Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:84–89

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:84–89, continued

ثُمَّ بِذِكْرِ نَبِيئَيْنِ أبٍ وابْنِهِ وهُما زَكَرِيّا ويَحْيى. فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُما رَسُولانِ لا ذُرِّيَّةَ لَهُما، وهُما عِيسى وإلْياسُ، وهُما مُتَماثِلانِ في أنَّهُما رُفِعا إلى السَّماءِ. فَأمّا عِيسى فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وأمّا إلْياسُ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَمْ يَذْكُرْهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ وعَلَيْهِ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ [مريم: ٥٦] ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا في سُورَةِ مَرْيَمَ. وابْتُدِئَ بِعِيسى عَطْفًا عَلى يَحْيى لِأنَّهُما قَرِيبانِ ابْنا خالَةٍ، ولِأنَّ عِيسى رَسُولٌ وإلْياسَ نَبِيءٌ غَيْرُ رَسُولٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّانِيَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ”كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ“ . وعَطَفَ اليَسَعَ لِأنَّهُ خَلِيفَةُ إلْياسَ وتِلْمِيذُهُ، وأدْمَجَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْياسَ إسْماعِيلَ تَنْهِيَةً بِذِكْرِ النَّبِيءِ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي نَسَبُ العَرَبُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. وخُتِمُوا بِيُونُسَ ولُوطٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ صَغِيرَةٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّالِثَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ.

صفحة ٣٤٩

وقَوْلُهُ ”ومِن آبائِهِمْ“ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”كُلًّا“ . فالتَّقْدِيرُ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، أيْ؛ وهَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ عَلى طَرِيقَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ. وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَن تَبِعَهُ المَعْطُوفَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: ومِن آبائِهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا أوْ مَهْدِيِّينَ كَثِيرِينَ، فَتَكُونُ ”مِن“ تَبْعِيضِيَّةً مُتَعَلِّقَةٍ بِـ ”هَدَيْنا“ .

والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، وهي مَن تَناسَلَ مِنَ الآدَمِيِّ مِن أبْناءٍ أدْنَيْنَ وأبْنائِهِمْ، فَيَشْمَلُ أوْلادَ البَنِينَ وأوْلادَ البَناتِ. ووَجْهُ جَمْعِهِ إرادَةُ أنَّ الهُدى تَعَلَّقَ بِذُرِّيَّةِ كُلِّ مِن لَهُ ذَرِّيَّةٌ مِنَ المَذْكُورِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ في هَدْيِ بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ كَرامَةً لِلْجِدِّ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ مُرادٌ وُقُوعُ الهَدْيِ في ذُرِّيَّتِهِ. وإنْ كانَتْ ذُرِّيّاتُهم راجِعِينَ إلى جَدٍّ واحِدٍ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالهُدى المُقَدَّرِ الهُدى المُماثِلَ لِلْهُدى المُصَرَّحِ بِهِ، وهو هُدى النُّبُوءَةِ، فالآباءُ يَشْمَلُ مِثْلَ آدَمَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم آباءُ نُوحٍ. والذُّرِّيّاتُ يَشْمَلُ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ يُوشَعَ ودانْيالَ. فَهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والأنْبِياءَ مِن أبْناءِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ، وهُودًا، وصالِحًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وشُعَيْبًا، مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. والإخْوانُ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ الأسْباطِ إخْوَةَ يُوسُفَ.

وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما هو أعَمُّ مِنَ النُّبُوءَةِ شَمِلَ الصّالِحِينَ مِنَ الآباءِ مِثْلَ هابِيلَ بْنِ آدَمَ. وشَمِلَ الذُّرِّيّاتِ جَمِيعَ صالِحِي الأُمَمِ مِثْلَ أهْلِ الكَهْفِ، قالَ تَعالى ”وزِدْناهم هُدًى“، ومِثْلَ طالُوتَ مَلِكِ إسْرائِيلَ، ومِثْلَ مُضَرَ ورَبِيعَةَ فَقَدْ ورَدَ أنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ. رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ويَشْمَلُ الإخْوانُ هارانَ بْنَ تارَحَ أخا إبْراهِيمَ، وهو أبُو لُوطٍ، وعيسو أخا، يَعْقُوبَ وغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

صفحة ٣٥٠

والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ والِاخْتِيارُ، قالُوا هو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْيِ، وهو الجَمْعُ، ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ. وجَبْيُ الماءِ في الحَوْضِ الَّذِي سُمِّيَتْ مِنهُ الجابِيَةُ، فالِافْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ الِاضْطِرارِ، ووَجْهُ الِاشْتِقاقِ أنَّ الجَمْعَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ في تَحْصِيلِهِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ اخْتارَهم فَجَعَلَهم مَوْضِعَ هَدْيِهِ لِأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ونُبُوءَتَهُ وهَدْيَهُ.

وعَطَفَ قَوْلَهُ ”وهَدَيْناهم“ عَلى ”اجْتَبَيْناهم“ عَطْفًا يُؤَكِّدُ إثْباتَ هُداهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا الهَدْيِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ هَدى إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، أيْ إلى ما بِهِ نَوالُ ما يَعْمَلُ أهْلُ الكَمالِ لِنَوالِهِ، فَضَرَبَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مَثَلًا لِذَلِكَ تَشْبِيهًا لِهَيْئَةِ العامِلِ لِيَنالَ ما يَطْلُبُهُ مِنَ الكَمالِ بِهَيْئَةِ السّاعِي عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يُوَصِّلُهُ إلى ما سارَ بِدُونِ تَرَدُّدٍ ولا تَحَيُّرٍ ولا ضَلالٍ، وذَكَرَ مِن ألْفاظِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بَعْضُهُ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ لِدَلالَتِهِ عَلى جَمِيعِ الألْفاظِ المَحْذُوفَةِ لِلْإيجازِ.

والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو التَّوْحِيدُ والإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن أُصُولِ الفَضائِلِ الَّتِي اشْتَرَكَتْ فِيها الشَّرائِعُ، والمَقْصُودُ مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خالَفُوا مُعْتَقَدَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ”هَدى اللَّهُ“ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .

6:88Page 138

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨

That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.

﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أيْ لا تَعْجَبُوا مِن هَدْيِهِمْ وضَلالِ غَيْرِهِمْ.

والإشارَةُ إلى الهُدى الَّذِي هو مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِن أفْعالِ الهِدايَةِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلَها، وخُصُوصًا المَذْكُورُ آخِرًا بِقَوْلِهِ ”﴿وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧]“ . وقَدْ زادَ اسْمُ الإشارَةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ الهَدْيِ إذْ جُعِلَ كالشَّيْءِ

صفحة ٣٥١

المُشاهَدِ فَزِيدَ باسِمِ الإشارَةِ كَمالُ تَمْيِيزٍ، وأخْبَرَ عَنِ الهُدى بِأنَّهُ هُدى اللَّهِ لِتَشْرِيفِ أمْرِهِ وبَيانِ عِصْمَتِهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِمّا يَزْعُمُونَهُ هُدًى ويَتَلَقَّوْنَهُ عَنْ كُبَرائِهِمْ، أمْثالِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الَّذِي وضَعَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ، ومِثْلِ الكُهّانِ وأضْرابِهِمْ. وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ الفَذْلَكَةِ لِأحْوالِ الهِدايَةِ الَّتِي تَكَرَّرَ ذِكْرُها كَأبْياتِ حاتِمٍ الطّائِيِّ:

ولِلَّهِ صُعْلُوكٌ يُساوِرُ هَمَّهُ ويَمْضِي عَلى الأحْداثِ والدَّهْرِ مُقْدِما

إلى أنْ قالَ بَعْدَ أبْياتٍ سَبْعَةٍ في مَحامِدِ ذَلِكَ الصُّعْلُوكِ:

فَذَلِكَ إنْ يَهْلِكْ فَحُسْنى ثَناؤُهُ ∗∗∗ وإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفًا مُذَمَّما

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”هَدى اللَّهُ“ . والمُرادُ بِـ مَن يَشاءُ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ واجْتَباهم، وهو أعْلَمُ بِهِمْ وبِاسْتِعْدادِهِمْ لِهَدْيهِ ونَبْذِهِمُ المُكابَرَةَ وإقْبالِهِمْ عَلى طَلَبِ الخَيْرِ وتَطَلُّعِهِمْ إلَيْهِ وتَدَرُّجِهِمْ فِيهِ إلى أنْ يَبْلُغُوا مَرْتَبَةَ إفاضَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الوَحْيَ أوِ التَّوْفِيقَ والإلْهامَ الصّادِقَ.

فَفِي قَوْلِهِ ”مَن يَشاءُ“ مِنَ الإبْهامِ ما يَبْعَثُ النُّفُوسَ عَلى تَطَلُّبِ هُدى اللَّهِ تَعالى والتَّعَرُّضِ لِنَفَحاتِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَسَدًا، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ تَفْظِيعًا لِأمْرِ الشِّرْكِ وأنَّهُ لا يُغْتَفَرُ لِأحَدٍ ولَوْ بَلَغَ مِن فَضائِلِ الأعْمالِ مَبْلَغًا عَظِيمًا مِثْلَ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ المُنَوَّهِ بِهِمْ. ”والواوُ“ لِلْحالِ. وحَبِطَ مَعْناهُ تَلِفَ. أيْ بَطَلَ ثَوابُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

6:89Page 138

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ .

صفحة ٣٥٢

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَهي فَذْلَكَةٌ ثانِيَةٌ، لِأنَّ الفَذْلَكَةَ الأُولى راجِعَةٌ إلى ما في الجُمَلِ السّابِقَةِ مِنَ الهُدى وهَذِهِ راجِعَةٌ إلى ما فِيها مِنَ المَهْدِيِّينَ.

واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِتَمْيِيزِهِمْ وإخْطارِ سِيرَتِهِمْ في الأذْهانِ. والمُشارُ إلَيْهِمْ هُمُ المُعَيَّنُونَ بِأسْمائِهِمْ والمَذْكُورُونَ إجْمالًا في قَوْلِهِ ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ.

و”﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ: أيِ الكُتُبُ. وإيتاءُ الكِتابِ يَكُونُ بِإنْزالِ ما يُكْتَبُ، كَما أنْزَلَ عَلى الرُّسُلِ وبَعْضِ الأنْبِياءِ، وما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ يُعْتَبَرُ كِتابًا، لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يُكْتَبَ سَواءٌ كُتِبَ أمْ لَمْ يُكْتَبْ. وقَدْ نَصَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَتْ لَهُ صُحُفٌ بِقَوْلِهِ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى وكانَ لِعِيسى كَلامُهُ الَّذِي كُتِبَ في الإنْجِيلِ. ولِداوُدَ الكَلامُ الصّادِرُ مِنهُ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ نَبِيئًا ولَمْ يَكُنْ رَسُولًا، ولِسُلَيْمانَ الأمْثالُ، والجامِعَةُ، والنَّشِيدُ المَنسُوبُ في ثَلاثَتِها أحْكامٌ أمَرَ اللَّهُ بِها. ويُقالُ: إنَّ إدْرِيسَ كَتَبَ الحِكْمَةَ في صُحُفٍ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الإسْرائِيلِيُّونَ (أخْنُوخَ) ويَدْعُوهُ القِبْطُ (تُوتًا) ويَدْعُوهُ الحُكَماءُ (هُرْمُسَ) . ويَكُونُ إيتاءُ الكِتابِ بِإيتاءِ النَّبِيءِ فَهْمَ وتَبْيِينَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ، كَما أُوتِيَ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى أمْثالَ يَحْيى فَقَدْ قالَ تَعالى لَهُ يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ.

والحُكْمُ هو الحِكْمَةُ، أيِ العِلْمُ بِطُرُقِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ. قالَ تَعالى في شَأْنِ يَحْيى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ولَمْ يَكُنْ يَحْيى حاكِمًا أيْ قاضِيًا، وقَدْ يُفَسَّرُ الحُكْمُ بِالقَضاءِ بِالحَقِّ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا.

وإيتاءُ هَذِهِ الثَّلاثِ عَلى التَّوْزِيعِ، فَمِنهم مَن أُوتِيَ جَمِيعَها وهُمُ الرُّسُلُ مِنهم والأنْبِياءُ الَّذِينَ حَكَمُوا بَيْنَ النّاسِ مِثْلُ داوُدَ وسُلَيْمانَ، ومِنهم مَن أُوتِيَ بَعْضَها وهُمُ الأنْبِياءُ غَيْرُ الرُّسُلِ، والصّالِحُونَ مِنهم غَيْرُ الأنْبِياءِ، وهَذا بِاعْتِبارِ شُمُولِ اسْمِ الإشارَةِ لِآبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ.

صفحة ٣٥٣

والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَإنْ يَكْفُرْ“ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ عُقِّبَتْ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ وفُرِّعَتْ عَلَيْها لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الجُمَلِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ هو تَشْوِيهُ أمْرِ الشِّرْكِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِهِ بِنَبْذِ أهْلِ الفَضْلِ والخَيْرِ إيّاهُنَّ فَكانَ لِلْفاءِ العاطِفَةِ عَقِبَ ذَلِكَ مَوْقِعٌ بَدِيعٌ مِن أحْكامِ نَظْمِ الكَلامِ.

وضَمِيرُ ”بِها“ عائِدٌ إلى المَذْكُوراتِ: الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوءَةِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَؤُلاءِ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهي إشارَةٌ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ السّامِعِينَ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ فَيُقالُ لَهُ ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ . وفي البُخارِيِّ قالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: ذَهَبْتُ لِأنْصُرَ هَذا الرَّجُلَ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ.

وقَدْ تَقَصَّيْتُ مَواقِعَ آيِ القُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ يُعَبِّرُ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَثِيرًا بِكَلِمَةٍ هَؤُلاءِ، كَقَوْلِهِ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ.

وكُفْرُ المُشْرِكِينَ بِنُبُوءَةِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ تابِعٌ لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْهم بَعْدُ أنَّهم ﴿قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] .

ومَعْنى ”وكَّلْنا بِها“ وفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها ومُراعاتِها والقِيامِ بِحَقِّها. فالتَّوْكِيلُ هُنا اسْتِعارَةٌ، لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّوْكِيلِ إسْنادُ صاحِبِ الشَّيْءِ تَدْبِيرِ شَيْئِهِ إلى مَن يَتَوَلّى تَدْبِيرَهُ ويَكْفِيهِ كُلْفَةَ حِفْظِهِ ورِعايَةِ ما بِهِ بَقاؤُهُ وصَلاحُهُ ونَماؤُهُ. يُقالُ: وكَّلْتُهُ عَلى الشَّيْءِ ووَكَّلْتُهُ بِالشَّيْءِ فَيَتَعَدّى بِعَلى وبِالباءِ. وقَدِ اسْتُعِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّوْفِيقِ إلى الإيمانِ بِالنُّبُوءَةِ والكِتابِ والحُكْمِ والنَّظَرِ في ما تَدْعُو إلَيْهِ ورِعايَتِهِ تَشْبِيهًا لِتِلْكَ الرِّعايَةِ بِرِعايَةِ الوَكِيلِ، وتَشْبِيهًا لِلتَّوْفِيقِ إلَيْها بِإسْنادِ النَّظَرِ إلى الوَكِيلِ، لِأنَّ الوَكالَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّيْءِ المُوَكَّلِ بِيَدِ الوَكِيلِ مَعَ حِفْظِهِ ورِعايَتِهِ، فَكانَتِ اسْتِعارَةُ ”وكَّلْنا“ لِهَذا المَعْنى إيجازًا

صفحة ٣٥٤

بَدِيعًا يُقابِلُ ما يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الكُفْرِ بِها مِن إنْكارِها الَّذِي فِيهِ إضاعَةُ حُدُودِها.

والقَوْمُ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والقُرْآنِ، وبِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ والحُكْمِ والنُّبُوءَةِ. والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ ومَن آمَنَ مِنَ الأنْصارِ بِالمَدِينَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ. وقَدْ فَسَّرَ في الكَشّافِ ”القَوْمَ“ بِالأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وادَّعى أنَّ نَظْمَ الآيَةِ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وهو تَكَلُّفٌ لا حامِلَ إلَيْهِ.

ووَصَفَ القَوْمَ بِأنَّهم لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم سارَعُوا إلى الإيمانِ بِها بِمُجَرَّدِ دَعْوَتِهِمْ إلى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ جِيءَ في وصْفِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَلَّفَةِ مِنِ اسْمِ (لَيْسَ) وخَبَرِها لِأنَّ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ حَرْفِ نَفْيٍ؛ إذْ هي فَعْلٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، فَجُمْلَتُها تَدُلُّ عَلى دَوامِ نَفْيِ الكُفْرِ عَنْهم، وأُدْخِلَتِ الباءُ في خَبَرِ (لَيْسَ) لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَصارَ دَوامَ نَفْيٍ مُؤَكَّدًا.

والمَعْنى إنْ يَكْفُرِ المُشْرِكُونَ بِنُبُوءَتِكَ ونُبُوءَةِ مَن قَبْلِكَ فَلا يَضُرُّكَ كُفْرُهم لِأنّا قَدْ وفَّقْنا قَوْمًا مُؤْمِنِينَ لِلْإيمانِ بِكَ وبِهِمْ، فَهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى إعْراضِ بَعْضِ قَوْمِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ”﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾“ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمُعادٍ الضَّمِيرِ: الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوءَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском