Ibn 'AshurAl‑Mumtahanah · 60:4–9

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mumtahanah 60:4–9

60:4Page 549

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤

There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.

﴿قَدْ كانَتْ لَكم إسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ .

صَدْرُ هَذِهِ الآيَةُ يُفِيدُ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٢] وجُمْلَةِ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]، لِأنَّها بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن أنَّ المُوَجَّهِ إلَيْهِمُ التَّوْبِيخُ خالَفُوا الأُسْوَةَ الحَسَنَةَ تُقَوِّي إثْباتَ الخَطَأِ المُسْتَوْجِبِ لِلتَّوْبِيخِ.

ذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ خَطَأِ مَن يُوالِي عَدُوَّ اللَّهِ بِما يَجُرُّ إلى أصْحابِهِ مِن مَضارٍّ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ تَحْذِيرًا لَهم مِن ذَلِكَ، انْتَقَلَ إلى تَمْثِيلِ الحالَةِ الصّالِحَةِ بِمِثالٍ مِن فِعْلِ أهْلِ الإيمانِ الصّادِقِ والِاسْتِقامَةِ القَوِيمَةِ وناهِيكَ بِها أُسْوَةٌ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِكَلِمَتَيْ (قَدْ كانَتْ) لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، فَإنَّ قَدْ مَعَ فِعْلِ الكَوْنِ يُرادُ بِهِما التَّعْرِيضُ بِالإنْكارِ عَلى المُخاطَبِ ولَوْمِهِ في الإعْراضِ عَنِ العَمَلِ بِما

صفحة ١٤٣

تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ كَقَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ عَبّاسٍ يَوْمَ طَعَنَهُ غُلامُ المُغِيرَةِ: قَدْ كُنْتَ أنْتَ وأبُوكَ تُحِبّانِ أنْ يَكْثُرَ هَؤُلاءِ الأعْلاجُ بِالمَدِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] تَوْبِيخًا عَلى ما كانَ مِنهم في الدُّنْيا مِن إنْكارٍ لِلْبَعْثِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] .

ويَتَعَلَّقُ (لَكم) بِفِعْلِ (كانَ)، أوْ هو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ مِن (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) .

وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلٌ في اليَقِينِ بِاللَّهِ والغَضَبِ لَهُ، عَرَفَ ذَلِكَ العَرَبُ واليَهُودُ والنَّصارى مِنَ الأُمَمِ، وشاعَ بَيْنَ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ والأرامِيِّينَ، ولَعَلَّهُ بَلَغَ إلى الهِنْدِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ اسْمَ (بَرْهَما) مَعْبُودَ البَراهَمَةِ مِنَ الهُنُودِ مُحَرَّفٌ عَنِ اسْمِ إبْراهِيمَ وهو احْتِمالٌ.

وعُطِفَ (والَّذِينَ مَعَهُ) لِيَتِمَّ التَّمْثِيلُ لِحالِ المُسْلِمِينَ مَعَ رَسُولِهِمْ ﷺ بِحالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والَّذِينَ مَعَهُ، أيْ أنْ يَكُونُ المُسْلِمُونَ تابِعِينَ لِرِضى رَسُولِهِمْ ﷺ كَما كانَ الَّذِينَ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والمُرادُ بِـ (الَّذِينَ) مَعَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوا هَدْيَهُ وهم زَوْجُهُ سارَةُ وابْنُ أخِيهِ لُوطٌ ولَمْ يَكُنْ لِإبْراهِيمَ أبْناءٌ، فَضَمِيرُ إذْ قالُوا عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ فَهم ثَلاثَةٌ.

و(إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، أيِ الأُسْوَةُ فِيهِ وفِيهِمْ في ذَلِكَ الزَّمَنِ.

والمُرادُ بِالزَّمَنِ: الأحْوالُ الكائِنَةُ فِيهِ، وهو ما تُبَيِّنُهُ الجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها الظَّرْفُ وهي جُمْلَةُ ﴿قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ إلَخْ.

والأِسْوَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها: القُدْوَةُ الَّتِي يُقْتَدى بِها في فِعْلٍ ما. فَوُصِفَتْ في الآيَةِ بِـ (حَسَنَةٍ) وصْفًا لِلْمَدْحِ لِأنَّ كَوْنَها حَسَنَةً قَدْ عُلِمَ مِن سِياقِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (إسْوَةٌ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِضَمِّها. وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] في سُورَةِ الأحْزابِ.

صفحة ١٤٤

وحَرْفُ (في) مُسْتَعارٌ لِقُوَّةِ المُلابَسَةِ إذْ جَعَلَ تَلَبُّسَ إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً حَسَنَةً، بِمَنزِلَةِ تَلَبُّسِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ في شِدَّةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الوَصْفِ. ولِذَلِكَ كانَ المَعْنى: قَدْ كانَ لَكم إبْراهِيمُ والَّذِينَ مَعَهُ أُسْوَةً في حِينِ قَوْلِهِمْ لِقَوْمِهِمْ. فَلَيْسَ قَوْلُهُ (﴿إسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾) مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ مِثْلَ قَوْلِ أبِي خالِدِ العَتّابِيِّ.

وفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ

.

لِأنَّ الأُسْوَةَ هُنا هي قَوْلُ إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ لا أنْفُسِهِمْ.

و(بُرَءاءُ) بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ فُعَلاءَ جَمْعُ بَرِيءٍ مِثْلُ كَرِيمِ وكُرَماءَ.

وبَرِيءٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن بَرِئَ إذا خَلا مِنهُ سَواءً بَعْدَ مُلابَسَتِهِ أوْ بِدُونِ مُلابَسَةٍ.

والمُرادُ هُنا التَّبَرُّؤُ مِن مُخاطَلَتِهِمْ ومُلابَسَتِهِمْ. . .

وعُطِفَ عَلَيْهِ (وما تَعْبُدُونَ) أيْ مِنَ الأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ والمُرادُ بُرَآءُ مِن عِبادَتِها.

وجُمْلَةُ (كَفَرْنا بِكم) وما عُطِفَ عَلَيْها بَيانٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿إنّا بُرَآءُ﴾ . وضَمِيرُ (بِكم) عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ المُخاطَبِينَ مِن قَوْمِهِمْ مَعَ ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، ويُفَسَّرُ الكُفْرُ بِما يُناسِبُ المَعْطُوفَ، أيْ كَفَرْنا بِجَمِيعِكم فَكُفْرُهم بِالقَوْمِ غَيْرُ كُفْرِهِمْ بِما يَعْبُدُهُ قَوْمُهم.

وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا﴾ وبَدا مَعْناهُ: ظَهَرَ ونَشَأ، أيْ أحْدَثْنا مَعَكُمُ العَداوَةَ ظاهِرَةً لا مُوارَبَةَ فِيها، أيْ لَيْسَتْ عَداوَةٌ في القَلْبِ خاصَّةً بَلْ هي عَداوَةٌ واضِحَةٌ عَلانِيَةٌ بِالقَوْلِ والقَلْبِ. وهو أقْصى ما

صفحة ١٤٥

يَسْتَطِيعُهُ أمْثالُهم مِن دَرَجاتِ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ وهو التَّغْيِيرُ بِاللِّسانِ إذْ لَيْسُوا بِمُسْتَطِيعِينَ تَغْيِيرِ ما عَلَيْهِ قَوْمُهم بِاليَدِ لِقِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ بَيْنَ قَوْمِهِمْ.

والعَداوَةُ المُعامَلَةُ بِالسُّوءِ والِاعْتِداءِ.

و(البَغْضاءُ): نَفْرَةُ النَّفْسِ، والكَراهِيَةُ وقَدْ تُطْلَقُ إحْداهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى إذا افْتَرَقَتا، فَذِكْرُهُما مَعًا هُنا مَقْصُودٌ بِهِ حُصُولُ الحالَتَيْنِ في أنْفُسِهِمْ: حالَةُ المُعامَلَةِ بِالعُدْوانِ، وحالَةُ النُّفْرَةِ والكَراهِيَةِ، أيْ نُسِيءُ مُعامَلَتَكم ونُضْمِرُ لَكُمُ الكَراهِيَةَ حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكٍ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ هَذا لِقَوْمِهِمْ أنَّهم قالُوهُ مَقالَ الصّادِقِ في قَوْلِهِ، فالِائْتِساءِ بِهِمْ في ذَلِكَ القَوْلِ والعَمَلِ بِما يُتَرْجِمُ عَلَيْهِ القَوْلُ مِمّا في النُّفُوسِ، فالمُؤْتَسى بِهِ أنَّهم كاشَفُوا قَوْمَهم بِالمُنافَرَةِ، وصَرَّحُوا لَهم بِالبَغْضاءِ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ولِمَ يُصانِعُوهم ويَغُضُّوا عَنْ كُفْرِهِمْ لِاكْتِسابِ مَوَدَّتِهِمْ كَما فَعَلَ المُوَبَّخُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

* * *

﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ حِكايَةِ مَقالِ إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ وجُمْلَةِ (لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ إذْ لَيْسَ هَذا القَوْلُ مِن جِنْسِ قَوْلِهِمْ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ إلَخْ، فَإنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ رِفْقٌ بِأبِيهِ وهو يُغايِرُ التَّبَرُّؤَ مِنهُ، فَكانَ الِاسْتِثْناءُ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ الشّامِلِ لِمَقالَةِ إبْراهِيمَ مَعَهم لِاخْتِلافِ جِنْسَيِ القَوْلَيْنِ.

قالَ في الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلّا آلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٨] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن (قَوْمٍ) لِأنَّ القَوْمَ مَوْصُوفُونَ بِالإجْرامِ فاخْتَلَفَ لِذَلِكَ الجِنْسانِ اهـ. فَجَعَلَ اخْتِلافَ جِنْسَيِ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ مُوجِبًا اعْتِبارَ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا. وفائِدَةُ الِاسْتِدْراكِ هُنا التَّعْرِيضُ بِخَطَأِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُعْتَذِرِينَ فَلْيَكُنْ عُذْرُكم في مُواصَلَةِ أعْداءِ اللَّهِ بِأنْ تَوَدُّوا لَهُمُ مَغْفِرَةَ كُفْرِهِمْ بِاسْتِدْعاءِ سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو أنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ إلى

صفحة ١٤٦

الدِّينِ الحَقِّ كَما قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، ولا يَكُونُ ذَلِكَ بِمُصانَعَةٍ لا يَفْهَمُونَ مِنها أنَّهم مِنكم بِمَحَلِّ المَوَدَّةِ والعِنايَةِ فَيَزْدادُوا تَعَنُّتًا في كُفْرِهِمْ.

وحِكايَةُ قَوْلِ إبْراهِيمِ لِأبِيهِ ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إكْمالٌ لِجُمْلَةِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن الِاسْتِثْناءِ مُجَرَّدَ وعْدِهِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ فَبُنِيَ عَلَيْهِ ما هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لَهُ قَدْ لا يَقْبَلُهُ اللَّهُ.

والواوُ في ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومَعْنى الحالِ أوْضَحُ وهو تَذْيِيلٌ.

ومَعْنى المِلْكِ في قَوْلِهِ (وما أمْلِكُ) القُدْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ.

و(مِن شَيْءٍ) عامٌّ لِلْمَغْفِرَةِ المَسْؤُولَةِ وغَيْرِها مِمّا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِ.

* * *

﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ .

الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ وجُمْلَةُ ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَهو مِمّا أمَرَ المُسْلِمُونَ أنْ يَأْتَسُوا بِهِ، وبِهِ يَكُونُ الكَلامُ شَدِيدَ الِاتِّصالِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٦] .

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا هَذا الكَلامَ ويَسْتَحْضِرُوا مَعانِيَهُ لِيَجْرِيَ عَمَلَهم بِمُقْتَضاهُ فَهو عَلى تَقْدِيرِ أمْرٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ والمَقْصُودُ مِنَ القَوْلِ العَمَلُ بِالقَوْلِ فَإنَّ الكَلامَ يُجَدَّدُ المَعْنى في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ بِهِ ويُذَكِّرُ السّامِعَ مِن غَفْلَتِهِ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِما أوْصاهم بِهِ مِن مُقاطَعَةِ الكُفّارِ بَعْدَ التَّحْرِيضِ عَلى الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ.

فَعَلى المَعْنى الأوَّلِ يَكُونُ حِكايَةً لِما قالَهُ إبْراهِيمُ وقَوْمُهُ بِما يُفِيدُ حاصِلَ مَعانِيهِ فَقَدْ يَكُونُ هو مَعْنى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ

صفحة ١٤٧

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] .

فَإنَّ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ في أُمُورِ الحَياةِ بِسُؤالِهِ النَّجاحَ في ما يُصْلِحُ أعْمالَ العَبْدِ في مَساعِيهِ، وأعْظَمُهُ النَّجاحَ في دِينِهِ وما فِيهِ قِوامُ عَيْشِهِ ثُمَّ ما فِيهِ دَفْعُ الضُّرِّ. وقَدْ جَمَعَها قَوْلُ إبْراهِيمَ هُناكَ ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] . وهَذا جَمَعَهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] جَمَعَهُ قَوْلُهُ ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ فَإنَّ المَصِيرَ مَصِيرانِ مَصِيرٌ بَعْدَ الحَياةِ ومَصِيرٌ بَعْدَ البَعْثِ.

وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] فَإنَّ وسِيلَةَ الطَّمَعِ هو التَّوْبَةُ وقَدْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وإلَيْكَ أنَبْنا﴾ .

وعَلى المَعْنى الثّانِي هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَصْرِفُوا تَوَجُّهَهم إلى اللَّهِ بِإرْضائِهِ ولا يَلْتَفِتُوا إلى ما لا يَرْضاهُ وإنْ حَسِبُوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَإنَّ رِضى اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلى ما دُونَهُ.

والقَوْلُ في مَعْنى التَّوَكُّلِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والإنابَةُ: التَّوْبَةُ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] في سُورَةِ الرُّومِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى هَذِهِ الأفْعالِ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ بَعْضُهُ ادِّعائِيٌّ وبَعْضُهُ حَقِيقِيٌّ كَما تُصْرَفُ إلَيْهِ القَرِينَةُ.

وإعادَةُ النِّداءِ بِقَوْلِهِمْ (رَبَّنا) إظْهارٌ لِلتَّضَرُّعِ مَعَ كُلِّ دَعْوَةٍ مِنَ الدَّعَواتِ الثَّلاثِ.

60:5Page 549

رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .

الفِتْنَةُ: اضْطِرابُ الحالِ وفَسادُهُ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ فَتَجِيءُ بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وتَجِيءُ وصْفًا لِلْمَفْتُونِ والفاتِنِ.

صفحة ١٤٨

ومَعْنى جَعْلِهِمْ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا: جَعْلُهم مَفْتُونِينَ يَفْتِنُهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَيُصَدَّقُ ذَلِكَ بِأنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُفْتَنُونَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] إلَخْ. ويُصَدَّقُ أيْضًا بِأنْ تَخْتَلَّ أُمُورُ دِينِهِمْ بِسَبَبِ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ بِمَحَبَّتِهِمْ والتَّقَرُّبِ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ دُعاءِ مُوسى ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] .

وعَلى الوَجْهَيْنِ فالفِتْنَةُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥] في سُورَةِ يُونُسَ.

واللّامُ في ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْمِلْكِ، أيْ مَفْتُونِينَ مُسَخَّرِينَ لَهم.

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ فِتْنَةٌ مَصْدَرًا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيْ لا تَجْعَلْنا فاتِنَيْنِ، أيْ سَبَبَ فِتْنَةٍ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، فَيَكُونَ كِنايَةً عَنْ مَعْنى لا تُغَلِّبِ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَلَيْنا واصْرِفْ عَنّا ما يَكُونُ بِهِ اخْتِلالُ أمْرِنا وسُوءُ الأحْوالِ كَيْلا يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فاتَنًا الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ مُقَوِّيًا فِتْنَتَهم فَيُفْتَتَنُوا في دِينِهِمْ، أيْ يَزْدادُوا كُفْرًا وهو فِتْنَةٌ في الدِّينِ، أيْ فَيَظُنُّوا أنّا عَلى الباطِلِ وأنَّهم عَلى الحَقِّ، وقَدْ تُطْلَقُ الفِتْنَةُ عَلى ما يُفْضِي إلى غُرُورٍ في الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩] في سُورَةِ الزُّمَرِ وقَوْلِهِ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

واللّامُ عَلى هَذا الوَجْهِ لامُ التَّبْلِيغِ وهَذِهِ مَعانٍ جَمَّةٌ أفادَتْها الآيَةُ.

* * *

﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ أعْقَبُوا دَعَواتِهِمُ الَّتِي تَعُودُ إلى إصْلاحِ دِينِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا بِطَلَبِ ما يُصْلِحُ أُمُورَهم في الحَياةِ الآخِرَةِ وما يُوجِبُ رِضى اللَّهِ عَنْهم في الدُّنْيا فَإنَّ رِضاهُ يُفْضِي إلى عِنايَتِهِ بِهِمْ بِتَيْسِيرِ أُمُورِهِمْ في الحَياتَيْنِ. ولِلْإشْعارِ بِالمُغايَرَةِ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ عَطَفَتْ هَذِهِ الواوُ ولَمْ تَعْطِفِ الَّتِي قَبْلَها.

* * *

﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

صفحة ١٤٩

تَعْلِيلٌ لِلدَّعَواتِ كُلِّها فَإنَّ التَّوَكُّلَ والإنابَةَ والمَصِيرَ تُناسِبُ صِفَةَ العَزِيزِ إذْ مِثْلُهُ يُعامِلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وطَلَبَ أنْ لا يَجْعَلَهم فِتْنَةً بِاخْتِلافِ مَعانِيهِ يُناسِبُ صِفَةَ الحَكِيمِ، وكَذَلِكَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِأنَّهم لَمّا ابْتَهَلُوا إلَيْهِ أنْ لا يَجْعَلَهم فِتْنَةَ الكافِرِينَ وأنْ يَغْفِرَ لَهم رَأوْا أنَّ حِكْمَتَهُ تُناسِبُها إجابَةُ دُعائِهِمْ لِما فِيهِ مِن صَلاحِهِمْ وقَدْ جاءُوا سائِلِينَهُ.

60:6Page 550

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦

There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ تَكْرِيرُ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿قَدْ كانَتْ لَكم إسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] إلَخْ، أُعِيدَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيضِ والحَثِّ عَلى عَدَمِ إضاعَةِ الِائْتِساءِ بِهِمْ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ إلَخْ.

وقَرَنَ هَذا التَّأْكِيدَ بِلامِ القَسَمِ مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ. وإنَّما لَمْ تَتَّصِلْ بِفِعْلِ (كانَ) تاءُ تَأْنِيثٍ مَعَ أنَّ اسْمَها مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ لِأنَّ تَأْنِيثَ ”أُسْوَةٌ“ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ.

والإسْوَةُ هي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في هَمْزَتِها في قَوْلِهِ ﴿قَدْ كانَتْ لَكم إسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٤] .

وقَوْلُهُ ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ (لَكم) وهو شامِلٌ لِجَمِيعِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِضَمِيرِ لَكُمُ المُؤْمِنُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] فَلَيْسَ ذِكْرُ ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ تَخْصِيصًا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهُ ذِكْرٌ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يَقْتَضِي تَأسِّيَهم بِالمُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنَ وهم إبْراهِيمُ والَّذِينَ مَعَهُ.

وأُعِيدَ حَرْفُ الجَرِّ العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ لِتَأْكِيدِ أنَّ الإيمانَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ.

والقَصْدُ هو زِيادَةُ الحَثِّ عَلى الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ ومِن مَعَهُ، ولِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾، وهَذا تَحْذِيرٌ مِنَ العَوْدِ لِما نُهُوا عَنْهُ.

صفحة ١٥٠

فَفِعْلُ (يَتَوَلَّ) مُضارِعُ تَوَلّى، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماضِيهِ بِمَعْنى الإعْراضِ، أيْ مَن لا يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ويُعْرِضُ عَنْ نَهْيِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ امْتِثالِهِ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ماضِيهِ مِنَ التَّوَلِّي بِمَعْنى اتِّخاذِ الوَلِيِّ، أيْ مَن يَتَّخِذُ عَدُوَّ اللَّهِ أوْلِياءَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ وِلايَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] في سُورَةِ العُقُودِ.

وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ (هو الغَنِيُّ) تَوْكِيدٌ لِلْحَصْرِ الَّذِي أفادَهُ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ، وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغِنى غَيْرِهِ ولا بِحَمْدِهِ، أيْ هو الغَنِيُّ عَنِ المُتَوَلِّينَ لَأنَّ النَّهْيَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ إنَّما لِفائِدَتِهِمْ لا يُفِيدُ اللَّهَ شَيْئًا فَهو الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.

وإتْباعُ (الغَنِيِّ) بِوَصْفِ (الحَمِيدِ) تَتْمِيمٌ، أيِ الحَمِيدِ لِمَن يَمْتَثِلُ أمْرَهُ ولا يُعْرِضُ عَنْهُ أوِ الحَمِيدِ لِمَن لا يَتَّخِذُ عَدُوَّهُ ولِيًّا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .

60:7Page 550

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧

Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

اعْتِراضٌ وهو اسْتِئْنافٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ تَسْلِيَةً لَهم عَلى ما نُهُوا عَنْهُ مِن مُواصَلَةِ أقْرِبائِهِمْ، بِأنْ يَرْجُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ قَطِيعَتَهم آيِلَةً إلى مَوَدَّةٍ بِأنْ يَسْلَمَ المُشْرِكُونَ مِن قَرابَةِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِإسْلامِ أبِي سُفْيانَ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ مِن هَذِهِ المَوَدَّةِ تَزَوُّجُ النَّبِيءِ ﷺ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، تَزَوَّجَها بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ بِأرْضِ الحَبَشَةِ بَعْدَ أنْ تَنَصَّرَ زَوْجُها فَلَمّا تَزَوَّجَها النَّبِيءُ ﷺ لانَتْ عَرِيكَةُ أبِي سُفْيانَ وصَرَّحَ بِفَضْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: (ذَلِكَ الفَحْلُ لا يُقْدَعُ أنْفُهُ) رُوِيَ بِدالٍ بَعْدَ القافِ يُقالُ: قَدَعَ أنْفَهُ. إذا ضَرَبَ أنْفَهُ بِالرُّمْحِ وهَذا تَمْثِيلٌ، وكانُوا إذا نَزا فَحَلٌ غَيْرُ كَرِيمٍ عَلى ناقَةٍ

صفحة ١٥١

كَرِيمَةٍ دَفَعُوهُ عَنْها بِضَرْبِ أنْفِهِ بِالرُّمْحِ لِئَلا يَكُونُ نَتاجُها هَجِينًا. وإذا تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عامَ فَتْحِ مَكَّةَ وكانَ تَزَوُّجُ النَّبِيءُ ﷺ أمَّ حَبِيبَةٍ في مُدَّةِ مُهاجَرَتِها بِالحَبَشَةِ وتِلْكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ. يَعْنِي فَتَكُونُ آيَةُ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ قَبْلَ نِزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ ثُمَّ أُلْحِقَتْ بِالسُّورَةِ.

وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى وجْهِ المِثالِ لِحُصُولِ المَوَدَّةِ مَعَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ، وحُصُولُ مِثْلِ تِلْكَ المَوَدَّةِ يُهَيِّئُ صاحِبَهُ إلى الإسْلامِ واسْتَبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ صِحَّةَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

و(عَسى) فِعْلُ مُقارَبَةٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في رَجاءِ المُسْلِمِينَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ أوْ مُسْتَعْمَلَةٌ في الوَعْدِ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الرَّجاءِ. قالَ في الكَشّافِ: كَما يَقُولُ المَلِكُ في بَعْضِ الحَوائِجِ عَسى أوْ لَعَلَّ فَلا تَبْقى شُبْهَةٌ لِلْمُحْتاجِ في تَمامِ ذَلِكَ.

وضَمِيرُ (مِنهم) عائِدٌ إلى العَدُوِّ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] وجُمْلَةُ (واللَّهُ قَدِيرٌ) تَذْيِيلٌ. والمَعْنى: أنَّهُ شَدِيدُ القُدْرَةِ عَلى أنْ يُغَيِّرَ الأحْوالَ فَيَصِيرُ المُشْرِكُونَ مُؤْمِنِينَ صادِقِينَ وتَصِيرُونَ أوِدّاءَ لَهم.

وعَطَفَ عَلى التَّذْيِيلِ جُمْلَةَ (واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، أيْ يَغْفِرُ لِمَن أنابُوا إلَيْهِ ويَرْحَمُهم فَلا عَجَبَ أنْ يَصِيرُوا أوِدّاءَ لَكم كَما تَصِيرُونَ أوِدّاءَ لَهم.

60:8Page 550

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨

Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.

﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ هو مَنطُوقٌ لِمَفْهُومِ الأوْصافِ الَّتِي وُصِفَ بِها العَدُوُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وقَوْلُهُ ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة: ٢]، المَسُوقَةِ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهِي عَنْ اتِّخاذِ عَدُوِّ اللَّهِ أوْلِياءَ، اسْتَثْنى اللَّهُ أقْوامًا مِنَ المُشْرِكِينَ غَيْرَ مُضْمِرِينَ العَداوَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وكانَ دِينُهم شَدِيدَ المُنافَرَةِ مَعَ دِينِ الإسْلامِ.

صفحة ١٥٢

فَإنْ نَظَرْنا إلى وصْفِ العَدُوِّ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وحَمَلْناهُ عَلى حالَةِ مُعاداةِ مَن خالَفَهم في الدِّينِ ونَظَرْنا مَعَ ذَلِكَ إلى وصْفِ ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، كانَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ، بَيانًا لِمَعْنى العَداوَةِ المَجْعُولَةِ عِلَّةً لِلنَّهِي عَنِ المُوالاةِ وكانَ المَعْنى أنَّ مَناطَ النَّهْيِ هو مَجْمُوعُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِكُلَّ صِفَةٍ عَلى حِيالِها.

وإنْ نَظَرْنا إلى أنَّ وصْفَ العَدُوِّ هو عَدُوُّ الدِّينِ، أيْ مُخالِفُهُ في نَفْسِهِ مَعَ ضَمِيمَةِ وصْفِ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]، كانَ مَضْمُونُ ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخِرِهِ تَخْصِيصًا لِلنَّهْيِ بِخُصُوصِ أعْداءِ الدِّينِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ لِأجْلِ الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوا المُسْلِمِينَ مِن دِيارِهِمْ.

وأيًّا ما كانَ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ أخْرَجَتْ مِن حُكْمِ النَّهْيِ القَوْمَ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوا في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوا المُسْلِمِينَ مِن دِيارِهِمْ. واتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها يَجْعَلُ الِاعْتِبارَيْنِ سَواءً، فَدَخَلَ في حُكْمِ الآيَةِ أصْنافٌ وهم حُلَفاءُ النَّبِيءِ ﷺ مِثْلُ خُزاعَةَ، وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ مَناةَ بْنِ كِنانَةَ، ومُزَيْنَةَ كانَ هَؤُلاءِ كُلُّهم مُظاهِرِينَ النَّبِيءَ ﷺ ويُحِبُّونَ ظُهُورَهُ عَلى قُرَيْشٍ، ومِثْلُ النِّساءِ والصِّبْيانِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ جاءَتْ قُتَيْلَةُ (بِالتَّصْغِيرِ ويُقالُ لَها: قَتَلَةُ، مُكَبَّرًا) بِنْتُ عَبْدِ العُزّى مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍ مِن قُرَيْشٍ وهي أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ إلى المَدِينَةِ زائِرَةً ابْنَتَها وقُتَيْلَةُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكَةٌ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ فِيها المُهادَنَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ كُفّارِ قُرَيْشٍ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وهي المُدَّةُ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها هَذِهِ السُّورَةُ «فَسَألَتْ أسْماءُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أتَصِلُ أُمَّها ؟ قالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ»، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِها.

وقَوْلُهُ ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلَخْ، لِأنَّ وُجُودَ ضَمِيرِ المَوْصُولِ في المُبْدَلِ وهو الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ يَجْعَلُ بِرَّ المُسْلِمِينَ بِهِمْ مِمّا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ أحْوالُهم. فَدَخَلَ في الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ في الدِّينِ نَفَرٌ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والَّذِينَ شَمَلَتْهم أحْكامُ هَذِهِ الآيَةِ كُلُّهم قَدْ قِيلَ إنَّهم سَبَبُ نُزُولِها وإنَّما هو شُمُولٌ وما هو بِسَبَبِ نُزُولٍ.

صفحة ١٥٣

والبِرُّ: حُسْنُ المُعامَلَةِ والإكْرامُ. وهو يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: بَرَّ بِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ هُنا بِنَفْسِهِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ. وضَمَّنَ تُقْسِطُوا مَعْنى تُفْضُوا فَعُدِّيَ بِـ (إلى) وكانَ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِاللّامِ. عَلى أنَّ اللّامَ و(إلى) يَتَعاقَبانِ كَثِيرًا في الكَلامِ، أيْ أنْ تُعامِلُوهم بِمِثْلِ ما يُعامِلُونَكم بِهِ مِنَ التَّقَرُّبِ، فَإنَّ مُعامَلَةَ أحَدٍ بِمِثْلِ ما عامَلَ بِهِ مِنَ العَدْلِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ يُحِبُّ كُلَّ مُقْسِطٍ فَيَدْخُلُ الَّذِينَ يُقْسِطُونَ لِلَّذِينَ حالَفُوهم في الدِّينِ إذا كانُوا مَعَ المُخالَفَةِ مُحْسِنِينَ مُعامَلَتَهم.

وعَنِ ابْنِ وهْبٍ قالَ سَألْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَسَخَها القِتالُ، قالَ الطَّبَرِيُّ لا مَعْنى لِقَوْلِ مَن قالَ: ذَلِكَ مَنسُوخٌ، لِأنَّ بِرَّ المُؤْمِنِينَ بِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ مِن أهْلِ الحَرْبِ أوْ بِمَن لا قَرابَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ غَيْرُ مَحَرَّمٍ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى عَوْرَةٍ لِأهْلِ الإسْلامِ. اهـ.

ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ مُعامَلَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ بِالإحْسانِ وجَوازُ الِاحْتِفاءِ بِأعْيانِهِمْ.

60:9Page 550

إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.

﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ وحَصْرٌ لِحُكْمِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وهي تُؤْذِنُ بِانْتِهاءِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخِرِها قَصْرٌ قُلِبَ لِرَدِّ اعْتِقادِ مَن ظَنَّ أوْ شَكَّ في جَوازِ صِلَةِ المُشْرِكِينَ عَلى الإطْلاقِ. والَّذِينَ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ هم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ، و﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ .

صفحة ١٥٤

﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ شَرْطٌ وجِيءَ في جَوابِ الشَّرْطِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِمْ زِيادَةً في إيضاحِ الحُكْمِ.

والمُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ. وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ فَرِيقانِ مِنهم مَن يَأْتِي بِالأسْبابِ الَّتِي لا يَحْتَمِلُ المُسْلِمُونَ مَعَها البَقاءَ بِمَكَّةَ، ومِنهم مَن يُعِينُ عَلى ذَلِكَ ويُغْرِي عَلَيْهِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، أيْ أنَّ ظُلْمَهم لِشِدَّتِهِ ووُقُوعِهُ بَعْدَ النَّهْيِ الشَّدِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى الأخْطاءِ والعِصْيانِ ظُلْمٌ لا يُغْفَرُ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ المُسْلِمِينَ وعَلى حَقِّ الظّالِمِ نَفْسِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском