Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Taghabun 64:7–12
64:7Page 556
زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧
Those who disbelieve have claimed that they will never be resurrected. Say, "Yes, by my Lord, you will surely be resurrected; then you will surely be informed of what you did. And that, for Allāh, is easy."
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ هَذا ضَرْبٌ ثالِثٌ مِن ضُرُوبِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [التغابن: ٥] إلَخْ، وهو كُفْرُهم بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ. وهَذا الكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلى﴾ . ولَيْسَ هَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ ولا مِنَ الِالتِفاتِ بَلْ هو ابْتِداءُ غَرَضٍ مُخاطَبٍ بِهِ غَيْرُ مَن كانَ الخِطابُ جارِيًا مَعَهم.
وتَتَضَمَّنُ الجُمْلَةُ تَصْرِيحًا بِإثْباتِ البَعْثِ وذَلِكَ الَّذِي أُوتِيَ إلَيْهِ فِيما مَضى يُفِيدُ بالحَقِ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [التغابن: ٣] وبِقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [التغابن: ٤] كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
والزَّعْمُ: القَوْلُ المَوْسُومُ بِمُخالَفَةِ الواقِعِ خَطَأٌ فَمِنهُ الكَذِبُ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ قائِلُهُ أنْ يُخالِفَ الواقِعَ في ظَنِّ سامِعِهِ. ويُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ المُسْتَغْرَبِ المَشْكُوكِ في وُقُوعِ ما أخْبَرَ بِهِ، وعَنْ شُرَيْحٍ: لِكُلِّ شَيْءٍ كُنْيَةٌ وكُنْيَةُ الكَذِبِ زَعَمُوا أرادَ بِالكُنْيَةِ الكِنايَةَ. فَبَيْنَ الزَّعْمِ والكَذِبِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ.
وفِي الحَدِيثِ بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ إلى الكَذِبِ زَعَمُوا، أيْ قَوْلُ الرَّجُلِ
صفحة ٢٧١
زَعَمُوا كَذا. ورَوى أهْلُ الأدَبِ أنَّ الأعْشى لَمّا أنْشَدَ قَيْسَ بْنَ مَعْدِ يَكْرِبَ: الكِنَدِيَّ قَوْلَهُ في مَدْحِهِ:
ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَنِ
غَضِبَ قَيْسٌ وقالَ لَهُ وما هو إلّا الزَّعْمُ.
ولِأجْلِ ما يُصاحِبُ الزَّعْمَ مِن تَوَهُّمِ قائِلِهِ صِدْقَ ما قالَهُ أُلْحِقَ فِعْلُ زَعَمَ بِأفْعالِ الظَّنِّ فَنَصَبَ مَفْعُولَيْنِ. ولَيْسَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبِ:
فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُ ∗∗∗ فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ
ومِن شَواهِدِ النَّحْوِ قَوْلُ أبِي أُمَيَّةَ أوْسٍ الحَنَفِيِّ:
زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخٍ ∗∗∗ إنَّما الشَّيْخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا
والأكْثَرُ أنْ يَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الزَّعْمِ أنَّ المَفْتُوحَةُ المُشَدَّدَةُ أوِ المُخَفَّفَةُ مِثْلَ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ فَيَسُدُّ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا انْتِفاءَ بَعْثِهِمْ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ الزَّعْمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةُ في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] في سُورَةِ الأنْعامِ وما ذَكَرْتُهُ هُنا أوْفى.
والمُرادُ بِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُنا المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن عَلى دِينِهِمْ.
واجْتِلابُ حَرْفِ (لَنْ) لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فَكانُوا مُوقِنِينَ بِانْتِفاءِ البَعْثِ.
ولِذَلِكَ جِيءَ إبْطالُ زَعْمِهِمْ مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ لِيَنْقُضَ نَفْيَهم بِأشَدَّ مِنهُ، فَأُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يُبَلِّغَهم عَنِ اللَّهِ أنَّ البَعْثَ واقِعٌ وخاطَبَهم بِذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنْ لا يَقُولُوا ما بَلَّغَناهُ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ (﴿قُلْ بَلى﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) وجُمْلَةِ ( ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التغابن: ٨] .
وحَرْفُ (بَلى) حَرْفُ جَوابٍ لِلْإبْطالِ خاصٌّ بِجَوابِ الكَلامِ المَنفِيِّ لِإبْطالِهِ.
صفحة ٢٧٢
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾) ارْتِقاءٌ في الإبْطالِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ إنْباءَهم بِما عَمِلُوا أهَمُّ مِن إثْباتِ البَعْثِ إذْ هو العِلَّةُ لِلْبَعْثِ.
والإنْباءُ: الإخْبارُ، وإنْباؤُهم بِما عَمِلُوا كِنايَةٌ عَنْ مُحاسَبَتِهِمْ عَلَيْهِ وجَزائِهِمْ عَمّا عَمِلُوهُ، فَإنَّ الجَزاءَ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ المُجازى بِعَمَلِهِ الَّذِي جُوزِيَ عَلَيْهِ فَكانَ حُصُولُ الجَزاءِ بِمَنزِلَةِ إخْبارِهِ بِما عَمِلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] .
وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ بِجَزاءٍ سَيِّئٍ لِأنَّ المَقامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَمَلَهم سِيِّئٌ وهو تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ وإنْكارُ ما دَعاهم إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ (﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾) تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
واسْمُ الإشارَةِ: إمّا عائِدٌ إلى البَعْثِ المَفْهُومِ مِن (﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] أيِ العَدْلُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، وإمّا عائِدٌ إلى مَعْنى المَذْكُورِ مِن مَجْمُوعِ (﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾) .
وأخْبَرَ عَنْهُ بِ يَسِيرٌ دُونَ أنْ يُقالَ: واقِعٌ كَما قالَ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، لِأنَّ الكَلامَ لِرَدِّ إحالَتِهِمُ البَعْثَ بِعِلَّةِ أنَّ أجْزاءَ الجَسَدِ تَفَرَّقَتْ فَيَتَعَذَّرُ جَمْعُها فَذَكَرُوا بِأنَّ العَسِيرَ في مُتَعارَفِ النّاسِ لا يَعْسُرُ عَلى اللَّهِ وقَدْ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
64:8Page 556
فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨
So believe in Allāh and His Messenger and the light [i.e., the Qur’ān] which We have sent down. And Allāh is Aware of what you do.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ.
والفاءُ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا عَلِمْتُمْ هَذِهِ الحُجَجَ وتَذَكَّرْتُمْ ما حَلَّ بِنُظَرائِكم مِنَ العِقابِ وما سَتُنَبَّئُونَ بِهِ مِن أعْمالِكم فَآمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والقُرْآنِ، أيْ بِنَصِّهِ.
صفحة ٢٧٣
والمُرادُ بِالنُّورَ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وُصِفَ بِأنَّهُ نُورٌ عَلى نُورٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ أشْبَهَ النُّورَ في إيضاحِ المَطْلُوبِ بِاسْتِقامَةِ حُجَّتِهِ وبَلاغَةِ كَلامِهِ قالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] . وأشْبَهَ النُّورَ في الإرْشادِ إلى السُّلُوكِ القَوِيمِ وفي هَذا الشَّبَهِ الثّانِي تَشارُكُهُ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقَرِينَةُ الِاسْتِعارَةِ قَوْلُهُ ﴿الَّذِي أنْزَلْنا﴾، لِأنَّهُ مِن مُناسِباتِ المُشَبَّهِ لِاشْتِهارِ القُرْآنِ بَيْنَ النّاسِ كُلِّهِمْ بِالألْقابِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الإنْزالِ والتَّنْزِيلِ عَرَفَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ والمُعانِدُونَ. وهو إنْزالٌ مَجازِيٌّ أُرِيدَ بِهِ تَبْلِيغُ مُرادِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وإنَّما جُعِلَ الإيمانُ بِصِدْقِ القُرْآنِ داخِلًا في حَيِّزِ فاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّ ما قَبْلَ الفاءِ تَضَمَّنَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] كَما قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ والإيمانُ بِالقُرْآنِ يَشْمَلُ الإيمانَ بِالبَعْثِ فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾) شامِلًا لِما سَبَقَ الفاءَ مِن قَوْلِهِ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] إلَخْ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿الَّذِي أنْزَلْنا﴾) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِالقُرْآنِ تَذْكِيرًا بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ ضَمِيرَ التَّكَلُّمِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى مَعادِهِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ، ولِتَقْوِيَةِ داعِي المَأْمُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَقْتَضِي وعْدًا إنْ آمَنُوا ووَعِيدًا إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
وفِي ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً جارِيَةً مَجْرى المَثَلِ والكَلِمِ الجَوامِعِ، ولِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أقْوى دَلالَةً مِنَ الضَّمِيرِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ تَطَلُّبِ المَعادِ. وفِيهِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما في قَوْلِ الخَلِيفَةِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكم بِكَذا.
والخَبِيرُ: العَلِيمُ، وجِيءَ هُنا بِصِفَةِ الخَبِيرُ دُونَ: البَصِيرُ، لِأنَّ ما يَعْلَمُونَهُ مِنهُ مَحْسُوساتٍ ومِنهُ غَيْرُ مَحْسُوساتٍ كالمُعْتَقَداتِ، ومِنها الإيمانُ بِالبَعْثِ، فَعُلِّقَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالمَوْجُوداتِ كُلِّها، بِخِلافِ قَوْلِهِ فِيما
صفحة ٢٧٤
تَقَدَّمَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢] فَإنَّ لِكُفْرِ الكافِرِينَ وإيمانِ المُؤْمِنِينَ آثارًا ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَعُلِّقَتْ بِالوُصْفِ الدّالِّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالمَحْسُوساتِ.
64:9–10Page 556
يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
The Day He will assemble you for the Day of Assembly - that is the Day of Deprivation.1 And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will remove from him his misdeeds and admit him to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٠
But the ones who disbelieved and denied Our verses - those are the companions of the Fire, abiding eternally therein; and wretched is the destination.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنْ (تُجازَوْنَ) عَلى تَكْذِيبِكم بِالبَعْثِ فَيَكُونُ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهُمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] .
ومَعْنى (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) يَجْمَعُ المُخاطَبِينَ والأُمَمَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ، قالَ تَعالى ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] .
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]، وهَذا زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِلْبَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ.
واللّامُ في ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ يَجْمَعُكم لِأجْلِ اليَوْمِ المَعْرُوفِ بِالجَمْعِ المَخْصُوصِ. وهو الَّذِي لِأجْلِ جَمْعِ النّاسِ، أيْ يَبْعَثُكم لِأجْلِ أنْ يَجْمَعَ النّاسَ كُلَّهم لِلْحِسابِ، فَمَعْنى الجَمْعِ هَذا غَيْرُ مَعْنى الَّذِي في ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ .
فَلَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بَلْ هو مِن قَبِيلِ التَّجْنِيسِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (في) عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقَوْلِهِ ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] وقَوْلِ العَرَبِ: مَضى لِسَبِيلِهِ، أيْ في طَرِيقِهِ وهو طَرِيقُ المَوْتِ.
والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلتَّوْقِيتِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عِنْدَ) كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: كُتِبَ لِكَذا مَضَيْنَ مَثَلًا، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
صفحة ٢٧٥
وهُوَ اسْتِعْمالٌ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاقْتِرابِ ولِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنى (عِنْدَ)، ويُفِيدُ هُنا: أنَّهم مَجْمُوعُونَ في الأجَلِ المُعَيَّنِ دُونَ تَأْخِيرٍ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]، فَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ بِفِعْلِ (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) .
فِ (﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧]) هو يَوْمُ الحَشْرِ. وفي الحَدِيثِ («يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ» ) إلَخْ. جُعِلَ هَذا المُرَكَّبُ الإضافِيُّ لَقَبًا لِيَوْمِ الحَشْرِ، قالَ تَعالى ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) بِياءِ الغائِبِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِنُونِ العَظَمَةِ.
* * *
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]) بِمُتَعَلِّقِها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ اعْتِراضًا يُفِيدُ تَهْوِيلَ هَذا اليَوْمَ تَعْرِيضًا بِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِالخَسارَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ: أيْ بِسُوءِ المُنْقَلَبِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في مَقامِ الضَّمِيرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ مَعَ ما يُفِيدُ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ مِن عُلُوِّ المَرْتَبَةِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّغابُنُ: مَصْدَرُ غابَنَهُ مِن بابِ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ أوْ أكْثَرَ.
وحَقِيقَةُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ الواحِدِ مِن فاعِلَيْنِ فَأكْثَرَ عَلى وجْهِ المُشارَكَةِ في ذَلِكَ الفِعْلِ.
والغَبْنُ أنْ يُعْطى البائِعُ ثَمَنًا دُونَ حَقِّ قِيمَتِهِ الَّتِي يُعَوِّضُ بِها مِثْلَهُ.
فالغَبْنُ يَئُولُ إلى خَسارَةِ البائِعِ في بَيْعِهِ، فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ الغَبْنُ عَلى مُطْلَقِ الخُسْرانِ مَجازًا مُرْسَلًا كَما في قَوْلِ الأعْشى:
لا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبالِي غَبْنَ الخاسِرِ
صفحة ٢٧٦
فَلَيْسَتْ مادَّةُ التَّغابُنِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها إذْ لا تَعارُضَ حَتّى يَكُونَ فِيهِ غِبْنٌ بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الخُسْرانِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ.
وأمّا صِيغَةُ التَّفاعُلِ فَحَمَلَها جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى حَقِيقَتِها مِن حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ فَفَسَّرُوها بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ غَبَنُوا أهْلَ النّارِ إذْ أهْلُ الجَنَّةِ أخَذُوا الجَنَّةَ وأهْلُ جَهَنَّمَ أخَذُوا جَهَنَّمَ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ. فَحَمَلَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ كَلامَ هَؤُلاءِ الأيِّمَةِ عَلى أنَّ التَّغابُنَ تَمْثِيلٌ لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِحالِ مُتَبايِعَيْنِ أخَذَ أحَدُهُما الثَّمَنَ الوافِي، وأخَذَ الآخَرُ الثَّمَنَ المَغْبُونَ، يَعْنِي وقَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] قَرِينَةٌ عَلى المُرادِ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَفْصِيلًا لِلْفَرِيقَيْنِ، فَيَكُونُ في الآيَةِ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ، فالمَجازُ في مادَّةِ الغَبْنِ، والتَّمْثِيلُ في صِيغَةِ التَّغابُنِ، وهو تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ بِمَنزِلَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إذِ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ يَوْمٌ مِثْلُ التَّغابُنِ.
وحَمَلَ قَلِيلٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (وهو ما فُسِّرَ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِهِ وصَرَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ) صِيغَةَ التَّفاعُلِ عَلى مَعْنى الكَثْرَةِ وشَدَّةِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِنا عافاكَ اللَّهُ وتَبارَكَ اللَّهُ فَتَكُونُ اسْتِعارَةً، أيْ خَسارَةٌ لِلْكافِرِينَ إذْ هم مَناطُ الإنْذارِ.
وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةُ في سُورَةِ الصَّفِّ.
فَصِيغَةُ التَّفاعُلِ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في كَثْرَةِ حُصُولِ الغَبْنِ لِلْكَثْرَةِ بِفِعْلِ مَن يَحْصُلُ مِن مُتَعَدِّدٍ.
والكَلامُ تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِسُوءِ حالَتِهِمْ في يَوْمِ الجَمْعِ، إذِ المَعْنى: ذَلِكَ يَوْمُ غَبْنِكُمُ الكَثِيرِ الشَّدِيدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] . والغابِنُ لَهم هو اللَّهُ تَعالى.
ولَوْلا قَصْدُ ذَلِكَ لَما اقْتَصَرَ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَوْمُ تَغابُنٍ فَإنَّ فِيهِ رِبْحًا عَظِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ
صفحة ٢٧٧
بِاللهِ ورَسُولِهِ والقُرْآنِ، فَوِزانُ هَذا القَصْرِ وِزانُ قَوْلِهِ (﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]) وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «إنَّما المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأفادَ تَعْرِيفُ جُزْأيْ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ قَصْرَ جِنْسِ يَوْمِ التَّغابُنِ عَلى يَوْمِ الجُمُعَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وهو مِن قَبِيلِ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قَصْرًا ادِّعائِيًّا، أيْ ذَلِكَ يَوْمُ الغَبْنِ لا أيّامُ أسْواقِكم ولا غَيْرُها، فَإنَّ عَدَمَ أهَمِّيَّةِ غَبْنِ النّاسِ في الدُّنْيا جَعَلَ غَبْنَ الدُّنْيا كالعَدَمِ وجَعَلَ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْحَصِرًا فِيهِ جِنْسُ الغَبْنِ.
وأمّا لامُ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ ﴿التَّغابُنِ﴾ فَهي لامُ الجِنْسِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] . وقَوْلُهُ في ضِدِّهِ ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . هَذا هو المُتَعَيَّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مَرَّ بِها مَرًّا. ولَمْ يَحْتَلِبْ مِنها دَرًّا. وها أنا ذا كَدَدْتُ ثِمادِي، فَعَسى أنْ يَقَعَ لِلنّاظِرِ كَوَقْعِ القَراحِ مِنَ الصّادِي، واللَّهُ الهادِي.
* * *
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ونُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التغابن: ٨] وهو تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ ( ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] الَّذِي هو تَذْيِيلٌ.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ والفِعْلُ بَعْدَها مُسْتَقْبَلٌ، أيْ مَن يُؤْمِن مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذِهِ المَوْعِظَةِ نُكَفِّرْ عَنْهُ ما فَرَّطَ مِن سَيِّئاتِهِ.
والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ: الكُفْرُ وما سَبَقَهُ مِنَ الأعْمالِ الفاسِدَةِ.
وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ: العَفْوُ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِها وهو مَصْدَرُ كَفَّرَ مُبالِغَةً في كَفَرَ.
صفحة ٢٧٨
وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في العَفْوِ عَمّا سَلَفَ مِنَ السَّيِّئاتِ وأصِلُهُ: اسْتِعارَةُ السَّتْرِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ الغُفْرانِ أيْضًا.
وانْتَصَبَ (صالِحًا) عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلًا صالِحًا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ نُكَفِّرْ و(نُدْخِلْهُ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِأنَّ مَقامَ الوَعْدِ مَقامُ إقْبالٍ فَناسَبَهُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأهُما الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَلالَةِ يُؤْذِنُ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهَذا الفَرِيقِ.
وجُمْلَةُ (﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾) تَذْيِيلٌ.
وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾)، أيْ كَفَرُوا وكَذَّبُوا مِن قَبْلُ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ ثَبَتَ لَهم أنَّهم أصْحابُ النّارِ. ولِذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ الخَبَرِ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
وجِيءَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ تَمْيِيزًا لا يَلْتَبِسُ مَعَهُ غَيْرُهم بِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] مَعَ ما يُفِيدُهُ اسْمُ الإشارَةِ مِن أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِمُلازَمَةِ النّارِ ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وهَذا وعِيدٌ.
وجُمْلَةُ (وبِئْسَ المَصِيرُ) اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ لِزِيادَةِ تَهْوِيلِ الوَعِيدِ.
64:11Page 557
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١
No disaster strikes except by permission of Allāh. And whoever believes in Allāh - He will guide his heart. And Allāh is Knowing of all things.
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتُقِلَ إلَيْهِ بَعْدَ أنْ تُوُعِّدَ المُشْرِكُونَ بِما يَحْصُلُ لَهم مِنَ التَّغابُنِ يَوْمُ يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ يَوْمَ الحِسابِ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ تَهْدِيدَ المُشْرِكِينَ بِيَوْمِ الحِسابِ يُثِيرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ التَّساؤُلَ عَنِ الِانْتِصافِ مِنَ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا عَلى ما يَلْقاهُ المُسْلِمُونَ مِن إضْرارِهِمْ بِمَكَّةَ فَإنَّهم لَمْ يَكُفُّوا عَنْ أذى المُسْلِمِينَ وإصابَتِهِمْ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ والفِتْنَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ وأبْنائِهِمْ.
صفحة ٢٧٩
فالمُرادُ: المَصائِبُ الَّتِي أصابَتِ المُسْلِمِينَ مِن مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِما يُسَلِّيهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يَنالُهم. وقالَ القُرْطُبِيُّ قِيلَ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ الكُفّارَ قالُوا لَوْ كانَ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ حَقًّا لَصانَهُمُ اللَّهُ عَنِ المَصائِبِ.
واخْتُصَّتِ المُصِيبَةُ في اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ بِما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن شَرٍّ وضُرٍّ وإنْ كانَ أصْلُ فِعْلِها يُقالُ كُلُّ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مُطْلَقًا ولَكِنْ غَلَبَ إطْلاقُ فِعْلِ أصابَ عَلى لِحاقِ السُّوءِ، وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، أنَّ إسْنادَ الإصابَةِ إلى الحَسَنَةِ مِن قَبِيلِ المُشاكَلَةِ.
وتَأْنِيثُ المُصِيبَةِ لِتَأْوِيلِها بِالحادِثَةِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ [آل عمران: ١٦٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والإذْنُ: أصْلُهُ إجازَةُ الفِعْلِ لِمَن يَفْعَلُهُ وأُطْلِقَ عَلى إباحَةِ الدُّخُولِ إلى البَيْتِ وإزالَةِ الحِجابِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن أذِنَ لَهُ إذا سَمِعَ كَلامَهُ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَكْوِينِ أسْبابِ الحَوادِثِ. وهي الأسْبابُ الَّتِي تُفْضِي في نِظامِ العادَةِ إلى وُقُوعِ واقِعاتٍ، وهي مِن آثارِ صُنْعِ اللَّهِ في نِظامِ هَذا العالَمِ مِن رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها مَعَ عِلْمِهِ بِما تُفْضِي إلَيْهِ تِلْكَ الأسْبابُ فَلَمّا كانَ هو الَّذِي أوْجَدَ الأسْبابَ وأسْبابَ أسْبابِها، وكانَ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ أُصُولًا وفُرُوعًا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، أُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ لَفْظُ الإذْنِ، والمُشابَهَةُ ظاهِرَةٌ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] .
ومُقْتَضى هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَقْرِيبُ حَقِيقَةِ التَّقَلُّباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ إلى عُقُولِ المُسْلِمِينَ بِاخْتِصارِ العِبارَةِ لِضِيقِ المَقامِ عَنِ الإطْنابِ في بَيانِ العِلَلِ والأسْبابِ، ولِأنَّ أكْثَرَ ذَلِكَ لا تَبْلُغُ إلَيْهِ عُقُولُ الأُمَّةِ بِسُهُولَةٍ. والقَصْدُ مِن هَذا تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ الصَّبْرَ عَلى ما يَغْلِبُهم مِن مَصائِبِ الحَوادِثِ لِكَيْلا تَفُلَّ عَزائِمُهم ولا يَهِنُوا ولا يُلْهِيَهُمُ الحُزْنُ عَنْ مُهِمّاتِ أُمُورِهِمْ وتَدْبِيرِ شُئُونِهِمْ كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ (﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]) .
ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ هُنا بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾)، أيْ يَهْدِ قَلْبَهُ عِنْدَما تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَحَذَفَ هَذا المُتَعَلِّقَ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ قالَ ( ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] .
صفحة ٢٨٠
والمَعْنى: أنَّ المُؤْمِنَ مُرْتاضٌ بِالأخْلاقِ الإسْلامِيَّةِ مُتَّبِعٌ لِوَصايا اللَّهِ تَعالى فَهو مُجافٍ لِفَسادِ الأخْلاقِ مِنَ الجَزَعِ والهَلَعِ يَتَلَقّى ما يُصِيبُهُ مِن مُصِيبَةٍ بِالصَّبْرِ والتَّفَكُّرِ في أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِن عَوارِضَ مُؤْلِمَةٍ أوْ مُكَدِّرَةٍ. قالَ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، أيْ أصْحابَ الهُدى الكامِلِ لِأنَّهُ هُدًى مُتَلَقًّى مِنَ التَّعالِيمِ الإلَهِيَّةِ الحَقِّ المَعْصُومَةِ مِنَ الخَطَلِ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .
وهَذا الخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إيماءٌ إلى الأمْرِ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن هَدْيِ اللَّهِ قَلْبَ المُؤْمِنِ عِنْدَ المُصِيبَةِ تَرْغِيبُ المُؤْمِنِينَ في الثَّباتِ والتَّصَبُّرِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وارِدٌ عَلى مُراعاةِ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أنَّ المَصائِبَ بِإذْنِ اللَّهِ، ومِن أنَّ اللَّهَ يَهْدِي قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ لِلثَّباتِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ ومِنَ الأمْرِ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ عِنْدَ المَصائِبِ، أيْ يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ مُجازاةِ الصّابِرِينَ بِالثَّوابِ لِأنَّ فائِدَةَ عِلْمِ اللَّهِ الَّتِي تُهِمُّ النّاسَ هو التَّخَلُّقُ ورَجاءُ الثَّوابِ ورَفْعُ الدَّرَجاتِ.
64:12Page 557
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٢
And obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon Our Messenger is only [the duty of] clear notification.
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] لِأنَّها تَضَمَّنَتْ أنَّ المُؤْمِنِينَ مُتَهَيِّئُونَ لِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ فِيما يَدْعُوانِهِمْ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَذْيِيلُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، ولِأنَّ طَلَبَ الطّاعَةِ فَرْعٌ عَنْ تَحَقُّقِ الإيمانِ كَما في حَدِيثِ مُعاذٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ قالَ لَهُ: «إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أهْلَ كِتابٍ فَأوَّلُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ فادْعُهم إلى أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإنْ هم أطاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً» الحَدِيثَ.
صفحة ٢٨١
وتَفْرِيعُ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ تَحْذِيرٌ مِن عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .
والتَّوَلِّي مُسْتَعارٌ لِلْعِصْيانِ وعَدَمِ قَبُولِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ.
وحَقِيقَةُ التَّوَلِّي الِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ المُسْتَقِرِّ فِيهِ واسْتُعِيرَ التَّوَلِّي لِلْعِصْيانِ تَشْنِيعًا لَهُ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِنهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في خِطابِ المُؤْمِنِينَ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] .
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿رَسُولِنا﴾ بِالإضافَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِ بِأنَّهُ ﷺ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. وهَذا الضَّمِيرُ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ يُفِيدُ تَشْرِيفَ الرَّسُولِ بِعِزِّ الإضافَةِ إلى المُتَكَلِّمِ.
ومَعْنى الحَصْرِ في قَوْلِهِ (﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾) قَصْرُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى كَوْنِ واجِبِهِ البَلاغَ، قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ فالرَّسُولُ ﷺ مَقْصُورٌ عَلى لُزُومِ البَلاغِ لَهُ لا يَعْدُو ذَلِكَ إلى لُزُومِ شَيْءٍ آخَرَ. وهو قَصْرُ قَلْبٍ تَنْزِيلًا لَهم في حالَةِ العِصْيانِ المَفْرُوضِ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَألْجَأهم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ إلْهابًا لِنُفُوسِهِمْ بِالحَثِّ عَلى الطّاعَةِ.
ووَصْفُ (﴿البَلاغُ﴾) بِ (﴿المُبِينُ﴾)، أيِ الواضِحُ عُذْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ ادَّعى ما أُمِرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ قَطْعًا لِلْمُعَذَّرِ عَنْ عَدَمِ امْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ.
وبِاعْتِبارِ مَفْهُومِ القَصْرِ جُمْلَةُ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ كانَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ دُونَ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ دَلِيلًا عَلَيْهِ أوْ عِلَّةً لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences