ ذَلِكَ التَّجَدُّدَ والدَّوامَ عَلَيْهِ أعْجَبُ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أنْجاكم فَوَعَدْتُمْ أنْ تَكُونُوا مِنَ الشّاكِرِينَ فَإذا أنْتُمْ تُشْرِكُونَ. وبَيْنَ الشّاكِرِينَ وتُشْرِكُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ.

6:65Page 135

قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَقَّبَ بِهِ ذِكْرَ النِّعْمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٣] بِذِكْرِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ، تَخْوِيفًا لِلْمُشْرِكِينَ. وإعادَةُ فِعْلِ الأمْرِ بِالقَوْلِ مِثْلَ إعادَتِهِ في نَظائِرِهِ لِلِاهْتِمامِ المُبَيَّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] . والمَعْنى قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ، فالمُخاطَبُ بِضَمائِرِ الخِطابِ هُمُ المُشْرِكُونَ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لَيْسَ الإعْلامَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها مَعْلُومَةٌ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ التَّهْدِيدُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ القادِرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُخافَ بَأْسُهُ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ مَجازًا مُرْسَلًا مُرَكَّبًا، أوْ كِنايَةً تَرْكِيبِيَّةً. وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم، لِقَوْلِهِمْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ.

صفحة ٢٨٤

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ أفادَ القَصْرَ، فَأفادَ اخْتِصاصَهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ العَذابِ عَلَيْهِمْ وأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَخْشَوُا الأصْنامَ، ولَوْ أرادُوا الخَيْرَ لِأنْفُسِهِمْ لَخافُوا اللَّهَ تَعالى وأفْرَدُوهُ بِالعِبادَةِ لِمَرْضاتِهِ، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ إضافِيٌّ. والتَّعْرِيفُ في (القادِرُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، إذْ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ تَعالى عَلى مِثْلِ هَذا العَذابِ.

والعَذابُ الَّذِي مِن فَوْقُ مِثْلُ الصَّواعِقِ والرِّيحِ، والَّذِي مِن تَحْتِ الأرْجُلِ مِثْلُ الزَّلازِلِ والخَسْفِ والطُّوفانِ.

و”يَلْبِسَكم“ مُضارِعُ لَبَسَهُ بِالتَّحْرِيكِ أيْ خَلَطَهُ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَلْبِسَكم إلى ضَمِيرِ الأشْخاصِ بِتَقْدِيرِ اخْتِلاطِ أمْرِهِمْ واضْطِرابِهِ ومَرْجِهِ، أيِ اضْطِرابُ شُؤُونِهِمْ، فَإنَّ اسْتِقامَةَ الأُمُورِ تُشْبِهُ انْتِظامَ السِّلْكِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ اسْتِقامَةُ أُمُورِ النّاسِ نِظامًا. وبِعَكْسِ ذَلِكَ اخْتِلالُ الأُمُورِ والفَوْضى تُشْبِهُ اخْتِلاطَ الأشْياءِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ مَرْجًا ولَبْسًا. وذَلِكَ بِزَوالِ الأمْنِ ودُخُولِ الفَسادِ في أُمُورِ الأُمَّةِ، ولِذَلِكَ يُقْرَنُ الهَرْجُ (وهو القَتْلُ) بِالمَرْجِ (وهو الخَلْطُ) فَيُقالُ: هم في هَرْجٍ ومَرْجٍ، فَسُكُونُ الرّاءِ في الثّانِي لِلْمُزاوَجَةِ.

وانْتَصَبَ شِيَعًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يَلْبِسَكم. والشِّيَعُ جَمْعُ شِيعَةٍ بِكَسْرِ الشِّينِ وهي الجَماعَةُ المُتَّحِدَةُ في غَرَضٍ أوْ عَقِيدَةٍ أوْ هَوًى فَهم مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . وشِيعَةُ الرَّجُلِ أتْباعُهُ والمُقْتَدُونَ بِهِ قالَ تَعالى ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ مِن شِيعَةِ نُوحٍ.

وتَشَتُّتُ الشِّيَعِ وتَعَدُّدُ الآراءِ أشَدُّ في اللَّبْسِ والخَلْطِ، لِأنَّ اللَّبْسَ الواقِعَ كَذَلِكَ لَبْسٌ لا يُرْجى بَعْدَهُ انْتِظامٌ.

وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لِأنَّ مِن عَواقِبِ ذَلِكَ اللَّبْسِ التَّقاتُلَ. فالبَأْسُ هو القَتْلُ والشَّرُّ، قالَ تَعالى ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] . والإذاقَةُ اسْتِعارَةٌ لِلْألَمِ.

وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما قُلْنا بِطَرِيقِ المَجازِ أوِ الكِنايَةِ. وقَدْ وقَعَ مِنهُ الأخِيرُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ ذاقُوا بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وفي غَزَواتٍ كَثِيرَةٍ.

صفحة ٢٨٥

فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعُوذُ بِوَجْهِكَ. قالَ ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ قالَ: أعُوذُ بِوَجْهِكَ، قالَ ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَذا أهْوَنُ، أوْ هَذا أيْسَرُ» . اهـ. واسْتِعاذَةُ النَّبِيءِ ﷺ مِن ذَلِكَ خَشْيَةَ أنْ يَعُمَّ العَذابُ إذا نَزَلَ عَلى الكافِرِينَ مَن هو بِجِوارِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لِقَوْلُهُ تَعالى ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وفي الحَدِيثِ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» . ومَعْنى قَوْلِهِ: هَذِهِ أهْوَنُ، أنَّ القَتْلَ إذا حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ فَهو بِيَدِ المُسْلِمِينَ فَيَلْحَقُ المُسْلِمِينَ مِنهُ أذًى عَظِيمٌ لَكِنَّهُ أهْوَنُ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِئْصالُ وانْقِطاعُ كَلِمَةِ الدِّينِ، فَهو عَذابٌ لِلْمُشْرِكِينَ وشَهادَةٌ وتَأْيِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وفي الحَدِيثِ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» . وبَعْضُ العُلَماءِ فَسَّرَ الحَدِيثَ بِأنَّهُ اسْتَعاذَ أنْ يَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. ويَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: لِماذا لَمْ يَسْتَعِذِ الرَّسُولُ ﷺ مِن وُقُوعِ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في المُسْلِمِينَ، ولَكِنَّ اللَّهَ وعَدَهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِ أنْفُسِهِمْ. ولَيْسَتِ اسْتِعاذَتُهُ بِدالَّةٍ عَلى أنَّ الآيَةَ مُرادٌ بِها خِطابُ المُسْلِمِينَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ولا أنَّها تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ، إلّا عَلى مَعْنى أنَّ مُفادَها غَيْرُ الصَّرِيحِ صالِحٌ لِلْفَرِيقَيْنِ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ صالِحَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، ولَكِنَّ المَعْنى التَّهْدِيدِيَّ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمُسْلِمِينَ هُنا. وهَذا الوَجْهُ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في أصْلِ الإخْبارِ وفي لازِمِهِ فَيَكُونُ صَرِيحًا وكِنايَةً ولا يُناسِبُ المَجازَ المُرَكَّبَ المُتَقَدِّمَ بَيانُهُ.

* * *

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ورَدَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامَيْنِ السّابِقَيْنِ.

وفِي الأمْرِ بِالنَّظَرِ تَنْزِيلٌ لِلْمَعْقُولِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ، وقَدْ مَضى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ٢٨٦

وتَصْرِيفُ الآياتِ تَنْوِيعُها بِالتَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى. فالمُرادُ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى التَّصْرِيفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

و﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِسُؤالِ سائِلٍ عَنْ فائِدَةِ تَصْرِيفِ الآياتِ، وذَلِكَ رَجاءَ حُصُولِ فَهْمِهِمْ لِأنَّهم لِعِنادِهِمْ كانُوا في حاجَةٍ إلى إحاطَةِ البَيانِ بِأفْهامِهِمْ لَعَلَّها تَتَذَكَّرُ وتَرْعَوِي.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى (لَعَلَّ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى الفِقْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

6:66–67Page 135

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."

لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧

For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.

﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهْوَ الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٦٥]، أيْ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ فَلَمْ يَفْقَهُوا وكَذَّبُوا. وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى العَذابِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، وتَكْذِيبُهم بِهِ مَعْناهُ تَكْذِيبُهم بِأنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِأجْلِ إعْراضِهِمْ.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ ”قَوْمُكَ“ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لِمَن هو مِن أنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقالَ طَرْفَةُ:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضَـاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (كَذَّبَ) بِالباءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ وهو الحَقُّ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا إلخ.

وقَدْ تَحَقَّقَ بَعْضُ ذَلِكَ بِعَذابٍ مِن فَوْقِهِمْ وهو عَذابُ القَحْطِ، وبِإذاقَتِهِمْ بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.

صفحة ٢٨٧

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بِهِ عائِدًا إلى القُرْآنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ رُجُوعًا بِالكَلامِ إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، أيْ كَذَبْتُمْ بِالقُرْآنِ، عَلى وجْهٍ جَعَلَ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن رَبِّي“ ابْتِدائِيَّةً كَما تَقَدَّمَ، أيْ كَذَّبْتُمْ بِآيَةِ القُرْآنِ وسَألْتُمْ نُزُولَ العَذابِ تَصْدِيقًا لِرِسالَتِي وذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. أُولاها: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ثُمَّ ما بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ إرْغامٌ لَهم لِأنَّهم يَرَوْنَهُ أنَّهم لَمّا كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ أغاظُوهُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُغِيظُهُ ذَلِكَ وأنَّ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ فَإنْ كانُوا يَغِيظُونَ فَلا يَغِيظُونَ إلّا أنْفُسَهم.

والوَكِيلُ هُنا بِمَعْنى المُدافِعِ النّاصِرِ، وهو الحَفِيظُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ والسُّلْطَةِ، أيْ لَسْتُ بِقَيِّمٍ عَلَيْكم يَمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] . وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ يُثِيرُ سُؤالَهم أنْ يَقُولُوا: فَمَتى يَنْزِلُ العَذابُ. فَأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ .

والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِن أخْبارِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أطْلَقَ المَصْدَرَ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لِكُلِّ مُخْبَرٍ بِهِ، أيْ ما أُخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآيَةَ.

والمُسْتَقَرُّ وقْتُ الِاسْتِقْرارِ، فَهو اسْمُ زَمانِهِ، ولِذَلِكَ صِيغَ بِوَزْنِ اسْمِ المَفْعُولِ، كَما هو قِياسُ صَوْغِ اسْمِ الزَّمانِ المُشْتَقِّ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ. والِاسْتِقْرارُ بِمَعْنى الحُصُولِ، أيْ لِكُلِّ مَوْعُودٍ بِهِ وقْتٌ يَحْصُلُ فِيهِ. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْوَعِيدِ وتَفْوِيضُ زَمانِهِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ يَكُونُ المُسْتَقَرُّ هُنا مُسْتَعْمَلًا في الِانْتِهاءِ والغايَةِ مَجازًا، كَقَوْلِهِ تَعالى

صفحة ٢٨٨

﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨]، وهو شامِلٌ لِوَعِيدِ الآخِرَةِ ووَعِيدِ الدُّنْيا ولِكُلٍّ مُسْتَقَرٌّ. وعَنِ السُّدِّيِّ: اسْتَقَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ ما كانَ يَعِدُهم بِهِ مِنَ العَذابِ.

وعَطْفُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ تَعْلَمُونَهُ، أيْ هو الآنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وتَعْلَمُونَهُ في المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ حُلُولِهِ بِكم. وهَذا أظْهَرُ في وعِيدِ العَذابِ في الدُّنْيا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском