Ibn 'AshurAt‑Taghabun · 64:17–18

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Taghabun 64:17–18

64:17–18Page 557

إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ١٧

If you loan Allāh a goodly loan, He will multiply it for you and forgive you. And Allāh is [most] Appreciative1 and Forbearing,2

عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

صفحة ٢٩٠

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فَإنَّ مُضاعَفَةَ الجَزاءِ عَلى الإنْفاقِ مَعَ المَغْفِرَةِ خَيْرٌ عَظِيمٌ، وبِهَذا المَوْقِعِ يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ القَرْضَ أُطْلِقَ عَلى الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ إطْلاقًا بِالِاسْتِعارَةِ، والمَقْصُودُ الِاعْتِناءُ بِفَضْلِ الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ.

اهْتِمامًا مُكَرَّرًا فَبَعْدَ أنْ جُعَلَ خَيْرًا جُعِلَ سَبَبَ الفَلاحِ وعُرِّفَ بِأنَّهُ قَرْضٌ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ وكَفى بِهَذا تَرْغِيبًا وتَلَطُّفًا في الطَّلَبِ إذْ جُعِلَ المُنْفِقُ كَأنَّهُ يُعْطِي اللَّهَ تَعالى مالًا وذَلِكَ مِن مَعْنى الإحْسانِ في مُعامَلَةِ العَبْدِ رَبَّهُ وقَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ إذْ «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: أخْبِرْنِي عَنِ الإحْسانِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنَّ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» فَمِمّا يَنْضَوِي تَحْتَ مَعْنى عِبادَةِ اللَّهِ عِبادَةُ مَن يَراهُ أنْ يَسْتَشْعِرَ العَبْدُ أنَّ امْتِثالَ أمْرِ رَبِّهِ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ مِنهُ كَأنَّهُ مُعامَلَةٌ بَيْنَ مُقْرِضٍ ومُسْتَقْرِضٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُضاعِفْهُ﴾ بِألِفٍ بَعْدَ الضّادِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (يُضَعِّفَهُ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ مُضارِعُ ضَعَّفَ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ وهو لَفْظِيُّ الضِّعْفِ.

والمُضاعَفَةُ: إعْطاءُ الضِّعْفِ بِكَسْرِ الضّادِ وهو مِثْلُ الشَّيْءِ في الذّاتِ أوِ الصِّفَةِ. وتَصَدُقُ بِمِثْلٍ وبَعْدَهُ أمْثالٌ كَما قالَ تَعالى ﴿أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .

وجُعِلَ الإنْفاقُ سَبَبًا لِلْغُفْرانَ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ» .

والشَّكُورُ: فَعُولُ بِمَعْنى فاعِلٍ مُبالَغَةً، أيْ كَثِيرِ الشُّكْرِ وأُطْلِقَ الشُّكْرُ فِيهِ عَلى الجَزاءِ بِالخَيْرِ عَلى فِعْلِ الصّالِحاتِ تَشْبِيهًا لِفِعْلِ المُتَفَضِّلِ بِالجَزاءِ بِشُكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى نِعْمَةٍ ولا نِعْمَةَ عَلى اللَّهِ فِيما يَفْعَلُهُ عِبادُهُ مِنَ الصّالِحاتِ. فَإنَّما نَفْعُها لِأنْفُسِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ حَثًّا عَلى صَلاحِهِمْ فَرَتَّبَ لَهُمُ الثَّوابَ بِالنَّعِيمِ عَلى تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، وتَلَطَّفَ لَهم فَسُمِّيَ ذَلِكَ الثَّوابُ شُكْرًا وجَعَلَ نَفْسَهُ شاكِرًا.

صفحة ٢٩١

وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا المَقْصِدِ إتْباعُ صِفَةِ (﴿شَكُورٌ﴾) بِصِفَةِ (﴿حَلِيمٌ﴾) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن حِلْمِهِ بِعِبادِهِ دُونَ حَقٍّ لَهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

وأمّا وصْفُ بِ (﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) فَتَتْمِيمٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُناسَبَتِها لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ الَّذِينَ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِما الآياتُ السّابِقَةُ كُلُّها لِأنَّ العالِمَ بِالأفْعالِ ظاهِرِها وخَفِيِّها لا يُفِيتُ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها بِما رَتَّبَ لَها، ولِأنَّ العَزِيزَ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

و﴿الحَكِيمُ﴾: المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ لا يَدَعُ مُعامَلَةَ النّاسِ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن وضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها ونَوْطِ الأُمُورِ بِما يُناسِبُ حَقائِقَها.

والحَكِيمُ فَعِيلُ بِمَعْنى: المُحْكِمُ، أيِ المُتْقِنُ في صُنْعِهِ ومُعامَلَتِهِ وهُما مَعًا مِن صِفاتِهِ تَعالى فَهو وصْفٌ جامِعٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.

* * *

صفحة ٢٩٢

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الطَّلاقِ

سُورَةُ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]) إلَخْ شاعَتْ تَسْمِيَتُها في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ: سُورَةَ الطَّلاقِ ولَمْ تَرِدْ تَسْمِيَتُها بِهَذا في حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْسُومٍ بِالقَبُولِ.

وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمّاها سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى أخْذًا مِمّا أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ مالِكِ بْنِ عامِرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذُكِرَ عِنْدَهُ أنَّ الحامِلَ المُتَوَفّى عَنْها تَعْتَدُّ أقْصى الأجَلَيْنِ أيْ أجَلِ وضْعِ الحَمْلِ إنْ كانَ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، وأجَلِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وعَشْرٍ فَقالَ: أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ ولا تَجْعَلُونَ عَلَيْها الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُّولى ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] اهـ. وفي الإتْقانِ عَنِ الدّاوُدِيِّ إنْكارُ أنْ تُدْعى هَذِهِ السُّورَةُ بِالقُصْرى لِلتَّنَزُّهِ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِصِفَةِ نَقْصٍ ورَدَّهُ ابْنُ حُجْرٍ بِأنَّ القَصْرَ أمْرٌ نِسْبِيٌّ أيْ لَيْسَ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ عَلى الإطْلاقِ. وابْنُ مَسْعُودٍ وصْفَها بِالقُصْرى احْتِرازًا عَنِ السُّورَةِ المَشْهُورَةِ بِاسْمِ سُورَةِ النِّساءِ الَّتِي هي السُّورَةُ الرّابِعَةُ في المُصْحَفِ الَّتِي أوَّلَها ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] . وأمّا قَوْلُهُ الطُّولى فَهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَعْدَ السُّورَةِ الطُّولى يَعْنِي سُورَةَ البَقَرَةِ لِأنَّها أطْوَلُ سُوَرِ القُرْآنِ ويَتَعَيَّنُ أنَّ ذَلِكَ مُرادُهُ لِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ هي الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها. وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ تُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ الطُّولى مِن مُقابَلَتِها بِسُورَةِ النِّساءِ القُصْرى في كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ. ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.

صفحة ٢٩٣

وعَدَدُ آيِها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً في عَدَدِ الأكْثَرِ. وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.

وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّادِسَةَ والتِّسْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الإنْسانِ وقَبْلَ سُورَةِ البَيِّنَةِ.

وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أيْمَنَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ تَرى في الرَّجُلِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا فَقالَ «طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ حائِضًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: لِيُراجِعْها، فَرَدَّها وقالَ: إذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أوْ لِيُمْسِكْ. قالَ ابْنُ عُمَرَ وقَرَأ النَّبِيءُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق»: ١] .

وظاهِرُ قَوْلِهِ وقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ إلَخْ. إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الحادِثَةِ. وقالَ الواحِدِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ طَلاقِ ابْنِ عُمَرَ وعَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ولَمْ يَصِحَّ. وجَزَمَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ بِأنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ وأنَّ الأصَحَّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَيانًا لِشَرْعِ مُبْتَدَإٍ.

* * *

الغَرَضُ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ تَحْدِيدُ أحْكامِ الطَّلاقِ وما يَعْقُبُهُ مِنَ العِدَّةِ والإرْضاعِ والإنْفاقِ والإسْكانِ. تَتْمِيمًا لِلْأحْكامِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإيماءُ إلى حِكْمَةِ شَرْعِ العِدَّةِ والنَّهْيُ عَنِ الإضْرارِ بِالمُطَلَّقاتِ والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ.

والإشْهادُ عَلى التَّطْلِيقِ وعَلى المُراجَعَةِ وإرْضاعُ المُطَلَّقَةِ ابْنَها بِأجْرٍ عَلى اللَّهِ.

والأمْرُ بِالِائْتِمارِ والتَّشاوُرِ بَيْنَ الأبَوَيْنِ في شَأْنِ أوْلادِهِما.

وتَخَلَّلَ ذَلِكَ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ الوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ مَن يَتَّقِي اللَّهَ ويَتَّبِعُ حُدُودَهُ ويَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا ويُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ.

صفحة ٢٩٤

وأنَّ اللَّهَ وضَعَ لِكُلِّ شَيْءٍ حُكْمَهُ لا يُعْجِزُهُ تَنْفِيذُ أحْكامِهِ.

وأُعْقِبَ ذَلِكَ بِالمَوْعِظَةِ بِحالِ الأُمَمِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أمْرِ اللَّهِ ورُسُلِهِ وهو حَثٌّ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ لِئَلّا يَحِقَّ عَلَيْهِمْ وصْفُ العُتُوِّ عَنِ الأمْرِ.

وتَشْرِيفُ وحْيِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماواتِ وصادِرٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском