Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:80–83
6:80Page 137
وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠
And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?
﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ .
لَمّا أعْلَنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَقَدَهُ لِقَوْمِهِ أخَذُوا في مُحاجَّتِهِ، فَجُمْلَةُ وحاجَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً بِالإخْبارِ بِمَضْمُونِها مَعَ أنَّ تَفَرُّعَ مَضْمُونِها عَلى ما قَبْلَها مَعْلُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ.
صفحة ٣٢٦
والمُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ مِنَ الحُجَّةِ، وهي الدَّلِيلُ المُؤَيِّدُ لِلدَّعْوى. ولا يُعْرَفُ لِهَذِهِ المُفاعَلَةِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بِمَعْنى اسْتَدَلَّ بِحُجَّةٍ، وإنَّما المَعْرُوفُ فِعْلُ حَجَّ إذا غَلَبَ في الحُجَّةِ، فَإنْ كانَتِ احْتِجاجًا مِنَ الجانِبَيْنِ فَهي حَقِيقَةٌ وهو الأصْلُ، وإنْ كانَتْ مِن جانِبٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أنَّ مُحاوِلَ الغَلَبِ في الحُجَّةِ لا بُدَّ أنْ يَتَلَقّى مِن خَصْمِهِ ما يَرُدُّ احْتِجاجَهُ فَتَحْصُلُ المُحاوَلَةُ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أُطْلِقَ عَلى الِاحْتِجاجِ مُحاجَّةٌ، أوِ المُفاعَلَةُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. والأوْلى حَمْلُها هُنا عَلى الحَقِيقَةِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى حُصُولَ مُحاجَّةٍ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ.
وذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ تَفْسِيرِهِ: أنَّ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ تَقْتَضِي أنَّ المَجْعُولَ فِيها فاعِلًا هو البادِئُ بِالمُحاجَّةِ، وأنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] حَيْثُ قالَ ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . فَبَدَأ بِكَلامِ إبْراهِيمَ وهو مَفْعُولُ الفِعْلِ وأجابَ بِأنَّ إبْراهِيمَ بَدَأ بِالمُقاوَلَةِ ونُمْرُوذَ بَدَأ المُحاجَّةَ. ولَمْ يَذْكُرْ أئِمَّةُ اللُّغَةِ هَذا القَيْدَ في اسْتِعْمالِ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا أنَّهم سَلَكُوا مَعَهُ طَرِيقَ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ أوْ عَلى إبْطالِ مُعْتَقَدِهِ وهو يَسْمَعُ، فَجَعَلَ سَماعَهُ كَلامَهم بِمَنزِلَةِ جَوابٍ مِنهُ فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ كَلِمَةَ المُحاجَّةِ. وأبْهَمَ احْتِجاجَهم هُنا إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ لِأنَّ الغَرَضَ هو الِاعْتِبارُ بِثَباتِ إبْراهِيمَ عَلى الحَقِّ. وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ حاجَّهُ لِدَلالَةِ المَقامِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أتُحاجُّونِي في اللَّهِ﴾ الآياتِ.
وقَدْ ذُكِرَتْ حُجَجُهم في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ قالَ ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] الآياتِ، وفي سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] وكُلُّها مُحاجَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ويَدْخُلُ في المُحاجَّةِ ما لَيْسَ
صفحة ٣٢٧
بِحُجَّةٍ ولَكِنَّهُ مِمّا يَرَوْنَهُ حُجَجًا بِأنْ خَوَّفُوهُ غَضَبَ آلِهَتِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. والتَّقْدِيرُ: وحاجَّهُ قَوْمُهُ فَقالُوا: كَيْتَ وكَيْتَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُحاجُّونِي في اللَّهِ﴾ جَوابُ مُحاجَّتِهِمْ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإنْ كانَتِ المُحاجَّةُ عَلى حَقِيقَةِ المُفاعَلَةِ فَقَوْلُهُ أتُحاجُّونِي غَلْقٌ لِبابِ المُجادَلَةِ وخَتْمٌ لَها، وإنْ كانَتِ المُحاجَّةُ مُسْتَعْمَلَةً في الِاحْتِجاجِ فَقَوْلُهُ أتُحاجُّونِّي جَوابٌ لِمُحاجَّتِهِمْ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ وتَأْيِيسٌ مِن رُجُوعِهِ إلى مُعْتَقَدِهِمْ.
و(في) لِظَرْفِيَّةٍ المَجازِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”تُحاجُّونِّي“ ودُخُولُها عَلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، لِأنَّ المُحاجَّةَ لا تَكُونُ في الذَّواتِ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ ما يَصْلُحُ لَهُ المَقامُ وهو صِفاتُ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، أيْ في تَوْحِيدِ اللَّهِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] أيْ في اسْتِئْصالِهِمْ.
وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، أيْ لا جَدْوى لِمُحاجَّتِكم إيّايَ بَعْدَ أنْ هَدانِي اللَّهُ إلى الحَقِّ، وشَأْنُ الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِلْإنْكارِ أنْ يَكُونَ اتِّصافُ صاحِبِها بِها مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِ. فالظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ نَزَّلَهم في خِطابِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ هَداهُ كِنايَةً عَلى ظُهُورِ دَلائِلِ الهِدايَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ أتُحاجُّونِي بِنُونٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ وأصْلُهُ أتُحاجُّونَنِي بِنُونَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِلتَّخْفِيفِ، والمَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةُ الَّتِي هي نُونُ الوِقايَةِ عَلى مُخْتارِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: لِأنَّ الأُولى نُونُ الإعْرابِ وأمّا الثّانِيَةُ فَهي مُوَطِّئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ حَذْفُها تَخْفِيفًا، كَما قالُوا، لَيْتِي في لَيْتَنِي. وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّ المَحْذُوفَةَ هي الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ جُلِبَتْ لِتَحْمِلَ الكَسْرَةَ المُناسِبَةَ لِلْياءِ، ونُونُ الرَّفْعِ لا تَكُونُ مَكْسُورَةً، وأيًّا ما كانَ فَهَذا الحَذْفُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ.
صفحة ٣٢٨
وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنٌ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ فَهو مُخْطِئٌ في زَعْمِهِ، أوْ أخْطَأ مَن عَزاهُ إلَيْهِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ أيْضًا، ولِذَلِكَ تُمَدُّ الواوُ لِتَكُونَ المَدَّةُ فاصِلَةً بَيْنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِأنَّ المَدَّةَ خِفَّةٌ وهَذا الِالتِقاءُ هو الَّذِي يَدْعُونَهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى حِدَةٍ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ وقَدْ هَدانِ لِلتَّخْفِيفِ وصْلًا ووَقْفًا في قِراءَةِ نافِعٍ مِن رِوايَةِ قالُونَ، وفي الوَقْفِ فَقَطْ في قِراءَةِ بَعْضِ العَشَرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
وقَوْلُهُ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ مَعْطُوفٌ عَلى أتُحاجُّونِّي فَتَكُونُ إخْبارًا، أوْ عَلى جُمْلَةِ وقَدْ هَدانِ فَتَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ. وتَأْكِيدُ الإنْكارِ بِها أظْهَرُ مِنهُ لِقَوْلِهِ وقَدْ هَدانِ لِأنَّ عَدَمَ خَوْفِهِ مِن آلِهَتِهِمْ قَدْ ظَهَرَتْ دَلائِلُهُ عَلَيْهِ. فَقَوْمُهُ إمّا عالِمُونَ بِهِ أوْ مُنْزَلُونَ مَنزِلَةَ العالِمِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وقَدْ هَدانِ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّهم حاجُّوهُ في التَّوْحِيدِ وخَوَّفُوهُ بَطْشَ آلِهَتِهِمْ ومَسَّهم إيّاهُ بِسُوءٍ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ إنْكارِ مُحاجَّتِهِمْ إيّاهُ وبَيْنَ نَفْيِ خَوْفِهِ مِن آلِهَتِهِمْ، ولا بَيْنَ هُدى اللَّهِ إيّاهُ وبَيْنَ نَفْيِ خَوْفِهِ آلِهَتَهم، فَتَعَيَّنَ أنَّهم خَوَّفُوهُ مَكْرَ آلِهَتِهِمْ. ونَظِيرُ ذَلِكَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِ هُودٍ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] .
وما مِن قَوْلِهِ ”ما تُشْرِكُونَ بِهِ“ مَوْصُولَةٌ ما صَدَّقَها آلِهَتُهُمُ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ فَتَكُونُ الباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ تُشْرِكُونَ، وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ما المَوْصُولَةُ فَتَكُونُ الباءُ سَبَبِيَّةً، أيِ الأصْنامُ الَّتِي بِسَبَبِها أشْرَكْتُمْ.
وقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِمّا قَبْلَهُ وقَدْ جَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنى لَكِنْ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الطَّبَرِيِّ، وهو الأظْهَرُ فَإنَّهُ لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ يَخافُ إضْرارَ آلِهَتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ قَدْ يَتَوَهَّمُ مِنهُ السّامِعُونَ أنَّهُ لا يَخافُ شَيْئًا
صفحة ٣٢٩
اسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ، أيْ لَكِنْ أخافُ مَشِيئَةَ رَبِّي شَيْئًا مِمّا أخافُهُ، فَذَلِكَ أخافُهُ. وفي هَذا الِاسْتِدْراكِ زِيادَةُ نِكايَةٍ لِقَوْمِهِ إذْ كانَ لا يَخافُ آلِهَتَهم في حِينِ أنَّهُ يَخْشى رَبَّهُ المُسْتَحِقَّ لِلْخَشْيَةِ إنْ كانَ قَوْمُهُ لا يَعْتَرِفُونَ بِرَبٍّ غَيْرِ آلِهَتِهِمْ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلًا مُفْرَغًا عَنْ مُسْتَثْنًى مِنهُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أوْقاتٍ، أيْ لا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ أبَدًا، لِأنَّ الفِعْلَ المُضارِعَ المَنفِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ عَلى وجْهِ عُمُومِ الأزْمِنَةِ لِأنَّهُ كالنَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ، أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي شَيْئًا أخافُهُ مِن شُرَكائِكم، أيْ بِأنْ يُسَلِّطَ رَبِّي بَعْضَها عَلَيَّ فَذَلِكَ مِن قُدْرَةِ رَبِّي بِواسِطَتِها لا مِن قُدْرَتِها عَلَيَّ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ أحْوالًا عامَّةً، أيْ إلّا حالَ مَشِيئَةِ رَبِّي شَيْئًا أخافُهُ مِنها.
وجُمْلَةُ ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّهُ قَدْ يَخْتَلِجُ في نُفُوسِهِمْ: كَيْفَ يَشاءُ رَبُّكَ شَيْئًا تَخافُهُ وأنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ قائِمٌ بِمَرْضاتِهِ ومُؤَيِّدٌ لِدِينِهِ فَما هَذا إلّا شَكٌّ في أمْرِكَ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، أيْ إنَّما لَمْ آمَن إرادَةَ اللَّهِ بِي ضُرًّا وإنْ كَنْتُ عَبْدَهُ وناصِرَ دِينِهِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِحِكْمَةِ إلْحاقِ الضُّرِّ. أوِ النَّفْعِ بِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. وهَذا مَقامُ أدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
وجُمْلَةُ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أتُحاجُّونِي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ﴾ .
وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى فاءِ العَطْفِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ مَعَ وُضُوحِ دَلائِلِ التَّذَكُّرِ. والمُرادُ التَّذَكُّرُ في صِفاتِ آلِهَتِهِمُ المُنافِيَةِ لِمَقامِ الإلَهِيَّةِ، وفي صِفاتِ الإلَهِ الحَقِّ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها مَصْنُوعاتُهُ.
6:81Page 137
وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١
And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"
صفحة ٣٣٠
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
عُطِفَتْ جُمْلَةُ ”وكَيْفَ أخافُ“ عَلى جُمْلَةِ ”ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ“ لِيُبَيِّنَ لَهم أنَّ عَدَمَ خَوْفِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أقَلُّ عَجَبًا مِن عَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وأنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ فَلِذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا بِرَبِّهِمُ المُعْتَرِفِ بِهِ دُونَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا بِذَلِكَ.
و”كَيْفَ“ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، لِأنَّهم دَعَوْهُ إلى أنْ يَخافَ بَأْسَ الآلِهَةِ فَأنْكَرَ هو عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وقَلَبَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنَّهم لَمْ يَخافُوا اللَّهَ حِينَ أشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ بِدُونِ دَلِيلٍ نَصَبَهُ لَهم فَجَمَعَتْ كَيْفَ الإنْكارَ عَلى الأمْرَيْنِ.
قالُوا وفي قَوْلِهِ ﴿ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ فَيَدْخُلُ كِلْتاهُما في حُكْمِ الإنْكارِ، فَخَوْفُهُ مِن آلِهَتِهِمْ مُنْكَرٌ، وعَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ مُنْكَرٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ فَيَكُونَ مَحَلُّ الإنْكارِ هو دَعْوَتُهم إيّاهُ إلى الخَوْفِ مِن آلِهَتِهِمْ في حالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الخَوْفِ مِمَّنْ هو أعْظَمُ سُلْطانًا وأشَدُّ بَطْشًا، فَتُفِيدُ كَيْفَ مَعَ الإنْكارِ مَعْنى التَّعْجِيبِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] . ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ تَخْوِيفَهم إيّاهُ مِن أصْنامِهِمْ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ إلّا في حالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ عَلى هَذا إنْكارُ تَحْمِيقٍ ومُقابَلَةِ حالٍ بِحالٍ، لا بَيانُ ما هو مُنْكَرٌ وما لَيْسَ بِمُنْكَرٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ . وهَذا الوَجْهُ أبْلَغُ.
و”ما أشْرَكْتُمْ“ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ. حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] عَلَيْهِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ المَفْعُولِ (بِهِ)، لِـ ما أشْرَكْتُمْ.
صفحة ٣٣١
وفِي قَوْلِهِ ”أنَّكم أشْرَكْتُمْ“ حُذِفَتْ (مِن) المُتَعَلِّقَةُ بِـ ”تَخافُونَ“ لِاطِّرادِ حَذْفِ الجارِّ مَعَ (أنْ)، أيْ مِن إشْراكِكم، ولَمْ يَقُلْ: ولا تَخافُونَ اللَّهَ، لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويَخافُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَخافُوا الإشْراكَ بِهِ. و﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَوْصُولٌ مَعَ صِلَتِهِ مَفْعُولُ ”أنَّكم أشْرَكْتُمْ“ .
ومَعْنى ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ﴾ لَمْ يُخْبِرْكم بِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدْتُمُوها ولَمْ يَأْمُرْكم بِعِبادَتِها خَبَرًا تَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ فَلِذَلِكَ اسْتَعارَ لِذَلِكَ الخَبَرِ التَّنْزِيلَ تَشْبِيهًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ بِالرِّفْعَةِ، ولِبُلُوغِهِ إلى مَن هم دُونَ المُخْبَرِ، بِنُزُولِ الشَّيْءِ العالِي إلى أسْفَلِ مِنهُ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ لِأنَّها تَتَسَلَّطُ عَلى نَفْسِ المُخاصِمِ، أيْ لَمْ يَأْتِكم خَبَرٌ مِنهُ تَجْعَلُونَهُ حُجَّةً عَلى صِحَّةِ عِبادَتِكُمُ الأصْنامَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإنْكارِ، والتَّعْجِيبُ فَرْعٌ عَلَيْهِما اسْتِفْهامًا مُلْجِئًا إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهم أوْلى بِالخَوْفِ مِنَ اللَّهِ مِنإبْراهِيمَ مِن آلِهَتِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ بِـ ”أيُّ“ لِلتَّقْرِيرِ بِأنَّ فَرِيقَهُ هو وحْدَهُ أحَقُّ بِالأمْنِ.
والفَرِيقُ: الطّائِفَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ المُتَمَيِّزَةُ عَنْ غَيْرِها بِشَيْءٍ يَجْمَعُها مِن نَسَبٍ أوْ مَكانٍ أوْ غَيْرِهِما، مُشْتَقٌّ مِن فَرَّقَ إذا مَيَّزَ. والفِرْقَةُ أقَلُّ مِنَ الفَرِيقِ، وأرادَ بِالفَرِيقَيْنِ هُنا قَوْمَهُ ونَفْسَهُ، فَأطْلَقَ عَلى نَفْسِهِ الفَرِيقَ تَغْلِيبًا، أوْ أرادَ نَفْسَهُ ومَن تَبِعَهُ إنْ كانَ لَهُ أتْباعٌ ساعَتَئِذٍ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، أوْ أرادَ مَن سَيُوجَدُ مِن أتْباعِ مِلَّتِهِ، كَما يُناسِبُ قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
والتَّعْرِيفُ في الأمْنِ لِلْجِنْسِ، وهو ضِدُّ الخَوْفِ، وجُمْلَةُ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وجَوابُ شَرْطِها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُونِي، وفِيهِ اسْتِحْثاثٌ عَلى الجَوابِ.
6:82Page 138
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢
They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَيَكُونُ
صفحة ٣٣٢
جَوابًا مِنهُ عَنْ قَوْلِهِ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ. تَوَلّى جَوابَ اسْتِفْهامِهِ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَنْتَظِرْ جَوابَهم لِكَوْنِ الجَوابِ مِمّا لا يَسَعُ المَسْئُولَ إلّا أنْ يُجِيبَ بِمِثْلِهِ، وهو تَبْكِيتٌ لَهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَما يَسْألُ العالِمُ ويُجِيبُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، أيْ بِقَوْلِهِ (فَإنْ قُلْتَ قُلْتُ) . وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وقَدِ انْتَهى قَوْلُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ“ بَلْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِابْتِداءِ حُكْمٍ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَصْدِيقًا لِقَوْلِ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِكَلامٍ صَدَرَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ جَوابًا عَنْ سُؤالِ إبْراهِيمَ ”فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ“ . ولا يَصِحُّ لِأنَّ الشَّأْنَ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن قَوْلِ قَوْمِهِ لَما اسْتَمَرَّ بِهِمُ الضَّلالُ والمُكابَرَةُ إلى حَدِّ أنْ ألْقَوْا إبْراهِيمَ في النّارِ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ آمَنُوا لِظُهُورِهِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ. والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ.
وحَقِيقَةُ ”يَلْبِسُوا“ يَخْلِطُوا، وهو هُنا مَجازٌ في العَمَلِ بِشَيْئَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ. شُبِّهَ بِخَلْطِ الأجْسامِ كَما في قَوْلِهِ ”ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ“ .
والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ صاحِبِ حَقٍّ، والمُرادُ بِهِ هُنا إشْراكُ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ في اعْتِقادِ الإلَهِيَّةِ وفي العِبادَةِ، قالَ تَعالى إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ أكْبَرُ الِاعْتِداءِ، إذْ هو اعْتِداءٌ عَلى المُسْتَحِقِّ المُطْلَقِ العَظِيمِ، لِأنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ اعْتِقادًا وعَمَلًا وقَوْلًا لِأنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ. فَفي الحَدِيثِ «حَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» . وقَدْ ورَدَ تَفْسِيرُ الظُّلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالشِّرْكِ. في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمّا نَزَلَتِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ كَما تَظُنُّونَ إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» . اهـ. وذَلِكَ أنَّ الشِّرْكَ جَمَعَ بَيْنَ
صفحة ٣٣٣
الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والِاعْتِرافِ لِغَيْرِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ أيْضًا. ولَمّا كانَ الِاعْتِرافُ لِغَيْرِهِ ظُلْمًا كانَ إيمانُهم بِاللَّهِ مَخْلُوطًا بِظُلْمٍ وهو إيمانُهم بِغَيْرِهِ، وحَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى هو المُلائِمُ لِاسْتِعارَةِ اسْمِ الخَلْطِ لِهَذا المَعْنى لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ وإشْراكَ غَيْرِهِ في ذَلِكَ كِلاهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو اعْتِقادُ الرُّبُوبِيَّةِ فَهُما مُتَماثِلانِ، وذَلِكَ أظْهَرُ في وجْهِ الشَّبَهِ، لِأنَّ شَأْنَ الأجْسامِ المُتَماثِلَةِ أنْ يَكُونَ اخْتِلاطُها أشَدَّ، فَإنَّ التَّشابُهَ أقْوى أحْوالِ التَّشْبِيهِ عِنْدَ أهْلِ البَيانِ. والمَعْنى الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ.
وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الظُّلْمَ عَلى ما يَشْمَلُ المَعاصِيَ، لِأنَّ المَعْصِيَةَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] تَأْوِيلًا لِلْآيَةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ لِأنَّ العاصِيَ غَيْرُ آمِنٍ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ فَهو مُساوٍ لِلْكافِرِ في ذَلِكَ عِنْدَهم، مَعَ أنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا﴾ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وهو إنْ كانَ مَحْكِيًّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الظُّلْمِ مِنهُ بِالمَعْصِيَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ حِينَئِذٍ داعِيًا إلّا لِلتَّوْحِيدِ ولَمْ تَكُنْ لَهُ بَعْدُ شَرِيعَةٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ مَحْكِيٍّ مِن كَلامِهِ فَلا يُناسِبُ تَفْسِيرُهُ فِيهِ بِالمَعْصِيَةِ، لِأنَّ تَعْقِيبَ كَلامِ إبْراهِيمَ بِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ تَأْيِيدُ قَوْلِهِ وتَبْيِينُهُ، فالحَقُّ أنَّ الآيَةَ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ لِلتَّأْوِيلِ عَلى أُصُولِهِمْ نَظَرًا لِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾“ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِالمُسْنَدِ مِن أجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن أوْصافِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهَذا كَقَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ.
وقَوْلُهُ ”لَهُمُ الأمْنُ“ أشارَتِ اللّامُ إلى أنَّ الأمْنَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ وثابِتٌ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: آمِنُونَ. والمُرادُ الأمْنُ مِن عَذابِ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ونَحْوِهِ وما عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ الجاحِدَةُ، ومِن عَذابِ الآخِرَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا مِنهم حِينَئِذٍ إلّا التَّوْحِيدُ.
والتَّعْرِيفُ في الأمْنِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو الأمْنُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، لِأنَّهُ جِنْسٌ واحِدٌ، ولَيْسَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ حَتّى يَجِيءَ فِيهِ قَوْلُهم: إنَّ المَعْرِفَةَ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فالثّانِيَةُ عَيْنُ الأُولى إذْ لا يُحْتَمَلُ هُنا غَيْرُ ذَلِكَ.
صفحة ٣٣٤
وقَوْلُهُ ”وهم مُهْتَدُونَ“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ لَهُمُ الأمْنُ عَطْفُ جُزْءِ جُمْلَةٍ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي في حُكْمِ المُفْرَدِ، فَيَكُونُ مُهْتَدُونَ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ عَلى إحْدى الطَّرِيقَتَيْنِ في الأخْبارِ المُتَكَرِّرَةِ.
والضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ لِيُفِيدَ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، أيِ الِاهْتِداءُ مَقْصُورٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ أنَّ غَيْرَهم لَيْسُوا بِمُهْتَدِينَ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وقَوْلِهِ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] . وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُخْبَرَ عَنْهم لَمّا نَبَذُوا الشِّرْكَ فَقَدِ اهْتَدَوْا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وهم مُهْتَدُونَ جُمْلَةً، بِأنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ مُبْتَدَأً ومُهْتَدُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ“، فَيَكُونُ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ، ويَكُونُ ذِكْرُ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأجْلِ حُسْنِ العَطْفِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لَمْ يَحْسُنْ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ مُفْرَدٌ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: ”﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾“؛ فَصِيَغُ المَعْطُوفِ في صُورَةِ الجُمْلَةِ. وحِينَئِذٍ فالضَّمِيرُ لا يُفِيدُ اخْتِصاصًا إذْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ لِلْفَصْلِ، وهَذا النَّظْمُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢] عَلى اعْتِبارِ ”﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢]“ عَطْفًا عَلى ”﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢]“ وما بَيْنَهُما حالٌ، وهَذا مِن مُحَسِّناتِ الوَصْلِ كَما عُرِفَ في البَلاغَةِ، وهو مِن بَدائِعِ نَظْمِ الكَلامِ العَرَبِيِّ.
6:83Page 138
وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣
And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.
﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”وحاجَّهُ قَوْمُهُ“ . وتِلْكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما تَكَلَّمَ بِهِ إبْراهِيمُ في مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأُتِيَ بِاسْمِ إشارَةِ المُؤَنَّثِ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ حُجَّةٌ فَأخْبَرَ عَنْهُ بِحُجَّةٍ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مُشارٌ إلَيْهِ مَحْسُوسٌ تَعَيَّنَ أنْ يُعْتَبَرَ في الإشارَةِ لَفْظُ الخَبَرِ لا غَيْرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
صفحة ٣٣٥
وإضافَةُ الحُجَّةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِها وصِحَّتِها.
و”آتَيْناها“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ مِنَ الخَبَرِ.
وحَقِيقَةُ الإيتاءِ الإعْطاءُ، فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى الذَّواتِ، ويَكُونُ بِمُناوَلَةِ اليَدِ إلى اليَدِ. قالَ تَعالى ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] ولِذَلِكَ يُقالُ: اليَدُ العُلْيا هي المُعْطِيَةُ واليَدُ السُّفْلى هي المُعْطاةُ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا شائِعًا في تَعْلِيمِ العُلُومِ وإفادَةِ الآدابِ الصّالِحَةِ وتَخْوِيلِها وتَعْيِينِها لِأحَدٍ دُونَ مُناوَلَةِ يَدٍ سَواءٌ كانَتِ الأُمُورُ المَمْنُوحَةُ ذَواتًا أمْ مَعانِيَ. يُقالُ: آتاهُ اللَّهُ مالًا، ويُقالُ: آتاهُ الخَلِيفَةُ إمارَةً وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ. فَإيتاءُ الحُجَّةِ إلْهامُهُ إيّاها وإلْقاءُ ما يُعَبِّرُ عَنْها في نَفْسِهِ، وهو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ إذْ نَصَرَهُ عَلى مُناظِرِيهِ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو تَشْبِيهُ الغالِبِ بِالمُسْتَعْلِي المُتَمَكِّنِ مِنَ المَغْلُوبِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِحُجَّتِنا خِلافًا لِمَن مَنَعَهُ. يُقالُ: هَذا حُجَّةٌ عَلَيْكَ وشاهِدٌ عَلَيْكَ، أيْ تِلْكَ حُجَّتُنا عَلى قَوْمِهِ أقْحَمْناهم بِها بِواسِطَةِ إبْراهِيمَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”آتَيْناها“ لِما يَتَضَمَّنُهُ الإيتاءُ مِن مَعْنى النَّصْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في آتَيْناها أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ مِثْلَ هَذا الإيتاءِ تَفْضِيلٌ لِلْمُؤْتى وتَكْرِمَةً لَهُ.
ورَفْعُ الدَّرَجاتِ تَمْثِيلٌ لِتَفْضِيلِ الشَّأْنِ، شُبِّهَتْ حالَةُ المُفَضَّلِ عَلى غَيْرِهِ بِحالِ المُرْتَقِي في سُلَّمٍ إذا ارْتَفَعَ مِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ، وفي جَمِيعِها رَفْعٌ، وكُلُّ أجْزاءِ هَذا التَّمْثِيلِ صالِحٌ لِاعْتِبارِ تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ، فالتَّفْضِيلُ يُشْبِهُ الرَّفْعَ، والفَضائِلُ المُتَفاوِتَةُ تُشْبِهُ الدَّرَجاتِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ عِزَّةُ حُصُولِ ذَلِكَ لِغالِبِ النّاسِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، بِإضافَةِ ”دَرَجاتٍ“ إلى ”مَن“ . فَإضافَةُ الدَّرَجاتِ إلى اسْمِ المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ مُلابَسَةِ المُرْتَقِي في الدَّرَجَةِ لَها لِأنَّها إنَّما تُضافُ إلَيْهِ إذا كانَ مُرْتَقِيًا عَلَيْها،
صفحة ٣٣٦
والإتْيانُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في دَرَجاتٍ بِاعْتِبارِ صَلاحِيَةِ مَن نَشاءُ لِأفْرادٍ كَثِيرِينَ مُتَفاوِتِينَ في الرِّفْعَةِ، ودَلَّ فِعْلُ المَشِيئَةِ عَلى أنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَهم بِكَثْرَةِ مُوجِباتِ التَّفْضِيلِ، أوِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُفَضَّلَ الواحِدَ يَتَفاوَتُ حالُهُ في تَزايُدِ مُوجِباتِ فَضْلِهِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِتَنْوِينِ دَرَجاتٍ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ الرَّفْعِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ الرَّفْعِ مَجازًا في التَّفْضِيلِ، والدَّرَجاتِ مَجازًا في الفَضائِلِ المُتَفاوِتَةِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ ”مَن نَشاءُ“ عَلى أنَّ هَذا التَّكْرِيمَ لا يَكُونُ لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا لِكُلِّ النّاسِ لَمْ يَحْصُلِ الرَّفْعُ ولا التَّفْضِيلُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ﴾ يُثِيرُ سُؤالًا، يَقُولُ: لِماذا يُرْفَعُ بَعْضُ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ، فَأُجِيبُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مُسْتَحِقَّ ذَلِكَ ومِقْدارَ اسْتِحْقاقِهِ ويَخْلُقُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ. فَحَكِيمٌ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، أيْ مُتْقِنٍ لِلْخَلْقِ والتَّقْدِيرِ.
وقُدِّمَ حَكِيمٌ عَلى عَلِيمٍ لِأنَّ هَذا التَّفْضِيلَ مُظْهِرٌ لِلْحِكْمَةِ ثُمَّ عُقِّبَ بِـ عَلِيمٍ لِيُشِيرَ إلى أنَّ ذَلِكَ الإحْكامَ جارٍ عَلى وفْقِ العِلْمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences