Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Munafiqun 63:7–10
63:7Page 555
هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧
They are the ones who say, "Do not spend on those who are with the Messenger of Allāh until they disband." And to Allāh belong the depositories of the heavens and the earth, but the hypocrites do not understand.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ .
صفحة ٢٤٦
هَذا أيْضًا مِن مَقالاتِهِمْ في مَجامِعِهِمْ وجَماعَتِهِمْ يَقُولُونَها لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يُنْفِقُونَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ تَظاهُرًا بِالإسْلامِ كَأنَّهم يَقُولُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ تَظاهَرِ الإسْلامَ بِغَيْرِ الإنْفاقِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥] وذَلِكَ عُقِّبَتْ بِها. وقَدْ جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ كَما تَقَدَّمَ في طالِعَةِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإسْنادُ هَذا القَوْلِ إلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ لِأنَّهم تَقَبَّلُوهُ مِنهُ إذْ هو رَأْسُ المُنافِقِينَ أوْ فَشا هَذا القَوْلُ بَيْنَ المُنافِقِينَ فَأخَذُوا يَبُثُّونَهُ في المُسْلِمِينَ.
ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ الِاسْتِئْنافُ الِابْتِدائِيُّ المُعْرِبُ عَنْ مَكْرِهِمْ وسُوءِ طَواياهُمُ انْتِقالًا مِن وصْفِ إعْراضِهِمْ عِنْدَ التَّقَرُّبِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، إلى وصْفِ لَوْنٍ آخَرِ مِن كُفْرِهِمْ وهو الكَيْدُ لِلدِّينِ في صُورَةِ النَّصِيحَةِ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِهِمُ الظّاهِرِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالمُسْتَتِرِ في يَقُولُونَ مُعامَلَةً لَهم بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ فَإنَّهم سَتَرُوا كَيْدَهم بِإظْهارِ قَصْدِ النَّصِيحَةِ فَفَضَحَ اللَّهُ أمْرَهم بِمَزِيدِ التَّصْرِيحِ، أيْ قَدْ عَلِمْتُ أنَّكم تَقُولُونَ هَذا. وفي إظْهارِ الضَّمِيرِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ [ص: ٦٠] . ولِيَكُونَ لِلْجُمْلَةِ الإسْمِيَّةِ إفادَةُ ثَباتِ الخَبَرِ، ولِيَكُونَ الإتْيانُ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرًا بِأنَّهم عُرِفُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَقُولُونَ يُشْعِرُ بِأنَّ في هَذِهِ المَقالَةِ تَتَكَرَّرُ مِنهم لِقَصْدِ إفْشائِها.
و﴿مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ مَن كانُوا في رِعايَتِهِ مِثْلَ أهْلِ الصُّفَّةِ ومَن كانُوا يَلْحَقُونَ بِالمَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ كانَ يُمَوِّنُهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ. رَوى البُخارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في سَفَرٍ أصابَ النّاسَ فِيهِ شَدَّةٌ فَقالَ عَبْدُ اللَّهَ بْنُ أُبَيٍّ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ» وهَذا كَلامُ مَكْرٍ لِأنَّ ظاهِرَهُ قَصْدُ الرِّفْقِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كُلْفَةِ إنْفاقِ الأعْرابِ الَّذِينَ ألَمُّوا بِهِ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وباطِنَهُ إرادَةُ إبْعادِ الأعْرابِ عَنْ تَلَقِّي الهَدْيِ النَّبَوِيِّ وعَنْ أنْ يَتَقَوّى بِهِمُ المُسْلِمُونَ أوْ تُفَرُّقُ فُقَراءِ المُهاجِرِينَ لِتَضْعُفَ بِتَفَرُّقِهِمْ بَعْضُ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ. ورِواياتُ حَدِيثِ زَيْدٍ مُخْتَلِطَةٌ.
وقَوْلُهُ (﴿رَسُولِ اللَّهِ﴾) يُظْهِرُ أنَّهُ صَدَرَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ
صفحة ٢٤٧
المُنافِقِينَ بِهَذا اللَّفْظِ إذا كانُوا قالُوا ذَلِكَ جَهْرًا في مَلَأِ المُسْلِمِينَ إذْ هم يَتَظاهَرُونَ ساعَتَئِذٍ بِالإسْلامِ.
وحَتّى مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ بِطَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّ مَعْنى حَتّى انْتِهاءُ الفِعْلِ المَذْكُورِ قَبْلَها وغايَةُ الفِعْلِ يَنْتَهِي الفاعِلُ عَنِ الفِعْلِ إذا بَلَغَها، فَهي سَبَبٌ لِلِانْتِهاءِ وعِلَّةٌ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ فَإذا انْفَضُّوا فَأنْفَقُوا عَلَيْهِمْ.
والِانْفِضاضُ: التَّفَرُّقُ والِابْتِعادُ.
* * *
﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إبْطالًا لِمَكْرِ المُنافِقِينَ فِيما قَصَدُوهُ مِن قَوْلِهِمُ المُتَظاهِرِينَ بِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ نُصْحَ المُسْلِمِينَ، أيْ لَوْ تَمَشَّتْ حِيلَتُهم عَلى المُسْلِمِينَ فَأمْسَكُوا هم وبَعْضُ المُسْلِمِينَ عَنْ إنْفاقِ الأعْرابِ ومَن يَأْوُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العُفاةِ، فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَقْطَعُ عَنْهُمُ الإنْفاقَ وذَلِكَ دَأْبُهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: ما عِنْدِي شَيْءٌ ولَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ فَإذا جاءَنِي شَيْءٌ قَضَيْتُهُ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كَلَّفَكَ اللَّهُ ما لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَرِهَ النَّبِيءُ ﷺ قَوْلَ عُمَرَ. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْفِقْ ولا تَخْشَ مِن ذِي العَرْشِ إقْلالًا. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعُرِفَ في وجْهِهِ البِشْرُ لِقَوْلِ الأنْصارِيِّ ثُمَّ قالَ: بِهَذا أُمِرْتُ» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ الشَّمائِلِ.
وهَذا جَوابٌ مِن بابِ طَرِيقَةِ النَّقْضِ لِكَلامِهِمْ في مُصْطَلَحِ آدابِ البَحْثِ.
وخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ. وهي البَيْتُ الَّذِي تُخَزِّنُ فِيهِ الطَّعامُ قالَ تَعالى ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وتُطْلَقُ عَلى الصُّنْدُوقِ الكَبِيرِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ المالُ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ وعَلى بُيُوتِ الكُتُبِ
صفحة ٢٤٨
وصَنادِيقِها، ومِن هَذا ما جاءَ في حَدِيثِ الصَّرْفِ مِنَ المُوَطَّأِ حَتّى يَحْضُرَ خازِنِي مِنَ الغابَةِ.
وخَزائِنُ السَّماواتِ مَقارُّ أسْبابِ حُصُولِ الأرْزاقِ مِن غُيُوثٍ رَسْمِيَّةٍ وأشِعَّةِ الشَّمْسِ والرِّياحِ الصّالِحَةِ فَيَأْتِي ذَلِكَ بِتَوْفِيرِ الثِّمارِ والحُبُوبِ وخِصْبِ المَرْعى وتَزايُدِ النِّتاجِ. وأمّا خَزائِنُ الأرْضِ فَما فِيها مِن أهْرِيَةٍ ومَطامِيرَ وأنْدُرٍ، ومِن كُنُوزِ الأحْوالِ وما يَفْتَحُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ مِنَ البِلادِ وما يَفِي عَلَيْهِ مِن أهْلِ القُرى.
واللّامُ في لِلَّهِ لِلْمِلْكِ أيِ التَّصَرُّفُ في ذَلِكَ مَلِكٌ لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا كانَ الإنْفاقُ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ مِمّا يُعِينُ عَلى ظُهُورِ الدِّينِ الَّذِي أرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ كانَ الإخْبارُ بِأنَّ الخَزائِنَ لِلَّهِ كِنايَةً عَنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ حُصُولَ ما يُنْفِقُ مِنهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «لَمّا قالَ الأنْصارِيُّ (ولا تَخْشَ مِن ذِي العَرْشِ إقْلالًا) (بِهَذا أُمِرْتُ») . وذَلِكَ بِما سَيَّرَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ مِن زَكَواتِ المُسْلِمِينَ وغَنائِمِ الغَزَواتِ، وما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ البِلادِ بِخَيْراتِها، وما أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتالٍ.
وتَقْدِيُمُ المَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِإفادَةِ قَصْرِ القَلْبِ وهو قَلْبٌ لِلازِمِ قَوْلِهِمْ لا لِصَرِيحِهِ لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمّا قالُوا ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ حَسِبُوا أنَّهم إذا قَطَعُوا الإنْفاقَ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ لا يَجِدُ الرَّسُولُ ﷺ ما يُنْفِقُ مِنهُ عَلَيْهِمْ فَأعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُباشَرَةً وأعْلَمَهم تَبَعًا بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرِّزْقِ أعْظَمُ وأوْسَعُ.
واسْتَدْراكُ قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ لِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهم حِينَ قالُوا ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ كانُوا قالُوهُ عَنْ بَصِيرَةٍ ويَقِينٍ بِأنَّ انْقِطاعَ إنْفاقِهِمْ عَلى الَّذِينَ يَلُوذُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَعِّطُ رِزْقَهم فَيَنْفَضُّونَ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ القُدْرَةَ عَلى الإنْفاقِ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِمْ لِأنَّهم أهْلُ الأحْوالِ وقَدْ غَفَلُوا عَنْ تَعَدُّدِ أسْبابِ الغِنى وأسْبابِ الفَقْرِ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَ دَقائِقَ المُدْرَكاتِ وخَفاياها.
ومَفْعُولُ (﴿يَفْقَهُونَ﴾) مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ وهو مَضْمُونُ ﴿لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أوْ نُزِّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ مُبالَغَةً في انْتِفاءِ فَقْهِ الأشْياءِ عَنْهم في كُلِّ حالٍ.
63:8Page 555
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨
They say, "If we return to al-Madīnah, the more honored [for power] will surely expel therefrom the more humble." And to Allāh belongs [all] honor, and to His Messenger, and to the believers, but the hypocrites do not know.
صفحة ٢٤٩
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ثانٍ عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدادِ والتَّكْرِيرِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ. ومِثْلُهُ يَكْثُرُ في مَقامِ التَّوْبِيخِ. وهَذا وصْفٌ لِخُبْثِ نَواياهم إذْ أرادُوا التَّهْدِيدَ وإفْسادَ إخْلاصِ الأنْصارِ وأُخُوَّتِهِمْ مَعَ المُهاجِرِينَ بِإلْقاءِ هَذا الخاطِرِ في نُفُوسِ الأنْصارِ بَذْرًا لِلْفِتْنَةِ والتَّفْرِقَةِ وانْتِهازًا لِخُصُومَةٍ طَفِيفَةٍ حَدَثَتْ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مِن مَوالِيَ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ هُنا صَدَرَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ كَسَعَ حَلِيفُ المُهاجِرِينَ حَلِيفَ الأنْصارِ كَما تَقَدَّمَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]، فَإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ هُنا كَإسْنادِهِ هُناكَ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في حِكايَةِ هَذِهِ المَقالَةِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] . والمَدِينَةُ هي مَدِينَتُهُمُ المَعْهُودَةُ وهي يَثْرِبُ.
والأعَزُّ: القَوِيُّ العِزَّةُ وهو الَّذِي لا يُقْهَرُ ولا يُغْلَبُ عَلى تَفاوُتٍ في مِقْدارِ العِزَّةِ إذْ هي مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. والعِزَّةُ تَحْصُلُ بِوَفْرَةِ العَدَدِ وسِعَةِ المالِ والعُدَّةِ، وأرادَ بِ ﴿الأعَزُّ﴾ فَرِيقَ الأنْصارِ فَإنَّهم أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الأمْوالِ وهم أكْثَرُ عَدَدًا مِنَ المُهاجِرِينَ فَأرادَ لَيُخْرِجَنَّ الأنْصارَ مِن مَدِينَتِهِمْ مَن جاءَها مِنَ المُهاجِرِينَ.
وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ كَلامَهم بِقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو جَوابٌ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُسَمّى القَوْلَ بِالمُوجَبِ في عِلْمِ الجَدَلِ وهي مِمّا يُسَمّى بِالتَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ.
والمَعْنى: إنْ كانَ الأعَزُّ يُخْرُجُ الأذَلَّ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الفَرِيقُ الأعَزُّ. وعِزَّتُهم بِكَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِمْ وبِتَأْيِيدِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ وأوْلِياءَهُ لِأنَّ عِزَّةَ اللَّهِ هي العِزَّةُ الحَقُّ المُطْلَقَةُ، وعَزَّةُ غَيْرِهِ ناقِصَةٌ، فَلا جَرَمَ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ لا يُقْهَرُونَ إذا أرادَ اللَّهُ نَصْرَهم ووَعْدَهم بِهِ. فَإنْ كانَ إخْراجٌ مِنَ المَدِينَةِ فَإنَّما يُخْرَجُ مِنها أنْتُمْ يا أهْلَ النِّفاقِ.
صفحة ٢٥٠
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ لِقَصْدِ القَصْرِ وهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ العِزَّةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ لا لَكم كَما تَحْسَبُونَ.
وإعادَةُ اللّامِ في قَوْلِهِ ﴿ولِرَسُولِهِ﴾ مَعَ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مُغْنٍ عَنْها لِتَأْكِيدِ عِزَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّها بِسَبَبِ عِزَّةِ اللَّهِ ووَعْدِهِ إيّاهُ، وإعادَةُ اللّامِ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ أيْضًا إذْ قَدْ تَخْفى عِزَّتُهم وأكْثَرُهم في حالِ قِلَّةٍ وحاجَةٍ.
والقَوْلُ في الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ نَظِيرُ القَوْلِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] .
وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . وقَدْ سَبَقَ اسْمُهم في نَظِيرِها قَبْلَها لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ بِذاتِها فَتَسِيرُ سَيْرَ المَثَلِ.
وإنَّما نُفِيَ عَنْهم هُنا العِلْمُ تَجْهِيلًا بِسُوءِ التَّأمُّلِ في أماراتِ الظُّهُورِ والِانْحِطاطِ فَلَمْ يَفْطَنُوا لِلْإقْبالِ الَّذِي في أحْوالِ المُسْلِمِينَ وازْدِيادِ سُلْطانِهِمْ يَوْمًا فَيَوْمًا وتَناقُصٍ مِن أعْدائِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ فَكَيْفَ يَظُنُّ المُنافِقُونَ أنَّ عِزَّتَهم أقْوى مِن عِزَّةِ قَبائِلِ العَرَبِ الَّذِينَ يَسْقُطُونَ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ كُلَّما غَزَوهم مِن يَوْمِ بَدْرٍ فَما بَعْدَهُ.
63:9Page 555
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩
O you who have believed, let not your wealth and your children divert you from the remembrance of Allāh. And whoever does that - then those are the losers.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
انْتِقالٌ مِن كَشْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ المَسُوقِ لِلْحَذَرِ مِنهم والتَّحْذِيرِ مِن صِفاتِهِمْ. إلى الإقْبالِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِنَهْيِهِمْ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يَشْغَلَ عَنِ التَّذَكُّرِ لِما أمْرَ اللَّهُ ونَهى، ثُمَّ الأمْرِ بِالإنْفاقِ في سُبُلِ الخَيْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ وجَماعَتِهِمْ وإسْعافِ آحادِهِمْ، لِئَلّا يَسْتَهْوِيَهم قَوْلُ المُنافِقِينَ ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧] والمُبادَرَةُ إلى ذَلِكَ قَبْلَ إتْيانِ المَوْتِ الَّذِي لا يُدْرى وقْتُ حُلُولِهِ حِينَ تَمَنّى أنْ يَكُونَ قَدْ تَأخَّرَ أجَلُهُ لِيَزِيدَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ فَلا يَنْفَعُهُ التَّمَنِّي وهو تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠]، فالمُناسِبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ هو حِكايَةُ مَقالِ المُنافِقِينَ ولِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكْرَ الأقْوالِ عَلى ذِكْرِ الأوْلادِ لِأنَّها أهَمُّ بِحَسَبِ السِّياقِ.
صفحة ٢٥١
ونُودِيَ المُخاطَبُونَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّهَمُّمِ لِامْتِثالِ النَّهْيِ.
وخُصَّ الأمْوالُ والأوْلادُ بِتَوَجُّهِ النَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِها اشْتِغالًا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِأنَّ الأمْوالَ مِمّا يَكْثُرُ إقْبالُ النّاسِ عَلى إنْمائِها والتَّفْكِيرِ في اكْتِسابِها بِحَيْثُ تَكُونُ أوْقاتُ الشُّغْلِ بِها أكْثَرَ مِن أوْقاتِ الشُّغْلِ بِالأوْلادِ. ولِأنَّها كَما تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ الوَقْتِ في كَسْبِها ونَمائِها، تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِهِ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ لِكَنْزِها بِحَيْثُ يُنْسى ذِكْرُ ما دَعا اللَّهُ إلَيْهِ مِن إنْفاقِها.
وأمّا ذِكْرُ الأوْلادِ فَهو إدْماجٌ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالأوْلادِ والشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وتَدْبِيرَ شُئُونِهِمْ وقَضاءَ الأوْقاتِ في التَّأنُّسِ بِهِمْ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسِيَ عَنْ تَذَكُّرِ أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ فالشُّغْلُ بِهَذَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الشُّغْلِ بِغَيْرِهِما.
وصِيغَ الكَلامُ في قالَبِ تَوْجِيهِ النَّهْيِ عَنِ الإلْهاءِ عَنِ الذَّكْرِ، إلى الأمْوالِ والأوْلادِ والمُرادُ نَهْيُ أصْحابِها، وهو اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ وقَرِينَتُهُ هُنا قَوْلُهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . وأصْلُهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مُبالَغَةً في نَهْيِ أصْحابِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِسَبَبِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَنُزِّلَ سَبَبُ الإلْهاءِ مَنزِلَةَ اللّاهِي لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِمْ لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا.
و(لا) في قَوْلِهِ (﴿ولا أوْلادُكُمْ﴾) نافِيَةٌ عاطِفَةٌ أوْلادُكم عَلى أمْوالُكم، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَدْخُولُ لا النّاهِيَةِ لِأنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ إذْ هو طَلَبُ عَدَمِ الفِعْلِ فَ (لا) النّاهِيَةِ أصْلُها (لا) النّافِيَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى النَّهْيِ عِنْدَ قَصْدِ النَّهْيِ فَجَزَمَتِ الفِعْلَ حَمْلًا عَلى مُضادَّةِ مَعْنى لامِ الأمْرِ فَأُكِّدَ النَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالأوْلادِ بِحَرْفِ النَّفْيِ لِيَكُونَ لِلِاشْتِغالِ بِالأوْلادِ حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ الأمْوالِ.
وذِكْرِ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ. فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ بِاللِسانِ كالصَّلاةِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ، والتَّذَكُّرَ بِالعَقْلِ كالتَّدَبُّرِ في صِفاتِهِ واسْتِحْضارِ امْتِثالِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وفِيهِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الَّذِي لا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ولَهُ مَراتِبُ.
صفحة ٢٥٢
وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ النَّهْيُ اقْتِضاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّهْوِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ، أيْ ومَن يُلْهَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أيْ يَتْرُكُ ذِكْرَ اللَّهِ الَّذِي أُوجَبَهُ مِثْلَ الصَّلاةِ في الوَقْتِ ويَتْرُكُ تَذَكُّرَ اللَّهِ، أيْ مُراعاةَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
ومَتى كانَ اللَّهْوُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالِاشْتِغالِ بِغَيْرِ الأمْوالِ وغَيْرِ الأوْلادِ كانَ أوْلى بِحُكْمِ النَّهْيِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ.
وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قَصْرَ صِفَةِ الخاسِرِ عَلى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصافِهِمْ بِالخُسْرانِ كَأنَّ خُسْرانَ غَيْرِهِمْ لا يُعَدُّ خُسْرانًا بِالنِّسْبَةِ إلى خُسْرانِهِمْ.
والإشارَةُ إلَيْهِمْ بِ أُولَئِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، أعْنِي اللَّهْوَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
63:10Page 555
وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠
And spend [in the way of Allāh] from what We have provided you before death approaches one of you and he says, "My Lord, if only You would delay me for a brief term so I would give charity and be of the righteous."
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
هَذا إبْطالٌ ونَقْضٌ لِكَيْدِ المُنافِقِينَ حِينَ قالُوا ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]، وهو يَعُمُّ الإنْفاقَ عَلى المُلْتَفِّينَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والإنْفاقَ عَلى غَيْرِهِمْ فَكانَتِ الجُمْلَةُ كالتَّذْيِيلِ.
وفَعَلُ (أنْفِقُوا) مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ الشّامِلِ لِلْواجِبِ والمُسْتَحَبِّ فَإنَّ مَدْلُولَ صِيغَةِ: افْعَلْ، مُطْلَقُ الطَّلَبِ، وهو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]) إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْفاقَ المَأْمُورَ بِهِ شُكْرُ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَ المُنْفِقُ فَإنَّ الشُّكْرَ صَرْفُ العَبْدِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ الشَّرِيعَةِ.
صفحة ٢٥٣
و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ بَعْضَ ما رَزَقْناكم، وهَذِهِ تَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، وهَذا البَعْضُ مِنهُ هو مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِثْلَ مَقادِيرِ الزَّكاةِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ. ومِنهُ ما يَتَعَيَّنُ بِسَدِّ الخَلَّةِ الواجِبِ سَدَّها مَعَ طاقَةِ المُنْفِقِ كَنَفَقاتِ الحَجِّ والجِهادِ والرِّباطِ ونَفَقاتِ العِيالِ الواجِبَةِ ونَفَقاتِ مَصالِحِ المُسْلِمِينَ الضَّرُورِيَّةِ والحاجِيَّةِ، ومِنهُ ما يَتَعَيَّنُ بِتَعَيُّنِ سَبَبِهِ كالكَفّاراتِ، ومِنهُ ما وكَّلَ لِلنّاسِ تَعْيِينَهُ مِمّا لَيْسَ بِواجِبٍ مِنَ الإنْفاقِ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى رَغَباتِ النّاسِ في نَوالِ الثَّوابِ فَإنَّ ذَلِكَ بابٌ عَظِيمٌ مِنَ القُرْبى مِن رِضى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ» .
وقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِما في الإنْفاقِ مِنَ الخَيْرِ بِأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يُكْثِرُوا مِنهُ ما دامُوا مُقْتَدِرِينَ قَبْلَ الفَوْتِ، أيْ قَبْلَ تَعَذُّرِ الإنْفاقِ والإتْيانِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وذَلِكَ حِينَ يَحِسُّ المَرْءُ بِحالَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ المَوْتِ ويُغْلَبُ عَلى قُواهُ فَيَسْألُ اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ مَوْتَهُ ويَشْفِيَهُ لِيَأْتِيَ بِكَثِيرٍ مِمّا فَرَّطَ فِيهِ مِنَ الحَسَناتِ طَمَعًا أنْ يُسْتَجابَ لَهُ فَإنْ كانَ في أجَلِهِ تَأْخِيرٌ فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ فَإنْ لَمْ يَكُنْ في الأجَلِ تَأْخِيرٌ أوْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ الِاسْتِجابَةَ فَإنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ، والتَّحْضِيضُ الطَّلَبُ الحَثِيثُ المُضْطَرُّ إلَيْهِ، ويُسْتَعْمَلُ (لَوْلا) لِلْعَرْضِ أيْضًا والتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ والتَّمَنِّي عَلى المَجازِ أوِ الكِنايَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] في سُورَةِ يُونُسَ.
وحَقُّ الفِعْلِ بَعْدَها أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وإنَّما جاءَ ماضِيًا هُنا لِتَأْكِيدِ إيقاعِهِ في دُعاءِ الدّاعِي حَتّى كَأنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وقَرِينَةُ ذَلِكَ تَرْتِيبُ فِعْلَيْ ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ عَلَيْهِ.
والمَعْنى: فَيَسْألُ المُؤْمِنُ رَبَّهُ سُؤالًا حَثِيثًا أنْ يُحَقِّقَ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ إلى أجَلٍ يَسْتَدْرِكُ فِيهِ ما اشْتَغَلَ عَنْهُ مِن إنْفاقٍ وعَمَلٍ صالِحٍ.
ووَصْفُ الأجَلِ بِ قَرِيبٍ تَمْهِيدٌ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِجابَةِ بِناءً عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ أنَّ الأمْرَ اليَسِيرَ أرْجى لِأنْ يَسْتَجِيبَهُ المَسْئُولُ فَيَغْلِبُ ذَلِكَ عَلى شُعُورِهِمْ حِينَ يَسْألُونَ اللَّهَ تَنْساقُ بِذَلِكَ نُفُوسُهم إلى ما عَرَفُوا، ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ«لا يَقُولُنَّ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ ولِيَعْزِمَ المَسْألَةَ فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ» . تَنْبِيهًا عَلى هَذا التَّوَهُّمِ فالقُرْآنُ حَكى عَنِ النّاسِ ما هو الغالِبُ عَلى أقْوالِهِمْ.
صفحة ٢٥٤
وانْتَصَبَ فِعْلُ فَأصَّدَّقَ عَلى إضْمارِ أنَّ المَصْدَرِيَّةِ إضْمارًا واجِبًا في جَوابِ الطَّلَبِ.
وأمّا قَوْلُهُ وأكُنْ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ القُرّاءُ.
فَأمّا الجُمْهُورُ فَقَرَأُوهُ مَجْزُومًا بِسُكُونِ آخِرِهِ عَلى اعْتِبارِهِ جَوابًا لِلطَّلَبِ مُباشَرَةً لِعَدَمِ وُجُودِ فاءِ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ، واعْتِبارِ الواوِ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ ولَيْسَتْ عاطِفَةً مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ. وذَلِكَ لِقَصْدِ تَضْمِينِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ زِيادَةً عَلى مَعْنى التَّسَبُّبِ فَيُغْنِي الجَزْمُ عَنْ فِعْلِ شَرْطِ. فَتَقْدِيرُهُ: إنْ تُؤَخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ، جَمْعًا بَيْنَ التَّسَبُّبِ المُفادِ بِالفاءِ والتَّعْلِيقِ الشُّرْطِيِّ المُفادِ بِجَزْمِ الفِعْلِ.
وإذا قَدْ كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ هو المُؤَثِّرُ في الفِعْلَيْنِ الواقِعِ أحَدُهُما بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ والآخَرُ بَعْدَ الواوِ العاطِفَةِ عَلَيْهِ. فَقَدْ أفادَ الكَلامُ التَّسَبُّبَ والتَّعْلِيقَ في كِلا الفِعْلَيْنِ وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مُحَسِّنِ الِاحْتِباكِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. إنْ تُؤَخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أصَّدَّقْ وأُكِنْ مِنَ الصّالِحِينَ.
ومِن لَطائِفِ هَذا الِاسْتِعْمالِ أنَّ هَذا السّائِلَ بَعْدَ أنْ حَثَّ سُؤالَهُ أعْقَبَهُ بِأنَّ الأمْرَ مُمْكِنٌ فَقالَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ. وهو مِن بَدائِعِ الِاسْتِعْمالِ القُرْآنِيِّ لِقَصْدِ الإيجازِ وتَوْفِيرِ المَعانِي.
ووَجَّهَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ والزُّجاجُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِجَعْلِ (وأكُنْ) مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ (فَأصَّدَّقَ) . وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ مِن بَيْنِ العَشَرَةِ (وأكُونَ) بالنَّصْبِ والقِراءَةُ رِوايَةٌ مُتَواتِرَةٌ وإنْ كانَتْ مُخالِفَةً لِرَسْمِ المَصاحِفِ المُتَواتِرَةِ. وقِيلَ: إنَّها يُوافِقُها رَسْمُ مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ بِذَلِكَ الحَسَنُ والأعْمَشُ وابْنُ مَحِيضٍ مِنَ القِراءاتِ غَيْرِ المَشْهُورَةِ. ورُوِيَتْ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبِي رَجاءٍ. وتِلْكَ أقَلُّ شُهْرَةٍ.
واعْتَذَرَ أبُو عَمْرٍو عَنْ مُخالَفَةِ قِراءَتِهِ لِلْمَصَحِفِ بِأنَّ الواوَ حُذِفَتْ في الخَطِّ اخْتِصارًا يُرِيدُ أنَّهم حَذَفُوا صُورَةَ إشْباعِ الضَّمَّةِ وهو الواوُ اعْتِمادًا عَلى نُطْقِ القارِئِ
صفحة ٢٥٥
كَما تُحْذَفُ الألِفُ اخْتِصارًا بِكَثْرَةٍ في المَصاحِفِ. وقالَ القُرّاءُ العَرَبُ: قَدْ تَسْقُطُ الواوُ في بَعْضِ الهِجاءِ كَما أسْقَطُوا الألِفَ مِن سُلَيْمانَ وأشْباهِهِ، أيْ كَما أسْقَطُوا الواوَ الثّانِيَةَ مِن داوُودَ وبِكَثْرَةٍ يَكْتُبُونَهُ داوُدَ. قالَ الفَرّاءُ: ورَأيْتُ في مَصاحِفِ عَبْدِ اللَّهِ فَقُولا (فَقُلا) بِغَيْرِ واوٍ، وكُلُّ هَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّ القُرْآنَ مُتَلَقًّى بِالتَّواتُرِ لا بِهِجاءِ المَصاحِفِ وإنَّما المَصاحِفُ مُعِينَةٌ عَلى حِفْظِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences