Ibn 'AshurAt‑Talaq · 65:1–3

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Talaq 65:1–3, continued

والمَعْنى: وتِلْكَ مِمّا حَدَّ اللَّهُ فَلا تُفِيدُ تَعْرِيفَ الجَمْعِ بِالإضافَةِ عُمُومًا لِصَرْفِ القَرِينَةِ عَنْ إفادَةِ ذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ المُعَيَّنَةَ لَيْسَتْ جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ.

* * *

﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ، (﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾) .

فَهُوَ تَتْمِيمٌ وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّذْيِيلِ وإذْ قَدْ كانَ حُدُودُ اللَّهِ جَمْعًا مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ كانَ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ إذْ لا صارِفَ عَنْ إرادَةِ العُمُومِ بِخِلافِ إضافَةِ حُدُودِ اللَّهِ السّابِقِ.

والمَعْنى: مَن يَتَعَدَّ شَيْئًا مِن حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ في قَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِاخْتِلافِ هَذَيْنِ المُرَكَّبَيْنِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ وجِيءَ بِهَذا الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ هَذا التَّعَدِّي.

وأُخْبِرَ عَنْ مُتَعَدِّيها بِأنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ لِلتَّخْوِيفِ تَحْذِيرًا مِن تَعَدِّي هَذِهِ الحُدُودِ فَإنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو الجَرِيرَةُ عَلَيْها بِما يَعُودُ بِالإضْرارِ وذَلِكَ مِنهُ ظُلْمٌ لَها في الدُّنْيا بِتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِعَواقِبَ سَيِّئَةٍ تَنْجَرُّ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ الدِّينِ لِأنَّ أحْكامَهُ صَلاحٌ لِلنّاسِ فَمَن فَرَّطَ فِيها فاتَتْهُ المَصالِحُ المُنْطَوِيَةُ هي عَلَيْها.

قالَ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] .

ومِنهُ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ في الآخِرَةِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ عَلى الإخْلالِ بِأحْكامِ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]

صفحة ٣٠٦

فَإنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ حَظًّا مِن هَذا الوَعِيدِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الكُفْرِ ومُجَرَّدِ العِصْيانِ وجِيءَ في هَذا التَّحْذِيرِ (بِمَن) الشَّرْطِيَّةِ لِإفادَةِ عُمُومِ كُلِّ مَن تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الَّذِينَ يَتَعَدُّونَ أحْكامَ الطَّلاقِ وأحْكامَ العِدَّةِ في هَذا العُمُومِ.

* * *

﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وما أُلْحِقَ بِها مِمّا هو إيضاحٌ لَها وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ مَفْصُولَةً عَنِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها.

ويَجُوزُ كَوْنُها بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ بَعْضُهُ حاصِلٌ في الدُّنْيا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى إضاعَةِ مَصالِحِ النَّفْسِ عَنْها. وقَدْ سَلَكَ في هَذِهِ الآيَةِ مَسْلَكَ التَّرْغِيبِ في امْتِثالِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ بَعْدَ أنْ سَلَكَ في شَأْنِها مَسْلَكَ التَّرْهِيبِ مِن مُخالَفَتِها.

فَمِن مَصالِحِ الِاعْتِدادِ ما في مُدَّةِ الِاعْتِدادِ مِنَ التَّوْسِيعِ عَلى الزَّوْجَيْنِ في مُهْلَةِ النَّظَرِ في مَصِيرِ شَأْنِهِما بَعْدَ الطَّلاقِ، فَقَدْ يَتَّضِحُ لَهُما أوْ لِأحَدِهِما مَتاعِبُ وأضْرارٌ مِنِ انْفِصامِ عُرْوَةِ المُعاشَرَةِ بَيْنَهُما فَيُعَدُّ ما أضْجَرَهُما مِن بَعْضِ خُلُقِهِما شَيْئًا تافِهًا بالنِّسْبَةِ لِما لَحِقَهُما مِن أضْرارِ الطَّلاقِ فَيَنْدَمُ كِلاهُما أوْ أحَدُهُما فَيَجِدا مِنَ المُدَّةِ ما يَسَعُ لِلسَّعْيِ بَيْنَهُما في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِما.

والمَقْصُودُ الإشارَةُ إلى أهَمِّ ما في العِدَّةِ مِنَ المَصالِحِ وهو ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِن أمْرٍ بَعْدَ الطَّلاقِ، وتَنْكِيرُ أمْرٍ لِلتَّنْوِيعِ.

أيْ أمْرًا مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ أمْرًا نافِعًا لَهُما.

وهَذا الأمْرُ هو تَقْلِيبُ القُلُوبِ مِن بُغْضٍ إلى مَحَبَّةٍ، ومِن غَضَبٍ إلى رِضًى، ومِن إيثارِ تَحَمُّلِ المُخالَفَةِ في الأخْلاقِ مَعَ المُعاشَرَةِ عَلى تَحَمُّلِ آلامِ الفِراقِ وخاصَّةً إذا كانَ بَيْنَ المُتَفارِقَيْنِ أبْناءٌ، أوْ مِن ظُهُورِ حَمْلٍ بِالمُطَلَّقَةِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لَها أوْلادٌ فَيَلُزُّ ظُهُورُهُ أباهُ إلى مُراجَعَةِ أُمِّهِ المُطَلَّقَةِ. عَلى أنَّ في الِاعْتِدادِ والإسْكانِ مَصالِحَ أُخْرى كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.

صفحة ٣٠٧

والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿لا تَدْرِي﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ القَصْدِ بِالخِطابِ إلى كُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ ويُهِمُّهُ أمْرُ الشَّيْءِ المُخاطَبِ بِهِ مِن كُلِّ مَن قَصُرَ بَصَرُهُ إلى حالَةِ الكَراهِيَةِ الَّتِي نَشَأ عَلَيْها الطَّلاقُ ولَمْ يَتَدَبَّرْ في عَواقِبِ الأُمُورِ ولا أحاطَ فِكْرُهُ بِصُوَرِ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ المُتَقَلِّبَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .

ولَعَلَّ كَلِمَةَ (﴿لا تَدْرِي﴾) تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَلا يُرادُ مِمّا فِيها مِن عَلامَةِ الخِطابِ ولا مِن صِيغَةِ الإفْرادِ إلّا الجَرْيُ عَلى الغالِبِ في الخِطابِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَوْجِيهِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.

و(لَعَلَّ) ومَعْمُولاها سادَّةٌ مُعَلِّقَةٌ فِعْلَ (تَدْرِي) عَنِ العَمَلِ.

65:2Page 558

فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢

And when they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or part with them according to acceptable terms. And bring to witness two just men from among you and establish the testimony for [the acceptance of] Allāh. That is instructed to whoever should believe in Allāh and the Last Day. And whoever fears Allāh - He will make for him a way out1

﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْكامِ العِدَّةِ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) لِأنَّ إحْصاءَها بِحِفْظِ مُدَّتِها واسْتِيعابِ أيّامِها فَإذا انْتَهَتِ المُدَّةُ فَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ لَهُما والزِّيادَةُ عَلَيْها إضْرارٌ بِأحَدِهِما أوْ بِكِلَيْهِما وفائِدَةُ الآجالِ الوُقُوفُ عِنْدَ انْتِهائِها.

وبُلُوغُ الأجَلِ أصْلُهُ انْتِهاءُ المُدَّةِ المُقَدَّرَةِ لَهُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ مَعْنى البُلُوغِ الَّذِي هو الوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ عَلى تَشْبِيهِ الأجَلِ المُعَيَّنِ بِالمَكانِ المُسَيَّرِ إلَيْهِ وشاعَ ذَلِكَ في الِاسْتِعْمالِ فالمَجازُ في لَفْظِ الأجَلِ وتَبِعَهُ المَجازُ في البُلُوغِ وقَدِ اسْتُعْمِلَ البُلُوغُ في هَذِهِ الآيَةِ في مُقارَبَةِ ذَلِكَ الِانْتِهاءِ مُبالَغَةً في عَدَمِ التَّسامُحِ فِيهِ وهَذا الِاسْتِعْمالُ مَجازٌ آخَرُ لِمُشابَهَةِ مُقارَبَةِ الشَّيْءِ بِالحُصُولِ فِيهِ والتَّلَبُّسِ بِهِ.

وقَرِينَةُ المَجازِ هُنا هو لَفْظُ الأجَلِ لِأنَّهُ لا تُتَصَوَّرُ المُراجَعَةُ بَعْدَ بُلُوغِ الأجَلِ لِأنَّ في ذَلِكَ رَفْعَ مَعْنى التَّأْجِيلِ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٣٠٨

والإمْساكُ: اعْتِزامُ المُراجَعَةِ عُبِّرَ عَنْهُ بِالإمْساكِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ المُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لَها حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِيما عَدا الِاسْتِمْتاعِ فَكَأنَّهُ لَمّا راجَعَها قَدْ أمْسَكَها أنْ لا تُفارِقَهُ فَكَأنَّهُ لَمْ يُفارِقْها لِأنَّ الإمْساكَ هو الضَّنُّ بِالشَّيْءِ وعَدَمُ التَّفْرِيطِ فِيهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]) وأنَّهُ إذا لَمْ يُراجِعْها فَكَأنَّهُ قَدْ أعادَ فِراقَها وقَسا قَلْبُهُ.

ومِن أجْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ جُعِلَ عَدَمُ الإمْساكِ فِراقًا جَدِيدًا في قَوْلِهِ (﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾) .

والأمْرُ في (﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾) أوْ (﴿فارِقُوهُنَّ﴾) لِلْإباحَةِ، و(أوْ) فِيهِ لِلتَّخْيِيرِ.

والباءُ في ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلابَسَةِ كُلٍّ مِنَ الإمْساكِ والفِراقِ لِلْمَعْرُوفِ.

والمَعْرُوفُ: هو ما تَعارَفَهُ الأزْواجُ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ في المُعاشَرَةِ وفي الفِراقِ.

فالمَعْرُوفُ في الإمْساكِ: حُسْنُ اللِّقاءِ والِاعْتِذارُ لَها عَمّا فَرَّطَ والعَوْدُ إلى حُسْنِ المُعاشَرَةِ.

والمَعْرُوفُ في الفِراقِ: كَفُّ اللِّسانِ عَنْ غَيْبَتِها وإظْهارُ الِاسْتِراحَةِ مِنها.

والمَعْرُوفُ في الحالَيْنِ مِن عَمَلِ الرَّجُلِ لِأنَّهُ هو المُخاطَبُ بِالإمْساكِ أوِ الفِراقِ.

وأمّا المَعْرُوفُ الَّذِي هو مِن عَمَلِ المَرْأةِ فَمُقَرَّرٌ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) .

وتَقْدِيمُ الإمْساكِ أعْنِي المُراجَعَةَ عَلى إمْضاءِ المُفارَقَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ أرْضى لِلَّهِ تَعالى وأوْفَقُ بِمَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُراجَعَةِ بِالإمْساكِ، فَفُهِمَ أنَّ المُراجَعَةَ مَندُوبٌ إلَيْها لِأنَّ أبْغَضَ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ.

ولَمّا قُيِّدَ أمْرُ الإباحَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾) أوْ (﴿فارِقُوهُنَّ﴾)، بِقَيْدٍ بِالمَعْرُوفِ، فُهِمَ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ إمْساكٌ دُونَ المَعْرُوفِ فَهو غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وهو الإمْساكُ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ فَإذا قارَبَتِ انْتِهاءَ عِدَّتِها راجَعَها أيّامًا ثُمَّ طَلَّقَها بِفِعْلِ ذَلِكَ ثَلاثًا لِيُطِيلَ عَلَيْها مِنَ العِدَّةِ فَلا تَتَزَوَّجُ عِدَّةَ أشْهُرٍ إضْرارًا بِها.

وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١])، إلى قَوْلِهِ (﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

صفحة ٣٠٩

﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ .

ظاهِرُ وُقُوعِ هَذا الأمْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الإمْساكِ أوِ الفِراقِ، أنَّهُ راجِعٌ إلى كِلَيْهِما لِأنَّ الإشْهادَ جُعِلَ تَتِمَّةً لِلْمَأْمُورِ بِهِ في مَعْنى الشَّرْطِ لِلْإمْساكِ أوِ الفِراقِ لِأنَّ هَذا العَطْفَ يُشْبِهُ القَيْدَ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَيْدًا وشَأْنُ الشُّرُوطِ الوارِدَةِ بَعْدَ جُمَلٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِها.

وظاهِرُ صِيغَةِ الأمْرِ الدَّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ فَيَتَرَكَّبُ مِن هَذَيْنِ أنْ يَكُونَ الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ وعَلى بَتِّ الطَّلاقِ واجِبًا عَلى الأزْواجِ لِأنَّ الإشْهادَ يَرْفَعُ أشْكالًا مِنَ النَّوازِلِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأخَذَ بِهِ يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وابْنُ حَنْبَلٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ ورُوِيَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وطاوُسٍ وإبْراهِيمَ وأبِي قِلابَةَ وعَطاءٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: الإشْهادُ المَأْمُورُ بِهِ الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ دُونَ بَتِّ الطَّلاقِ.

أمّا مُقْتَضى صِيغَةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى { ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ } فَقِيلَ هو مُسْتَحَبٌّ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ فِيما حَكاهُ ابْنُ القَصّارِ ولَعَلَّ مُسْتَنَدَ هَذا القَوْلِ عَدَمُ جَرَيانِ العَمَلِ بِالتِزامِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ وعُصُورِ أهْلِ العِلْمِ، وقِياسُهُ عَلى الإشْهادِ بِالبَيْعِ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى عَدَمِ وُجُوبِهِ وكِلا هَذَيْنِ مَدْخُولٌ لِأنَّ دَعْوى العَمَلِ بِتَرْكِ الإشْهادِ دُونَها مَنعٌ، ولِأنَّ قِياسَ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ عَلى البَيْعِ قَدْ يُقْدَحُ فِيهِ بِوُجُودِ فارِقٍ مُعْتَبَرٍ وهو خَطَرُ الطَّلاقِ والمُراجَعَةِ وأهَمِّيَّةُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما مِنَ الخُصُوماتِ بَيْنَ الأنْسابِ، وما في البُيُوعاتِ مِمّا يُغْنِي عَنِ الإشْهادِ وهو التَّقايُضُ في الأعْواضِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ المُراجَعَةُ دُونَ الفُرْقَةِ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ونَسَبَهُ إسْماعِيلُ بْنُ حَمّادٍ مِن فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ بِبَغْدادَ إلى مالِكٍ وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ ابْنِ بُكَيْرٍ.

واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ هَذا الإشْهادَ لَيْسَ شَرْطًا في صِحَّةِ المُراجَعَةِ أوِ المُفارَقَةِ لِأنَّهُ إنَّما شُرِعَ احْتِياطًا لِحَقِّهِما وتَجَنُّبًا لِنَوازِلِ الخُصُوماتِ خَوْفًا مِن أنْ يَمُوتَ فَتَدَّعِي أنَّها زَوْجَةٌ لَمْ تُطَلَّقْ، أوْ أنْ تَمُوتَ هي فَيَدَّعِي هو ذَلِكَ، وكَأنَّهم بَنَوْهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ، عَلى أنْ جَعْلَ الشَّيْءِ شَرْطًا لِغَيْرِهِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ خاصٍّ غَيْرِ دَلِيلِ الوُجُوبِ لِأنَّهُ قَدْ يَتَحَقَّقُ الإثْمُ بِتَرْكِهِ ولا يَبْطُلُ بِتَرْكِهِ ما أُمِرَ بِإيقاعِهِ مَعَهُ مِثْلَ

صفحة ٣١٠

الصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ. وبِالثَّوَبِ المَغْصُوبِ. قالَ المُوجِبُونَ لِلْإشْهادِ لَوْ راجَعَ ولَمْ يُشْهِدْ أوْ بَتَّ الفِراقَ ولَمْ يُشْهِدْ صَحَّتْ مُراجَعَتُهُ ومُفارَقَتُهُ وعَلَيْهِ أنْ يُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ.

قالَ يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ: مَعْنى الإشْهادِ عَلى المُراجَعَةِ والمُفارَقَةِ أنْ يُشْهِدَ عِنْدَ مُراجَعَتِها إنْ راجَعَها، وعِنْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها إنْ لَمْ يُراجِعْها أنَّهُ قَدْ كانَ طَلَّقَها وأنَّ عِدَّتَها قَدِ انْقَضَتْ.

ولِفُقَهاءِ الأمْصارِ في صِفَةِ ما تَقَعُ المُراجِعَةُ مِن صِيغَةٍ بِالقَوْلِ ومِن فِعْلِ ما هو مِن أفْعالِ الأزْواجِ تَفاصِيلُ مَحَلُّها كُتُبُ الفُرُوعِ ولا يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ إلّا ما جَعَلَهُ أهْلُ العِلْمِ دَلِيلًا عَلى المُراجَعَةِ عِنْدَ مَن جَعَلَهُ كَذَلِكَ.

* * *

﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ .

عَطْفٌ عَلى (﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾) .

والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِكُلِّ مَن تَتَعَلَّقُ بِهِ الشَّهادَةُ مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ والشُّهُودِ كُلٌّ يَأْخُذُ بِما هو حَظُّهُ مِن هَذَيْنِ الخِطابَيْنِ. ولَيْسَ هو مِن قَبِيلِ (﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]) لِظُهُورِ التَّوْزِيعِ هُناكَ بِاللَّفْظِ دُونَ ما هُنا فَإنَّهُ بِالمَعْنى فالكُلُّ مَأْمُورُونَ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ.

فَتَعْرِيفُ الشَّهادَةِ لِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلِّ شَهادَةٍ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ الشَّهادَةُ الشَّرْعِيَّةُ.

ومَعْنى إقامَةِ الشَّهادَةِ: إيقاعُها مُسْتَقِيمَةً لا عِوَجَ فِيها فالإقامَةُ مُسْتَعارَةٌ لِإيقاعِ الشَّهادَةِ عَلى مُسْتَوْفِيها ما يَجِبُ فِيها شَرْعًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ وهَذِهِ اسْتِعارَةُ شائِعَةُ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ (لِلَّهِ)، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ لا لِأجْلِ المَشْهُودِ لَهُ ولا لِأجْلِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ ولا لِأجْلِ مَنفَعَةِ الشّاهِدِ والإبْقاءِ عَلى راحَتِهِ. وتَقَدَّمَ بَعْضُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

صفحة ٣١١

﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ .

الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي فِيها مَوْعِظَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]، إلى قَوْلِهِ (﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾) .

والوَعْظُ: التَّحْذِيرُ مِمّا يَضُرُّ والتَّذْكِيرُ المُلَيِّنُ لِلْقُلُوبِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: ١٧]) في سُورَةِ النُّورِ.

* * *

﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] .

اعْتِراضُ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾) وجُمْلَةِ (﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]) الآيَةَ، فَإنَّ تِلْكَ الأحْكامَ لَمّا اعْتُبِرَتْ مَوْعِظَةً بِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾) أُعْقِبَ ذَلِكَ بِقَضِيَّةٍ عامَّةٍ، وهي أنَّ تِلْكَ مِن تَقْوى اللَّهِ تَعالى وبِما لِتَقْوى اللَّهِ مِن خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ المَوْعِظَةِ والتَّرْهِيبِ بِالبِشارَةِ والتَّرْغِيبِ.

ولَمّا كانَ أمْرُ الطَّلاقِ غَيْرَ خالٍ مَن حَرَجٍ وغَمٍّ يَعْرِضُ لِلزَّوْجَيْنِ وأمْرُ المُراجَعَةِ لا يَخْلُو في بَعْضِ أحْوالِهِ مِن تَحَمُلِ أحَدِهِما لِبَعْضِ الكُرْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي سَبَّبَتِ الطَّلاقَ، أعْلَمَهُما اللَّهُ بِأنَّهُ وعَدَ المُتَّقِينَ الواقِفِينَ عِنْدَ حُدُودِهِ أنْ يَجْعَلَ لَهم مَخْرَجًا مِنَ الضّائِقاتِ، شَبَّهَ ما هم فِيهِ مِنَ الحَرَجِ بِالمَكانِ المُغْلَقِ عَلى الحالِّ فِيهِ وشَبَّهَ ما يَمْنَحُهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ اللُّطْفِ وإجْراءِ الأُمُورِ عَلى ما يُلائِمُ أحْوالَهم بِجَعْلِ مَنفَذٍ في المَكانِ المُغْلَقِ يَتَخَلَّصُ مِنهُ المُتَضائِقُ فِيهِ.

فَفِي الكَلامِ اسْتِعارَتانِ إحْداهُما ضِمْنِيَّةٌ مَطْوِيَّةٌ والأُخْرى صَرِيحَةٌ وشَمْلَ المَخْرَجُ ما يَحُفُّ مِنَ اللُّطْفِ بِالمُتَّقِينَ في الآخِرَةِ أيْضًا بِتَخْلِيصِهِمْ مِن أهْوالِ الحِسابِ والِانْتِظارِ فالمَخْرَجُ لَهم في الآخِرَةِ هو الإسْراعُ بِهِمْ إلى النَّعِيمِ.

صفحة ٣١٢

ولَمّا كانَ مِن دَواعِي الفِراقِ والخِلافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ما هو مِنَ التَّقْتِيرِ في الإنْفاقِ لِضِيقِ ذاتِ اليَدِ فَكانَ الإحْجامُ عَنِ المُراجَعَةِ عارِضًا كَثِيرًا لِلنّاسِ بَعْدَ التَّطْلِيقِ، أُتْبِعَ الوَعْدُ بِجَعْلِ المَخْرَجِ لِلْمُتَّقِينَ بِالوَعْدِ بِمَخْرَجٍ خاصٍّ وهو مَخْرَجُ التَّوْسِعَةِ في الرِّزْقِ.

وقَوْلُهُ (﴿مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]) احْتِراسٌ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أحَدٌ أنَّ طُرُقَ الرِّزْقِ مُعَطَّلَةٌ عَلَيْهِ فَيَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ فَيُمْسِكَ عَنْ مُراجَعَةِ المُطَلَّقَةِ لِأنَّهُ لا يَسْتَقْبِلُ مالًا يُنْفِقُ مِنهُ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ هَذا الرِّزْقَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ أعْلَمُ كَيْفَ يُهَيِّئُ لَهُ أسْبابًا غَيْرَ مُتَرَقَّبَةٍ.

فَمَعْنى (﴿مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]): مِن مَكانٍ لا يَحْتَسِبُ مِنهُ الرِّزْقَ أيْ لا يَظُنُّ أنَّهُ يُرْزَقُ مِنهُ.

و(حَيْثُ) مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في الأحْوالِ والوُجُوهِ تَشْبِيهًا لِلْأحْوالِ بِالجِهاتِ لِأنَّها لَمّا جُعِلَتْ مُقارِنَةً لِلرِّزْقِ أشْبَهَتِ المَكانَ الَّذِي يَرِدُ مِنهُ الوارِدُ ولِذَلِكَ كانَتْ مِن هُنا لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ حَيْثُ. فَفي حَرْفِ (مِن) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّها «نَزَلَتْ في شَأْنِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ إذْ أسَرَ المُشْرِكُونَ ابْنَهُ سالِمًا فَأتى عَوْفٌ النَّبِيءَ ﷺ وشَكا إلَيْهِ ذَلِكَ وأنَّ أُمَّهُ جَزِعَتْ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ وأمَرَهُ وزَوْجَهُ أنْ يُكْثِرا قَوْلَ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ فَغَفَلَ المُشْرِكُونَ عَنِ الِابْنِ فَساقَ عَنْزًا كَثِيرَةً مِن عَنْزِ المُشْرِكِينَ وجاءَ بِها المَدِينَةَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها في أثْناءِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَصادَفَتِ الغَرَضَيْنِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ.

65:3Page 558

وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣

And will provide for him from where he does not expect. And whoever relies upon Allāh - then He is sufficient for him. Indeed, Allāh will accomplish His purpose. Allāh has already set for everything a [decreed] extent.

﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهْوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرَهُ﴾ .

تَكْمِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها فَإنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبُ تَفْرِيجِ الكُرَبِ والخَلاصِ مِنَ المَضائِقِ، ومُلاحَظَةُ المُسْلِمِ ذَلِكَ ويَقِينُهُ بِأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْهُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي تُثَبِّطُهُ عَنِ التَّقْوى ويُحَقِّقُ وعْدَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.

وحَسْبُ: وصَفٌ بِمَعْنى كافٍ. وأصْلُهُ اسْمُ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرٌ.

صفحة ٣١٣

وجُمْلَةُ (﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾) في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ (﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾)، أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا وُقُوعَ ما وعَدَكُمُ اللَّهُ حِينَ تَرَوْنَ أسْبابَ ذَلِكَ مَفْقُودَةً فَإنَّ اللَّهَ إذا وعَدَ وعَدًا فَقَدْ أرادَهُ وإذا أرادَ اللَّهُ أمْرًا يَسَّرَ أسْبابَهُ.

ولَعَلَّ قَوْلَهُ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى، أيْ: عَلِمَ اللَّهُ أنْ يَكْفِيَ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ مُهِمَّةً فَقَدَّرَ لِذَلِكَ أسْبابَهُ كَما قَدَّرَ أسْبابَ الأشْياءِ كُلِّها فَلا تَشُكُّوا في إنْجازِ وعْدِهِ فَإنَّهُ إذا أرادَ أمْرًا يَسَّرَ أسْبابَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ النّاسُ وتَصارِيفُ اللَّهِ تَعالى خَفِيَّةٌ عَجِيبَةٌ.

ومَعْنى (﴿بالِغُ أمْرِهِ﴾): واصَلٌ إلى مُرادِهِ. والبُلُوغُ مُجازٌ مَشْهُورٌ في الحُصُولِ عَلى المُرادِ. والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّأْنِ.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ قالَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ أيْ بَعْضَهم: فَنَحْنُ إذا تَوَكَّلْنا نُرْسِلُ ما كانَ لَنا ولا نَحْفَظُهُ فَنَزَلَتْ ( ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾، أيْ فِيكم وعَلَيْكم اهـ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (بالِغٌ) بِالتَّنْوِينِ و(أمْرَهُ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (﴿بالِغُ أمْرِهِ﴾) بِإضافَةِ (بالِغُ) إلى (أمْرِهِ) .

* * *

﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ .

لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعٌ تَتَجَلّى فِيهِ صُورَةٌ مِن صُوَرِ إعْجازِ القُرْآنِ في تَرْتِيبِ مَواقِعِ الجُمَلِ بَعْضِها بَعْدَ بَعْضٍ كَما نَبَّهْتُ عَلَيْهِ في مَواقِعَ سَلَفَتْ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لَها مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ ناشِئِ عَمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ جُمَلُ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢])، إلى قَوْلِهِ (﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾) لِأنَّ اسْتِعْدادَ السّامِعِينَ لِلْيَقِينِ بِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الجُمَلُ مُتَفاوِتٌ فَقَدْ يَسْتَبْعِدُ بَعْضُ السّامِعِينَ تَحَقَّقَ الوَعْدِ لِأمْثالِهِ بِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الجُمَلُ بِعَرْضِها عَلى ارْتِباكِ أحْوالِهِ، أوْ يَتَرَدَّدُ يَقِينُهُ فَيَقُولُ: أيْنَ أنا مِن تَحْصِيلِ هَذا، حِينَ يُتْبِعُ نَظَرَهُ فَيَرى بَوْنًا عَنْ حُصُولِ المَوْعُودِ بِسَبَبِ انْعِدامِ وسائِلِهِ لَدَيْهِ فَيَتَمَلَّكُهُ اليَأْسُ.

صفحة ٣١٤

فَهَذا الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ وقَعَ عَقِبَ الوَعْدِ تَذْكِيرًا بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَواعِيدَهُ وهَيَّأ لَها مَقادِيرَ حُصُولِها لِأنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.

ولَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) فَإنَّ العِدَّةَ مِنَ الأشْياءِ فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِإحْصاءِ أمْرِها عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ تَقْدِيرَ مُدَّةِ العِدَّةِ جَعَلَهُ اللَّهُ، فَلا يُسَوَّغُ التَّهاوُنَ فِيهِ.

ولَها مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ( ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، أيِ الَّذِي وضَعَ تِلْكَ الحُدُودَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا لا يَعْدُوهُ كَما جَعَلَ الحُدُودَ.

ولَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢])، لِأنَّ المَعْنى إذا بَلَغْنَ القَدْرَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِمُدَّةِ العِدَّةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] فالمَعْنى: فَإنَّ لَمْ يُحْدِثِ اللَّهُ أمْرَ المُراجَعَةِ فَقَدْ رَفُقَ بِكم وحَطَّ عَنْكُمُ امْتِدادَ العِدَّةِ.

ولَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]) فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ الشَّهادَةَ قَدْرًا لِرَفْعِ النِّزاعِ.

فَهَذِهِ الجُمْلَةُ جُزْءُ آيَةٍ وهي تَحْتَوِي عَلى حَقائِقَ مِنَ الحِكْمَةِ.

ومَعْنى (﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾) لِكُلِّ مَوْجُودٍ، أيْ لِكُلِّ حادِثٍ فالشَّيْءُ المَوْجُودُ سَواءً كانَ ذاتًا أوْ مَعْنًى مِنَ المَعانِي قالَ تَعالى ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] . فَعُمُومُ قَوْلِهِ (﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾) صَرِيحٌ في أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ يَجْعَلُ لَهُ حِينَ تَكْوِينِهِ قَدْرًا.

قالَ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِهِ: وذَلِكَ أنَّ فِعْلَ اللَّهِ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ أوْجَدَهُ بِالفِعْلِ، ومَعْنى إيجادِهِ بِالفِعْلِ أنَّهُ أبْدَعَهُ كامِلًا دَفْعَةً لا تَعْتَرِيهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ إلى أنْ يَشاءَ أنْ يُغْنِيَهُ أوْ يُبَدِّلَهُ كالسَّماواتِ وما فِيها. ومِنها ما جَعَلَ أُصُولَهُ مَوْجُودَةً بِالفِعْلِ وأجْزاءَهُ بِالصَّلاحِيَّةِ وقَدَّرَهُ عَلى وجْهٍ لا يَتَأتّى مِنهُ غَيْرُ ما قَدَّرَهُ فِيهِ كَتَقْدِيرِهِ في النَّواةِ أنْ يَنْبُتَ مِنها النَّخْلُ دُونَ أنْ يَنْبُتَ مِنها تُفّاحٌ أوْ زَيْتُونٌ. وتَقْدِيرِهِ نُطْفَةَ الإنْسانِ لِأنْ يَكُونَ مِنها إنْسانٌ دُونَ حَيَوانٍ آخَرَ. فَتَقْدِيرُ اللَّهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما بِالحُكْمِ

صفحة ٣١٥

مِنهُ أنْ تَكُونَ كَذا أوْ لا يَكُونَ كَذا: إمّا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ وإمّا عَلى سَبِيلِ الإمْكانِ. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . والثّانِي بِإعْطاءِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]) أوْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ اهـ.

والقَدْرُ: مُصْدَرُ (قَدَرَهُ) المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ الَّذِي مَعْناهُ وضَعَ فِيهِ بِمِقْدارٍ كِمِّيَّةً ذاتِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً تُجْعَلُ عَلى حَسَبِ ما يَتَحَمَّلُهُ المَفْعُولُ. فَقَدْرُ كُلِّ مَفْعُولٍ لِفِعْلٍ قَدْرُ ما تَتَحَمَّلُهُ طاقَتُهُ واسْتِطاعَتُهُ مِن أعْمالٍ، أوْ تَتَحَمَّلُهُ مِساحَتُهُ مِن أشْياءَ أوْ يَتَحَمَّلُهُ وعْيُهُ لِما يَكِدُّ بِهِ ذِهْنُهُ مِن مَدارِكَ وأفْهامٍ. ومِن فُرُوعِ هَذا المَعْنى ما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ هُنا (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]) .

ومِن جُزْئِيّاتِ مَعْنى القَدْرِ ما يُسَمّى التَّقْدِيرُ: مَصْدَرُ (قَدَّرَ) المُضاعَفِ إذا جَعَلَ شَيْئًا أوْ أشْياءَ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مُناسِبٍ لِما جُعِلَ لِأجْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ [سبإ: ١١]) في سُورَةِ سَبَأٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском