Ibn 'AshurAt‑Talaq · 65:6–9

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Talaq 65:6–9

65:6Page 559

أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦

Lodge them1 [in a section] of where you dwell out of your means and do not harm them in order to oppress them.2 And if they should be pregnant, then spend on them until they give birth. And if they breastfeed for you, then give them their payment and confer among yourselves in the acceptable way; but if you are in discord, then there may breastfeed for him [i.e., the father] another woman.3

﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ وما أُلْحِقَ بِها مِنَ الجُمَلِ إلى قَوْلِهِ (﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [الطلاق: ٨]) إلَخْ.

تَشْرِيعٌ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ بَيانٌ لِما أُجْمِلَ في الآياتِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) وقَوْلِهِ (﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢])، وقَوْلِهِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) فَتَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمَلُ مِنَ اللّاتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ لِبَعْضٍ، ويَدُلُّ الِاشْتِمالُ لِبَعْضٍ وكُلُّ ذَلِكَ مُقْتَضًى لِلْفَصْلِ. وابْتُدِئَ بِبَيانِ ما في (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) مِن إجْمالٍ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾) عائِدٌ إلى النِّساءِ المُطَلَّقاتِ في قَوْلِهِ (﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]) . ولَيْسَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ عَلَيْهِ هَذا الضَّمِيرُ إلّا لَفْظُ النِّساءِ وإلّا لَفْظُ (﴿أُولاتُ الأحْمالِ﴾ [الطلاق: ٤])، ولَكِنَّ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ الإسْكانَ خاصٌّ بِالمُعْتَدّاتِ الحَوامِلِ فَإنَّهُ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]) فَتَعَيَّنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى النِّساءِ المُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ، وبِذَلِكَ يَشْمَلُ المُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ والبائِنَةَ والحامِلَ، لِما عَلِمْتَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن إرادَةِ الرَّجْعِيَّةِ والبائِنَةِ مِن لَفْظِ (﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]) .

وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ قائِلُونَ بِوُجُوبِ السُّكْنى لَهُنَّ جَمِيعًا. قالَ أشْهَبُ: قالَ مالِكٌ يَخْرُجُ عَنْها إذا طَلَّقَها وتَبْقى هي في المَنزِلِ. ورَوى ابْنُ نافِعٍ قالَ مالِكٌ: فَأمّا الَّتِي لَمْ تَبِنْ فَإنَّها زَوْجَةٌ يَتَوارَثانِ والسُّكْنى لَهُنَّ لازِمَةٌ لِأزْواجِهِنَّ اهـ. يُرِيدُ أنَّها مُسْتَغْنًى عَنْ أخْذِ حُكْمِ سُكْناها مِن هَذِهِ الآيَةِ. ولا يُرِيدُ أنَّها مُسْتَثْناةٌ مِن حُكْمِ الآيَةِ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا سُكْنى لِلْمُطَلَّقَةِ طَلاقًا بائِنًا. ومُتَمَسَّكُهم في ذَلِكَ ما رَوَتْهُ فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: «أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثَلاثًا وأنَّ أخا زَوْجِها مَنَعَها مِنَ السُّكْنى والنَّفَقَةِ، وأنَّها رَفَعَتْ أمْرَها إلى

صفحة ٣٢٦

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَها: إنَّما السُّكْنى والنَّفَقَةُ عَلى مَن لَهُ عَلَيْها الرَّجْعَةُ» . وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَمْ يَعْرِفْهُ أحَدٌ إلّا مِن رِوايَةِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. ولَمْ يَقْبَلْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. فَقالَ: لا نَتْرُكُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّنا لِقَوْلِ امْرَأةٍ لا نَدْرِي لَعَلَّها نَسِيَتْ أوْ شُبِّهَ عَلَيْها. وأنْكَرَتْهُ عائِشَةُ عَلى فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِيما ذَكَرَتْهُ مِن أنَّهُ أذِنَ لَها في الِانْتِقالِ إلى مَكانٍ غَيْرِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ.

ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَوى عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ البائِنَةِ سُكْنى» . ورَوَوْا أنَّ قَتادَةَ وابْنَ أبِي لَيْلى أخَذا بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١]) إذِ الأمْرُ هو المُراجَعَةُ، فَقَصَرا الطَّلاقَ في قَوْلِهِ (﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١])، عَلى الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ لِأنَّ البائِنَ لا تَتَرَقَّبُ بَعْدَهُ مُراجَعَةً وسَبَقَها إلى هَذا المَأْخَذِ فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ المَذْكُورَةُ.

رَوى مُسْلِمٌ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ أرْسَلَ إلى فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ يَسْألُها عَنِ الحَدِيثِ فَحَدَّثَتْهُ فَقالَ مَرْوانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذا الحَدِيثَ إلّا مِنَ المَرْأةِ سَنَأْخُذُ بِالعِصْمَةِ الَّتِي وجَدْنا عَلَيْها النّاسَ فَبَلَغَ قَوْلُ مَرْوانَ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ فَقالَتْ: بَيْنِي وبَيْنَكُمُ القُرْآنُ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١])، إلى قَوْلِهِ (﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١]) . قالَتْ: هَذا لِمَن كانَتْ لَهُ رَجْعَةٌ فَأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ اهـ.

ويَرُدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إحْداثَ الأمْرِ لَيْسَ قاصِرًا عَلى المُراجَعَةِ فَإنَّ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ أنْ يُرَقِّقَ قُلُوبَهُما فَيَرْغَبا مَعًا في إعادَةِ المُعاشَرَةِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. وعَلى تَسْلِيمِ اقْتِصارِ ذَلِكَ عَلى إحْداثِ أمْرِ المُراجَعَةِ فَذِكْرُ هَذِهِ الحِكْمَةِ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ اللَّفْظِ الَّذِي قَبْلَها إذْ يَكْفِي أنْ تَكُونَ حِكْمَةً لِبَعْضِ أحْوالِ العامِّ. فالصَّوابُ أنَّ حَقَّ السُّكْنى لِلْمُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.

وقَوْلُهُ (﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾)، أيْ في البُيُوتِ الَّتِي تَسْكُنُونَها، أيْ لا يُكَلَّفُ المُطَلِّقُ بِمَكانٍ لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرَ بَيْتِهِ ولا يَمْنَعُها السُّكْنى بِبَيْتِهِ. وهَذا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) .

صفحة ٣٢٧

فَإذا كانَ المَسْكَنُ لا يَسَعُ مُبَيِّتَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ خَرَجَ المُطَلِّقُ مِنهُ وبَقِيَتِ المُطَلَّقَةُ، كَما تَقَدَّمَ فِيما رَواهُ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ.

و(مِن) الواقِعَةُ في قَوْلِهِ (﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ في بَعْضِ ما سَكَنْتُمْ ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ المَسْكَنَ صالِحٌ لِلتَّبْعِيضِ بِحَسَبِ عُرْفِ السُّكْنى مَعَ تَجَنُّبِ التَّقارُبِ في المَبِيتِ إنْ كانَتْ غَيْرَ رَجْعِيَّةٍ، فَيُؤْخَذُ مِنهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَسَعْهُما خَرَجَ الزَّوْجُ المُطَلِّقُ.

و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾) بَدَلٌ مُطابِقٌ، وهو بَيانٌ لِقَوْلِهِ (﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾) فَإنَّ مَسْكَنَ المَرْءِ هو وُجْدُهُ الَّذِي وجَدَهُ غالِبًا لِمَن لَمْ يَكُنْ مُقَتِّرًا عَلى نَفْسِهِ.

والوُجْدُ: مُثَلَّثُ الواوِ هو الوِسْعُ والطّاقَةُ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأهُ رَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِها.

* * *

﴿ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ .

أُتْبِعَ الأمْرُ بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ بِنَهْيٍ عَنِ الإضْرارِ بِهِنَّ في شَيْءٍ مُدَّةَ العِدَّةِ مِن ضِيقِ مَحَلٍّ أوْ تَقْتِيرٍ في الإنْفاقِ أوْ مُراجَعَةٍ يَعْقُبُها تَطْلِيقٌ لِتَطْوُيْلِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ قَصْدًا لِلنِّكايَةِ والتَّشَفِّي كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٢٣١]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. أوْ لِلْإلْجاءِ إلى افْتِدائِها مِن مُراجَعَتِهِ بِخُلْعٍ.

والضّارَّةُ: الإضْرارُ القَوِيُّ فَكَأنَّ المُبالَغَةَ راجِعَةٌ إلى النَّهْيِ لا إلى المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ هو نَهْيٌ شَدِيدٌ كالمُبالَغَةِ في قَوْلِهِ (﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]) في أنَّها مُبالَغَةٌ في النَّفْيِ ومَثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

والمُرادُ بِالتَّضْيِيقِ: التَّضْيِيقُ المَجازِيُّ وهو الحَرَجُ والأذى.

واللّامُ في (﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾) لِتَعْلِيلِ الإضْرارِ وهو قَيْدٌ جَرى عَلى غالِبِ ما يَعْرِضُ لِلْمُطَلَّقِينَ مِن مَقاصِدِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كَما تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]) وإلّا فَإنَّ الإضْرارَ بِالمُطَلَّقاتِ مَنهِيٌّ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ.

* * *

صفحة ٣٢٨

﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .

ضَمِيرُ (كُنَّ) يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾) كَما هو شَأْنُ تَرْتِيبِ الضَّمائِرِ، وكَما هو مُقْتَضى عَطْفِ الجُمَلِ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى خُصُوصِ النِّساءِ السّاكِناتِ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُعادًا لِضَمِيرٍ آخَرَ.

وظاهِرُ نَظْمِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الحَوامِلَ مُسْتَحِقّاتُ الإنْفاقِ دُونَ بَعْضِ المُطَلَّقاتِ أخْذًا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وقَدْ أخَذَ بِذَلِكَ الشّافِعِيُّ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى.

ولَكِنَّ المَفْهُومَ مُعَطَّلٌ في المُطَلَّقاتِ الرَّجْعِيّاتِ لِأنَّ إنْفاقَهُنَّ ثابِتٌ بِأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ. ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ: إنَّ ضَمِيرَ (﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾) لِلْمُطَلَّقاتِ البَوائِنِ كَما تَقَدَّمَ. ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِالمَفْهُومِ قالُوا الآيَةَ تَعَرَّضَتْ لِلْحَوامِلِ تَأْكِيدًا لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ لِأنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ طَوِيلَةٌ فَرُبَّما سَئِمَ المُطَلِّقُ الإنْفاقَ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو الغايَةُ الَّتِي بِقَوْلِهِ (﴿حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) وجَعَلُوا لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرِ ذاتِ الحَمْلِ الإنْفاقَ. وبِهِ أخْذَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ. ونُسِبَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

وهَذا الَّذِي يُرَجِّحُ هَذا القَوْلُ ولَيْسَ لِلشَّرْطِ مَفْهُومٌ وإنَّما الشَّرْطُ مَسُوقٌ لِاسْتِيعابِ الإنْفاقِ جَمِيعَ أمَدِ الحَمْلِ.

* * *

﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ .

لَمّا كانَ الحَمْلُ يَنْتَهِي بِالوَضْعِ انْتَقَلَ إلى بَيانِ ما يَجِبُ لَهُنَّ بَعْدَ الوَضْعِ فَإنَّهُنَّ بِالوَضْعِ يَصِرْنَ بائِناتٍ فَتَنْقَطِعُ أحْكامُ الزَّوْجِيَّةِ فَكانَ السّامِعُ بِحَيْثُ لا يَدْرِي هَلْ يَكُونُ إرْضاعُها ولَدَها حَقًّا عَلَيْها كَما كانَ في زَمَنِ العِصْمَةِ أوْ حَقًّا عَلى أبِيهِ فَيُعْطِيها أجْرَ إرْضاعِها كَما كانَ يُعْطِيها النَّفَقَةَ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَلَدِ حِينَ كانَ حَمْلًا. وهَذِهِ

صفحة ٣٢٩

الآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) الآيَةَ.

وأفْهَمَ قَوْلُهُ (لَكم) أنَّ إرْضاعَ الوَلَدِ بَعْدَ الفِراقِ حَقٌّ عَلى الأبِ وحْدَهُ لِأنَّهُ كالإنْفاقِ والأُمُّ تُرْضِعُ ولَدَها في العِصْمَةِ تَبَعًا لِإنْفاقِ أبِيهِ عَلَيْها عِنْدَ مالِكٍ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، إذْ قالا: لا يَجِبُ الإرْضاعُ عَلى الأُمِّ حَتّى في العِصْمَةِ فَلَمّا انْقَطَعَ إنْفاقُ الأبِ عَلَيْها بِالبَيْنُونَةِ تَمَحَّضَتْ إقامَةُ غِذاءِ ابْنِهِ عَلَيْهِ فَإنْ أرادَتْ أنْ تُرْضِعَهُ فَهي أحَقُّ بِذَلِكَ، ولَها أجْرُ الإرْضاعِ وإنْ أبَتْ فَعَلَيْهِ أنْ يَطْلُبَ ظِئْرًا لِابْنِهِ فَإنْ كانَ الطِّفْلُ غَيْرَ قابِلٍ ثَدْيَ غَيْرِ أُمِّهِ وجَبَ عَلَيْها إرْضاعُهُ ووَجَبَ عَلى أبِيهِ دَفْعُ أُجْرَةِ رِضاعِهِ.

وقالَ أبُو ثَوْرٍ: يَجِبُ إرْضاعُ الِابْنِ عَلى أُمِّهِ ولَوْ بَعْدَ البَيْنُونَةِ. نَقَلَهُ عَنْهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ وهو عَجِيبٌ. وهَذِهِ الآيَةُ أمامَهُ.

والِائْتِمارُ: التَّشاوُرُ والتَّداوُلُ في النَّظَرِ. وأصْلُهُ مُطاوِعُ أمَرَهُ لِأنَّ المُتَشاوِرِينَ يَأْمُرُ أحَدُهُما الآخَرَ فَيَأْتَمِرُ الآخَرُ بِما أمَرَهُ. ومِنهُ تَسْمِيَةُ مَجامِعِ أصْحابِ الدَّعْوَةِ أوِ النِّحْلَةِ أوِ القَصْدِ المُوَحَّدِ مُؤْتَمِرًا لِأنَّهُ يَقَعُ الِاسْتِئْمارُ فِيهِ، أيِ التَّشاوُرِ وتَداوُلِ الآراءِ.

وقَوْلُهُ (﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ﴾) خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ الواقِعِ بَيْنَهُمُ الطَّلاقُ لِيَتَشاوَرُوا في أمْرِ إرْضاعِ الأُمِّ ولَدَها. وما يَبْذُلُهُ الأبُ لَها مِنَ الأُجْرَةِ عَلى ذَلِكَ.

وقُيِّدَ الِائْتِمارُ بِالمَعْرُوفِ، أيِ ائْتَمِارًا مُلابِسًا لِما هو المَعْرُوفُ في مِثْلِ حالِهِمْ وقَوْمِهِمْ، أيْ مُعْتادٍ مَقْبُولٍ، فَلا يَشْتَطُّ الأبُ في الشُّحِّ ولا تَشْتَطُّ الأُمُّ في الحِرْصِ.

وقَوْلُهُ (﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾) عِتابٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْأبِ والأُمِّ بِأنْ يُنَزِّلَ كُلٌّ مِنهُما نَفْسَهُ مَنزِلَةَ ما لَوِ اجْتُلِبَتْ لِلطِّفْلِ ظِئْرٌ، فَلا تَسْألُ الأُمُّ أكْثَرَ مِن أجْرِ أمْثالِها، ولا يَشِحُّ الأبُ عَمّا يَبْلُغُ أجْرَ أمْثالِ أُمِّ الطِّفْلِ، ولا يَسْقُطُ حَقُّ الأُمِّ إذا وجَدَ الأبُ مَن يُرْضِعُ لَهُ مَجّانًا لِأنَّ اللَّهَ قالَ (﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾) وإنَّما يُقالُ أرْضَعَتْ لَهُ، إذا اسْتُؤْجِرَتْ لِذَلِكَ، كَما يُقالُ: اسْتَرْضَعَ أيْضًا، إذا آجَرَ مَن يُرْضِعُ لَهُ ولَدَهُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) الآيَةَ.

صفحة ٣٣٠

والتَّعاسُرُ صُدُورُ العُسْرِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وهو تَفاعُلٌ مِن قَوْلِكم: عَسَرْتُ فُلانًا، إذا أخَذْتَهُ عَلى عُسْرِهِ، ويُقالُ: تَعاسَرَ البَيِّعانِ إذا لَمْ يَتَّفِقا.

فَمَعْنى (﴿تَعاسَرْتُمْ﴾) اشْتَدَّ الخِلافُ بَيْنَكم ولَمْ تَرْجِعُوا إلى وِفاقٍ، أيْ فَلا يُبْقى الوَلَدُ بِدُونَ رَضاعَةٍ.

وسِينُ الِاسْتِقْبالِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) في سُورَةِ يُوسُفَ. وهَذا المَعْنى ناشِئٌ عَنْ جَعْلِ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ كِنايَةً عَنْ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الفِعْلِ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا لِتَحْصِيلِهِ.

وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أيْضًا عَنْ أمْرِ الأبِ بِاسْتِئْجارِ ظِئْرٍ لِلطِّفْلِ بِقَرِينَةِ تَعْلِيقِ (لَهُ) . بِقَوْلِهِ (﴿فَسَتُرْضِعُ﴾) .

فاجْتَمَعَ فِيهِ ثَلاثُ كِناياتٍ: كِنايَةٌ عَنْ مَوْعِظَةِ الأبِ، وكِنايَةٌ عَنْ مَوْعِظَةِ الأُمِّ، وكِنايَةٌ عَنْ أمْرِ الأبِ بِالِاسْتِرْضاعِ لِوَلَدِهِ.

65:7Page 559

لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧

Let a man of wealth spend from his wealth, and he whose provision is restricted - let him spend from what Allāh has given him. Allāh does not charge a soul except [according to] what He has given it. Allāh will bring about, after hardship, ease [i.e., relief].

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾

تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِن أحْكامِ الإنْفاقِ عَلى المُعْتَدّاتِ والمُرْضِعاتِ بِما يَعُمُّ ذَلِكَ. ويَعُمُّ كُلَّ إنْفاقٍ يُطالَبُ بِهِ المُسْلِمُ مِن مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، أيْ الإنْفاقُ عَلى قَدْرِ السَّعَةِ.

والسَّعَةُ: هي الجِدَّةُ مِنَ المالِ أوِ الرِّزْقِ.

والإنْفاقُ: كِفايَةُ مَئُونَةِ الحَياةِ مِن طَعامٍ ولِباسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ.

و(مِن) هُنا ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ الإنْفاقَ يَصْدُرُ عَنِ السَّعَةِ في الِاعْتِبارِ، ولَيْسَتْ مِن هَذِهِ كَ (مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]) لِأنَّ النَّفَقَةَ هُنا لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ السَّعَةِ، وهي هُناكَ بَعْضُ الرِّزْقِ فَلِذَلِكَ تَكُونُ (مِن) مِن قَوْلِهِ (﴿فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾) تَبْعِيضِيَّةٌ.

صفحة ٣٣١

ومَعْنى (﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾) جُعِلَ رِزْقُهُ مَقْدُورًا، أيْ مَحْدُودًا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ التَّضْيِيقِ. وضِدُّهُ ﴿يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، يُقالُ: قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، إذا قَتَّرَهُ، قالَ تَعالى (﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]) وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ أيْ مِن كانَ في ضِيقٍ مِنَ المالِ فَلْيُنْفِقْ بِما يَسْمَحُ بِهِ رِزْقُهُ بِالنَّظَرِ إلى الوَفاءِ بِالإنْفاقِ ومَراتِبِهِ في التَّقْدِيمِ. وهَذا مُجْمَلٌ هُنا تَفْصِيلُهُ في أدِلَّةٍ أُخْرى مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والِاسْتِنْباطِ «، قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أبِي سُفْيانَ: خُذِي مِن مالِهِ ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» .

والمَعْرُوفُ: هو ما تَعارَفَهُ النّاسُ في مُعْتادِ تَصَرُّفاتِهِمْ ما لَمْ تُبْطِلْهُ الشَّرِيعَةُ.

والرِّزْقُ: اسْمٌ لِما يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ في حاجاتِهِ مِن طَعامٍ ولِباسٍ ومَتاعٍ ومَنزِلٍ. سَواءٌ كانَ أعْيانًا أوْ أثْمانًا. ويُطْلَقُ الرِّزْقُ كَثِيرًا عَلى الطَّعامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]) .

ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ النَّفَقاتِ لا تَتَحَدَّدُ بِمَقادِيرَ مُعَيَّنَةٍ لِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ والأزْمانِ والبِلادِ. وإنَّما اخْتَلَفُوا في التَّوَسُّعِ في الإنْفاقِ في مالِ المُؤْسِرِ هَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى مَن يُنْفِقُ هو عَلَيْهِ ولا أحْسَبُ الخِلافَ في ذَلِكَ إلّا اخْتِلافًا في أحْوالِ النّاسِ وعَوائِدِهِمْ ولا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ حالِ المُنْفَقِ عَلَيْهِ ومُعْتادِهِ، كالزَّوْجَةِ العالِيَةِ القَدْرِ. وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ «قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِهِنْدٍ: (ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» ) .

وجُمْلَةُ (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾) . لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهي قَبْلَ سُورَةِ الطَّلاقِ.

والمَقْصُودُ مِنهُ إقْناعُ المُنْفَقِ عَلَيْهِ بِأنْ لا يَطْلُبَ مِنَ المُنْفِقِ أكْثَرَ مِن مَقْدِرَتِهِ. ولِهَذا قالَ عُلَماؤُنا: لا يُطْلَقُ عَلى المُعْسِرِ إذا كانَ يَقْدِرُ عَلى إشْباعِ المُنْفَقِ عَلَيْها وإكْسائِها بِالمَعْرُوفِ ولَوْ بِشَظَفٍ، أيْ دُونَ ضُرٍّ.

و(﴿مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾) يَشْمَلُ المَقْدِرَةَ عَلى الِاكْتِسابِ فَإذا كانَ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ

صفحة ٣٣٢

الإنْفاقُ قادِرًا عَلى الِاكْتِسابِ لِيُنْفِقْ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفاقُهُ أوْ لِيُكَمِّلْ لَهُ ما ضاقَ عَنْهُ مالُهُ، يُجْبَرُ عَلى الِاكْتِسابِ. وأمّا مَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الِاكْتِسابِ ولَيْسَ لَهُ ما يُنْفِقُ مِنهُ فَنَفَقَتُهُ أوْ نَفَقَةُ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفاقُهُ عَلى مَراتِبِها تَكُونُ عَلى بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ. وقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وأنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ ورَبَّ الغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهُما يَأْتِينَ بِبَيِّنَةٍ يَقُولُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أفَتارِكُهم أيُّنا، رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ.

وفِي عَجْزِ الزَّوْجِ عَنْ إنْفاقِ زَوْجِهِ إذا طَلَبَتِ الفِراقَ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ خِلافٌ. فَمِنَ الفُقَهاءِ مَن رَأى ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما بَعْدَ أجَلِ رَجاءٍ يَسُرُّ الزَّوْجُ وقُدِّرَ بِشَهْرَيْنِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. ومِنهم مَن لَمْ يَرَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، أيْ وتُنْفِقُ مِن بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ.

والَّذِي يَقْتَضِيهُ النَّظَرُ أنَّهُ إنْ كانَ بَيْتُ المالِ قائِمًا فَإنَّ مِن واجِبِهِ نَفَقَةَ الزَّوْجَيْنِ المُعْسِرَيْنِ وإنْ لَمْ يَتَوَصَّلْ إلى الإنْفاقِ مِن بَيْتِ المالِ كانَ حَقًّا أنْ يُفَرِّقَ القاضِي بَيْنَهُما ولا يَتْرُكَ المَرْأةَ وزَوْجَها في احْتِياجٍ. ومَحَلٌّ بَسْطِ ذَلِكَ في مَسائِلِ الفِقْهِ.

وجُمْلَةُ (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾) تَكْمِلَةٌ لِلتَّذْيِيلِ فَإنَّ قَوْلَهُ (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾) يُناسِبُ مَضْمُونَ جُمْلَةِ (﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾) .

وقَوْلَهُ (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾) إلَخْ تُناسِبُ مَضْمُونَ (﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾) إلَخْ. وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في بَعْثِ التَّرَجِّي وطَرْحِ اليَأْسِ عَنِ المُعْسِرِ مِن ذَوِي العِيالِ. ومَعْناهُ: عَسى أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِكم يُسْرًا لَكم فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا. وهَذا الخَبَرُ لا يَقْتَضِي إلّا أنَّ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ بَعْدَ عُسْرِ قَوْمٍ يُسْرًا لَهم، فَمَن كانَ في عُسْرٍ رَجا أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ فَضْلُ اللَّهِ، فَيُبَدِّلُ عُسْرَهُ بِاليُسْرِ.

ولَيْسَ في هَذا الخَبَرِ وعْدٌ لِكُلِّ مُعْسِرٍ بِأنْ يَصِيرَ عُسْرُهُ يُسْرًا. وقَدْ يَكُونُ في المُشاهَدَةِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في التَّكَلُّفِ بِأنَّ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ المُوَحِّدِينَ يَوْمَئِذٍ بِأنَّ اللَّهَ سَيُبَدِّلُ عُسْرَهم بِاليُسْرِ، أوْ وعْدٌ لِلْمُنْفِقِينَ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ لِأمْرِ اللَّهِ ولا يَشِحُّونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَسَعُهُ مالُهم. وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى ( ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] .

صفحة ٣٣٣

ومِن بَلاغَةِ القُرْآنِ الإتْيانُ بِ (عُسْرٍ ويُسْرٍ) نَكِرَتَيْنِ غَيْرَ مُعَرَّفَيْنِ بِاللّامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّعْرِيفِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ كَما في قَوْلِهِ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]) .

65:8–9Page 559

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨

And how many a city was insolent toward the command of its Lord and His messengers, so We took it to severe account and punished it with a terrible punishment.

فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩

And it tasted the bad consequence of its affair [i.e., rebellion], and the outcome of its affair was loss.

﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠] .

لَمّا شُرِعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الطَّلاقِ ولَواحِقِهِ، وكانَتْ كُلُّها تَكالِيفَ قَدْ تُحْجِمُ بَعْضُ الأنْفُسِ عَنْ إيفاءِ حَقِّ الِامْتِثالِ لِها تَكاسُلًا أوْ تَقْصِيرًا رَغَّبَ في الِامْتِثالِ لَها بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢])، وقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤])، وقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ [الطلاق: ٥])، وقَوْلِهِ (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]) .

وحَذَّرَ اللَّهُ النّاسَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن مُخالَفَتِها بِقَوْلِهِ (﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١])، وقَوْلِهِ (﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]) أعْقَبَها بِتَحْذِيرٍ عَظِيمٍ مِنَ الوُقُوعِ في مُخالَفَةِ أحْكامِ اللَّهِ ورُسُلِهِ لِقِلَّةِ العِنايَةِ بِمُراقَبَتِهِمْ، لِأنَّ الصَّغِيرَ يُثِيرُ الجَلِيلَ، فَذَكَّرَ المُسْلِمِينَ ( ولَيْسُوا مِمَّنْ يَعْتُوا عَلى أمْرِ رَبِّهِمْ بِما حَلَّ بِأقْوامٍ مِن عِقابٍ عَظِيمٍ عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِأمْرِ اللَّهِ ورُسُلِهِ لِئَلّا يَسْلُكُوا سَبِيلَ التَّهاوُنِ بِإقامَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيُلْقِي بِهِمْ ذَلِكَ في مَهْواةِ الضَّلالِ.

وهَذا الكَلامُ مُقَدِّمَةٌ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [الطلاق: ١٠]) الآياتِ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ.

و(كَأيِّنْ) اسْمٌ لِعَدَدِ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما يُمَيِّزُهُ بَعْدَهُ مِنَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن و(كَأيِّنْ) بِمَعْنى (كَمِ) الخَبَرِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) في آلِ عِمْرانَ.

والمَقْصُودُ مِن إفادَةِ التَّكْثِيرِ هُنا تَحْقِيقُ أنَّ العَذابَ الَّذِي نالَ أهْلَ تِلْكَ القُرى شَيْءٌ مُلازِمٍ لِجَزائِهِمْ عَلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ورُسُلِهِ فَلا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ ذَلِكَ مُصادَفَةً في بَعْضِ القُرى وأنَّها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ في جَمِيعِهِمْ.

صفحة ٣٣٤

و(كَأيِّنْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو مَبْنِيٌّ.

وجُمْلَةُ (﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾) في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِ (كَأيِّنْ) .

والمَعْنى: الإخْبارُ بِكَثْرَةِ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَحاسَبْناها﴾) فالمُفَرَّعُ هو المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ.

والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ (﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) إذْ جِيءَ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ.

وإنَّما أُوثِرَ لَفْظُ القَرْيَةِ هُنا دُونَ الأُمَّةِ ونَحْوِها لِأنَّ في اجْتِلابِ هَذا اللَّفْظِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومُشايَعَةً لَهم بِالنَّذارَةِ ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ أهْلِ القُرى في التَّذْكِيرِ بِعَذابِ اللَّهِ في نَحْوِ (﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤]) .

وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِهِمْ ومَحْقِ عَدِوِّهِمْ.

والعُتُوُّ ويُقالُ العُتِيُّ: تَجاوَزُ الحَدِّ في الِاسْتِكْبارِ والعِنادِ. وضُمِّنَ مَعْنى الإعْراضِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنْ) .

والمُحاسِبَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الجَزاءِ عَلى الفِعْلِ بِما يُناسِبُ شِدَّتَهُ مِن شَدِيدِ العِقابِ، تَشْبِيهًا لِتَقْدِيرِ الجَزاءِ بِإجْراءِ الحِسابِ بَيْنَ المُتَعامِلِينَ، وهو الحِسابُ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ جاءَ (حاسَبْناها) و(عَذَّبْناها) بِصِيغَةِ الماضِي.

والمَعْنى: فَجازَيْناها عَلى عُتُوِّها جَزاءً يُكافِئُ طُغْيانَها.

والعَذابُ النُّكُرُ: هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ بِالغَرَقِ، والخَسْفِ، والرَّجْمِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

وعَطْفُ العَذابِ عَلى الحِسابِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ غَيْرُهُ، فالحِسابُ فِيما لَقُوهُ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ مِنَ المُخَوِّفاتِ وأشْراطِ الإنْذارِ مِثْلَ القَحْطِ والوَباءِ والعَذابِ هو ما تُوُعِّدُوا بِهِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الحِسابَ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُرادَ بِهِ حِسابُ الآخِرَةِ. وشِدَّتُهُ قُوَّةُ المُناقَشَةِ فِيهِ والِانْتِهارُ عَلى كُلِّ سَيِّئَةٍ يُحاسَبُونَ عَلَيْها.

صفحة ٣٣٥

والعَذابُ: عَذابُ جَهَنَّمِ، ويَكُونُ الفِعْلُ الماضِي مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١])، وقَوْلِهِ (﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]) .

والنُّكُرُ بِضَمَّتَيْنِ، وبِضَمٍّ فَسُكُونٍ: ما يُنْكِرُهُ الرَّأْيُ مِن فَظاعَةِ كَيْفِيَّتِهِ إنْكارًا شَدِيدًا.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ نُكُرًا بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ الكافِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ (﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾) لِتَفْرِيعِ (﴿فَحاسَبْناها﴾) (﴿وعَذَّبْناها﴾) .

والذَّوْقُ: هُنا الإحْساسُ مُطْلَقًا، وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ.

والوَبِيلُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. يُقالُ: وبُلَ - بِالضَّمِّ - المَرْعى: إذا كانَ كَلَأُهُ وخِيمًا ضارًّا لِما يَرْعاهُ.

والأمْرُ: الحالُ والشَّأْنُ، وإضافَةُ الوَبالِ إلى الأمْرِ مِن إضافَةِ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ، أيْ ذاقُوا الوَبالَ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهم فِيهِ أمْرُهم وشَأْنُهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ.

وعاقِبَةُ الأمْرِ: آخِرُهُ وأثَرُهُ. وهو يَشْمَلُ العاقِبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) .

وشُبِّهَتْ عاقِبَتُهُمُ السُّوأى بِخَسارَةِ التّاجِرِ في بَيْعِهِ في أنَّهم لَمّا عَتَوْا حَسِبُوا أنَّهم أرْضَوْا أنْفُسَهم بِإعْراضِهِمْ عَنِ الرُّسُلِ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ فَما لَبِثُوا أنْ صارُوا بِمَذَلَّةٍ وكَما يَخْسَرُ التّاجِرُ في تَجْرِهِ.

وجِيءَ بِفِعْلِ (كانَ) بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ عاقِبَتِها في الدُّنْيا تَغْلِيبًا. وفي كُلِّ ذَلِكَ تَفْظِيعٌ لِما لَحِقَهم مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ.

وجُمْلَةُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) بَدَلُ اشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ (﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾) أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ.

صفحة ٣٣٦

والمُرادُ عَذابُ الآخِرَةِ لِأنَّ الإعْدادَ التَّهْيِئَةُ وإنَّما يُهَيَّأُ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ.

وإنْ جَعَلْتَ الحِسابَ والعَذابَ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا حِسابَ الآخِرَةِ وعَذابَها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا فَجُمْلَةُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) اسْتِئْنافًا لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مُتَزايِدٌ غَيْرُ مُخَفَّفٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ (﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [النبإ: ٣٠]) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском