Ibn 'AshurAl‑Mumtahanah · 60:12–13

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mumtahanah 60:12–13

60:12Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢

O Prophet, when the believing women come to you pledging to you that they will not associate anything with Allāh, nor will they steal, nor will they commit unlawful sexual intercourse, nor will they kill their children, nor will they bring forth a slander they have invented between their arms and legs,1 nor will they disobey you in what is right - then accept their pledge and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

هَذِهِ تَكْمِلَةٌ لِامْتِحانِ النِّساءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآيَةَ. وبَيانٌ لِتَفْصِيلِ آثارِهِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ وبَيِّنُوا لَهُنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ. وآيَةُ الِامْتِحانِ عَقِبَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ في شَأْنِ مَن هاجَرْنَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ الصُّلْحِ وهُنَّ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وسُبَيْعَةُ الأسْلَمِيَّةُ، وأُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ، وزَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلا صِحَّةَ لِلْأخْبارِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في فَتْحِ مَكَّةَ ومَنشَؤُها التَّخْلِيطُ في الحَوادِثِ واشْتِباهُ المُكَرَّرِ بِالأُنُفِ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ

صفحة ١٦٥

مِنَ المُؤْمِناتِ بِهَذِهِ الآيَةِ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾) إلى قَوْلِهِ (﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) فَمَن أقَرَّ بِهَذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِناتِ قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ: قَدْ بايَعْتُكِ» .

والمُقْتَضى لِهَذِهِ البَيْعَةِ بَعْدَ الِامْتِحانِ أنَّهُنَّ دَخَلْنَ في الإسْلامِ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّتْ أحْكامُ الدِّينِ في مُدَّةِ سِنِينَ لَمْ يَشْهَدْنَ فِيها ما شَهِدَهُ الرِّجالُ مِنِ اتِّساعِ التَّشْرِيعِ آنًا فَآنًا، ولِهَذا ابْتُدِئَتْ هَذِهِ البَيْعَةُ بِالنِّساءِ المُهاجِراتِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ ﴿إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾، أيْ قَدِمْنَ عَلَيْكَ مِن مَكَّةَ فَهي عَلى وِزانِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَتْ هَذِهِ البَيْعَةُ ثانِيَ يَوْمِ الفَتْحِ عَلى جَبَلِ الصَّفا.

وأجْرى النَّبِيءُ ﷺ هَذِهِ البَيْعَةَ عَلى نِساءِ الأنْصارِ أيْضًا. رَوى البُخارِيُّ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْنا ﴿أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا»﴾ الحَدِيثَ.

وفِيهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: شَهِدْتُ الصَّلاةَ يَوْمَ الفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الخُطْبَةِ فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ فَكَأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجالَ بِيَدِهِ ثُمَّ أقْبَلَ يَشُقُّهم حَتّى أتى النِّساءَ مَعَ بِلالٍ فَقالَ (يا أيُّها النَّبِيءُ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ) حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها. ثُمَّ قالَ حِينَ فَرَغَ: أنْتُنَّ عَلى ذَلِكَ، فَقالَتِ امْرَأةٌ مِنهُنَّ واحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُها: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَتَصَدَّقْنَ» .

وأجْرى هَذِهِ المُبايَعَةَ عَلى الرِّجالِ أيْضًا. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ كُنّا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: «أتُبايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَزْنُوا ولا تَسْرِقُوا، وقَرَأ آيَةَ النِّساءِ (أيِ النّازِلَةَ بِخِطابِ النِّساءِ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ) فَمَن وفّى مِنكم فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ. ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ. ومَن أصابَ مِنها شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهو إلى اللَّهِ إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ» .

واسْتَمَرَّ العَمَلُ بِهَذِهِ المُبايَعَةِ إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ وقَدْ أسْلَمَ أهْلُها رِجالًا ونِساءً فَجَلَسَ ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى الصَّفا يَأْخُذُ البَيْعَةَ مِنَ الرِّجالِ عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ،

صفحة ١٦٦

وجَلَسَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَأْخُذُ البَيْعَةَ مِنَ النِّساءِ عَلى ذَلِكَ، ومِمَّنْ بايَعَتْهُ مِنَ النِّساءِ يَوْمَئِذٍ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجُ أبِي سُفْيانَ وكَبْشَةُ بِنْتُ رافِعٍ.

وجُمْلَةُ ﴿يُبايِعْنَكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُؤْمِناتِ عَلى مَعْنى: يُرِدْنَ المُبايَعَةَ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ. وجَوابُ (إذا) ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (يُبايِعْنَكَ) جَوابَ (إذا) .

ومَعْنى ﴿إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾، أيِ الدّاخِلاتُ في جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى الجُمْلَةِ والإجْمالِ، لا يَعْلَمْنَ أُصُولَ الإسْلامِ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿يُبايِعْنَكَ﴾ فَهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ، أيْ فَلْيُبايِعْنَكَ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ تَفْرِيعًا لِجُمْلَةِ ﴿يُبايِعْنَكَ﴾ ولِيُبْنى عَلَيْها قَوْلُهُ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ .

وقَدْ شَمَلَتِ الآيَةُ التَّخَلِّيَ عَنْ خِصالٍ في الجاهِلِيَّةِ وكانَتِ السَّرِقَةُ فِيهِنَّ أكْثَرَ مِنها في الرِّجالِ. قالَ الأعْرابِيُّ لَمّا ولَدَتْ زَوْجُهُ بِنْتًا: واللَّهِ ما هي بِنِعْمَ الوَلَدُ بَزُّها بُكاءٌ ونَصْرُها سَرِقَةٌ.

والمُرادُ بِقَتْلِ الأوْلادِ أمْرانِ: أحَدُهُما الوَأْدُ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ بِبَناتِهِمْ، وثانِيهِما إسْقاطُ الأجِنَّةِ وهو الإجْهاضُ.

وأُسْنِدَ القَتْلُ إلى النِّساءِ وإنْ كانَ بَعْضُهُ يَفْعَلُهُ الرِّجالُ لِأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَرْضَيْنَ بِهِ أوْ يَسْكُتْنَ عَلَيْهِ.

والبُهْتانُ: الخَبَرُ المَكْذُوبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِكاذِبِهِ فِيهِ لِأنَّهُ يَبْهَتُ مَن يَنْقُلُ عَنْهُ.

والِافْتِراءُ: اخْتِلاقُ الكَذِبِ، أيْ لا يَخْتَلِقْنَ أخْبارًا بِأشْياءَ لَمْ تَقَعْ.

وقَوْلُهُ ﴿بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ يَتَعَلَّقُ بِـ (يَأْتِينَ)، وهَذا مِنَ الكَلامِ الجامِعِ لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ بِاخْتِلافِ مَحامِلِهِ مِن حَقِيقَةٍ ومَجازٍ وكِنايَةٍ، فالبُهْتانُ حَقِيقَتُهُ: الإخْبارُ بِالكَذِبِ وهو مَصْدَرٌ. ويُطْلَقُ المَصْدَرُ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.

وحَقِيقَةُ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ: أنْ يَكُونَ الكَذِبُ حاصِلًا في مَكانٍ يَتَوَسَّطُ الأيْدِيَ والأرْجُلَ فَإنْ كانَ البُهْتانُ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الخَبَرُ الكاذِبُ كانَ افْتِراؤُهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ أنَّهُ كَذَبَ مُواجَهَةً في وجْهِ المَكْذُوبِ عَلَيْهِ كَقَوْلِها: يا فُلانَةُ زَنَيْتِ

صفحة ١٦٧

مَعَ فُلانٍ، أوْ سَرَقْتِ حَلْيَ فُلانَةٍ. لِتَبْهَتَها في مَلَأٍ مِنَ النّاسِ، أوْ أنْتِ بِنْتُ زِنًى، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وإنْ كانَ البُهْتانُ بِمَعْنى المَكْذُوبِ كانَ مَعْنى افْتِرائِهِ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ كِنايَةً عَنِ ادِّعاءِ الحَمْلِ بِأنْ تَشْرَبَ ما يَنْفُخُ بَطْنَها فَتُوهِمَ زَوْجَها أنَّها حامِلٌ ثُمَّ تُظْهِرَ الطَّلْقَ وتَأْتِيَ بِوَلَدٍ تَلْتَقِطُهُ وتَنْسِبُهُ إلى زَوْجِها لِئَلّا يُطَلِّقَها، أوْ لِئَلّا يَرِثَهُ عُصْبَتُهُ، فَهي تُعَظِّمُ بَطْنَها وهو بَيْنَ يَدَيْها، ثُمَّ إذا وصَلَ إبّانَ إظْهارِ الطَّلْقِ وضَعَتِ الطِّفْلَ بَيْنَ رِجْلَيْها وتَحَدَّثَتْ وتَحَدَّثَ النّاسُ بِذَلِكَ فَهو مَبْهُوتٌ عَلَيْهِ. فالِافْتِراءُ هو ادِّعاؤُها ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِمَعْنى البُهْتانِ.

وإنْ كانَ البُهْتانُ مُسْتَعارًا لِلْباطِلِ الشَّبِيهِ بِالخَبَرِ البُهْتانِ، كانَ ﴿بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ مُحْتَمِلًا لِلْكِنايَةِ عَنْ تَمْكِينِ المَرْأةِ نَفْسَها مِن غَيْرِ زَوْجِها يُقَبِّلُها أوْ يَجُسُّها، فَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْها أوْ يَزْنِي بِها، وذَلِكَ بَيْنَ أرْجُلِها.

وفَسَّرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ بِالسِّحْرِ إذْ تُعالِجُ أُمُورَهُ بِيَدَيْها، وهي جالِسَةٌ تَضَعُ أشْياءَ السِّحْرِ بَيْنَ رِجْلَيْها.

ولا يَمْنَعُ مِن هَذِهِ المَحامِلِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بايَعَ الرِّجالَ بِمِثْلِها. وبَعْضُ هَذِهِ المَحامِلِ لا يُتَصَوَّرُ في الرِّجالِ إذْ يُؤْخَذُ لِكُلِّ صِنْفٍ ما يَصْلُحُ لَهُ مِنها.

وبَعْدَ تَخْصِيصِ هَذِهِ المَنهِيّاتِ بِالذِّكْرِ لِخَطَرِ شَأْنِها عَمَّمَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ والمَعْرُوفُ هو ما لا تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ. والمُرادُ هُنا المَعْرُوفُ في الدِّينِ، فالتَّقْيِيدُ بِهِ إمّا لِمُجَرَّدِ الكَشْفِ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَأْمُرُ إلّا بِالمَعْرُوفِ، وإمّا لِقَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِنَّ في أمْرٍ لا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَما فَعَلَتْ بَرِيرَةُ إذْ لَمْ تَقْبَلْ شَفاعَةَ النَّبِيءِ ﷺ في إرْجاعِها زَوْجَها مُغِيثًا إذْ بانَتْ مِنهُ بِسَبَبِ عِتْقِها وهو رَقِيقٌ.

وقَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحِ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ نَهاهُنَّ في هَذِهِ المُبايَعَةِ عَنِ النِّياحَةِ فَقَبَضَتِ امْرَأةٌ يَدَها وقالَتْ: أسْعَدَتْنِي فُلانَةُ أُرِيدُ أنْ أجْزِيَها. فَما قالَ لَها النَّبِيءُ ﷺ شَيْئًا فانْطَلَقَتْ ورَجَعَتْ فَبايَعَها» . وإنَّما هَذا مِثالٌ لِبَعْضِ المَعْرُوفِ الَّذِي يَأْمُرُهُنَّ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ تَرْكُهُ فاشٍ فِيهِنَّ.

ووَرَدَ في أخْبارٍ أنَّهُ نَهاهُنَّ عَنْ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ وعَنْ أنْ يُحَدِّثْنَ الرِّجالَ الَّذِينَ

صفحة ١٦٨

لَيْسُوا بِمَحْرَمٍ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ لَنا أضْيافًا وإنّا نَغِيبُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْتُ «. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَهاهُنَّ عَنْ تَمْزِيقِ الثِّيابِ وخَدْشِ الوُجُوهِ وتَقْطِيعِ الشُّعُورِ والدُّعاءِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ»، أيْ مِن شُئُونِ النِّياحَةِ في الجاهِلِيَّةِ.

ورَوى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ «لَمّا أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْعَةَ عَلى النِّساءِ كانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجُ أبِي سُفْيانَ جالِسَةً مَعَ النِّساءِ مُتَنَكِّرَةً خَوْفًا مِن رَسُولِ اللَّهِ أنْ يَقْتَصَّ مِنها عَلى شَقِّها بَطْنَ حَمْزَةَ وإخْراجِها كَبِدَهُ يَوْمَ أُحُدٍ. فَلَمّا قالَ: عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، قالَتْ هِنْدُ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ يَقْبَلَ مِنّا شَيْئًا لَمْ يَقْبَلْهُ مِنَ الرِّجالِ. فَلَمّا قالَ: ولا يَسْرِقْنَ. قالَتْ هِنْدُ: واللَّهِ إنِّي لَأُصِيبُ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ هَناتٍ فَما أدْرِي أتَحِلُّ لِي أمْ لا ؟ فَقالَ: أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِن شَيْءٍ فِيما مَضى وفِيما غَبَرَ فَهو لَكِ حَلالٌ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَفَها فَدَعاها فَأتَتْهُ فَعاذَتْ بِهِ، وقالَتْ: فاعْفُ عَمّا سَلَفَ يا نَبِيءَ اللَّهِ عَفا اللَّهُ عَنْكَ. فَقالَ: ولا يَزْنِينَ. فَقالَتْ: أوَتَزْنِي الحُرَّةُ. قالَ: ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ. فَقالَتْ هِنْدُ: رَبَّيْناهم صِغارًا وقَتَلْتَهم كِبارًا فَأنْتُمْ وهم أعْلَمُ. تُرِيدُ أنَّ المُسْلِمِينَ قَتَلُوا ابْنَها حَنْظَلَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ بَدْرٍ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقالَ: ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ. فَقالَتْ: واللَّهِ إنَّ البُهْتانَ لَأمْرٌ قَبِيحٌ وما تَأْمُرُنا إلّا بِالرُّشْدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ. فَقالَ: ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ. فَقالَتْ: واللَّهِ ما جَلَسْنا مَجْلِسَنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ في شَيْءٍ» .

فَقَوْلُهُ ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُخْبِرُ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ويَأْمُرُ بِهِ مِمّا يَرْجِعُ إلى واجِباتِ الإسْلامِ. وفي الحَدِيثِ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: كانَ مِن ذَلِكَ: أنْ لا نَنُوحَ. قالَتْ: فَقَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا آلَ فُلانٍ فَإنَّهم كانُوا أسْعَدُونِي في الجاهِلِيَّةِ فَلا بُدَّ أنْ أُسْعِدَهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا آلَ فُلانٍ»، وهَذِهِ رُخْصَةٌ خاصَّةٌ بِأُمِّ عَطِيَّةَ وبِمَن سَمَّتْهم. وفي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ.

وقَوْلُهُ ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ جَوابُ (إذا) تَفْرِيعٌ عَلى ﴿يُبايِعْنَكَ﴾، أيْ فاقْبَلْ مِنهُنَّ ما بايَعْنَكَ عَلَيْهِ لِأنَّ البَيْعَةَ عِنْدَهُ مِن جانِبَيْنِ ولِذَلِكَ صِيغَتْ لَها صِيغَةُ المُفاعَلَةِ.

﴿واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾، أيْ فِيما فُرِّطَ مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ مِمّا خُصَّ بِالنَّهِي في شُرُوطِ البَيْعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (اسْتَغْفِرْ) .

60:13Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣

O you who have believed, do not make allies of a people with whom Allāh has become angry. They have despaired of [reward in] the Hereafter just as the disbelievers have despaired of [meeting] the companions [i.e., inhabitants] of the graves.

صفحة ١٦٩

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ .

بَعْدَ أنِ اسْتَقْصَتِ السُّورَةُ إرْشادَ المُسْلِمِينَ إلى ما يَجِبُ في المُعامَلَةِ مَعَ المُشْرِكِينَ، جاءَ في خاتِمَتِها الإرْشادُ إلى المُعامَلَةِ مَعَ قَوْمٍ لَيْسُوا دُونَ المُشْرِكِينَ في وُجُوبِ الحَذَرِ مِنهم وهُمُ اليَهُودُ، فالمُرادُ بِهِمْ غَيْرُ المُشْرِكِينَ إذْ شُبِّهَ يَأْسُهم مِنَ الآخِرَةِ بِيَأْسِ الكُفّارِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ غَيْرُ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.

وقَدْ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم قَوْمٌ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ صِفَةٌ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ إلْحاقُها بِاليَهُودِ كَما جاءَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ أنَّهُمُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥٧]) في سُورَةِ العُقُودِ.

ذَلِكَ أنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ كانُوا يَوْمَئِذٍ بِجِوارِ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ. وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ يَعْمَلُونَ عِنْدَ اليَهُودِ ويُواَصِلُونَهم لِيُصِيبُوا بِذَلِكَ مِن ثِمارِهِمْ، ورُبَّما أخْبَرُوا اليَهُودَ بِأحْوالِ المُسْلِمِينَ عَنْ غَفْلَةٍ وقِلَّةِ حَذَرٍ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ إلى أنْ لا يَتَوَلَّوْهم.

واليَأْسُ: عَدَمُ تَوَقُّعِ الشَّيْءِ فَإذا عُلِّقَ بِذاتٍ كانَ دالًّا عَلى عَدَمِ تَوَقُّعِ وُجُودِها. وإذْ قَدْ كانَ اليَهُودُ لا يُنْكِرُونَ الدّارَ الآخِرَةَ كانَ مَعْنى يَأْسِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ مُحْتَمِلًا أنْ يُرادَ بِهِ الإعْراضُ عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ فَكَأنَّهم في إهْمالِ الِاسْتِعْدادِ لَها آيِسُونَ مِنها، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَشْبِيهُ إعْراضِهِمْ هَذا بِيَأْسِ الكُفّارِ مِن أصْحابِ القُبُورِ وجْهُهُ شِدَّةُ الإعْراضِ وعَدَمُ التَّفَكُّرِ في الأمْرِ، شُبِّهَ إعْراضُهم عَنِ العَمَلِ لِنَفْعِ الآخِرَةِ بِيَأْسِ الكُفّارِ مِن حَياةِ المَوْتى والبَعْثِ وفِيهِ تَشْنِيعُ المُشَبَّهِ، و(﴿مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾) عَلى هَذا الوَجْهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَئِسُوا) . والكُفّارُ: المُشْرِكُونَ.

صفحة ١٧٠

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ بَيانًا لِلْكُفّارِ، أيِ الكُفّارُ الَّذِينَ هَلَكُوا ورَأوْا أنْ لا حَظَّ لَهم في خَيْرِ الآخِرَةِ فَشُبِّهَ إعْراضُ اليَهُودِ عَنِ الآخِرَةِ بِيَأْسِ الكُفّارِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ تَحَقُّقُ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالآخِرَةِ. والمَعْنى كَيَأْسِ الكُفّارِ الأمْواتِ، أيْ يَأْسًا مِنَ الآخِرَةِ.

والمُشَبَّهُ بِهِ مَعْلُومٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِالِاعْتِقادِ فالكَلامُ مِن تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمَعْقُولِ.

وفِي اسْتِعارَةِ اليَأْسِ لِلْإعْراضِ ضَرْبٌ مِنَ المُشاكَلَةِ أيْضًا.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَأْسُهم مِنَ الآخِرَةِ أُطْلِقَ عَلى حِرْمانِهِمْ مِن نَعِيمِ الحَياةِ الآخِرَةِ. فالمَعْنى: قَدْ أيْأسْناهم مِنَ الآخِرَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ مَن حَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى مَعْنى التَّأْكِيدِ لِما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] فالقَوْمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم وُصِفُوا بِالعَدُوِّ لِلَّهِ والعَدُوُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ. وجَعَلَ يَأْسَهم مِنَ الآخِرَةِ هو إنْكارَهُمُ البَعْثَ.

وجَعْلُ تَشْبِيهِ يَأْسِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ بِيَأْسِ الكُفّارِ مِن أصْحابِ القُبُورِ أنَّ يَأْسَ الكُفّارِ الأحْياءِ كَيَأْسِ الأمْواتِ مِنَ الكُفّارِ، أيْ كَيَأْسِ أسْلافِهِمُ الَّذِينَ هم في القُبُورِ إذْ كانُوا في مُدَّةِ حَياتِهِمْ آيِسِينَ مِنَ الآخِرَةِ فَتَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً صِفَةً لِلْكُفّارِ، ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (يَئِسَ) فَلَيْسَ في لَفْظِ الكُفّارِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ وإلّا لَزِمَ أنْ يُشَبَّهَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ كَما قَدْ تُوُهِّمَ.

* * *

صفحة ١٧١

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الصَّفِّ

اشْتُهِرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِاسْمِ (سُورَةِ الصَّفِّ) وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في عَصْرِ الصَّحابَةِ.

رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ سَنَدَهُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ «أنَّ ناسًا قالُوا: (لَوْ أرْسَلْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ نَسْألُهُ عَنْ أحَبِّ الأعْمالِ) إلى أنْ قالَ: (فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ حَتّى جَمَعَهم ونَزَلَتْ فِيهِمْ ( سُورَةُ سَبَّحَ لِلَّهِ الصَّفِّ») الحَدِيثَ، رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وبِذَلِكَ عُنْوِنَتْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وكَذَلِكَ كُتِبَ اسْمُها في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ التَّفْسِيرِ.

ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ وُقُوعُ لَفْظِ (صَفًّا) فِيها وهو صَفُّ القِتالِ، فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ تَعْرِيفُ العَهْدِ.

وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ: أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ الحَوارِيِّينَ) ولَمْ يُسْنِدْهُ. وقالَ الآلُوسِيُّ تُسَمّى (سُورَةَ عِيسى) ولَمْ أقِفْ عَلى نِسْبَتِهِ لِقائِلٍ. وأصْلُهُ لِلطَّبْرَسِيِّ فَلَعَلَّهُ أُخِذَ مِن حَدِيثٍ رَواهُ في فَضْلِها عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِلَفْظِ (سُورَةِ عِيسى) . وهو حَدِيثٌ مَوْسُومٌ بِأنَّهُ مَوْضُوعٌ. والطَّبَرْسِيُّ يُكْثِرُ مِن تَخْرِيجِ الأحادِيثِ المَوْضُوعَةِ. فَتَسْمِيَتُها (سُورَةَ الحَوارِيِّينَ) لِذِكْرِ الحَوارِيِّينَ فِيها. ولَعَلَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ذُكِرَ فِيها لَفْظُ الحَوارِيِّينَ.

وإذا ثَبَتَ تَسْمِيَتُها (سُورَةَ عِيسى) فَلِما فِيها مِن ذِكْرِ (عِيسى) مَرَّتَيْنِ.

صفحة ١٧٢

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ كَما يَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ ودَرَجَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ والفَخْرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأصَحُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها وهَلْ نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً أوْ مُتَفَرِّقَةً مُتَلاحِقَةً.

وفِي جامِعْ التِّرْمِذِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: قَعَدْنا نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَذاكَرْنا فَقُلْنا: لَوُ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ فَقَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وأحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارِمِيُّ بِزِيادَةِ فَقَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ حَتّى خَتَمَها أوْ فَقَرَأها كُلَّها.

فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهم قِيلَ لَهم: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قَبْلَ أنْ يُخْلِفُوا ما وعَدُوا بِهِ فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّحْذِيرِ مِن عَدَمِ الوَفاءِ بِما نَذَرُوهُ ووَعَدُوا بِهِ.

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ يَقُولُونَ: لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ دَلَّنا عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ فَنَعْمَلَ بِهِ فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أحَبَّ الأعْمالِ: إيمانٌ بِهِ وجِهادُ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ خالَفُوا الإيمانَ ولَمْ يُقِرُّوا بِهِ. فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ كَرِهَ ذَلِكَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وشَقَّ عَلَيْهِمْ. فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف»: ٢] .

ومِثْلُهُ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِالجِهادِ بِآياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ. وبَعْدَ أنْ وعَدُوا بِالِانْتِدابِ لِلْجِهادِ ثُمَّ تَقاعَدُوا عَنْهُ وكَرِهُوهُ. وهَذا المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو أوْضَحُ وأوْفَقُ بِنَظْمِ الآيَةِ، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلتَّوْبِيخِ واللَّوْمِ وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .

وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: قالَ المُؤْمِنُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بِهِ فَدَلَّهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، فابْتُلُوا يَوْمَ

صفحة ١٧٣

أُحُدٍ بِذَلِكَ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] . ونَسَبَ الواحِدِيُّ مِثْلَ هَذا لِلْمُفَسْرِينَ وهو يَقْتَضِي أنَّ صَدْرَ الآيَةِ نَزَلَ بَعْدَ آخِرِها.

وعَنِ الكَلْبِيِّ: أنَّهم قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَسارَعْنا إلَيْها فَنَزَلَتْ ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ. فابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] تُعَيِّرُهم بِتَرْكِ الوَفاءِ. وهو يَقْتَضِي أنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِها.

وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والمِائَةُ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّغابُنِ وقَبْلَ سُورَةِ الفَتْحِ. وكانَ نُزُولُها بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ.

وعَدَدُ آيِها أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً بِاتِّفاقِ أهْلِ العَدَدِ.

* * *

أوَّلُ أغْراضِها التَّحْذِيرُ مِن إخْلافِ الوَعْدِ والِالتِزامُ بِواجِباتِ الدِّينِ.

والتَّحْرِيضُ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ والثَّباتِ فِيهِ، وصِدْقُ الإيمانِ.

والثَّباتُ في نُصْرَةِ الدِّينِ.

والِائْتِساءُ بِالصّادِقِينَ مِثْلِ الحَوارِيِّينَ.

والتَّحْذِيرُ مِن أذى الرَّسُولِ ﷺ تَعْرِيضًا بِاليَهُودِ مِثْلِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ.

وضَرَبَ المَثَلَ لِذَلِكَ بِفِعْلِ اليَهُودِ مَعَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

والتَّعْرِيضُ بِالمُنافِقِينَ.

والوَعْدُ عَلى إخْلاصِ الإيمانِ والجِهادِ بِحُسْنِ مَثُوبَةِ الآخِرَةِ والنَّصْرِ والفَتْحِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском